كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 299-338
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 299-338
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بأن رفعت القضية إلى حاكم يرى الشاهد واليمين، أو كان الشاهدان عند الأداء ممن تقبل شهادتهما، فأديا - فإنه لا ضمان على الوكيل، وقد نبهت على شيء من ذلك في باب الضمان.
والحكم في إنكار الموكل الإشهاد، ودعوى الوكيل موت الشهود، أو غيبتهم - كما ذكرناه في الضمان؛ صرح به الرافعي.
ويتجه أن يكون الخلاف هاهنا مرتباً على الخلاف ثم، وأولى بقبول قول الوكيل.
ووجه الفرق: أن الأصل عدم تعدي الوكل، والأصل براءة ذمة المضمون عنه من دين الضامن.
وقدادعى القاضي الحسين في كتاب الوديعة، وكذلك صاحب البحر حكاية عن القفال: أن أكثر أصحابنا على أن القول قول الوكيل؛ لما أشرت إليه واستشهدوا له بما قاله ابن الحداد فيما إذا ادعى الوكيل قبض الثمن بعد تسليم المبيع: إن القول قوله؛ لأن به ينتفي عنه الضمان.
قال: وإن قضاه بحضرة الموكل، ولم يشهد، قد قيل: يضمن؛ لأن ترك الإشهاد في حال الغيبة موجب للضمان، فكذلك في حال حضوره، وسكوته؛ كالجناية على ماله؛ وهذا ما نسبه القاضي الحسين إلى ابن سريج، وأبي إسحاق، واختاره في المرشد.
قال: وقيل: لا يضمن؛ لأن تضمين الوكيل في حال الغيبة، كان لتركه الاحتياط، وإذا كان حاضراً، فهو اللائق به الاحتياط لنفسه، فإذا فرط فيه لا يجب على غيره الضمان؛ وهذاقول المزني، وأبي إسحاق، وسائر أصحابنا - كما حكاه المحاملي - وهو الأصح في الرافعي، وبه جزم القاضي أبو الطيب، وابن الصابغ، والمتولي، وهو نظير المنصوص وظاهر المذهب فيما إذا ضمن، وأدى بحضرة المضمون عنه، ولم يشهد، وأنكر المضمون له - أن له الرجوع.
فعلى الصحيح: لو قال الموكل: أديت في حال الغيبة، وقال الوكيل بل

بحضورك، فالقول قول الموكل؛ جزم به الرافعي.
وقال ابن الصباغ: عندي أن القول قول الوكيل مع يمينه؛ كما إذا ادعى الرد إليه وأنكر، [ولا بينة به] هذا إذا أقر: أنه باع، أو قبض وأنكر الموكل؛ فإنه لا يقبل قوله في أحد القولين؛ لأنه يثبت حقًّا على موكله لغيره، وهاهنا يسقط عن نفسه الضمان بما ذكره؛ فكان القول قوله مع يمينه؛ وهذا ما حكاه الروياني عن بعض أصحابنا، وأورده المتولي.
واعلم: أن النواوي قال: إن الذي ضبطه عن نسخة المصنف: قضاه بِمَحضر من الموكل: بفتح الميم، وأن الذي ذكرناه هو الواقع في أكثر النسخ، وياقل: بفتح الحاء، وضمها، وكسرها؛ ثلاث لغات مشهورة، وكلاهما صحيح.
قال: وإن وكله في الإيداع، فأودع، ولم يشهد – لم يضمن؛ لأن فائدة الإشهاد الإثبات عند الجحد، والمودع بسبيل من إسقاط الطلبة عنه بدعوى الرد، والتلف، وذلك يسقط فائدة الإشهاد عليه؛ [وإذا لم يكن فيه فائدة] لم يكن بتركه مفرطاً.
وأيضاً: فإن العرف جارٍ بإخفاء الودائع، وهو المحكم في الألفاظ المطلقة، وفي الإشهاد عليها إظهار لها؛ وهذا هو الأصح، والمختار في المرشد.
قال: وقيل: يضمن؛ لأن الموكل فيه الإيداع، وهو لا يثبت إلا ببينة، وفائدتها تظهر بعد الجحد؛ فإنه لا يقبل قوله إذ ذاك في الرد والتلف؛ فأشبه التوكيل لقضاء الدين؛ وهذا قول أبي إسحاق.
وحكى الإمام وجهاً ثالثاً وهو أن الإشهاد إن تيسر عند الأداء، فلم يفعل، ضمن؛ لتقصيره، وإن فرض ذلك في مكان يتعذر [عليه] الإشهاد فيه، فلا تقصير.
ومحل الخلاف – كما حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: إذا أودع في

غيبة الموكل، أما في حضوره، فلا يضمن الوكيل، وهذا منهما بنا ءعلى ما جزما به في مثل هذه الصورة في قضاء الدين، وإلا فقد حكينا عن أبي إسحاق: أنه صار إلى ضمان الوكيل إذا قضى الدين بحضرة الموكل، ولم يشهد، ومثله يجيء هاهنا.
وقال الماوردي: إن محل الخلاف إذا كذب الموكل والمودع [الوكيل]، أما إذا صدقه الموكل، وكذبه المودع فلا يضمن، ولا يقبل قول الوكيل على المودع؛ وهذا [يوافق] ما حكاه ابن الصباغ.
وإن كذبه الموكل، وصدقه المودع عنده، وكانت العين تالفة – فلا ضمان على الوكيل؛ لأن الإقرار بالقبض أقوى من الإشهاد عليه؛ فلما برئ بالإشهاد عليه، فأولى أن يبرأ بالإقرار.
ورتب الإمام ضمان الوكيل [في هذه الصورة] فقال: "إذا كذب الموكل والمودع الوكيل في دعواه الإقباض، فلا يقبل قوله على المودع، وهل يقبل على الموكل؛ حتى لا يضمن [[له] شيئاً؟ فيه وجهانا ذكرهما صاحب التقريب.
فإن قلنا: لا يضمن"] في هذه الحالة، فإذا صدقه الموكل، وكذبه المودع أولى.
وإن قلنا: إنه يضمن عند تكذيبهما، فهل يضمن عند تصديق الموكل، وتكذيب المودع؟ فيه وجهان مشهوران؛ بناء على أنه [هل] يعد بترك الإشهاد مقصراً، أم لا؟ وحكى في كتاب الوديعة فيما إذا صدق المودع الوكيل في دعواه الإقباض، وكذبه الموكل: أن القول قول الموكل، لم يختلف فيه أصحابنا.
وقال القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، والمحاملي – على القول بضمان الوكيل بترك الإشهاد -: يرجع الموكل على الوكيل بقيمة العين [إن كانت

تالفة]، وإن كانت باقية؛ فالمالك بالخيار بين استرجاعها وردها، ولا ضمنا بعدُ على الوكيل.
فرع: لو وكله في قبض دين، أو استرداد وديعة، فقال المديون، [أو المودع:] دفعت، وصدقه الموكل، وكذبه الوكيل – فالقول قوله [مع يمينه]، هل يغرم الدافع لأجل ترك الإشهاد؟ فيه وجهان في آخر هذا الباب من الرافعي.
قال: وإن كان عليه حق لرجل – أي: سواء كان ديناً أو عيناً، أمانة أو مضموناً – فجاء رجل، وادعى أنه وكيله في قبض الحق، فصدقه – جاز الدفع؛ لأنه محق بزعمه.
قال: ولا يجب؛ لأنه دفع غير مبرئ في الظاهر إذا أنكر الموكل الوكالة؛ فلم يلزمه؛ كما لو كان عليه دين [بشهادة، فطولب] به بغير إشهاد.
ولأنه مقر في مال غيره، فلا يلزمه إقراره؛ كما لو أقر بموت رب الدين، وأن هذا الحاضر وصيّته على ولده في قبض دينه، [فلا يلزمه] الدفع إليه؛ وهذا ما علل به ابن أبي هريرة.
وذهب المزني إلى [أنه] يجب عليه الدفع؛ كما في مسألة الوارث الآتية.
[قال الإمام:] وحكى شيخي عن بعض الأصحاب موافقة المزني، وفي تعليق القاضي الحسين ما يوافقه؛ كما سنذكره.
وقال بعده: إن الحكم في مسألة الوصية كالحكم في الوكيل.
على أنه يمكن أن يفرق بينهما بتقدير تسليم الحكم في مسألة الوصية – كما قاله ابن أبي هريرة، وهو الذي يقتضيه كلام أبي الطيب – بما أبداه أبو الطيب سؤالاً على أبي حنيفة، [وهو أن في إلزامه] تسليم المال

