كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بينهما في الرهن، وقد أشار إليه الإمام – أيضاً – في كتاب السير بقوله: إنهم جوزوا الرجوع في الأم للضرورة، وصرح به الشاشي في "حليته"، وابن يونس في شرح هذا الكتاب، أما إذا اشتراها وهي حامل، ثم وضعت قبل الفلس، أو اشترى النخل والثمرة غير مؤبَّرة، ثم آبِّرت قبل الفلس – فله الرجوع في الجارية والنخل، وهل له الرجوع في الولد والثمرة إذا كانا موجودين؟ فيه قولان، لكن القولان في جواز الرجوع في الثمرة مرتبان على القولين في الولد، وأولى بالرجوع؛ لأنها مقصودة في نفسها، بدليل جواز إفرادها بالبيع على المذهب، بخلاف الحمل.
وقد وجه الإمام وجه الرجوع في الولد بأنه كان موجوداً عند البيع؛ فأشبه الأم، ومقابله: بأنه كان صفة عند العقد غير موثوق بها، وهو الآن عبد مملوك مستقل بنفسه؛ فقدرنا كأنه وجد جديداً بعد البيع.
ثم قال: وقد بنى الأصحاب الخلاف على أن الحمل [هل يعرف أم لا؟ وما ذكرته مع ضعفه أولى من كون الحمل] مجهولاً؛ فإنا إن شككنا في الحمل حالة اجتنانه، فإذا انفصل لما دون ستة أشهر، لم نشك بعد انفصاله في كونه موجوداً عند العقد.
وحيث قلنا بجواز الرجوع في الولد والثمرة عند الوجود، فلو كانا مفقودين فالذي حكاه الماوردي في الولد: أن البائع يضارب بقيمته حملاً في بطن أمه حين القبض؛ لأنه بعد الولادة أكثر ثمناً، وكثرة ثمنه حادثة في ملك المشتري؛ فتقوَّم الأم حاملاً؛ فإنا إن شككنا في الحمل حالة اجتنانه، فإذا انفصل لما دون ستة أشهر، لم نشك بعد انفصاله في كونه موجوداً عند العقد.
وحيث قلنا بجواز الرجوع في الولد والثمرة عند الوجود، فلو كانا مفقودين فالذي حكاه الماوردي في الولد: أن البائع يضارب بقيمته حملاً في بطن أمه حين القبض؛ لأنه بعد الولادة أكثر ثمناً، وكثرة ثمنه حادثة في ملك المشتري؛ فتقوَّم الأم حاملاً، ثم حائلاً، وما بينهما يعطي للبائع من الثمن.
ولو كانت الزيادة غير متميزة: كسمن الجارية، وطول النخلة، وطيب الثمرة، فلا خلاف في جواز الرجوع فيها، بخلاف الصداق، [وستقف على ما قيل بينهما من الفرق في كتاب الصداق].
ولو كان المبيع بذراً فزرعه، فصار حبًّا، أو بيضاً فصارت فرخاً، أو عصيراً فصار خمراً، ثم خلاًّ، فهل له الرجوع فيه؟ [فيه] وجهان:
أصحهما عند العراقيين وصاحب "التهذيب": أن له الرجوع.
وعند القاضي أبي الطيب، وابن كجٍّ، والغزالي: مقابله، وهو الذي جعله المتولي المذهب.
ولو اشترى زرعاً أخضر مع الأرض، ثم أفلس وقد اشتد الحب – حكى العراقيون ترتيبه على الخلاف السابق، وأنه أولى بالرجوع، وقد حكى الرافعي فيها طريقين:
أحدهما: القطع بالرجوع.
والثاني: طرد القولين، وهما يؤخذان مما ذكرناه.
قال: وإن كانت الزيادة طلعاً غير مؤبرة، ففيه قولان:
أحدهما: يرجع فيها مع الطلع؛ لأنه يتبع الأصل [في البيع]، فيتبعه في الفسخ كالسمن والكبر، وهذا ما رواه المزني وحرملة، وقال الإمام: إنه الظاهر.
والثاني: يرجع فيها دون الطلع؛ لأن الطلع ليس عين ماله، فلم يرجع فيه، وهذا ما رواه الربيع، وقد روى الرافعي طريقة جازمة به، وهي تؤخذ مما قاله الإمام أن هذا الخلاف مرتب على الخلاف الآتي في مسألة الحمل، وأولى بألا يرجع فيه، وحكم غير النخل من الأشجار إذا رجع فيها البائع وقد أثمرت في يد المشتري، يظهر لك من باب بيع الأصول والثمار، كما صرح به الأصحاب.
فرع: إذا جوزنا الرجوع في الطلع، فلم يتفق حتى أبر، سُلِّم للمفلس وفاقاً، ولو رجع البائع ووجد الطلع مؤبراً، واختلف في أنه أبر قبل الرجوع أو بعده، نظر:
إن ادعى المشتري أنه رجع بعد التأبير، وأن الثمرة التي هي الطلع غير تابعة، وصدقه الغرماء – فالقول قوله مع يمينه؛ فيحلف: إنه لا يعلم أن البائع رجع قبل التأبير، قال الإمام: ولا يتأتى تحليفه ما لم يدع عليه العلم بتقدم رجوعه على وقوع التأبير، فلو صدقه البائع على عدم العلم [بذلك لم يحلف، وحكى عن المسعودي تخريج قول: أن المفلس لا يحلف، وإن لم يصدقه البائع على عدم العلم]؛ بناءً على أن النكول وردَّ اليمين كالإقرار، وأنه لو أقر لما قبل إقراره، وعن أبي الحسين أن بعضهم ذكر قولاً: أن القول قول البائع، لأنه أعرف بتصرفه، وعلى المذهب لو نكل المفلس عن اليمين، فهل يحلف الغرماء، أو ترد على البائع؟ فيه طريقان، يأتي
مثلهما في المسألة التي في آخر الباب.
فإن قلنا: إنهم يحلفون، فحلفوا، قسم ذلك بينهم.
وإن نكلوا، أو قلنا: إنهم لا يحلفون، فيحلف البائع: فإن نكل فهو كحلف المفلس، وإن حلف، قال الإمام والرافعي: انبنى ذلك على أن يمين الرد مع الحلف بمنزلة الإقرار أو البينة؟ إن قلنا بالثاني استحق، وإن قلنا بالأول؛ ففي استحقاقه قولان؛ كما لو أقر له المفلس ابتداءً، وأنكر الغرماء، فإن لم يسلمها له كانت فائدة يمينه أنها لو فصلت سلمت إليه.
وما قالاه ظاهر فيما إذا قلنا: إن الغرماء لا يحلفون، أما إذا قلنا: إنهم يحلفون، فنكلوا، فالذي يجب القطع به: استحققا البائع للثمرة، كما صرح به الماوردي وغيره؛ لأنا إذا قلنا: إن ذلك بمنزلة الإقرار، فالمفلس والغرماء لو أقروا سلمت الثمرة له بلا خلاف.
ثم إذا لم تسلم الثمرة للبائع بيمينه بعد نكول المفلس، وقولنا: إن الغرماء لا يحلفون – فهل للبائع طلب يمينهم على عدم العلم برجوعه قبل التأبير؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بأنهم يحلفون.
والثاني: في المسألة قولان:
فإن حلفوا سلمت الثمرة إليهم.
وإن نكلوا ردت اليمين على البائع مرة أخرى، وحلف واستحق.
ولو حلف بعض الغرماء، ونكل البعض استحق الحالف بيمينه بقسط دينه من الثمرة، واختص به دون من لم يحلف، وحلف البائع على الباقي واستحقه، ولو صدق المفلس البائع في رجوعه قبل التأبير، وكذبه الغرماء، فهل القول قول المفلس أو الغرماء؟ فيه قولان:
فإن قلنا: قول المفلس، لم يحلفه، صرح بذلك الماوردي.
وكان يتجه أن يتخرج حلفه على الخلاف في تحيف الراهن إذا أقر بجناية العبد المرهون.
وإن لم يقبل قول المفلس، قال ابن الصباغ: فهو كالناكل؛ فيحلف الغرماء على أحد القولين، وبه قطع بعضهم، وهو الذي جزم به الماوردي، فإذا حلفوا قسمت
بينهم، وثبتت في ذمة المفلس للبائع، وعلى القول الآخر يحلف البائع.
ولو صدق الغرماء البائع، وكذبه المفلس، فالقول قوله أيضاً، وليس للغرماء بعد حلفه طلب توفية الثمرة في ديونهم.
قال الرافعي: وليس للمفلس التصرف فيها؛ لمكان الحجر، واحتمال أن يكون له غريم آخر، وللمفلس إجبارهم على قبول الثمرة عن حوقهم إن كانت من جنس حقوقهم، أو الإبراء، كذا أطلقه الماوردي.
وفي "النهاية": أن هذا فيما إذا قالوا: له مال آخر، وأبوا فك الحجر عنه، وأنهم إذا أجابوا إلى فك الحجر، أو اعترفوا أنه لا مال له سوى ما قسم بينهم، ففي الإجبار الخلافُ المذكور في الدين الحال، وقد ذكرته في السلم.
وفي "المشاكل" أطلق حكاية الخلاف عن الأصحاب في الإجبار، والظاهر – كما حكاه غيره -: الإجبار.
وإذا قبضوا الثمار وجب عليهم ردها إلى البائع، بخلاف ما لو كانت من غير جنس حقوقهم وبيعت، وصرف ثمنها إليهم؛ فإنه لا يجب عليهم رده إلى البائع، وعليهم رده على المشتري، فإن لم يأخذه فهو مال ضائع، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أن الغرماء إذا قبضوا ثمن الثمرة [وجب عليهم رده إلى البائع صاحب النخل.
ولو امتنع الغرماء من قبض ثمن الثمرة]، قال المتولي: الحكم فيهم كالحكم في الذمي إذا باع الخمر والخنزير، وجاء بثمنه إلى مسلم ليقضيه دينه، [والنقل في هذه المسألة] – كما صرح به هو وابن الصباغ وغيرهما في كتاب الرهن –حكاية وجهين، وعللا وجه الإجبار على القبض أو الإبراء: بأن أهل الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة جرى مجرى الصحيحة، وفي "الوسيط" في كتاب الشفعة: أن الذمي إذا أحضر إلينا ثمن خمر شاهدناه عن الجزية لم نقبلها منه.