[إلى] الذي اعترف له بالوصية إسقاط حق الحاكم الذي ثبت له في ذلك المال؛ بخلاف مسألة الوكالة.
قلت: ولو قيل بوجوب الدفع إلى الوكيل عند التصديق؛ إذا لم يكن عليه [بالحق] بينة – لم يبعد؛ كما قلنا في أن من عليه حق بغير بينة: ليس له أن يمتنع من أدائه لمستحقه بعذر الإشهاد؛ فإنه قادر على دفع ما يطلب منه بأن يجيب بأنه لا حق [له] عليه.
فرع: لو ادعى شخص أنه وكيل في مخاصمة زيد، وصدقه، فهل يستمع الحاكم الخصومة [فيه وجهان في البحر قبيل الكلام في مسألة الكتاب].
قال [في البحر] عند الكلام في العزل: مذهب الشافعي: أن [ذلك] لا يقبل منهما، ولا تُسمع مخاصمتهما؛ لما فيه من إثبات الحجة على صاحبهما.
وقال ابن سريج: يقبل الحاكم ذلك منهما، ويسمع مخاصمتهما؛ لأن إقرار الوكيل على الموكل غير مقبول؛ فلم يكن فيه إضرار به، وإنما هو إقامة بينة على المطلوب، وذلك يجوز مع حضور الموكل [و [مع] غيبته؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين في تعليقه، وقال: إن الوكيل إذا أنكر الوكالة؛ للمدعي تحليفه]؛ وقال في موضع آخر: تثبت الوكالة وله أن يمتنع عن مخاصمته، وحكى أنه إذا وكله في الخصومة؛ فالقياس يقتضي ألاّ يختص بالمجلس؛ حتى يملك المخاصمة بعد التفرق في مجلس ىخر، غير أن القضاة اصطلحوا على اختصاص الوكالة في الخصومة بذلك المجلس، لما رأوا عادات الناس: أنهم يقصدون بالمطلق الخصومة في مجلس العقد دون غيره [أما لو ادعى شخص: أنه وكيل فلان في مخاصمة زيد، وصدقه، ففي الإشراف: أن له

المخاصمة، وكذا له تحليفه إن أنكر؛ قاله ابن القاص، وطرده فيما إذا ادعى: أنه وصي فلان، وحكي عن غيره: أنه لا يحلفه على ذلك؛ لأنه لم يدع لنفسه شيئاً عليه].
وفي التتمة: أنه لا خلاف في جواز المخاصمة، ولكن هل تجب؟ الحكم فيها كالحكم فيما لو ادعى: أنه وكله في قبض الحق، وصدقه.
[وفي البحر: في الفروع المذكورة قبل كتاب: الشهادات: أن [ابن] أبي أحمد قال: إذا صدق المدَّعي عليه المدعي في الوكالة، وأنكر المدعي به، وأقام الوكيل بينه بالدين المدعي – لاتسمع البينة؛ لأن الوكالة لا تثبت بإقراره إلا ببينة تقوم عليه؛ قلته تخريجاً.
وقال قبيل الكلام في مسألة الكتاب من كتاب الوكالة: هل يسمع الحاكم الخصومة؟ فيه وجهان].
واعلم أن محل الخلاف في وجوب الدفع إذا لم يقم الوكيل بينة بالوكالة، أما إذا قام عدلين [عليها]،ليس أحدهما بولد للمدعي، ولا للمدعي عليه-[فلا خلاف] في وجوب الدفع، واحتمال عزل الموكل في الغيبة إن نفَّذناه مدفوع بما في ذلك من تعطيل الوكالة في الغيبة.
قال القاضي الحسين: ولا يستقصي في أمر الشهود على ذلك حسبما يستقصي في الشهود على أصل المال، ولا يحتاج في إقامة هذه البينة إلى حضور الخصم، خلافاً للقاضي الحسين، فإنه قال: لابد من شخص ينصبه القاضي فيدعي عليه [الوكيل، ويقيم] البينة في وجهه؛ إذا كان الخصم غائباً؛ لأنه قضاء بالبينة فيقتضي مقضيًّا عليه.
[وحكى الإمام عنه في باب: الامتناع من اليمين: أنه يحضر الخصم، ويدعي

عليه: إني مستحق مخاصمتك بتوكل فلان إباي؛ لأن الوكالة حق آدمي؛ فينبغي أن ترتبط بخصم عند مخالفة الإثبات.
وفي البحر قبل كتاب الشهادات في [ضمن فرع] من الفروع: أن ابن سريج قال: إن الاحياط ذلك، بعد أن قال: إن عند الشافعي لا يحتاج إلى ذلك؛ فإنه قال: وليس الخصم من الوكالة بسبيل].
ولو كان الشاهدان ولدي الموكل، سمعت شهادتهما، قال الماوردي: لأنهما يشهدان على أبيهما.
وجزم المحاملي، والبندنيجي بعدم القبول؛ لأنها شهادة له؛ فإنهما يثبتان بشهادتهام تصرفاً عن الموكل.
وحكى ابن الصباغ ذلك عن بعض الأصحاب، ثم قال: وفيه نظر؛ لأن هذه وكالة تثبت بقول الموكل، ويستحق الوكيل بذلك المطالبة بالحق، وما يثبت بقوله يثبت بشهادة القرابة عليه؛ كالإقرار.
قال: وإن قال: أنا وارثه – [أي: ولا وارث له غيري] [وبيَّن جهة الوراثة – كما قيده في الفتاوى] فصدقه، وجب الدفع إليه؛ لأنه اعترف له بملك الحق، وأن الدفع إليه مبرئ في الظاهر؛ لعدم إمكان ظهور خلاف المدعي؛ وهذا نصه.
وحكى القاضي الحسين، [وكذا الإمام في كتاب الإقرار]: أن من الأصحاب من خرج من مسألة الوكالة إلى هاهنا قولاً: أنه لا يلزمه الدفع، ومن هاهنا) إلى ثَمَّ قولاً: أنه لا يلزمه، وجعل السألتين على قولين.
ثم قال: والصحيح: أن المسألة على قولين؛ فإن المزني أشار إلى قولين

في كتاب الإقرار.
وفي الرافعي: أن هذا الطريق ينقل عن أبي إسحاق.
وأيد المتولي قول عدم الوجوب في مسألة الواث في باب الإقرار: بأن أحد الوارثين إذا أقر بوارث، وكذبه الآخرن لا يثبت النسب، ولا الإرث، فكيف بإقرار الأجنبي، ثم فرق بأن القصد من إقرار الوارث النسب، فإذا لم يثبت؛ [لم يثبت] فرعه، والقصد من إقرار الأجنبي المال دون النسب؛ فلذلك يثبت، [ولو لم] يثبت أصله؛ كما لو أقر: أنه ضمن عن زيد مالاً، وأنكر زيد المال؛ فإن الضامن يؤاخذ به.
قال: وإن قال: أحالني عليك، وصدقه، فقد قيل: يجب الدفع إليه؛ كالوارث؛ فإنه اعترف بانتقال الحق إليه؛ وهذا هو الظاهر في تعليق القاضي الحسين، والأصح في التهذيب؛ والرافعي، وهو الذي يقتضي كلام القاضي أبي الطيب في كتاب الحوالة الجزم به.
قال: وقيل: لا يجب؛ لأن الدفع غير مبرئ في الظاهر لو أنكر المحيل الحوالة، فألحق بالوكالة؛ وهذا ما اختاره في المرشد، إلا أن يكون التصديق عن علم بالحوالة؛ فإن هيجب.
ومثل هذا الخلاف يجري - كما حكاه الرافعي - فيما إذا أقر بأن من له الحق أوصى به لزيد.
وقال في التهذيب: إنه ملحق بمسألة الوارث؛ حتى يلزمه الدفع؛ على الأصح.
والذي يظهر: أن ما قاله الرافعي أصح؛ لأن إنكار الورثة متوقع؛ كإنكار المحيل.
قال: فإن جاء صاحب الحق، فأنكر - أي: وحلف - وجب على الدافع الضمان؛ لأن الأصل عدم التوكيل، والحوالة، ولصاحب الحق مطالبة القابض -أيضاً - إذا كان الحق عيناً، دون ما إذا كان ديناً.
وعن أبي إسحاق المروزي: أن له مطالبته - أيضاً - إذا كان ديناً في مسألة

دعوى الوكالة؛ إذا كان المال المأخوذ باقياً في يده؛ كما دل عليه كلام ابن الصباغ، وصحر به الرافعي، وقال: إن هذا القول هو ما أجاب به الشيخ أبو حامد في التعليق.
وقال القاضي أبو الطيب: إن هذا من غلطات أبي إسحاق.
وحكى القاضي الحسين هذا الوجه، ولم ينسبه إلى أبي إسحاق، وقيد مطالبة الوكيل بما إذا كان من عليه الدين معسراً.
ثم إذا غرَّم صاحبُ الحق الوكيلَ، لم يرجع على المقبوض منه، وإن غرم المقبوض منه، لم يرجع على الوكيل، إلا أن يكون ما قبضه منه في يده، او تلف بتفريطه؛ فإنه يرجع عليه بطريق الظفر؛ [صرح به أئمة العراق.
ولو دفع من عليه الحق الحقَّ إلى الوكيل من غير أن يصدقه، رجع عليه عند الغرم،] صرح به الإمام، وغيره.
وكذا له أن يرجع على الوارث، والموصى له، والوصي؛ إذا ظهر صاحب الحق حيًّا؛ بخلاف ما لو ظهر له وارث آخر؛ فإنه لا يرجع على القابض؛ كما صرح به المتولي في الإقرار.
وكذا لا رجوع عليه عند إنكار المحيل الحوالة.
ولو كذَّب من عليه الحق مدعي الوكالة، والإرث، والحوالة، والإيصاء في الوصية – فالقول قوله، ولا يجب عليه الدفع، وهل يجب عليه الثمن؟ قال الأصحاب: حيث قلنا يجب الدفع إذا أقر، توجهت اليمين عند الإنكار، وحيث لا نوجب الدفع عند اقرار، فلا يجب اليمين عند الإنكار.
وحكى القاضي الحسين والرافعي: أنها تجب- أيضاً – إذا قلنا: إن اليمين مع النكول بمنزلة البينة.
وفي الشامل، والبحر: أن قياس مذهبنا: أنه لا يسمع من الوكيل الدعوى؛ لأن الوكيل بالخصومة لا يدعي قبل ثبوت وكالته عندنا.

فرع: ذكر صاحب البحر في أواخر كتاب الضمان: إذا كتب سفتجة بلفظ الحوالة، ووردت على من عليه دين، لزمه أداؤه بأربع شرائط: أن يعترف بدين الكاتب والمكتوب [له].
وأن هذا كتاب المحيل.
وأنه أراد بكتابته الحوالة ليس إلا، فالمذهب الذي يوجبه القياس: أنه لا يلزمه.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه.
ولو لم يعترف بالكتاب، ولنكه أجاب إلى دفع المال؛ ليكون مضموناً عليه إلى أن تصح الحوالة - جاز، ولكن هل له استرجاعه قبل ظهور الحوالة؟ فيه وجهان.
ولو كانت السفتجة بلفظ الأمر، والرسالة، لم يلزم المكتوب إليه الدفعُ.
ومن أصحابنا من قال: إذا اعترف بالخط، لزمه، وهو غير صحيح.
قال: وللوكيل أن يعزل نفسه متى شاء، وللموكل أن يعزله متى شاء؛ لأن الوكالة عقد إرفاق على تصرفٍ في المستقبل، ليس من شرطه تقدير [العمل، لا الزمان]؛ فكان لكل من العاقدين فسخه؛ كالجعالة.
والمعنى في ذلك: أن الموكل قد يبدو له في الأمر الذي أناب به، أو في إنابة ذلك الشخص، وقد لا يتفرغ له الوكيل، والإلزام يضر بهما، أو يسد باب الإعانة من جهة الوكيل.
ثم لا فرق فيما ذكرناه بين أن يتعلق لثالث بالوكالة حقٌّ - كما في بيع المرهون - أو لا، ولا بين أن تكون الوكالة بصيغة الأمر [أم لا] [ولا بين أن تكون بجعل] أو: لا.

وحكى الرافعي عن بعض المتأخرين فيما إذا كانت الوكالة بصيغة الأمر –كقوله: بع، أو أعتق – أن الوكيل لا ينعزل برد الوكالة، وعزل نفسه؛ لأن ذلك إذن، وإباحة؛ فأشبه ما إذا أباح الطعام لغيره؛ فإنه لا يرد برد المباح له؛ وأن الإمام أورد هذا على سبيل الاحتمال قلت: وظاهر كلامه يقتضي تسليم ما ادعاه في الإباحة، وهو قضية قول الإمام: إنه لا أثر لقوله: رددت الإباحة.
وكلام الشيخ في المهذب يقتضي خلاف ذلك؛ فإنه استدل بجواز عزل الوكيل نفسه، وعزل الموكل له: بأنه إذن في التصرف في ماله؛ [فجاز لكل منهما إبطاله؛ كالإذن في أكل الطعام.
وفي بحر المذهب حكاية وجه فيما إذا دخل الوكالة العوض]: أنها لازمة، كالإجارة؛ وهذا أبداه الرافعي احتمالاً؛ بناء على أن الاعتبار بمعاني العقود، دون ألفاظها.
ثم صيغة العزل: أن يقول [الوكيل]: عزلت نفسي من الوكالة، أو يقول الموكل: عزلتك عنها، ويقوم مقام ذلك قول أحدهما: سخت الوكالة أو: نقضتها، وكذا لفظ الإزالة، والصرف.
وأما العزالضمني، فحصل بخروج ما تعلق به التوكيل عن الموكل بالبيع، والإبراء، والعتق، والطلاق، والحجر – في بعض الصور – ونحو ذلك.
فرع: لو وكل زيداً ببيع سلعة سماها، ثم قال وكلت عمراً بما وكلت به زيداً، لم يكن ذلك عزلاً؛ على الأصح، وكانا وكيلين له في بيعها.
وفي الحاوي في كتاب الوصية: أن بعض أصحابنا قال: إنه يكون عزلاً للأول.
قال: وإن عزله، ولم يعلم الوكيل، انعزل في أحد القولين؛ لأنه رفع عقد لا يعتبر فيه رضا أحدهما؛ فلا يعتبر فيه علمه به؛ كالطلاق.
ولأنه لما لم يكن [علمه] معتبراً في سخ الوكالة بالشرع – كما بالجنون

ونحوه – ولا بفسخها ضمناً ببيع الموكل فيه اتفاقاً –ففي فسخها بصريح العزل أولى؛ وهذا هو الأصح.
قال: دون الآخر؛ لأن الوكالة تشتمل على شيئين: أحدهما: التصرف.
والثاني: الإمساك، ثم ثبت أن الإمساك باق بعد العزل حتى يعلم به الوكيل؛ فكذلك التصرف.
ولأن نفوذ العزل قبل بلوغ الخبر إليه يسقط البت بتصرفه.
وحكى ابن الصباغ: أن من أصحابنا من حكى هذا الخلاف وجهين مبنيين على قولين نص عليهما الشافعي فيما إذا وكل في استيفاء القصاص فتنحى به الوكيل، فعفا الموكل، ثم قتله الوكيل -: أن الوكيل هل يجب عليه الضمان أم لا؟ وقد أجرى هذا الخلاف – أيضاً- في انعزال القاضي قبل بلوغ الخبر إليه، لكن الصحيح فيه عدم الانعزال؛ لكثرة الوقائع وعسر تتبعها بالنقض.
وأجرى – [أيضاً] – في نسخ الحكم قبل بلوغ الخبر.
وبعضهم جزم بأن من شرط النسخ بلوغ الخبر، وتمسك فيه بعدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل قباء بإعادة ما صلوه إلى بيت المقدس بعد نسخ القبلة.
التفريع: إن قلنا بالأول، فتصرف الوكيل بعد العزل باطل، لكن لا يقبل قول الموكل فيه إلا ببينة، أو تصديق من تعلق حقه بالتصرف.
ولو سلم ما باعه بعد العزل فهل يصير ضامناً للسلعة؟ حكى في البحر أن القاضي أبا الطيب قال: رأيت المحصلين من أصحابنا [لم يزيدوا على بطلان التصرف، ولم يتعرضوا لذكر الضمان.

ورأيت بعض أصحابنا] في الكلام مع المخالف سلم أنه إذا سلمها [للمشتري، ضمن وإن قلنا بالثاني، فبلغ الوكيل العزل ممن يقبلي روايته، انعزل حينئذ، دون ما [إذا] كان المبلغ صبيًّا أو فاسقاً؛ كذا حكاه الرافعي.
ويظهر أن يكون الحكم في ذلك ما في بلوغ الخبر بالبيع إلى الشفيع.
قال: وإن خرج الوكيل، أو الموكل عن أن يكون من أهل التصرف بالموت، أو الجنون، أو الإغماء – انسخت الوكالة؛ لأنه لا يملك التصرف بنفسه، فمن هو من جهته من طريق الأولى.
وحكى عن صاحب التقريب: أنه تردد جوابه في الانعزال بالجنون الذي يطرأ ويزول عن قرب، فضبط الإمام موضع التردد بألاَّ يكون امتداده بحيث يبطل المهمات، ويحوج إلى نصب القوام.
وفي بحر المذهب نسبة عدم الانعزال في هذه الحالة إلى ابن سريج.
وحكى الغزالي وجهاً مطلقاً: أنه لا يتقضي العزل.
وقال القاضي الحسين: عندي في الإغماء إشكال؛ لأن المنصوص فيه أنه يلزمه قضاء الصوم.
وقال في كتاب الحجر: ظاهر المذهب: أنه لا يتقضي العزل، وحكاه غيره وجهاً، وهو الأظهر عند الإمام، وكذلك صححه في الوسيط، لكنه احتج له بأن المغمي عليه لا يلتحق بمن يولي عليه، والمعتبر في الانعزال التحاق الوكيل أو الموكل بمن يولي عليه.