وإن لم نره واعترف به؛ ففيه وجهان، وجه الجواز: أنه لا اعتماد على قولهم.
ولم يظهر لي فرق بين المسألتين؛ فينبغي أن يكون الحكم فيهما واحداً عن مسألة
الدين ومسألة الجزية، وأما مسألتنا: فعندي إلحاقها بما إذا أقر المرتهن بجناية العبد المرهون، وأنكر الراهن وباع العبد، وأراد إجبار المرتهن على قبض حقه منه أو الإبراء – أشبه، والحكم في هذه الصورة كما ذكره المتولي: الإجبار.
ووجه الشبه: أن الشرع يحكم بصحة التصرف ظاهراً في الموضعين، والله أعلم.
ولا نزاع في أن للغرماء أن يشهدوا للبائع، وليس لهم أن يشهدوا للمفلس.
قال الرافعي: وأحسن بعض الشارحين حيث حمل شهادتهم للبائع على ما إذا شهدوا قبل تصديقه، ولو صدق المفلسَ بعضُ الغرماء والبائع البعض، فللمفلس تخصيص مصدِّقه بالثمار.
ولو أراد قسمتها على الكل فوجهان:
قال أبو إسحاق: له ذلك.
قال أبو إسحاق: له ذلك.
وقال الأكثرون: لا، كذا حكاه الماوردي وابن الصباغ والرافعي، وفيه نظر؛ من حيث إن الذي يتولى القسمة الحاكم، وكذلك فرض الإمام الكلام فيه.
ولو لم يفِ ما حصل للمصدقين بديونهم، فيضاربوا سائر الغرماء ببقية ديونهم؛ مؤاخذة لهم بزعمهم، أو بجميع ديونهم؟ فيه وجهان، أصحهما – وهو المنصوص – الأول.
قال: وإن كانت الزيادة حملاً لم ينفصل، ففيه قولان:
أصحهما: أنه يرجع فيها مع الحمل.
والثاني: يرجع فيها دون الحمل.
وتوجيههما ما ذكرناه، وقد بناهما الماوردي وغيره على أن الحمل هل يقابل بالثمن أم لا؟
إن قلنا: لا، أخذها حاملاً.
وإن قلنا: نعم، كان له الرجوع في الأم، ولا حق له في الولد.
وفي الرافعي على هذا حكاية وجه: أنه يرجع فيه أيضاً.
ثم قال: وقضية هذا البناء أن يكون الصحيح القول الثاني، وكذلك ذكر بعض شارحي "المفتاح"،
والأكثرون على ترجيح القول الأول.
واعلم: أن كلام الشيخ مصرح بجواز الرجوع في الجارية في الحال على القولين، وهو قول الشيخ أبي حامد، فتوضع الجارية على يد عدل إذا قلنا: إنه لا يرجع في الحمل، وتكون نفقتها على البائع مالك الأم دن المفلس مالك الحمل، سواء قلنا: إن النفقة تجب لها، أو للحامل، كذا قال الماوردي، وفي "الشامل" أنا إذا قلنا: إن الحمل يسلم للمفلس؛ لم يكن له الرجوع في الأمة؛ لأن الولد كالزيادة المنفصلة؛ فلا يمكن الرجوع فيها، ولا يمكن الرجوع في الأصول دون الحمل.
وظاهر هذا يقتضي منع الرجوع مطلقاً، وقال الصيدلاني وغيره، -وهو المحكي [في "التتمة"]-: إن البائع على هذا القول يصير إلى انفصال الولد، ولا يرجع في الحال.
ثم الاحتراز من التفريق بين الأم والولد بعد الوضع طريقُهُ ما مر، وقد ذكرت طرقاً فيما يستتبع الحم والثمرة من العقود والفسوخ جزماً، وما هو مختلف فيه في باب ما يجوز بيعه فليطلب منه.
قال: وإن زادت قيمة العين بِقصَارةٍ أو طحن رجع في العين - أي: إن اختار - لما ذكرناه، وكنت الزيادة للمشتري؛ لأنها حصلت بفعل متقوم فجزم بجواز إفراده بعقد الإجارة؛ فجرت مجرى الأعيان.
ونقل عن الشافعي قول آخر، واختاره المزني: أن الزيادة للبائع؛ لأنها لا تتميز فأشبهت السمن، ولان القصارة تزيل وسخ الثوب، وتكشف عما فيه من البياض، والطحن تفريق أجزاء مجتمعة فأشبه كسر الجوز.
وهذا الخلاف يعبر عنه الفقهاء بأن القصارة والطحن يسلك بهما مسلك العين [أو الأثر، والصحيح أنها كالعين] كما حكاه الشيخ.
التفريع:
إن قلنا بما رجحه المزني كان للبائع حق الرجوع، زادت القيمة أو نقصت، ولا شيء له عند النقص بسبب ذلك؛ كما لا يغرم شيئاً عند الزيادة، وتكون أجرة الصانع
في مال المفلس، وعن صاحب "التلخيص": أن على البائع أجرة القصار، وغلطه الأصحاب.
ولك أن تقول: قد قدمتم حكاية خلاف فيما إذا حصل في العين نقصان صفة بفعل المشتري أن ذلك يلحق بالآفة السماوية أو بالفعل المضمون؛ فيتجه أن يجيء مثله هنا إذا نقصت القيمة.
وإن قلنا بالثاني – كما حكاه الشيخ – فإذا كانت قيمة العين قبل العمل عشرة، وبعده خمسة عشر بسبب العمل، لا لارتفاع الأسواق – فقد صار المفلس شريكاً للبائع إذا رجع بثلث العين، ولا تسلم إلى واحد منهما، بل توضع على يد عدل حتى تباع، ثم ينظر: فإن كان المفلس هوا لذي قصر الثوب وطحن الحب بيعت العين، وسلم للبائع ثلثا الثمن، ولغرماء المفلس الثلث.
وإن كان الذي قصر وطحن أجيراً؛ نظر:
فإن كانت الأجرة قدر الزيادة رجع فيها الأجير، وصار شريكاً للبائع في العين في ثلث ثمنها.
وإن كانت الأجرة أكثر من الزيادة، مثل أن كانت عشرة، كان الأجير شريكاً للبائع في العين في ثلث ثمنها، ويضارب بما بقي له من الأجرة، وهو خمسة، وللبائع الثلثان.
وإن كانت الأجرة أقل من الزيادة، مثل أن كانت درهمين ونصفاً صار الأجير شريكاً للبائع في الثمن بالسدس، وللبائع الثلثان، وللمفلس السدس يقسم على غرمائه.
وهذا ملخص ما قاله الماوردي والإمام.
وفي "الشامل" و"التهذيب": أن للبائع أن يمسك المبيع، ويمتنع من بيعه، ويبذل للمفلس ما زاد فيه بسبب العمل.
ومنع المتولي منه؛ لأن الصفة [لا] تقابل بعوض.
فإن قيل: إن جعلتم الأجير كالواجد لعين عمله حتى يقدَّم بما يقابله عند تساوي
الزيادة والأجرة على الغرماء؛ فينبغي أن يعطي ذلك إذا كان زائداً، ولا يضارب مع الغرماء بتمام أجرته عند نقص الزيادة عنها.
قلت: قد حكى الغزالي أن بعض الأصحاب [قال به، وطرد القياس، لكن المنصوص الأول.
وقد ادعى الرافعي أن ما حكاه الغزالي عن بعض الأصحاب] لم يعثر عليه لغيره، لكن ذكر ابن كج أن أبا الحسين خرَّج وجهين في أنه لو قال الغرماء للقصار: خذ أجرتك، ودعنا نكون شركاء صاحب هذا الثوب – هل يجبر عليه؟ وأن الأصح: الإجبار، وعلى هذا القياس على البائع إذا قدمه الغرماء بالثمن.
وقد أجاب الماوردي عن عدم أخذه الزيادة: بأنه أسقط حقه منها؛ حيث رضي بالأجرة المقررة.
وعن كونه يضارب بما نقص: بأنه لما لم يستحق الزيادة، وجب ألا يحسب عليه النقصان.
والذي أجاب به الإمام: أنه جعل حق المستأجر من العين كحق المرتهن من الرهن، وقد سبق أن الحكم في المرهون على هذا النحو.
وما قاله ظاهر إذا كانت العين في [يد المستأجر]؛ بناءً على أن للبائع حق الحبس، أما إذا كان قد سلم العين إلى المفلس ففي جعله كالمرهون نظر، وإلى ما حكاه الإمام أشار الغزالي بقوله: فله حق حبس الثوب.
يريد: على سبيل الوثيقة.
وقد فهم الرافعي من ذلك أن المراد به: إذا كان الثوب في يد القصار كان له حبسه إلى استيفاء الأجرة؛ فلأجل ذلك قال: ولا تعلق له بالمفلس.
وقد حكى الإمام بعد ما حكيناه أن في هذه المسألة غلطتين للأصحاب:
أحداهما: أن شيخه قال: إذا كانت قيمة الثوب عشرة، والأجرة درهماً، والثوب بعد القصارة يساوي خمسة عشر، فاشتراه راغبٌ بثلاثين- أن للبائع عشرين، وللقصار درهمين، وللمفلس ثمانية.
فإن مقتضى ما ذكر من تشبيه تعلق [حق] القصار بالثوب بالمرتهن ألا يعطي القصار إلا درهماً، وأن الوجه القطع به.
والغلطة الثانية: أن الأصحاب قالوا في التفريع على أن القصارة عين: يفسخ
القصار العقد، ويرجع إلى القصارة، ثم فصلوا المذهب كما ذكرناه.
ولو كان الأمر كما ذكروا لاستحق القصار [الأجرة] بكمالها بالغة ما بلغت.
قلت: ولعل ما حكاه الغزالي عن بعض الأصحاب أخذه من هاهنا.
واعلم: أن الحكم في الخياطة بخيط من نفس الثوب، والصباغة، والنجارة، والبناية، وذبح الشاة، وشي اللحم، وخبز العجين، ونسج الثوب – ملحق بما ذكرناه، وقد الحق ابن سريج، وصاحب "التلخيص" وأبو محمد به – أيضاً – تعليم العبد الحرفة، والقرآن، والكتابة، والشعر المباح، ورياضة الدابة.