وقد صرح في بحر المذهب بحكاية الخلاف في هذه الحالة عن رواية القاضي أبي علي الزجاجي، وأن مدته إن طالت، اقتضت العزل.
وحكى في كتاب الشركة: أن الإغماء إن استمر حتى مضى عليه وقت صلاة واحدة- انفسخت الشركة، وإن لم يمض [ذلك] فلا.
فروع: إذا خرج أحدهما عن أن يكون أهلاً للتصرف بالردة – على قول- نُظِر: فإن كان الموكل، بطلت الوكالة فيما خرج عن أن يكون من أهل التصرف [فيه].
وإن كان الوكيل، فلا عند الجمهور، وخلافاً لما حكاه المتولي.
وإن خرج بالفلس؛ انعزل وكيله فيما لا ينفذ تصرفه [فيه بنفسه] في حال الفلس، ولا ينعزل هو عن وكالة غيره؛ على الأصح؛ بناء على أن الحَجْر لا يتعدى لنفسه.
وإن خرج بالسفه، انعزل وكيله عما لا يصح تصرفه فيه في حال سفهه، وكذلك هو ينعزل في ذلك وحكم طريان الرق على الموكل والوكيل بالاسترقاق حكم طريان السفه.
وطريان السكر هل يقتضي العزل؟ قال القاضي الحسين في كتاب الحجر: إن قلنا: إن طلاقه [لا ينفذ، اقتضاه، وإلا فلا.
وقال هاهنا: إن قلنا: إن طلاقه] يقع فلا ينعزل، وإن قلنا: لا يقع؛ هو كالإغماء.
وطريان الفسق يقتضي العزل فيما العدالة شرط فيه.
قال: وإن وكل عبده في شيء، ثم أعتقه احتمل أن ينعزل؛ لأنها من جهة السيد أمر؛ بدليل أن العبد يلزمه الامتثال، إذا كان كذلك، زالت بالعتق؛

كسائر الأوامر.
واحتمل ألاَّ ينعزل؛ مكا لو وكل زوجته، ثم طلقها.
وقد حكى الإمام [والرافعي] [هذا] اختلافاً عن ابن سريج، وأنه مبني على أنه توكيل محقق، أو استخدام وامر؟ فإن قلنا بالأول، بقي الإذن بحاله؛ لأنه صار أكمل مما كان.
وإن قلنا بالثاني، ارتفع الإذن؛ لزوال الملك؛ وهذا ما اختاره في المرشد، وقال في البحر: إنه اختيار ابن سريج.
وعلى هذا لا يشترط قبوله.
ولو قال العبد قبل العتق: عزلت نفسي، فهو لغو.
وقد حكى الإمام عن العراقيين في هذه المسألة: أن أمره على سبيل الإلزام كدأب السادة في استخدام العبيد، فإذا أعتقه، انقطع الأمر.
وإن نص على التوكيل وقرنه بالتخيير، فقال: [قد] وكلتك في هذا، ولم أكلفك بحكم ملكي، فإذا أعتقه لا ينعزل، وإن أطلق، ففي المسألة وجهان، واستحسن هذا.
ثم قال: "وصاحب التقريب أطلق الوجهين، ولم يفصل، [ولا يبعد] حمل الأمر على عموم الزمان".
انتهى.
وقد أقام بعضهم هذا وجهاً فارقاً بين أن تكون الصغية صيغة [أمر؛ فينعزل، وبين أن تكون صيغة] توكيل؛ فلا.
ثم الخلاف يجري – كما حكاه العراقيون – فيما إذا وكله، ثم باعه.
وحكاه الإمام مرتباً على العتق، وأولى بألاَّ يكون عزلاً، وضعف الفرق.
ثم إذا قلنا: لا ينعزل، فعليه استئذان السيد [الثاني] فيما يفتقر فيه إلى إذنه

في الابتداء، ولو تصرف [فيه] من غير إذنه – نفذ.
وأبدى الإمام فيه احتمالاً.
وقد أجرى بعضهم الوجهين فيما إذا توكل عن أجنبي بإذن السيد، ثم أعتق، أو بيع؛ كما حكاه ابن الصباغ، وغيره.
وبعضم جزم بعدم الانعزال، وقال في البحر: إنه الأشبه.
وقال في الحاوي فيما إذا باعه: إن الوكالة بطلت، لكن إذا أذن له السيد الجديد، هل يكتفي به حتى لا يحتاج إلى إعادة الوكالة [أو لا يكتفي به]؟ فيه وجهان: [أصحهما: الثاني].
والكتابة كالبيع والإعتاق في جريان الوجهين.
فروع: إذا وكله في بيع شيء، ثم أجره، قال في التتمة: انعزل الوكيل.
وإن قلنا بجواز بيع المستأجر؛ لأنه علامة على الندم؛ لأن من يريد بيع شيء، لا يؤجره؛ فإنها تقل الرغبات في المبيع.
وكذا لو زوج الجارية.
وفي طحن الحنطة وجهان: والعرض على البيع، وتوكيل وكيل آخر – لا يقتضي العزل.
قال: وإن تعدى الوكيل – أي: فيما وكِّل فيه –مثل: إن انتفع به بوطء، أو استخدا، لم يكن فيه مصلحة، أو جعله في غير حوزةً.
قال: انسخت الوكالة – [أي:] فيما تعدى يه، دون غيره – لأنها عقد أمانة؛ فبطلت بالخيانة؛ كالوديعة؛ وهذا ما قال الإمام: إنه المذهب؛ كما هو

قضية كلام الشيخ.
فعلى هذا لا يملك التصرف إلا بعقد جديد وإن أحدث له استئماناً.
ولا يجري هذا القول فيما إذا [تعدى بالقول، مثل: إن باع بأقل من ثمن المثل، ونحوه، ولم يسلم؛ لأنه لم يجر منه تعدٍّ فيما وكل فيه؛ كما صرح به في البحر.
ويتجه أن يجيء فيه وجه؛ كما حكاه الماوردي فيما إذا] أوصى المودع بالوديعة لغير أمين ولم يسلمها: أنه يضمن إذا تلفت قبل موته؛ لأنه سلطه عليها بالإيصاء؛ نظراً لهذه العلة.
قال: وقيل: لا تنفسخ؛ لأن الوكالة تضمنت الأمانة، والتصرف، فإذا بطل أحدهما، لم يبطل الآخر؛ كعقد الأمانة لما تضمن الأمانة والوثيقة، لم تبطل الوثيقة ببطلان الأمانة، ويخالف الوديعة؛ فإنها لاشيء فيها غير الأمانة؛ وهذا هو الأصح في البحر، وغيره.
فعلى هذا إذا باع؛ نفذ بيعه، وما يقبضه من الثمن يكون أمانة في يدهن ومتى يزول عنه الضمان؟ قال القاضي أبو الطيب: عندي أنه يزول بمجرد البيع؛ لأنه صار ملكاً للمشتري.
وقال غيره من الأصحاب لا يبرأ إلا بالتسليم، وهو الذي صححه المتولي هنا.
وقال في كتاب الغصب: إذا وكل الغاصب في بيع المغصوب صح، [ثم] إذاباعه يحكم ببراءته عن الضمان، فإن انفسخ العقد قبل التسليم بتلف

المبيع، أو مقابلِهِ، فإن قلنا: إن التلف يرفع العقد من أصله، كان المبيع من ضمان الوكيل، وإن قلنا: من حينه، فلا؛ لأن الضمان فرع الملك والملك تجدد؛ فلا يجب الضمان إلا بسبب مجدد، ولم يوجد؛ لأن المالك رضي بيده.
قلت: وهذا البناء يقتضي أني كون الصحيح أنه يبرأ بنفس العقد، كما صرح به القاضي، وصار إليه.
ولو انفسخ العقد بسبب العيب، فالذي رآه ابن الصباغ: أنه يعود مضموناً على الوكيل بعد قبض المشتري له؛ لأن المشتري قبض لنفسه، لا للموكل، فحكما بالبراءة؛ لأجل ذلك، فلما فسخ العقد، انفسخ القبض؛ فعاد الضمان؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين في تعليقه، ونسبه في البحر إلى بعض الأصحاب.
ثم قال: والصحيح عندي: أنه لا يعود مضموناً عليه؛ لأن فسخ القبض من وقته، لا من أصله – على أصلنا – فلا يضمن [ما ثبت] بسبب حادث؛ وهذا ما جزم به المتولي في كتاب الغصب، وإن كان الرد قبل القبض؛ بناء على أنه لا يرفع العقد [من] أصله، على الصحيح، والله أعلم.
ولنختم الباب بفروع تتعلق به: [أحدها:] شهادة الوكيل لموكلهبما وكله فيه غير مسموعة في حال وكالته، وكذا بعد عزله؛ إن انتصب فيها مخاصماً، وإن لم ينتصب مخاصماً، فوجهان، أصحهما: القبول.
قال الإمام: وقياس المراوزة: أن يعكس؛ فيقال: إن لم يخاصم، تقبلشهادته، وإن كان قد خاصم، وعزل، فوجهان.
ورأى أن هذا فيما إذا جرت الشهادة على تاوصل، أما إذا طال الفصل؛ فالوجه: القطع بقبول الشهادة مع احتمال فيه.
[الفرع الثاني:] الوكيل بالخصومة لا يملك الإقرار على موكله، لكنه إذا

أقر بما لو ثبت، لم يكن للوكيل المخاصمة، لا يثبت ذلك بالنسبة إلى الموكل، وانعزل الوكيل.
وحكى ابن كج وجهاً: أنه لا ينعزل.
والوكيل بالخصومة من جهة المدعي عليه لا يقبل منه تعديل بينة المدعي؛ كما حكاه الإمام؛ لأنه كالإقرار في كونه قاطعاً للخصومة، وليس للوكيل قطع الخصومة بالاختيار.
وقال في الوسيط: لا شك أن تعديله [وحده] لا ينزل منزلة إقرار الموكل بعدالتهم، لكن ترك شهادته [فيها] مطلقاً بعيدٌ؛ لأن التعديل غير مستفاد من الوكالة.
[الفرع الثالث:] إذا وكله في السلم في شيء، فأسلم فيه الوكيل، ولم يصرح بالسفارة، ثم أبرأ الوكيل المسلم إليه من ذلك - نفذت البراءة ظاهراً.
وإذا أنكر المسلم إليه أن المسلم وكيل؛ فالقول قوله مع اليمين على نفي العلم، وللموكل الرجوع على الوكيل إذا أوجبنا الغرم بسبب الحيلولة؛ كما هو الأظهر، لكن بماذا؟ الذي حكاه الإمام عن العراقيين - وهو موجود في كتبهم -: أنه رأس المال؛ فإنه لو رجع بقيمة المسلم فيه، كان اعتياضاً [عنه].
[وهذا منهم بناء على اعتقادهم: أن أخذ البدل اعتياض؛ كما حكيناه عنهم في باب القرض]، واستحسنه الإمام، وكذلك جرى عليه الغزالي في الوسيط، وهو مناقض لما حكاه في باب السلم: أنه يجوز أن يأخذ القيمة عنه؛ للحيلولة، [وقياسه] أن يأخذ منه هاهنا المثل، هكذا قال الرافعي: إنه [رآه] في تعليق أبي [حامد]، وهو محمول على ما إذا كان المسلم فيه مثليًّا.

ثم على ما قاله الغزالي هاهنا من أن [أخذ] القيمة عن المسلم فيه اعتياض –سؤال؛ لأنه جزم عقيب المسألة فيما إذا باع عيناً بطريق الوكالة، وأبرأ عن الثمن – بأن الوكيل يضمن للموكل مبلغ الثمن، لا قيمة المبيع، وكان قياس قوله في المسلم فيه: ألا يضمن الوكيل إلا بدل المبيع؛ لأن هذا يكون اعتياضاً عن الثمن من غير مَن هو عليه، [وهذا] لا يصح على الصحيح عنده وعند بعضهم؛ كما نبهت عليه في أواخر القرض، والله أعلم.
[الفرع الرابع] – لو وكل وكيلين على الاجتماع والافتراق، ثم عزل أحدهما، [ولم يعين،] فوجهان في البحر: أحدهما: أن كل واحد منهما على جواز التصرف ما لم يعلم أنه المعزول.
والثاني: أن كل واحد منهما معزول عن التصرف.
[الفرع الخامس:] لو وكل عشرة أنفس على الاجتماع، ثم قال: عزلت أكثرهم، انعزل منهم ستة، وإذا عينهم هل لمن بقي [منهم] التصرف في ذلك الشيء؟ فيه وجهان في البحر.
[الفرع السادس:] إذا جحد الوكيل الوكالة، هل يكون ذلك عزلاً؟ فيه ثلاثة أوجه في الوسيط: أصحها: ثالثها، وهو إن [قال ذلك] عن نسيان، أو لغرض في إخفائها – فلا، وإن أنكر مع العلم، فهو رد من جهته.
قال الرافعي: ولم أعثر على هذه المسألة في النهاية، ولكن اورد قريباً من هذه الأوجه في أن إنكار الموكل التوكيل، هل يكون عزلاً؟ قلت: الذي حكاه الإمام في إنكار الموكل وجهان: أصحهما: ألاَّ يكون عزلاً [وأشهرهما: أن يكون عزلاً]، وأبدى الثالث احتمالاً.

وقال في كتاب التدبير: لو قال الموكل بعد ثبوت الوكالة [لوكيله]: [لست بوكيلي]، وجب القطع بخروجه عن كونه وكيلاً، بعد أن حكى الوجهين في [أن] إنكار الوكالة هل هو عزل أم لا؟ والله – عز وجل – أعلى وأعلم بالصواب.

باب الوديعة

الوديعة: اسم لعين يضعها مالكها، أو من يقوم مقامه من ولي ونائب، عند آخر؛ ليحفظها له.
وهي مأخوذة من: ودع الشيء يدع، إذا سكن واستقر؛ فكأنها مستقرة ساكنة عند المودع.
وقيل: من قولهم: فلان في دَعَةٍ: أي: [في] خفض من العيش؛ لأن الوديعة في دعة من المودع غير مُبْتَذَلة بالانتفاع.
وبما ذكرناه من القيود تخرج العين في يد الملتقط، والثوب إذا طيَّره الريح إلى دار آخر ونحوه؛ فإن حكمه مغاير لحكم الوديعة، كما سنذكره.
ويقال: أودعته: دفعت إليه وديعة، وأودعته: قبلت منه وديعته، كذا حكى عن الكسائي.
قال الأزهري: والأول معروف دون الثاني.
والمودع - بكسر الدال - صاحب المال، وبفتحها: من عنده المال.
والأصل في مشروعية الودعية قبل الإجماع: من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]،وقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ...﴾ [الآية] [آل عمران: 75].
ومن السنة: قوله صلى الله عليه وسلم ["عَلامَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَ قَالَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ

أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ"، وقوله صلى الله عليه وسلم:] "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَك"، خرجه الترمذي عن أبي هريرة، وقال: إنه حسن صحيح.
وما روي أنه صلى الله عليه وسلم كانت عنده ودائع، فلما أراد الهجرة إلى المدينة تركها عند أم أيمن، وخلَّف عليًّا ليردها إلى أهلها.
و [من] المعنى: أن بالناس حاجة إلى التعاون بها ماسة، وضرورةً حاقَّةً لعوارض الزمان؛ فلأجل ذلك جوزت.
ولا شك في استحباب قبولها إذا كان الذي عرضت عليه أميناً قادراً على القيام بها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ".
وقد تجب إذا لم يكن ثَمَّ من يصلح لها غيره، وخاف إن لم يقبل أن تهلك، كما صرح به في "المهذب" وغيره.
وهو محمول على أصل القبول دون أن يتلف منفعة نفسه وحرزه من غير عوض، كما نبه عليه الشيخ أبو الفرج.
وقال في "المرشد": لا يجوز له في هذه الحالة أخذ الأجرة على الحفظ؛ لأنه صار واجباً عليه، وإنه يجوز له أخذ أجرة مكانِها.
ولو كان ممن يعجز عن القيام بها ولا يثق بأمانة نفسه، لم يجز له قبولها، صرح به في "المهذب" وغيره.
ولو كان يقدر على حفظها إلا أنه غير واثق بأمانة نفسه: فمنهم من يقول: لا يجوز له القبول.

ومنهم من يقول: يكره، وسيأتي – إن شاء الله تعالى – [ذكر قريب] من ذلك في "باب اللقطة".
قال الإمام: وقد تردد أئمتنا في تسمية الوديعة عقداً [أم لا]، وإن سبب الاختلاف الاتفاق على أن القبول من المودع ليس بشرط.
وقال القاضي الحسين: إن الخلاف مبني على أن الصبي إذا أتلف مال الوديعة هل يجب عليه الضمان؟ وفيه قولان، فإن قلنا: لا يجب، فهي عقد، وإلا فلا.
والذي يدل عليه إطلاق الجمهور: أنها عقد، وكذلك قال الشيخ: وللمودِع والمودَع فسخها.
قال الإمام: وليس للاختلاف في أنها عَقْدٌ فائدةٌ فقهية.
قلت: بل له فوائد، ذكر هو منها فائدتين في باب الزيادة في الرهن؛ حيث قال: لو أودع بهيمة أو جارية فولدت في يد المودَع، ففي ولدها وجهان: أحدهما: أنه وديعة.
والثاني: لا، وهذا القائل يقولك إنه ليس مضموناً؛ بل هو كالثوب تهب به الريح فتلقيه في دار إنسان، ثم قال: وهذا الخلاف له التفات على خلاف الأصحاب في أن الوديعة له عقد أم لا.
وهذا ما صرح به القاضي الحسين هاهنا وغيره.
ثم قال الإمام: ومن أدنى آثار الخلاف: أنه لو أودع وشرط شرطاً فاسداً، فمن جعل الوديعة عقداً أفسدها، ولابد من ائتمان جديد، وألا كان كما لو طيَّر الريح الثوب.
وإن لم يجعل الوديعة عقداً فالشرط لا يؤثر فيها أصلاً، بل يلغو الشرط الفاسد، ويبقى موجب الإيداع، وحكى القاضي الحسين في باب الوكالة [طريقة] ثالثة – حكاها عنه الغزالي هاهنا – وهي أن المودَع إذا عزل نفسه

في غيبة المودِع هل ينعزل؟ وفيه وجهان ينبنيان على أن الوديعة عقد أم لا؟ فإن قلنا: ليست بعقد، فلا ينعزل؛ لأن ابتداءه بالفعل [فكذا رفعه وجب أن يكون بالفعل].
وإن قلنا: إنها عقد، فإذا عزل نفسه انعزل، وتنقلب أمانةً، فإن هلكت قبل التمكن من الرد على المالك لم يضمن، وبعد التمكين [على وجهين]، ومراده: أنها تنقلب أمانة -أي: من جهة الشرع - كما إذا طير الريح الثوب.
وقد صرح في "الوسيط" وغيره بجريان الخلاف في طيران الثوب، كما صرح به القاضي عند التلف بعد العزل.
والمجزوم به في طرق العراق - كما حكاه ابن الصباغ في كتاب الرهن وغيره -: أنه متى تمكن من الرد في مسألة طيران الثوب ونحوها، فلم يعلم المالك بها ولم يرد: أنه يضمن، مع الجزم بأن الوكيل إذا عزل لا يضمن ما لم يطالب بالرد فيمتنع منه، وفرق أبو الطيب بأنه وضع اليد على العين في الوكالة بإذن صاحبها، بخلاف الثوب، وهذا بعينه موجود في الوديعة؛ فإن وضع اليد عليها كان بإذن مالكها.
وقد حكى الإمام في مسألة طيران الثوب إلى داره أن ذلك بمنزلة الالتقاط، وفيه خلاف، وقال هاهنا: إنه حكاه في فصل الركاز من كتاب الزكاة.
فإن جعلناه لقطة لم يَخْف حكمه، وإن لم نجعله لقطة فهو أمانة، وفي وجوب الإشعار بها تردد، والظاهر: أنه لا يجب طلب المالك؛ فإن وجوبَ التعريف في معاضرة تسليط الملتقط على التملك، وذهب بعض أصحابنا إلى وجوب الإشعار به.
قال - رحمه الله -: لا يصح الإيدا إلا من جائز التصرف؛ لأنه تصرف في المال فلم يصح من الصبي، والمجنون، والسفيه والعبد- إن جعلنا له ملكاً - كالبيع.