[وذهب] أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، وابن القطان إلى أن هذه الأشياء لا تجري مجرى الأعيان قطعاً؛ لأنه ليس بيد المعلم والفرائض إلا التعليم، وقد يجتهد فيه فلا يحصل الغرض؛ فكان كالسمن، وهذا ما حكاه في "الاستقصاء".
وقال الرافعي: الأصح الأول، والضابط عليه أن يصنع في المبيع ما يجوز الاستئجار عليه، ويظهر أثره فيه، واحترز بظهور الأثر عن حفظ الدابة وسياستها.
تنبيهان:
أحدهما: قول الشيخ: زادت قيمة العين بقصارة أو طحن، فيه إشارة إلى أن الزيادة لو حصلت عند القصارة والطحن؛ بسبب ارتفاع السوق، لا بسبب القصارة والطحن – أن الحكم لا يكون كذلك، وهو صحيح؛ لأن للبائع أن يرجع في العين، ولا شيء لغيره معه.
الثاني: القصارة: بكسر القاف، يقال: قصره يقصره- بضم الصاد – قصراً: إذا بيَّضه ودقه.
قال الزجاجي والواحدي: كل ما اشتمل على شيء فهو فِعالة – بالكسر – نحو: الغِشاوة والعمامة، والقلادة، والعصابة، وكذا أسماء الصنائع لا تشتمل كلها فيها: كالخياطة والقصارة، وكذا من استولى على شيء فاسم ما استولى عليه: الفِعَالة: كالخلافة، والإمارة.
قال: وإن اشترى ثوباً، وصبغاً فصبغ به الثوب – أي: بنفسه – فإن لم تزد
قيمتهما [أو لم تنقص] –أي: مثل أن كانت قيمة الثوب عشرة والصبغ خمسة، فصارت قيمة الثوب مصبوغاً خمسة عشر، قال: رجع كل واحد منهما في ماله؛ لأنه وجده، ويكونان شريكين في ذلك.
ثم ما كيفية الشركة؟ حكى البغوي والطبري عن رواية الشيخ أبي علي في "الشرح" فيما إذا كان المشتري قد صبغ الثوب بصبغ من عنده، ورجع بائع الثوب فيه [وجهين] في كيفية الشركة في هذه الصورة:
أحدهما: أن يكون لصاحب الثوب ثلثا الثوب وثلثا الصبغ، ولصاحب الصبغ ثلث الصبغ وثلث الثوب؛ لأن مال كل واد منهما لا يتميز عن مال الآخر؛ فصار كما لو اشترى زيتاً فخلطه بمثله.
والثاني: أن جميع الثوب يكون لبائعه، وجميع الصبغ لصاحبه؛ كما لو اشترى أرضاً، وبنى فيها وغرس.
قلت: ويتجه جريانهما في مسألتنا؛ إذ لا فرق بينهما، والمشهور فيها: أن الثوب يباع، وتقسيم الثمن في مثالنا: الثلثان، والثلث.
وقد تظهر ثمرة الخلاف في كيفية الشركة، فيما لو أراد صاحب الثوب قلع الصبغ، أو المفلس والغرماء؛ فإن قلنا بالأول فلا يمكنوا، وإن قلنا بالثاني كان الحكم كما سنذكر في مسألة الأرض إذا غرست، وهو المنقول في "الرافعي"؛ حيث قال فيما إذا طلب صاحب الثوب قلع الصبغ: إنه كما لو طلب صاحب الأرض التي بنى فيها المفلس [وغرس، قلع البناء والغراس، وفيما إذا طلب المفلس] والغرماء قلع الصبغ: يغرمون نقصان الثوب.
[وعن الأصحاب]: أن القاضي ابن كج قال لهم ذلك.
ولا فرق فيما ذكرناه عن الأصحاب من الشركة بين أن يكون الصبغ يمكن فهي التمييز والاستخلاص أم لا.
وعن القاضي أبي حامد وجه: أنه ينزل منزلة القصارة والطحن إذا كان لا يمكن تمييزه واستخلاصه؛ حتى يكون تبعاً للثوب على أحد القولين.
قال: وإن زادت قيمتهما -أي: بسبب الاجتماع لا بسبب ارتفاع الأسواق - مثل أن صارت قيمة الثوب مصبوغاً عشرين - قال: رجع كل واحد منهما في ماله؛ لما ذكرناه، وتكون الزيادة للمشتري؛ لأنها حصلت بفعله.
وهذا من الشيخ جواب على ما جزم به أولاً من أن الصنعة كالعين؛ فيكون لبائع الثوب النصف من الثمن، ولبائع الصبغ ربعه، وللمفلس الربع، وعلى القول الذي اختاره المزني: أن الصنعة أثر؛ فتكون الخمسة الزيادة بين صاحب الصبغ وبين صاحب الثوب بالقسط، ولا شيء للمفلس.
وفي "النهاية" فيما إذا كان المفلس قد صبغ الثوب بما ليس يمتنع: أن الشيخ أبا على ذكر في "الشرح" أن بائع الثوب يفوز بالزيادة إذا قلنا: إن الصنعة أثر، ثم قال: وكنت أود أن نقص الصنعة على الثوب والصبغ.
وما ودَّهُ هو الذي أورده الشيخ أبو علي في "شرح الفروع"، وصاحب "التهذيب"، والأكثرون على نحو ما قلنا هنا.
وفي كتاب القاضي ابن كج نقل الوجهين معاً، كذا حكاه الرافعي، وقال بعده: إن ما ذكره في هذه المسألة يجري فيما إذا كان الصبغ مشترًى؛ فيجيء مع ما ذكرناه فيها وجه آخر: أن لبائع الثوب النصف والربع، ولبائع الصبغ الربع.
أما إذا كان سبب الزيادة ارتفاع الأسواق لا حصول الصنعة، نظر: إن كانت الزيادة في قيمة الثوب لا غير كانت بائعه، وإن كانت في قيمة الصبغ كانت لبائعه، وإن كانت فيهما وزعت عليهما بالنسبة، كذا صرح بمثله ابن الصباغ في مسائل الغصب، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
قال: وإن نقصت - أي: مثل أن صارت قيمة الثوب مصبوغاً اثني عشر، وسعر الثوب باقٍ على حاله - قال: حسب النقصان [على صاحب] الصبغ؛ لأن أجزاءه تتفرق وتنقص، والثوب موجود بحاله، ولأن الثوب لو كان قيمته مصبوغاً كما كانت قبل الصبغ، أو أنص، لا بسبب نقصٍ في قيمة الثوب - لم يكن لصاحب الصبغ فيه
حق؛ فأولى أن يحسب النقص عليه.
قال: ويرجع صاحب الثوب بمالَهُ؛ لأنه وجده، يكون له من ثمن ذلك عشرة، صاحب الصبغ بالخيار: إن شاء رجع فيه ناقصاً – أي: يعطي من الثمن درهمان، ولا شيء له غير ذلك، وإن شاء ضرب مع الغرماء – أي: بالثمن – كما لو نقص الصبغ من غير أن يصبغ به.
وقد وافق الشيخ في هذا الماوردي، وهو قول الشيخ أبي حامد، وفي "الشامل" و"المهذب" وغيرهما: أن لصاحب الصبغ إذا رجع فيه أن يضارب مع الغرماء بما نقص من قيمته.
قال ابن الصباغ: لان النقصان تلف جزءٍ من الصبغ.
وفي "الجيلي" تأويل قول الشيخ: إن شاء رجع فيه ناقصاً – أي: ويضارب بقدر أرش النقص من الثمن؛ حملاً على ما قاله ابن الصباغ.
وفي "المهذب": وإن أحداً من المصنفين لم يذكر أنه مع الرجوع في الصبغ لا يضارب بما نقص، وقد علمت ما حكيناه فيه.
قلت: والتحقيق في هذه المسألة أن يقال: إن كان النقصان بسبب نقصان صفة الصبغ لا غير، كما إذا كانت زنة الثوب خمسة أرطال، وزنة الصبغ رطلاً، وزنة الثوب مصبوغاً ستة – فلا يرجع بائع الصبغ إذا اختاره بغيره، كما قاله الشيخ؛ لما تقدم ان المبيع إذا نقص بفعل المشتري نقصان صفة كان كالنقص بالآفة السماوية عند العراقيين، وإن كان النقص بسبب نقصان جزء من الصبغ، وذهابه في الثوب – كما قال ابن الصباغ في التعليل: وكلام الشيخ في "المهذب" يوافقه – كان لبائع الصبغ الرجوع في الدرهمين، والمضاربة بما بقى [له] من الثمن، وهو ثلاثة في مثالنا، كما حكاه في "المهذب" و"الشامل"؛ لما تقرر أن نقصان الجزء لافرق فيه بين أن يكون بفعل أجنبي أو بآفة سماوية أو المشترى، لكن بشرط أن يكون الثمن الذي اشترى المفلس به الصبغ مساوياً لقيمته، ولو احتل أن يكون نقصان [الثمن؛ بسبب نقصان الصفة أونقصان] جزء، وبنينا الأمر على أنه نقصان جزء؛ فيضارب بائع الصبغ بعد الرجوع في الدرهمين بثلاثة دراهم؛ لأن جملة الثمن قبل الفسخ ثابتة في ذمة
المفلس، وعند الفسخ يسقط منه ما قابل الذي استرجعه البائع، ونحن نشك في أن الدراهم الثلاثة برئت منها ذمة المفلس أم لا؟ والأصل بقاؤها في الذمة، والله أعلم.
والحكم فيما لو كان المشتري قد صبغ الثوب بصبغ من عنده، ثم أفلس كالحكم فيما إذا كان قد اشتراه، وصبغ به، إلا أن في هذه الصورة لبائع الثوب أن يبذل ما يستحقه المفلس من الصبغ ليخلص له مصبوغاً، وفيه مَنْع صاحب "التتمة" الذي حكيناه في الفصل قبله، وصرح بأن له أن يقلع الصبغ، ويغرم للمفلس نقصان الصبغ، ولو كان الصبغ مبتاعاً من بائع الثوب، فالحكم كما ذكرناه عند الجمهور.
وفي "الحاوي" في هذه الصورة: أن قيمة الثوب إذا كانت عشرة، وقيمة الصبغ عشرة، فصارت قيمتهما بعد الصبغ خمسة عشر – أن البائع بالخيار بين أن يرجع فيهما ولا شيء له، أو ضرب مع الغرماء بالعشرين؛ لأن العمل قد ضاع، وصار مستهلكاً، وقد نقص الثوب والصبغ نقصاناً لا يتميز.
ولا يخفى عليك ما فيه من النظر.
فرع: لو كان المبيع أرضاً، وقد بنى فيها المشتري وغرس، ثم أفلس، وحجر
عليه، والبناء والغاس قائم في الأرض [-نُظِر:] إن توافق الغرماء والمفلس على قلع ذلك فهو لهم، ولبائع الأرض أن يرجع فيها بيضاء، فإن قلع بعد رجوعه، ونقصت الأرض بالقلع: فإن أمكن إزالة النقص بتسوية الأرض كان عليهم ذلك، وإن لم يمكن به فعليهم غرم ما نقصت به الأرض، ويقدم بذلك على الغرماء، كما صرح به الماوردي، والشيخ في "المهذب"، وصاحب "التهذيب"، وغيرهم.
وفي "الرافعي" أن الشيخ أبا حامد ذكر أنه يضارب بها مع الغرماء.
قلت: والظاهر أن ما ذكره أبو حامد في الحالة الثالثة لهذه؛ فإن راويَيْه: البندنيجي والمحاملي قد قالا في هذه الصورة مثل ما حكيته عن الماوردي وغيره.
وإن قلع قبل رجوه فهل على المشتري غرم نقص الأرض؟ فيه وجهان في "الحاوي"، فإن رجع به ضارب به الغرماء، وليس لبائع الأرض في الحالة الأولى أن يجبرهم على أخذ قيمة البناء والغراس ليتملكها.
ولو رضي المفلس بالقلع، وقال الغرماء: نأخذ القيمة من البائع ليتملك البناء والغراس، أو كان الأمر بالعكس، أو وقع هذا الاختلاف بين الغرماء – قال ابن كج: يجاب من في قوله المصلحة.
وإن امتنع الغرماء والمفلس من القلع، فإن بذل بائع الأرض قيمتهما قائمين كان له الرجوع في أرضه، ويجبر المفلس والغرماء على أخذ قيمة ذلك أو قلعه مجاناً، كما صرح به الماوردي، وإن كان لفظ الرافعي يوهم تعين أخذ القيمة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين أن من أصحابنا من قال: لا يقلع ذلك مجاناً بال، بخلاف بناء المستعير وغراسه.
ولو لم يبذل بائع الأرض قيمة البناء والغراس، ولكن ألزم أرش نصهما إذا قلعا – كان له الرجوع في الأرض، وإجبارهما على القلع، قال القاضي الحسين في
تعليقه: بلا خلاف.
ولو لم يبذل البائع قيمة البناء والغراس، ولا ألزم أرش نقصهما فهل له الرجوع في أرضه؟ فيه طريقان:
إحداهما – وهي طريقة المزني، وابن سريج وأبي إسحاق – حكاية قولين [فيه]:
أحدهما – وهو اختيار المزني -: أن له ذلك ما في مسألة الصبغ.
والثاني – وهو الأصح -: لا، ويضرب البائع مع الغرماء بالثمن؛ لما في ذلك من الإضرار بالمفلس، وضرره من وجهين:
أحدهما: زوال منفعة البناء بزوال الانتفاع بالأرض، وفي الأشجار عدم إمكان الاستطراق إليها، وبهذا فارق مسألة الصبغ؛ فإنه لا ضرر على مالك الصبغ بالرجوع في الثوب.
والثاني: نقصان قيمة ذلك بسبب تسلط الغير على نقصه، وقد قاس ابن الصباغ هذا القول [على] ما إذا باعه مسامير فسمَّوها في خشبة.
والطريقة الثانية: [حمل] ما نقل عن الشافعي من القولين على حالين، وقد اختلف الأصحاب في الحالين على أربعة أوجه:
[أحدها] – وهو ما حكاه الماوردي – رحمه الله – مع طريقة القولين لا غير، وأن أبا الفياض البصري وأكثر البصريين ذهبوا إليه -: أن القول الأول محمول على ما إذا كان البناء والغراس يسيراً، وأكثر منافع الأرض [إذا استُرْجِعَتْ باقياً، والقول الثاني محمول على ما إذا كان البناء والغراس كثيراً، وأكثر منافع الأرض] مشغولاً؛ لفوات المقصود منها؛ فتصير مستهلكة.
والوجه الثاني – وهو ما حكاه ابن الصباغ مع طريقة القولين لا غير -: أن القول الأول محمول على ما إذا كانت قيمة الأرض أكثر وقيمة الغراس والبناء قليلة، والقول الثاني: محمول على ما إذا كانت قيمة الأرض قليلة.
وهذه عبارة البندنيجي
والمحاملي وغيرهما، وبينها وبين عبارة الماوردي فرق يظهر لك في باب المزارعة، إن شاء الله تعالى.
والوجه الثالث – وهو ما حكاه القاضي الحسين مع طريقة القولين لا غير -: أن القول الأول محمول على ما إذا رجع في البياض المتخلل بين الأبنية والأشجار، ورضي بمضاربة الغرماء بقسط الباقي من الثمن.
والقول الثاني محمول على ما إذا أراد أن يرجع في جميع الأرض وما تحت الأشجار، والأبنية، وغيره.
والوجه الرابع – وهو محكي في "الاستقصاء" بدلاً من الوجه الذي قبله -: أن القول الأول محمول على ما إذا رجع في الأرض وحدها: لأنها عين ماله، والقول الثاني محمول على ما إذا أراد أن يرجع بالأرض مع الغراس والبناء؛ لأن ذلك عين مال المشتري أودعها في الأرض، لا أنه نماء للمبيع؛ فلا يملك الرجوع في الأرض معه.
والصحيح من الطريقين في "التتمة" وغيرها: الأولى، قال القاضي أبو الطيب: لأن ما اعتبر أن تكون قيمة الأرض أقل من قيمة البناء في سقوط الرجوع يلزمه أن يقول: إذا بذل البائع قيمة الغراس والبناء لا يكون له الرجوع في الأرض؛ لأنها تبع للبناء والغراس؛ لأن قيمتهما قليلة معه.
التفريع:
حيث قلنا: لا رجوع له في الأرض، ضارب بالثمن مع الغرماء.
صرح به القاضي الحسين، وفي "مجموع" المحاملي و"تعليق" البندنيجي و"الرافعي": أن له مضاربة الغرماء بالثمن، [أو يعود] إلى بذل قيمة الغراس والبناء، أو أرش نقصانهما بعد القلع.
وحيث قلنا: الرجوع له، فرجع قال المحاملي: كان له الخيارات الثلاثة؛ كما نقول في المعير والشفيع.
وقال القاضي الحسين: إنه الظاهر.
ثم قال: فإن اختار أحدها، وامتنعوا قلع مجاناً.
وحكى عن بعض أصحابنا ما حكيته من قبل.
ولو أراد البائع والمفلس والغرماء بيع الأرض وما فيها من الغراس والبناء، بيعت، ودفع لبائع الأرض ما قابل ثمنها، وإلى الغرماء ما قابل ثمن البناء والغراس، لكن هل يدفع إلى البائع ما قابل ثمن الأرض بيضاء، أو ما قابل ثمنها وهي ذات بناء وغراس؟
فيه وجهان حكاهما ابن أبي هريرة، أصحهما في "الحاوي"، وبه جزم البندنيجي: الثاني؛ كما أن النقص في الثوب المصبوغ يحسب على صاحب الصبغ، فيقال على هذا: كم قيمة الأرض [مع البناء والغراس؟ فإذا قيل مائة، قيل: وكم [قيمة] الأرض] ذات بناء وغراس دونهما، فإذا قيل: تسعون، وجب لبائع الأرض تسعة أعشار الثمن، وفي "الرافعي" وغيره إحالة كيفية التقسيط على ما هو مذكور في كتاب الرهن.
ولو امتنع البائع من بيع الأرض مع البناء والغراس، فهل يجبر عليه.
المنصوص – وهو [الأصح في "الحاوي" وغيره -: لا.
وحكى ابن سريج قولاً آخر: أنه يجبر كما يجبر على بيع الجارية مع ولدها وعلى] بيع الثوب مع صبغه، والقائلون بالأول فرقوا بأن البناء والشجر يمكن إفراده بالبيع دون ما قيس عليه، وحكى المحاملي في "المجموع" مع القولين أن من أصحابنا من قال: إن الأرض والبناء والغراس تؤاجر وتدفع إلى البائع أجرة الأرض، ويكون للمفلس أجرة البناء والغراس تصرف على الغرماء.
ثم قال: وهذا لا يصح في الغراس؛ لأنه لا أجرة له.
هذا ما أورده الجمهور في الفرع المذكور، وفي "النهاية" ما يجتمع منه أربعة أقوال فيه:
أحدها: أن بائع الأرض فاقد عين ماله؛ فلا يرجع بحال.
والثاني: أن الأرض والبناء والغراس يباعان معاً كما يفعل في الثوب المصبوغ.
والثالث: أنه يرجع في الأرض، ويتخير بين ثلاثة أشياء، كما في حق المستعير، وإذا عين خصلة من الثلاثة، فاختار المختارَ المفلسُ، والغرماء غيرها، أو امتنعوا من الكل – فوجهان في أنه يرجع في الأرض ويقلعهما مجاناً، أو يجبرون على ما عينه.
والرابع – حكاه عن العراقيين –أنه إن كانت قيمة الأرض أكثر فهو واجد، وإن كانت قيمة البناء أكثر فهو فاقد، وأن الحكم فيما لو وهب لولده أرضاً، فبنى فيها الولد وغرس، ورام الوالد الرجوع فيها – كالحكم في الأرض المبيعة؛ فتجري فيها الأقوال.
قال الرافعي: وأنت إذا تأملت هذا الكلام بعد وقوفك على المذهب المعتم، وتصفحك عن كتب علمائنا، ورأيت ما بينهما من المخالفة الصريحة – قضيت العجب منه، وقلت: ليت شعري من أين أخذت هذه الأقوال؟!