قال: إلا عند جائز التصرف؛ لأن مقصوده حفظ المال فافتقر إلى من هو أهل له والعبد وإن كان أهلاً للحفظ لكن منافعه مستحقة للسيد.
قال: فإن أودع صبيٌّ مالاً ضمنه المودع؛ لوضع يده عليه بغير إذن معتبر كالغاصب.
قال: ولا يبرأ إلا بالتسليم إلى الناظر في أمره؛ كما لو غصبه، وفي هذا الحصر نظر؛ فإن الصبي لو أتلف المال المودع من غير تسليط من المودع عنده عليه، فالذي يظهر: براءته؛ فإن فعل الصبي لا [سبيل إلى إحباطه] وتضمينه مال نفسه محال؛ فتتعين البراءة، وحينئذ يحمل كلام الشيخ على البراءة بالتسليم لا بغيره.
واعلم أن إطلاق الشيخ تضمينَ الأخذ محمولٌ علىما إذا لم يخشَ المودَع من تلف المال باستهلاكه له إن لم يقبله.
أما إذا خشي عليه فقد حكى في "المهذب" و"التهذيب" في وجوب ضمانه إذا تلف في يده في هذه الحالة وجهين؛ بناء على ما إذا أخذ المحرم صيداً من جارحةٍ هل يضمن؟ وفيه وجهان، وجه المنع: أنه وضع يده عليه من غير ائتمان.
وفيما قالاه نظر من حيث إن أخذ الوديعة في هذه الحالة من جائز التصرف واجب، كما حكينا عنهما التصريح به من قبل فمن الصبي أولى، وإذا كان الأخذ واجباً لم يتجه جعله مضموناً؛ لأن الضمان سببه التعدي، والتعدي مع الوجوب لا يجتمعان، والمسألة المبني عليها الخلاف لا يجب فيها تخليص الصيد من الجارحة، ولو فرض وجوبه كان إيجاب الضمان مشكلاً لما ذكرناه وقد اختار في "المرشد" عدم الضمان [كما هوا لصحيح في المسألة المبني عليها].

قال: وإن أودع صبيًّا مالاً، فتلف عنده بتفريط أو غير تفريط – لم يضمنه؛ لأنه لا يلزمه الحفظ فلم يلزمه الضمان؛ كما لو تركها عند بالغ من غير إيداع، وإن فرط فيه.
قال: وإن أتلفه ضمنه؛ لأنه لم يسلطه على الإتلاف فضمنه؛ كما لو أذن له في دخول داره لأكل شيء فأتلف غيره، وهذا ظاهر المذهب في "البحر"، والأظهر في "الشامل".
قال: وقيل: لا يضمن؛ كما لو باع منه شيئاً وسلمه إليه.
والفرق على الأول: أن البيع يتضمن التسليط على التصرف، بخلاف الإيداع، وقد حكى بعض الأصحاب هذا الخلاف قولين، وبعضهم وجهين، وهو يجري بعينه في السفيه، كما صرح به أبو الطيب في كتاب الحجر وغيره.
وأجراه الماوردي أيضاً فيما لو أعار من السيه شيئاً فأتلفه.
وإذا أودع من العبد: فإن تلف في يده فلا ضمان، وإن أتلفه: فإن قلنا: يضمن الصبي بالإتلاف، تعلق الضمان [برقبة العبد]، وإن لم نضمِّن الصبي تعلق الضمان بذمة العبد لا برقبته.
قال: ومَنْ قَبِلَ الوديعة لزمه حفظها؛ لأنه مقصود الوديعة وقد التزمه، ومن هاهنا يؤخذ أن الوديعة لا تتم إلا بالقبول، ومن ضرورته الإيجاب؛ إذ لا يعقل قبول بدونه، أما ما يقوم مقام القبول فقد يعقل انفراده كما إذا قال الأب: اشتريت من نفسي هذا لولدي؛ فإنه يكتفي به على رأي.
وقد اتفق الأئمة على أن الإيجاب هاهنا لابد منه، وأنه يتعين فيه اللفظ الدال على الاستحفاظ؛ كقوله: استودعتك هذا، أو: أودعتك، أو: اسحتفظتك، أو: أَنَبْتُك في حفظه، أو: احفظه، أو: هو وديعة عندك، وما في معناه.
فلو وضعه بين يدي غيره ولم يتلفظ بشيء لم يحصل الإيداع – وإن كان قد قال قبل ذلك: أريد أن أودعك – حتى لو قبضه صار ضامناً له.

وأما القبول فقد قال في "الوسيط": إن في اشتراطه لفظاً ما ذكرناه في الوكالة، وهاهنا أولى بألا يشترط؛ لأنها أبعد عن مشابهة العقود؛ وسوى بينهما في "الوجيز" حيث قال: وصيغتها كصيغتها.
ومقتضى هذا: أنه لابد من القبول باللفظ على رأي مطلقاً كما صرح به في "التهذيب"، وبعضهم بناه على قولنا: إن الوديعة عقد، وبعضهم يفصل بين أن يكون بصيغة العقود، أو بصيغة الأمر.
وعلى رأي – وهو مذهب العراقيين -: أنه يحصل بالقول والفعل، فعلى هذا: إذا قال: أودعتك هذه، ووضعها بين يديه، وقبل ذلك، أو وضع يده عليه، أو قال: ضعه – كما حكاه في "التهذيب"، تمت الوديعة، وإن لم يوجد شيء من ذلك فلا ضمان على المودَع إذا تركها.
وفي "التتمة": أن الإيداع لا يتم بقوله: ضعه، ما لم يقبضه.
وفي "فتاوى" الغزالي: أن الوضع إن كان في يده، فقال: ضعه-دخل المال في يده، وأنه لو قال له: انظر إلى متاعي في دكاني، فقال: نعم – فهذا التماس؛ لكونه على سبيل التبرع؛ فلا يضمن بتركها.
فرع: لو قال: أودعتك هذا بعد شهرٍ – صح، جزم به في "البحر"، وفي "حليته"، وقال الرافعي: القياس تخريجه على الخلاف في تعليق الوكالة.
ولو قال: أودعته لك اليوم وفي الغد لا يكون وديعة [، كان وديعة في الكل.
ولو قال: أودعته لك على أن ترده غداً،] وبعد غد يكون وديعة، فلم يردها، وتلفت في اليوم الثالث – ضمن، صرح به في "البحر".
قال: في حرز مثلها؛ لأن الإطلاق يقتضيه، وله أن يحرزها بمن [يثق به] استانة، مثل أن يقول لغلامه: احفظها في الصندوق ونحوه، صرح به في "البحر"، وغيره نسبه إلى ابن سريج.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا فعل ذلك من غير ضرورة ضمن.
ولعله

محمول على ما إذا فعل ذلك وترك الملاحظة؛ فإن الإمام حكى في هذه الحالة تردداً، وأن في بعض التصانيف التصريح بالمنع، و [أن] الذي يشعر به فحوى كلام الأئمة الجواز.
أما إذا كان مع ذلك ملاحظاً لها فلا وجه له.
قال الإمام: ولو كان الموضع الذي هي فيه خارجاً عنه، وكان لا يلاحظها أصلا، وفوض الحفظ إلى من يتصل به من ولد وزوجة وجارية – فالظاهر تضمينه.
ولا نزاع في أن له أن ينقل الوديعة من الموضع الذي أحرزها فيه إلى غيره، سواء كان مثله أو فوقه [أو دونه إذا كان حرز مثلها؛ كما لو وضعها فيه ابتداء، ولا فرق بين أن ينقلها مع ماله أو دونه].
قال الماوردي: وقياس قول الإصطخري أنه إن أحرزها مع غير ماله أو نقلها مع غير ماله ضمن، كما سنذكره عنه في الدابة.
قال: فإن قال: لا تقفل عليها قفلين، أو: لا ترقد عليها، فخالفه في ذلك – لم يضمن؛ لأنه زاده خيراً بمبالغته في الحفظ.
قال: وقيل: يضمن – أي: إذا سرقت؛ لأنه أغرى بها السارق.
قال القاضي أبو الطيب: والصحيح الأول، وهو ما قاله الشافعي، ولا اعتبار بما ذكر هذا القائل؛ لأنه لو قال: عندي وديعة وحالها كذا وصفتها كذا، فسمعه لص، سرقها – لم يضمن؛ فأولى إذا نبه عليها بالنوم ألا يضمن.
قلت: وما قاله القاضي من الاستشهاد قد يمنعه القائل بهذا الوجه، وقد حكى العبادي: أن رجلاً لو قال للمودَع: عندك لفلان وديعة؟ فأخبر بها ضمنها؛ فإن كتمانها من حفظها، فإذا أخبره فقد ترك الحفظ، وقال بعض