فرع: لو كان الغراس أيضاً مبتاعاً من آخر، فلكل واحد من البائعين الرجوع فيما باعه، ولبائع الغراس قلعه، ويغرم ما نقص من الأرض بسببه، فإن امتنع من قلعه، وبذل له صاحب الأرض قيمته [قائماً لم يكن لصاحب الغراس إبقاؤه، وقيل له: أنت مخير بني قلع غراسك أو أخذ قيمته].
ولو امتنع صاحب الأرض من بذل قيمة الغراس وطلب القلع: فإن التزم [أرش نقص] الغراس بالقلع أجيب، وإن امتنع من التزام الأرش، وامتنع صاحب الغراس من قلعه: فهل [يجبر على] القلع؟ فيه وجهان: أحدهما:
لا؛ كالمفلس، وهذا هو الأصح في "حلية" الشاشي.
والثاني: نعم، والفرق: أنه باع الغراس مقلوعاً، [فإذا أخذه مقلوعاً] لم يلحقه ضرر، بخلاف المفلس؛ فإنه قد استقر ملكه على غراس نامٍ، وقلعه يزيل النماء؛ فيلحقه به الضرر.
فرع: لو زرع المشتري الأرض المبيعة، ثم أفلس واختار البائع الرجوع في الأرض جاز؛ لأنه وجد المبيع مشغولاً بما ينقل؛ فلم يمتنع عليه الرجوع؛ كما لو وجد بائع الدار الدارَ مشغولة بأمتعة.
وإذا رجع فيها: فإن كان الزرع قد استحصد وجب نقله، وإلا فيبقى إلى أوان الحصاد بغير أجرة، فإن طلب المفلس القطع في الحال، وامتنع الغرماء منه أو العكس – قدم من طلب القطع.
وقال أبو إسحاق: يقدم من طلب الأحظ من الأمرين:
قال: وإن كان للمفلس دين وله به شاهد – أي: وقد أدى بإذن المفلس، ولم يحلف فهل يحلف الغرماء؟ فيه قولان:
هذه المسألة اختلف أئمة المذهب في نقل القولين فيها:
فالقاضي أبو الطيب والماوردي حكياهما عن القديم والجديد، وكذلك ابن الصباغ حكاه عن الشرح:
أحدهما- وهو الذي قاله في القديم -: أنهم يحلفون؛ لأن المال إذا ثبت استحقوه؛ فكان لهم الحلف على إثباته كالورثة، ولأن الوكيل إذا اختلف مع البائع في قدر الثمن حلف، وق الغرماء في مال المفلس أثبت من حق الوكيل [في مال الموكِّل، وإذ قد حلف الوكيل] فالغرماء أولى.
والثاني – وهو الجديد والصحيح – أنهم لا يحلفون؛ لأنهم يحلفون لإثبات المال لغيرهم فلا يجوز؛ كما لا يجوز للزوجة أن تحلف لإثبات مال زوجها، وإن كان إذا ثبت تعلقت به نفقتها، وكذلك المستأجر والمرتهن إذا غصبت العين منه، وأراد أن يحلف على إثبات غصبها، ويخالف الورثة؛ فإنهم يثبتون الملك لأنفسهم، والوكيل إن سلم الحكم إليه، فإنه يثبت بيمينه فعل نفسه الذي باشره، ولا يثبت حقًّا لغيره، يدل على ذلك أن الموكل لا يجوز له أن يحلف على ذلك، بخلاف المفلس، والشيخ أبو حامد وراوياه المحاملي والبندنيجي، والإمام والقاضي الحسين نقلوا قول المنع منصوصاً عليه هاهنا، وأنه نص فيما إذا مات من عليه دين وله دين، وامتنع وارثه من
الحلف لإثباته – على قولين في القديم، وأن من الأصحاب من خرج من غرماء الميت قولاً إلى غرماء المفلس، وجعل في حلفهم قولين، ومنهم من أجرى النصين على ظاهرهما، وفرق بفرقين:
أحدهما: أن الحق للمفلس؛ فامتناعه عن اليمين يورث ريبة ظاهرة، وفي غرماء الميت الحق كان للميت، وإنما حلف الورثة بناء على معرفتهم بشأن الميت، وقد يكون الغرماء أعرف به.
والثاني: أن غرماء الميت أيسوا من حلفه؛ [فمكنوا من اليمين كي لا يضيع الحق، وغرماء المفلس غير آيسين من حلفه]، وهذه الطريقة أصح عند الإمام.
وقال ابن الصباغ حكاية عن الشيخ أبي حامد، قال: والمذهب أنها على قولين، والطريقان يجريان يما لو كان المدعى عيناً، وفيما لو لم يكن للمفلس [شاهد ولكنه ادعى، ونكل المدعى عليه عن اليمين، وامتنع المفلس من الحلف.
أما إذا لم يدع المفلس] بالحق، وكذا الوارث فليس للغرماء أن يدعوا، وإذا انتفت الدعوى انتفى طلب استحلاف الخصم وإقامة البينة عليه، وفي "الإشراف" حكاية وجه: أن لهم أن يدعوا ويطلبوا يمين الخصم ويقيموا البينة، وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه.
وقال القاضي حسين في كتاب القسامة: إنه يؤخذ من قول الشافعي: ولو لم يقسم الورثة لم يكن لهم ولا هلا إلا أيمان المدعى عليهم.
والضمير في "لهم" يعود إلى غرماء الميت، وفي "لها" يعود على أم الولد إذا أوصى لها سيدها بقيمة عبد فقتل، واللَّوثْ موجود.
فرعان:
على قولنا: إن الغرماء يحلفون:
[أحدهما:] لو حلف بعضهم دون البعض استحق الحالفون بالقسط؛ كما لو حلف بعض الورثة على دينٍ لمورثهم.
صرح به الماوردي، وابن كج.
الثاني: لو حلفوا، ثم أبرءوا عن ديونهم، فالمحلوف عليه يكون لهم ويلغو الإبراء، أو يكون للمفلس، أو يبقى على المدعي [عليه]، ولا يستوفي أصلاً؟ فيه ثلاثة أوجه، صرح بها ابن كج، والثالث منها هو المذكرو في "زوائد العمراني" في كتاب الشهادات في غرماء الميت.
واعلم أن ما ذكرناه من الأحكام في رجوع البائع في المبيع يجري في رجوع المستأجر شخصاً على عمل في الذمة، إذا كانت الأجرة باقية، وكذا الأجير عند فلس المستأجر بالأجرة قبل انقضاء مدة الإجارة على الأصح، وله بعد الرجوع في المبيع إذا كان أرضاً – وهي مشغولة بزرع المفلس – أجر مثل ما بقي من المدة مقدماً به إن رضي الغرماء بذلك، وإلا فله قلعه مجاناً، وليس له القلع مع الرضا، [وكذا للمسلم عند فلس المسلم إليه وبقاء رأس المال: الفسخ والرجوع إلى رأس المال، وكذا عند تلفه عند أبي إسحاق والصيدلاني وابن سريج، ولكنه يضارب برأس المال، وينزل ذلك منزلة انقطاع المسلم فيه.
[وعلى هذا: فهل يجيء قولٌ بانفساخ المسلم فيه؟ فيه وجهان:]
والأصح خلاف ما قاله أبو إسحاق وغيره؛ بل يتعين حقه في المضاربة: فإن كان ما يخصه من الموجود من جنس حقه سلم إليه، وإلا اشتري لهن ودفع إليه.
وهذا إذا لم يكن المسلم] فيه منقطعاً، أما إذا كان فعلى وجهٍ: ليس للمسلم الفسخ أيضاً؛ لأنه لابد من المضاربة فَسَخَ أو لم يفسخ بالإفلاس، والإفلاس إنما يفسخ به حيث يتخلص عن المضاربة، والأصح: أن له الفسخ.
وفائدته تسليم ما يحصل له من رأس المال إليه، بخلاف ما إذا ضارب بقيمة المسلم فيه؛ فإنه يحفظ له حتى يشتري له به من جنس حقه.
وحكم غرماء الميت إذا مات مفلساً حكم غرماء المفلس بعد الحجر، لكنا ذكرنا في جواز الحجر عليه إذا كانت أمواله تساوي ديونه وجهين خشية من تبذيره، وهاهنا هذا المعنى مفقود، مع أن الورثة ممنوعون من التصرف في التركة [حتى يوفى
الدين]؛ فيكون حكمه في هذه الحالة حكم الموسرين فلا يتمكن من باع منه عيناً، ولم يقبض ثمنها وهي باقية أن يرجع فيها.
وقد ذهب الإصطخري إلى أنه إذا مات موسراً أن للبائع أن يرجع في عين ماله؛ تمسكاً بظاهر الخبر، وقوله يجري هنا.
ولو قال الوارث للبائع – في الصورة التي يجوز له الرجوع في المبيع -: أنا أعطيك الثمن من مالي، فهل يمتنع عليه بذلك الرجوع؟ يه وجهان، أصحهما – وبه جزم أكثرهم -: أنه لا يمتنع، والله أعلم.
كفاية النبيه شرح التنبيه
الجزء العاشر يحتوي على الأبواب التالية: الحجر- الصلح- الحوالة- الضمان- الشركة الوكالة- الوديعة- العارية- الغصب
بسم الله الرحمن الرحيم
باب الحجر
الحجر في اللغة: المنع، والحظر، والتضييق؛ قال الله تعالى: ﴿حِجْراً مَحْجُوراً﴾ [الفرقان: 22]، أي: حراماً محرماً، وكل محرم ممنوع، وكل تحريم منع، وقال صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي قال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً: "لقد تحجَّرْتَ واسعاً"،أي: رحمة الله واسعة، فلا يجوز أن تحجرها وتمنعها من الوصول إلى غيرنا.
ومن ذلك سُمي حِجر البيت حِجْراً؛ لأنه يمنع من الطواف.
وقيل في الدار المحوطة: حجرة؛ لأن بناءها يمنع من الوصول إليها.
والمراد بالحجر في اصطلاح العلماء: المنع من التصرف، وهو نوعان:
الأول: لحق الغير، وهو خمسة أضرب: حجر المفلس لحق الغرماء، وحجر الراهن لحق المرتهن، وحجر المريض لحق الورثة، وحجر العبد لحق السيد، وكذا المكاتب، مع أن فيه حق الله - تعالى - أيضاً.