الخراسانيين: إن هذا الوجه إنما إذا قال المالك ذلك خشية من إغراء السارق، أما لو قاله تحقيقاً عن المودع فلا يضمن وجهاً واحداً.
ولو تلف الصندوق بالرقاد عليه أو ما فيه ضنه وجهاً واحداً.
وجزم القاضي الحسين بعدم الضمان في الصندوق إذا كان محرزاً، وقال فيما إذا كان في خزانة [غير محرزة: ينظر] إن سرق من جوانبه ضمن؛ لأن المالك إنما أمره بألا يرقد عليه حتى يحفظه من الجوانب، وقد اء التلف من جهة المخالفة.
وإن سرق من رأس الصندوق لم يضمن؛ لأن التلف لم يأت من ناحية المخالفة.
وهذا أصل، وهو إذا شرط المالك شرطاً لا يقتضيه مطلق الإيداع، فخالفه المودع؛ لكونه رأى الاحتياط في تركه، فإن جاء التلف من ناحية المخالفة ضمن، وإلا فلا.
وحكى التمولي فيما إذا سرق من الجانب وجهين، قال الرافعي: أظهرهما – وهو المذكور في "الوجيز" -: أنه يضمن؛ لأنه إذا رقد عليه فقد أخلى جنب الصندوق، وربما لا يتمكن السارق من الأخذ إذا كان بجنبه، وهذا مصور بما إذا كان الجنب الذي سرق منه لو لم يرقد على ظهره لكان قد رقد فيه، وقد أجرى الخلاف في الأصل فيما لو قال: لا تقفل عليها فقفل، أو: لا تغلق باب الدار، فأغلقه، أو: لا ترقد عند الصندوق، فرقد عنده.
تنبيه: تاء "تقفل" مضمومة، وفاؤه مكسورة، يقال: أقفل يقفل.
وقاف "يرقد" مضمومة، يقال: رَقَدَ يرقد رقداً ورقوداً ورقاداً، إذا نام، فهو راقد، وهم رقود، وهي راقدة، والرقْدَة: النومة.
والمرَرْقَد: المضجع، والمُرْقُدِ: دواء معروف يُرْقِدُ من يشربه.
قال: وإن قال له: احفظ في هذا الحرز، فنقله إلى ما دونه –ضمن، أي: وإن كان حرز مثله؛ لأنه لم يرضَ به، وحكى أبو الفرج الزاز وجهاً غريباً أنه لا يضمن إذا كان حرز مثله.

ولو نقله إلى مثله أو فوقه لم يضمن، وحمل التعيين على تقدير الحرز به دون التخصيص الذي لا غرض فيه، كما إذا استأجر أرضاً لزراعة الحنطة؛ فإن له زراعة مثلها.
وقيل: إن تلفت بسبب انهدام الثاني ضمن؛ لأنه جاء من جهة المخالفة؛ كما لو اكترى دابة فوضعها في الإصطبل ووقع عليها.
وإن تلفت لا بسبب النقل، بأن كانت حيواناً فمات لم يضمن، حكاه المتولي، وألحق السرقة من الثاني مع سلامة الأول بالانهدام، ووافقه عليه صاحب "التهذيب".
قال الرافعي: ولفظ "الوجيز" في الإجارة يقتضي إلحاق السرقة والغصب بالموت، وكذلك أورده بعضهم.
وحكى الإمام: أن في كلام صاحب "التقريب" وجهاً ثالثاً، وهو أنه إن نقل إلى مثله ضمن، وإن نقل إلى خير منه لم يضمن.
ومحل ما ذكرناه: إذا كان الحرز للمودَع، أما إذا كان للمالك فوجهان في "الحاوي": أحدهما: أن الحكم كذلك؛ تغليباً لحكم الحفظ المعين.
والثاني: لا يجوز، ويضمن؛ اعتباراً بالتعيين القاطع للاختيار.
قال: وإن نهاه عن النقل عنه، فنقله إلى مثله، أي: من غير خوف، وتلف بسبب الثناي – ضمن؛ لمخالفته، وهذا ظاهر كلام الشافعي، واختاره في "المرشد".
وقد أشار الغزالي إلى ما ذكرته بقوله: لا بأس بالعدول عن جهة حفظه إلى مثلها، لكن لو أفضى المعدول إله إلى التلف وجب الضمان، وهو مستمد من القاعدة التي قررها القاضي الحسين.
قال: وقيل: لا يضمن؛ لتساوي الحرزين، وهذا قول أبي سعيد الإصطخري

وابن أبي هريرة، ومحله - كما صرح به المتولي والماوردي وغيرهما -: إذا كان البيت مختصًّا بالمودَع، أما إذا كان مختصًّا بمالك الوديعة بسبب ملك أو إجارة أو إعارة ضمن وجهاً واحداً إذا لم يخف الهلاك، وعلى هذه الحالة حمل الإصطخري كلام الشافعي، وقد أجرى هذا الخلاف فيما لو نقله عند النهي إلى حرز فوق المعين.
قال: وإن خاف عليه الهلاك في الحرز فنقله لم يضمن، أي: وإن كنا نضمِّنه به لو لم يخف؛ لوقوف الاحتياط في هذه الحالة على النقل، ولا فرق في هذه الحالة بي أن ينقل إلىمثل الأول أو دونه إذا كان حرز مثله، ولابين أن يكون ملكاً للمودَع أو للمودِع.
وفي "التتمة" تخصيص جاوز النقل إلى ما دون الأول بما إذا لم يجد سواه، أما إذا وجد فعليه الضمان؛ لأنه خالف غرضه.
قال: فإن لم ينقله حتى تلف ضمن، أي: مع عصيانه؛ لتغريره به، وهذا ما جزم به الماوردي.
قال: وقيل: إذا نهاه عن النقل [، أي: وإن كان عاصياً]- لم يضمن؛ لأنه مطيع له؛ فأشبه ما لو قال له: أتلف مالي، فأتلفه.
والقائل الأول حمل النهي على حالة السلامة؛ إذ هو الذي يقتضيه العرف.
قال: وإن قال: لا تنقل وإن خفت عليه الهلاك، فخاف الهلاك فنقل - لم يضمن؛ لأنه موضع غرر وقد زاده خيراً، وقيل: ضمن؛ للمخالفة.
ولو لم ينقل أثم على القولين معاً، صرح به المتولي؛ وكلام الغزالي في "الوسيط" يقتضي خلافه.
وقد بنى الغزالي والمتولي هذا الخلاف على ما إذا غصب من الغاصب ليرد على المالك فهلك في يده: هل يضمن؟ وفيه وجهان.
وبناه الماوردي على خلاف حكاه عن أبي إسحاق المروزي فيما إذا وكل في شراء عبد بعشرة، ونهى الوكيل عن الشراء بدونها: فهل الشرط صحيح حتى لا

يصح الشراء بدونها، أو يُلْغَى حتى يصح؟ وفيه وجهان، وأنهما جاريان هاهنا، فإن قلنا: الشرط صحيح، ضمن بالإخراج [ولا يضمن بالترك، إن قلنا: إنه مُلْغَى، فلا يضمن بالإخراج، وهل] يضمن بالترك؟ فيه وجهان؛ كما إذا قال: لا تعلف الدابة، فلم يعلفها حتى ماتت، والصحيح في غيره: أنه إذا أخرج أو ترك لا يضمن، والقائل بالضمان عند الترك هو الإصطخري.
وقد أجرى القاضي الحسين الخلاف المذكور في النقل عند خوف الهلاك فيما إذا دفع إليه ثوباً، وأمره بتحريقه، فتركه في يده حتى تلف.
فرع: إذا نقل الوديعة من ظرف إلى ظرف [، فقد أطلق الغزالي أن الظرف] إن كان للمالك لا يضمن.
وأطلق مطلقون – والحالة هذه – أنه يضمن؛ كما لو نقلها من بيته.
قال الرافعي: والذي يتلخص من كلام الأصحاب: أنه إن لم يَجْرِ فتح قفل ولا فض ختم ولا خلط، ولم يعين المالكُ ظرفاً – فلا يضمن بمجرد النقل، سواء كانت الصناديق للمودع أو للمالك، وإن جرى شيء من ذلك، فإن كان فضًّا أو فتحاً ضمن.
قلت: وفيه شيء سأذكره: فإن كان قد عين الظر وهو للمالك ففي الضمان وجهان وجه عدم الضمان – وهو الأصح-: أن الظرف [والمظروف وديعتان ليس فيه إلا أنه حفظ أحدهما في حرز والآخر في غيره، وإن كانت] الظروف للمودع فهي كالبيوت بلا خلاف.
قال: وإن قال: اربطها في كمك، فأمسكها في يده – ففيه قولان: أحدهما: يضمن؛ لأن الكم أحرز من اليد؛ فإنه قد يسهو فيرسل يده يسقط ما فيها، بخلاف الكم، وإذا كان كذلك شابه ما لو قال: احفظ في هذا الحرز، فنقل إلى ما دونه وهذا ما رواه الربيع في "الأم".