قال الإمام: وقد أنكر بعض أصحابنا عد الرقيق من المحجورين، وقال: إنه لا يملك شيئاً ففيمَ يتصرف؟! ثم قال: وهذا لا أصل له.
وحجر المرتد لحق المسلمين.
[قلت:] وينبغي أن يلحق بما ذكر حجر سادس: وهو الحجر على الورثة
في التركة لحق الميت وحق الغرماء.
وسابع: وهو الحجر على السيد في المكاتب لحقه، وكذا في العبد الجاني على قولٍ.
.......................................................
وهذا الأضرب بأسرها خاصة لا تعم جميع التصرفات.
الثاني: لمصلحة المحجور عليه، وهو ثلاثة أضرب:
أحدها: حجر المجنون، وألحق به القاضي الحسين الحجر على النائم؛ لأن التصرفات الصادرة منه في النوم لا تنفذ.
قال: ويمكن نظمها في لفظ واحد، وهو زوال العقل.
والثاني: حجر الصبي، وألحق به المتولي من له أدنى تمييز، ولم يكمل عقله.
والثالث: حجر السفه، وهذا النوع هو المبوب عليه، وقد أُلحق به السكران على أحد القولين [عموماً، وعلى قولٍ: فيما له دون ما عليه، على طريقٍ: في أقواله – على أحد القولين] – دون أفعاله.
ثم أضرب هذا النوع الأول أعم من الثاني، والثاني أعم من الثالث.
والأصل في ثبوت الحجر على من ذكر هذا الباب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:282]، أخبر الله – تعالى – أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم فيما عليهم، فدل على ثبوت الحجر عليهم، والمراد بالسفيه في الآية: المبذر، صغيراً كان أو كبيراً، وبالضعيف – كما قال الشافعي -: الصغير والكبير إذا اختل، وبالذي لا يستطيع الإملال: المجنون، ويدل على ذلك في الصبي أيضاً قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] إلى آخرها.
قال: لا يجوز تصرف الصبي والمجنون في مالهما؛ لمكان الحجر الذي دللنا عليه، وإلا ذهبت فائدته، ولأن أصلح التصرفات فيه البيع، وقد دللنا في أول كتاب البيع على امتناعه منهما، فغيره بالمنع أولى، ولا يستثني من ذلك إلا وصية الصبي تدبيره؛ فإن فيهما خلافاً يأتي، إن شاء الله تعالى,
قال: ويتصرف في مالهما الولي، ولأنه الناظر المنصوب لمصالحهما.
قال: وهو الأب، ثم الجد – أي: أبو الأب – بعد الأب؛ لأن التصرف ولاية في حق الصغير، فقدم الأب والجد فيها على غيرهما، كولاية النكاح؛ ولأن الحجر عليهما يثبت بغير حاكم؛ فلم يكن النظر إليه إبتداءً.
ويشترط في صحة تصرف الأب والجد ولايتهما على مال الولد – وإن سفل عند العراقيين -: العدالة الظاهرة، وهل تشترط العدالة الباطنة؟ فيه وجهان.
وحكى الإمام في كتاب النكاح أن الشيخ أبا علي والقاضي، وكل مُنْتَمٍ إلى التحقيق قالوا: ولاية المال تتنزل منزلة ولاية النكاح في طرق القطع وطرق الخلاف، فإن جعلنا المسألة على قولين في أن الفاسق هل يلي التزويج نطرد القولين في ولاية المال بلا فصل.
ثم قال: وهذا الذي لا ينقدح غيره.
وفي "التتمة": أن العدالة لا خلاف في أنها معتبرة في حفظ المال، حتى لو كان القريب فاسقاً لا يمكَّن منه، وهل يمكن من التصرف فيه؟ فيه وجهان مبنيان على أن عامل المساقاة إذا فسق هل يضم إليه أمين؟ أو ينصب الحاكم عاملاً عنه؟ فيه قولان.
ولا خلاف عند الفريقين في اشتراط إسلام الأب إذا كان الولد مسلماً، وإن كان كافراً؛ ففي اشتراط كون الأب مسلماً وجهان في "الذخائر"، وقال: إن الأظهر منهما عدم الاشتراط، وهو ما ادعى الإمام في باب شرط الذين تقبل شهادتهم: أنه ظاهر المذهب كولاية النكاح.
وحُكيَ في "بحر المذهب" قبل باب إتيان النساء في أدبارهن: قال في "الحاوي": ولاية المال في الكافر على الصغار من أولاده إن لم يرفعوا إلينا نقرهم عليها، وإن رفعوا إلينا لم يجز أن يؤتمنوا على أموالهم، وترد الولاية فيه إلى المسلمين، بخلاف الولاية في النكاح؛ لأن المقصود بولاية المال الأمانة، وهي في المسلمين أقوى، والمقصود بولاية النكاح الموالاة، وهي في الكافر للكافر أولى.
فرع: إذا اعتبرنا فيهما العدالة، ففسق من له الولاية منهما فهل ينعزل؟ حكى الإمام في كتاب العارية وجهين فيه، بناءً على عزل الوالي، وأظهرهما – [على] ما حكاه القاضي الحسين في باب تجارة الوصي بمال اليتيم -: أنه ينعزل والمذكور في "الرافعي" في باب الوصية، أن المال ينزع منه، فإن قلنا بأنه ينعزل فلو عاد أميناً عادت الولاية من غير نظر الحاكم على أحد الوجهين.
قال الإمام: وهو الذي يجب القطع به.
وهو ما حكاه الرافعي، والوجه الثاني: أنه لا يعود ما لم ينظر الحاكم في أمره، فإن رآه أميناً واستبرأه عاد إلى حكم الولاية، ولا يشترط أن يقول الوالي: نصبتك وليًّا.
آخر: إذا فسق الولي قبل انبرام البيع، هل يبطل البيع؟ فيه وجهان في "الرافعي" في آخر الوصايا عن "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني.
قال: ثم الوصي – أي: من قبل الأب أو الجد؛ لأنه يقوم مقامهما، وهذا إذا صرح له في الوصية بالتصرف في المال، أما إذا قال له: نصبتك وصيًّا على أطفالي، فإنه يثبت له بذلك حفظ المال، وهل يتسلط به على التصرف؟ فيه وجهان يأتيان في الوصية.
وقيل: إن وصي الأب مقدم على الجد.
وهو بعيد.
قال: ثم الحاكم؛ لأنه ولي من لا ولي له، كما نص عليه صاحب الشرع؛ ولأن ذلك من المصالح؛ فإذا عدم الولي الخاص انتقل إلى الحاكم كولاية النكاح.
قال: أو أمينه؛ لأنه قائم مقامه، وهذا إذا نصبه الحاكم ليتصرف في المال، ولا يكفي أن يقول: نصبتك [قيماً] في أمرهما، فإن [قال] ذلك لا يتسلط إلا على حفظ المال لا غير.
وفي "الرافعي" في باب الوصية: أن الأستاذ أبا منصور أغرب فحكى عن بعض الأصحاب: أنه إذا كان في الورثة رشيد قام بقضاء الديون وتنفيذ الوصايا وأمور الأطفال وإن لم ينصبه القاضي.
قال: وقيل: تتصرف الأم بعد الجد، أي: وإن كان له وصي كما صرح به الرافع، وهو قول أبي سعيد الإصطخري، ووجهه: أنها أحد الأبوين؛ فكانت لها ولاية التصرف في المال كالأب، وهذا ما حكى الرافعي في كتاب النفقات أن الجويني صححه في "النهاية"، وأنه أفتى به القاضي الروياني.
فعلى هذا: تكون الولاية بعدها لوصيها، وهل تنتقل إلى أبويها؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في "الإيضاح" للصيمري: الانتقال، وفي "الحاوي" في كتاب الرهن: أن أمها تستحق الولاية بعدها، وأما أبوها فهل تكون له الولاية على هذا المذهب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لاحضانة له، وفي "الذخائر" أن بعض أصحابنا قال: إذا بان للأم ولاية فإنها تقدم على الجد، وكذلك حكاه القاضي أبو الطيب في باب الأوصياء عن أبي سعيد الإصطخري.
والمذهب الصحيح: أن الأم لا تصرف لها، ولا ولاية؛ لأن ذلك أمر ثابت بالشرع، لا بولاية آدمي؛ فلم يثبت للأم كولاية النكاح، وقد ذكرت في باب (ما يجوز بيعه): أن كلام الشيخ هنا يفهم أن لفظ الولي يشمل الأب والجد والوصي والحاكم وأمينه، وقد وجدته مصرحاً به في "تعليق" القاضي الحسين في [باب] تجارة الوصي بمال اليتيم، وسنذكر من كلام الغزالي ما يقتضي خلافه.
واعلم أن التصرف الذي يَسُوغ للولي في مالهما وفي مال السفيه – أيضاً – هو ما له فيه مصلحة من بيعه بالغبطة، ونحوها – كما سنذكره – وصرفه فيما على المولى عليه من ديون وغرامات المتلفات، وله تفرقة الزكوات، وإخراج
الكفارات بسبب قتل في حق الصبي والمجنون، ويمين في حق السفيه، كما صرح به القاضي الحسين، وحكى الرافعي عن المتولي وجهاً في كفارة القتل؛ لأنها ليست على الفور، ويتجه أن يجيء في كفارة اليمين – أيضاً – إذا قلنا: إنها على التراخي، كما ستقف عليه في موضعه.
والمذكور في "تعليق" البندنيجي و"مجموع" المحاملي: أن السفيه إذا حلف يكفر بالصوم كالعبد، وقال المتولي: إذا كثرت أيمانه وحنثه فالكفارة تلزمه، ولكن لا يخرجها الولي من ماله، ولا يصح صومه عن الكفارة أيضاً؛ لأنه موسر، ولكن تبقى الكفارة عليه، حتى إذا أعسر يوماً من الدهر يصوم، ثم قال: وهذا على قولنا: الاعتبار في الكفارات بوقت الأداء.
وينفق عليه وعلى من تلزمه نفقته من والد وولد وغيرهما، لكن يشترط في نفقة الولد أن يثبت نسبه بالبينة؛ فإنه لو ثبت نسبه بإقرار السفيه [- إذا رأيناه، كما سنذكره في الإقرار، إن شاء الله تعالى-] كانت نفقته في بيت المال، وينفق على السفيه ما يحتاج إليه بسبب الحج الواجب [عليه]، وكذا ما يحتاج إليه في إتمام حج التطوع الذي [أحرم به قبل الحجر، أو نذره، ولا ينفق عليه في حج التطوع الذي] شرع فيه بعد الحجر إلا قدر نفقة الحصر، فإن لم يكفه ذلك، وكان يقدر على تحصيل ما يكفيه بالتكسب والتحمل، لزمه المضيُّ فيه، وألا فهو كالمحصر؛ فيتحلل بالصوم إن رأيناه، وقيل: هو كالمفلس الفاقد للزاد والراحلة؛ فلا يتحلل إلا بلقاء البيت، حكاه الرافعي، والذي أورده الأكثرون، وهكذا إذا ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام كفر بالصوم، قاله المحاملي والبندنيجي.
قلت: ويتجه أن يكفر بالمال؛ بناء على مذهب القاضي في كفارة اليمين، وحكم الإنفاق عليه في الحجة المنذورة بعد الحجر كحجة الإسلام؛ إن قلنا: يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع، وألا فكالمتطوّع بها.
قاله المتولي، وأنه لا يسلم الولي إليه عند سفره شيئاً من النفقة، بل يدفعها إلى أمين ينقها عليه في الطريق، ولا يسرف في الإنفاق عليه لا يقتر، فإن أسرف ضمن، وحكي في
"الذخائر" عن الشاشي: أن من أصحابنا من قال: يجب له مثل كسوة أبيه، قال في "البحر" في كتاب الوصية: وهذا لا يصح.
قال القاضي الحسين في أواخر باب حد الخمر: وينفق عليه أجرة من يعلمه من القرآن ما يؤدي به فرائض الصلاة؛ لأنه يجب عليه بعد البلوغ تعلمه، ولو علمه حرفة أو جميع القرآن ففي الأجرة وجهان:
أحدهما: في مال الصبي؛ [لأن النفع عائد إليه].
والثاني: لا؛ لأنه يجب عليه بعد البلوغ.
وله أن يشتري للمولى عليه خادماً عند الحاجة إذا كنا مثله يُخدم.
وفي "الرافعي" في كتاب الوصية: أنه إذا رأى أن يدفع للسفيه نفقة أسبوع أسبوع فَعَل، فإن كان لا يثق به دفعها إليه يوماً بيوم، ويكسوه كسوة مثله، فإن كان يخرقها هددهن فإن لم يمتنع اقتصر في البيت على إزار، وإذا خرج كساه، وجعل عليه رقيباً.
وينفق على عقاره ودوابهن والله أعلم.
قال: ولا يجوز لمن يلي مالهما أن يبيع لهما شيئاً من نفسه؛ [لأجل التهمة]، إلا الأب والجد؛ فإنهما لا يتهمان لوفور شفقتهما، وفرط حنوهما، ويؤيد المنع في حق غيرهما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَشْتَرِي الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ"، وكذلك لا يجوز لغير الأب والجد أن يبيع مال صغير تحت يده، لصغير آخر تحت يده، ويقبل له، لكن المأخذ في هذه الصورة اتحاد العاقد، وفي "الرافعي" في باب الوصية: أنه يجيء مما تقدم في نظائر المسألة من الوكالة وجه: أن له أن يبيع المال من نفسه، ويتولى الطرفين.
فرع: إذا كان الصبي محتاجاً إلى الاستقراض لأجل النفقة، فهل يجوز للقاضي أن يأذن للقيم في أن ينفق عليه من مال نفسه ليرجع عليه؟ قال أبو الفرج السرخسي: هو كما لو أذن القاضي للملتقط في الإنفاق على اللقيط من مال نفسه ليرجع عليه.
والحكم في هذه الصورة: أن الشافعي نص على أنه يجوز له ذلك، ونص على أنه لو أذن له في أن ينفق على الضالة من مال نفسه ليرجع لا يجوز، بل يأخذ منه، ويدفعه إلى أمين، ثم الأمين يدفع إليه كل يوم بقدر الحاجة.
واتفق أكثر الأصحاب على أن المسألة على قولين:
أحدهما: المنع في الصورتين، وبه قال المزني، وإلا كان قابضاً للغير من مال نفسه ومُقْبِضاً.
وأشبههما عند الشيخ أبي حامد: الجواز؛ لما في الأخذ والرد شيئاً فشيئاً من العسر والمشقة، ولا يبعد أن يجوز للحاجة تولي الطرفين، ويلحق الأمين بالأب في مثل ذلك.
قال: ولا يبيع لهما شيئاً بدون ثمن المثل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]، وليس هذا بحسن؛ فثبت في اليتيم بالنص، وقسنا المجنون عليه؛ لأنه في معناه، وكما لا يجوز أن يبيع بدون ثمن المثل، لا يجوز أن يبيع بثمن المثل وهناك من يطلبه بزيادة ولو حبة، كما صرح به الإمام، وزاد الماوردي: واعتبر في بيعه المال أن يجتهد بحيث لا يتوقع بعد ما باع به زيادة.
ولو اتفقت زيادة قبل لزوم العقد، فهل يجب على الولي الفسخ؟ هذا يظهر لي مشابهته للوكيل إذا باع ثم وجد من بذل زائداً قبل اللزوم، وسأذكره – إن شاء الله تعالى – في الوكالة.
قال: ولا يهب لهما مالاً؛ لأنه يؤدي إلى إذهاب المال، إن كانت لا تقتضي الثواب، أو تسليم المال قبل قبض الثواب إن اقتضته، وليس ذلك من التي هي أحسن.
قال: ولا يكاتب لهما عبداً؛ لأن الكتابة في الحقيقة بيع ماله بماله؛ فكان كأنه أخرجه مجاناً، ومن هاهنا يؤخذ أنه لا يجوز له أن يعتق عنهما مجاناً؛ لأنه إذا منع من الكتابة مع ما يتحصل فيها فالعتق مجاناً أولى بالمنع.
قال: ولا أن يغرر بمالهما في المسافرة – أي: سواء كان ذلك للتجارة أو
لغيرها؛ لما روي أنه – عليه السلام – قال: "إِنَّ الْمسَافِرَ وَمَالَهُ لَعَلَى قَلَتٍ، إِلاَّ [مَا] وَقَى اللهُ"، وأراد: لعلى هلاك، وإذا كان كذلك فليست المسافرة من التي هي أحسن.
وظاهر كلام البندنيجي وصاحب "الاستقصاء" يقتضي المنع من المسافرة مطلقاً، حتى قال البندنيجي: ولا يتجر له إلا في البلد وحولها من القرى التي تجري مجرى جوف البلد.
وقد صرح الرافعي بذلك عن العراقيين، والمذكور في طريقة المراوزة – على ما حكاه القاضي الحسين وغيره -: أن السفر إن كان مخوفاً؛ فلا خلاف في المنع منه، سواء كان في البحر أو البر، وإن كان الغالب منه السلامة فوجهان، أظهرهما في "تعليق" القاضي، وهو الأصح في "الرافعي": الجواز، وحكى الإمام الوجهين في سفر البر، وقال في سفر البحر: الذي قطع به معظم الأصحاب: المنع، وذهب بعض الأصحاب إلى تخريج ذلك على وجوب ركوب البحر لأجل الحج، فإن لم نوجبه لم تجز المسافرة بالمال فيه، وإن أوجبناه كان كالبر.
قلت: وكلام الشيخ يجوز أن يحمل على ما حكاه البندنيجي من حيث إن السفر مظنة للغرر، ويجوز أن يحمل على ما إذا كان مخوفاً، ويرشد إليه قوله: يغرر؛ فإن السلامة إذا كانت غالبة فلا غرر؛ لما ذكرناه عن "الحاوي" أن الغرر: ما تردد بين جوازين متضادين الأغلب منهما أخوفهما، والله أعلم.
قال: ولا أن يبيعه نسيئة، أي: بثمن مثله حالاًّ، أو بأكثر منه من غير رهن؛ لأنه لاحظ للمولى عليه فيه: أما في الأولى؛ فلأن الأجل يقابله قسط من الثمن،
وقد فوته، وأما في الثانية؛ فلأنه يخرج ماله من يده من غير عوض بأجر.
قال: إلاَّ لضرورة – أي: لخوف النهب والغرق – فإن البيع في هذه الحالة من التي هي أحسن، وهل يحتاج في هذه الحالة إلى أخذ الرهن على الثمن؟ الحكم فيه – على ما صرح به القاضي أبو الطيب والمتولي – كالحكم فيما [إذا] أقرضه في مثل هذه الحالة.
قال: أو لغبطة، وهو أن يبيع بأكثر من ثمن المثل، ويأخذ عليه رهناً، أي: يفي بالثمن.
صورة المسألة: [أن يكون] ثمن مثل المبيع نقداً مائة، فيبيعه بمائة وعشرين نسيئة، ويأخذ عليه رهناً يساوي مائة وعشرين فأكثر، ووجه الجواز في هذه الحالة: أن الولي مأمور بالتجارة وطلب الفضل؛ بقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَلِيَ يَتِيماً، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ وَلا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَاكُلَهُ الصَّدَقَةُ"، وروى أنه قال: ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، لاَ تَاكُلُهَا الصَّدَقَةُ"، وهذا طريق ذلك، وهذا [هو] ظاهر النص، وبه قال أبو إسحاق، وأبو علي بن [أبي] هريرة، وسائر الأصحاب كما حكاه الماوردي وغيره، ولكن بشروط أُخَر:
أحدها: أن يشهد على البيع على وجه حكاه الماوردي، وهو ما جزم به البندنيجي [وغيره].
والثاني: أن يكون الأجل سنة فما دونها، على وجه حكاه الماوردي، وامتنع سائر الأصحاب من تحديده بسنة، وأن المرجع فيه إلى العرف، وهو الذي جعله صاحب "الحلية": المذهب.
والثالث: أن يكون المشتري ثقة موسراً؛ فيجتمع فيه الوصفان، فلو فقد أحدهما لم يصح.
قلت: وفي اعتبار اليسار مع أخذ رهن يساوي الدين نظر.
وقد حكى عن أبي سعيد الإصطخري أنه منع البيع بثمن مؤجل مطلقاً، إلا أن يكون الأجل فيما زاد على [المثل، ويكون] ثمن المثل حالاًّ، وقبض قدر ثمن المثل، وارتهن بالقدر الزائد عليه.
قال الإمام: وهذا بعيد لا أصل له، ولا ينتظم عليه عاقل، وكلام الماوردي قريب منه.
وفي "المرشد": أنه إذا باع في مثالنا بمائة نقداً وبمائة وعشرين نسيئة من غير رهن جاز، ولا يقوم الكفيل مقام الرهن فيما ذكرناه.
وقال الإمام: الأصح: أنه لا حاجة إلى الرهن مع يسار المشتري.
وبه جزم الغزالي في "الوسيط" متمسكاً بأنه ليس في بيع ماله نسيئة من غير رهن بأكثر من الإبضاع بمال الطفل، وهو جائز؛ لأجل الزيادة.
ثم ما ذكرنا فيما إذا بيع مالهما لغير الأب والجد، [أما إذا بيع من الأب والجد]، فلا يحتاج إلى أخذ الرهن، صرح به البغوي [وغيره].
فائدة: قد ذكرت في أثناء الكلام أن الولي مأمور بالتجارة وطلب الفضل من غير بيان أن ذلك على وجه الاستحباب، أو على وجه الوجوب، ولا غنى عن بيانه:
فالذي حكاه ابن الصباغ وغيره مما وقفت عليه من كتب العراقيين: الأول.
وفي "الوسيط" في الفصل السادس فيما يجب على الولي من كتاب النكاح: أن مال الطفل – [أي]: الذي ليس بمعد للقُنْية والحاجة، كما قيده الرافعي- إذا طلب بزيادة وجب البيع، وأنه لا يجب على الولي أن يكد [نفسه
بالتجارة] والاستنماء في مال الطفل، ولكن يجب صونه عن الضياع بقدر من الاستنماء المعتاد الذي يصونه عن أن تأكله النفقة، وأنه لو بيع شيء بأقل من ثمن مله فله أن يشتريه لنفسه، فإن لم يزد فليشتر لطفله، وحكي في باب الشفعة أنه إذا بيع شيء فيه غبطة للصبي، ففي وجوب الشراء [وجهان.
ولابد عند الشراء] بقصد التجارة لهما – على ما حكاه الماوردي – من أن يكون ما يُشترى لا يسرع إليه الفساد، وأن يكون الربح حاصلاً منه في الغالب حالاً أو مآلاً، وأن يكون بالنقد دون النسيئة.
قال: ولا يقرض من مالهما شيئاً؛ لما فيه من التقصير في حقهما.
قال: إلا أن يريد سفراً يخاف عليه [فيه]؛ فيكون إقراضه أولى من إيداعه؛ لأن القرض مضمون، والمودَع أمانة؛ فكان القرض أحظ له.
وهل الأولوية في كلام الشيخ على وجه الوجوب حتى إذا أودع مع القدرة على الإقراض يضمن أو لا؟ فيه وجهان منقولان عن الأصحاب:
المذكور في "الشامل": أنه على سبيل الاستحباب.
وأصحهما في "التهذيب": أنه على وجه الوجوب.
واعلم أن ظهر كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أنه لا يجوز الإقراض في حال الإقامة مع وجود خوف النهب والحريق ونحو ذلك، وهو وجه حكاه الماوردي، لكن الجمهور على خلافه.
الثاني: أنه لا فرق فيما ذكره بين أن يكون الولي أباً [أو جدًّا] أو حاكماً، وهو ما رواه الحناطي، وقال في "الإشراف": إنه المذهب.
والجمهور على أن الحاكم يجوز له الإقراض من غير ضرورة دون من عداه؛ لأن ولايته عامة؛ فيشق عليه حفظ جميع الأموال.
ومقتضى كلام البغوي: أنه يجوز له الإيداع أيضاً، كما صرح به الحناطي؛ فإنه قال: كل موضع جوزنا الإقراض فلم نجد من يستقرضه أودعناه حينئذ.
وقد حكى الرافعي في كتاب القضاء على الغائب، والهروي في "الإشراف" أن صاحب "التلخيص" جوز للأب من جوزه للقاضي من جواز الإقراض.
الثالث: أن الإيداع لا يجوز في حال الأمن مع الإقامة، كما صرح به في "المهذب"، والبغوي وصاحب "الاستقصاء"؛ لأنه إذا لم يجز القرض في هذه الحالة مع أنه أولى من الإيداع فالإيداع بالمنع أولى.
وفي "الشامل" في كتاب التفليس: أن الشافعي نص على انه يجوز لولي الصبي أن يودع ماله، ولا يقرضه، وأنه نص على أن الإمام إذا وجد ثقة يسلفه مال المفلس إلى أن تتهيأ القسمة على الغرماء، لم يجعله أمانة.
وأن الفرق عندي: أن مال الصبي معد لمصلحة تظهر له من شراء عقار أو تجارة، وقرضه قد يتعذر معه المبادرة إلى ذلك، ومال المفلس معد للغرماء خاصة.
الرابع: أنه إذا أقرض المال في حال إرادة السفر لا يحتاج إلى آخذ رهن به؛ إذ لو كان يفتقر إليه لذكره، كما فعل في البيع نسيئة.
وقد قال ابن يونس: إنه إذا أقرضه أخذ عليه رهناً فيه وفاءٌ به.
وإن من أصحابنا من قال: [إنه] يجوز ألا يأخذ عليه رهناً.
وما قاله ابن يونس عندي فيه نظر؛ من حيث إن المسافرة بالرهن لا تجوز، اللهم إلا أن يريد به أن يتفقا علىوضعه تحت يد عدل، ولم أَرَ للأصحاب في صورة الكتاب نقلاً.
نعم، صيغة ابن يونس حكاها الماوردي فيما إذا أقرض المال عند وجود
النهب والحريق في البلد، والمذكور في "تعليق" القاضي أبي الطيب، و"مجموع" المحاملي، و"الرافعي في هذا [الكتاب، وغيرهم: أن له الأخذ إذا رأى المصلحة، والترك] إن كان فيه مصلحة.
وحكى الرافعي في كتاب الرهن عن الصيدلاني: أن الأولى ألا يرتهن إذا كان المرهون مما يخاف تلفه؛ لأنه قد يتلف ويرفع الأمر إلى حاكم يرى سقوط الدين بتلف المرهون، وهل يحتاج في هذه الحالة عند أخذ الرهن إلى اعتبار الإشهاد؟ فيه الخلاف السابق.
صرح به الماوردي، وعلى كل حال لا يجوز أن يقرض مالهما إلا ثقة [أو] مليًّا.
قال: وإن وجبت لهما شفعة، وفي الأخذ لهما غبطة لم يجز له تركها؛ لأنه مأمور بطلب الحظ لهما، فلو ترك الأخذ في هذه الحالة كان لهما عند زوال الحجر الأخذ، [ولو تركه حيث كان الحظ في الترك لم يكن لهما عند زوال الحجر الأخذ] على الأصح، وهو المنصوص، وفيه وجه.
فعلى الصحيح: لو قالا بعد زوال الحجر: تركت، وكان الحظ في الأخذ، فقال: بل كان في الترك – فالحكم كما – لو اختلفا في بيع العقار، صرح به صاحب "الاستقصاء"، ولو استوى الحال في الأخذ والترك، ففيه ثلاثة أوجه ذكرها صاحب "البحر" و"الحلية" في كتاب الشفعة:
أحدها: لا يجوز للولي الأخذ.
والثاني: يجب عليه الأخذ ما لم يظهر عليه ضرر.
والثالث: أنه مخير بينهما.
وعلى الأول: إذا بلغ [الصبي، ورام الأخذ فهل له ذلك؟ فيه وجهان:]
قال: ويتخذ لهما العقار؛ لأنه يبقى فينتفع بغلته، والغرر فيه أقل من الغرر في التجارة، وهذا على وجه الاستحباب، كما صرح به ابن الصباغ [وغيره]، ولابتياعه شروط:
أحدها: أن يكون من ثقة أمين؛ ليؤمن منه بيع ما لا يملكه.
الثاني: ألا يكون في موضع قد أشرف على الخراب من خوف أو غلاء ونحو ذلك، [أو يخاف] عليه غلبة الهلاك بالماء [في وقت زيادته، أو يكون بين طائفتين تقتتلان من أهل البلد فيخاف عليه الهدم أو الحريق]؛ لأن في ذلك تغريراً بالمال.
الثالث – قاله الماوردي – أن يحصل من ريعه قدر الكفاية؛ فإن لم يحصل فالتجارة أولى عند إمكانها مع [اجتماع] عدل السلطان، وأمن الزمان، ويقرب من هذا قول الإمام: إنه لا يجوز أن يشتري عقاراً نفيساً من جهة القيمة لا يُغِلُّ غلة [عليه] بمبلغها احتفالٌ بالإضافة إلى ما بذل من ثمن العقار، مثل أن يشتري داراً عظيمة لا حاجة بالصبي إليها، ولا يوجد من يسكنها.
قلت: ويتخرج من كلام الماوردي شرط رابع: وهو أن يكون الثمن نقداً لا نسيئة؛ [فإنه قال: ولا يجوز أن يبتاع له شيئاً بالنسيئة] إلا في موضع واحد، وهو أن يكون محتاجاً إلى ما [لا] يستغني عنه من مأكول أو لباس، أو مما في معناه مما لا يجد منه بدًّا، كما سنذكره.
قال: ويبنيه لهما؛ لأنه في معنى الشراء، لكن قيد ذلك ابن الصباغ بما إذا كانت قيمته بعد الفراغ تساوي ما أنفق عليه.
قال: بالآجر والطين، وهذا نص [عليه] الشافعي؛ لأن الآجر يبقى في العمارة، والطين قليل المؤنة [أيضاً، و] منفعته عند النقض بحالها، بخلاف الجص، ولا يجوز أن يبني بالجص والآجر؛ لأنه يعلق به فيتكسر عند الاحتياج إلى النقض، ولاأن يبني باللبن والجص، ولا باللبن والطين، لقلة بقائهما.
وقال الماوردي: ليس لهذا التحديد وجه صحيح؛ لأن لكل قوم عراً، ولكل بلدة عادة: فمن البلاد من يبني بالحجر والطين، ومنها من يبني بالآجر والجص،