قال: والثاني: لا يضمن؛ لأن الكم يقدر الطرَّار على بَطِّهِ دون اليد فكانت أحرز، وهذا ما نص عليه في "المختصر" و"الجامع الكبير"، وهو موافق للنص فيما إذا نقل الوديعة من الحرز المعين إلى أحرز منه.
قال: وقيل: يضمن قولاً واحداً؛ لما تقدم، وهذا هو الصحيح، والقائلون به منهم من حمل ما نقله المزني [على ما إذا ربطها في كمه وترك اليد عليها؛ لأنه زاد خيراً، ومنهم من حمله] على ما إذا تلفت بأخذ غاصب؛ لأن اليد احرز بالإضافة إليه، وهو ما اختاره الشيخ ابو حامد، وحكى الرافعيُّ أن لفظ النص في "عيون المسائل" مصرح بهذا التنزيل.
وقيل: إن تركها في يده للخوف عليها في الكم لم يضمن، وإلا ضمن.
ولو امتثل امره فربطها في كمه فلا يحتاج مع ذلك إلى الإمساك باليد، لكن ينظر: إن جعل الخيط خارج الكم فأخذها الطرَّار ضمن؛ لأنه فيه إظهار الوديعة وحلُّه وقطعه أسهل، وإن ضاع بالاسترسال وانحلال العقد لم يضمن إذا كان قد احتاط في الربط؛ لأن الذي سقط يبقى في الكم، ولوجعل الخيط الرابط داخل الكم انعكس الحكم.
قال الرافعي: وذلك مشكل؛ لأن المأمور به مطلق الربط، فإذا أتى به وجب ألا ينظر إلى جهة التلف، بخلاف ام إذا عدل عن المأمور به إلى غيره فأفضى إلى التلفن وإن قضية هذا أن يقال: إذا قال احفظ في هذا البيت، فوضعها في زاوية منه، فانهدمت عليها – يضمن؛ لأنها لو كانت في زاوية أخرى لسلمت، ومعلوم أنه بعيد.
تنبيه: قوله: اربطها، هو بكسر الباء على المشهور، وحكى الجوهري عن الأخفش ضمها.
وربط، ربِط ويربُط، ربطاً: أي شد.
والكم: جمعه: أكمام، وكِمَمة، بكسر الكاف وفتح الميم.
قال: وإن قال: احفظها في جيبك، فجعلها في كمه – ضمن؛ لأن الجيب أحرز من الكم؛ فإن الكم قد يرسله فيسقط ما فيه، بخلاف الجيب.
قال: وإن قال: احفظها في كمك، فجعلها في جيبه –لم يضمن؛ لأنه زاده

خيراً، وفيه وجه ضعيف: أنه يضمن.
ولو كان الجيب واسعاص غير مَزْرُورٍ ضمن.
تنبيه: الجيب من جاب يجوب، إذا قطع، يقال: جبت القميص، أجوبه وأجيبه: أي قَوَّرْتُ جَيْبَهُ.
قال: وإن أراد سفراً ولم يجد صاحبها [ولا وكيله]، أي: في تسليم تلك العين خاصة، أو في قبض أعيان أمواله كلها – قال: سلمها إلى الحاكم؛ لأن المالك لوكان حاضراً وجب عليه القبول، فإذا كان غائباً ولا وكيل له ناب الحاكم عنه في ذلك عند الحاجة إليه؛ كما لو خطبت المرأة وليها غائب فإن الحاكم ينوب عنه في التزويج، ويجب على الحاكم في هذه الحالة القبول، بخلاف ما لو أراد الرد على الحاكم من غير سفر، كما سنذكره.
وحكى الإمام فيما إذا كان سفره عن اختيار من غير حاجة ولا ضرورة مرهقة اختلافاً عن العلماء المتكلمين في أحكام الأمانات، والشريعة محتاجة إليها، وليس للفقهاء اعتناء بها.
قال: فإن لم يكن [سلمها إلى] أمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عنده ودائع بمكة، فلما أراد الهجرة سلمها إلى أم أيمن، واستخلف عليًّا – كرم الله وجهه – في ردها.
وهل يجب على المودِع الإشهاد على الأمين؟ فيه وجهان، فإن لم يشهد على وجه الوجوب ضمن.
والمراد بالأمين: من يأمنه المودِع غيره، كما صرح به في "البحر".
وحكى الرافعي عن رواية الشيخ أبي حاتم القزويني وجهاً: أنه يشترط أن يكون الأمين بحيث يودع المودِع عنده ماله، وأن الظاهر خلافه.
وقد أشار الماوردي إلى هذا الوجه – أيضاً – وقال: إنه قياس قول الإصطخري، كما سنذكره في إيداع البهيمة.

ولو كان الحاكم غير مأمون كان وجوده كعدمه، صرح به الماوردي.
قال: فإن سلم إلى أمين مع وجود الحاكم ضمن، قال القاضي أبو الطيب: لأن أمانة الحاكم مقطوع بها؛ فإنه لا يُوَلَّى إلا بعد أن تعرف عدالته ظاهراً وباطناً، وليس كذلك الواحد من الرعية؛ لأن عدالته إنما تثبت من طريق الظاهر؛ فكان عُدُوله عن الحاكم إلى الأمين غيرجائز، كعدول الحاكم عن النص إلى الاجتهاد؛ لأنه إذا دفع الوديعة إلى الحاكم، حفظها بولاية على صاحبها؛ لأن ولايته في حفظ مال الغائب، وليس كذلك غيره، وهذا ظاهر قوله في الرهن، وبه قال أبو سعيد الإصطخري، وابن أبي هريرة، وابن خيران، واختاره الشيخ أبو حامد وصححه القفال، وصاحب "التهذيب" وغيرهم، وبه جزم بعضهم.
قال: وقيل: لا يضمن؛ لأن القصد الحفظ، وهما في الحفظ سواء، ولأنه يجوز له الدفع إليه عند عدم الحاكم فجاز مع حضوره كالدفع إلى الوكيل، وهذا ظاهر النص هاهنا، وبه قال أبو إسحاق، واختاره في "المرشد"، وقال صاحب "البحر" والبندنيجي: إنه المذهب: وبه قطع بعضهم؛ فيحصل به في المسألة ثلاثة طرق: القطع بالضمان.
القطع بعدمه.
إجراء قولين.
وسلك الإمام طريقاً آخر فقال: إن سلمه إلى أمين مع وجود المالك أو وكيله أو الحاكم ضمن، وإن سلمه إليه عند خلو البلد عنهم فظاهر النص هاهنا: أن له ذلك.
وقال الشافعي في كتاب الرهن: العدل الذي أودع الرهن عنده، لو أراد سفراً فأودع ما عنده إلى أمين ضمن، وإنما قال ذلك في شُغُور المكان عن الحاكم، فلم يَرَ علماؤنا بين المسألتين فرقاً، وجعلوا المسألتين على قولين، ولا شك في أنه إذا وجد المالك فرد عليه وجب عليه القبول، وله الرد على الوكيل مع وجود المالك، وله مطالبة الوكيل بالإشهاد جزماً، وإن كان قد قبض الوديعة

منه كما قاله الماوردي، وهل يجب؟ فيه وجهان، وهل له مطالبة المالك بالإشهاد؟ فيه ثلاثة أوجه تقدم ذكرها في الوكالة.
ولو سلم إلى الحاكم مع وجود المالك أو وكيله ضمن.
وعن الشيخ أبي حامد رواية وجه: أنه لا يضمن؛ لأن أمانة القاضي أظهر من أمانة المودع فكأنه جعل الوديعة في موضع آخر.
فعلى هذا: لو دعاه المودع للإشهاد كان مخيراً بينه وبين إعلام مالكها بالاسترجاع؛ فإن أخذها واجب عليه، وهل يجب على الحاكم القبول في هذه الحالة؟ قال في "التهذيب": نعم.
وفي الرافعي: أنه لا وجه لوجوبه عليه إذا كان التسليم إلى المالك متيسراً.
فرع: إذا أودع أميناً عند إرادة السفر بشرطه، [ثُم قدم] المودع وأراد أن يسترد الوديعة من الأمين هل له ذلك؟ أبدى الإمام فيه احتمالاً، وقرَّبه من الخلاف في أن وكيل الوكيل [هل هو بمنزلته حتى يعزل بعزله وجنونه، أم هو وكيل الموكل؟] والذي أجاب به العبادي: أن له استرجاعها، وعلى ذلك يدل قول الغزالي في "الوسيط"، والمتولي حيث قالا: لو ادعى الأمين الرد على المودع قبل قوله دون دعواه الرد على المالك.
قال: وإن دفن في دار، أي: المال المودع عند جواز إيداعه الأمين.
قال: وأعلم به أميناً يسكن الدار، لم يضمن على ظاهر المذهب؛ لأن ما في الدار في يد ساكنها فكأنه أودعه إياها، وهذا ما حكاه في "المهذب" و"التهذيب".
قال: وقيل: يضمن، ويفارق إذا أودعها عنده؛ لأنه إذا أودعها إياه فقد أزال يده عنها وجعلها في حكم الوديعةن وليس كذلك هاهنا؛ لأنها على حكم يده ولم يجعلها في يد غيره فلزمه الضمان، كذا وجهه القاضي أبو الطيب.
فعلى الأول – وهو الذي اختاره في "المرشد" –يشترط أن تكون الدار حِرْزاً

مثله، وهل يكتفي بإعلام أمين واحد، أم لابد من إعلام رجلين ممن تقبل شهادتهما، أو رجل وامرأتين؟ فيه وجهان في "الحاوي".
وعلى الثاني: لابد من أن يحضر الدفن، ولا يلزمه أن يأذن لهما في النقل عندالخوف؛ لأن المغلَّب على ذلك الشهادة.
وعلى الأول – وهو قول ابن أبي هريرة، والظاهر في "الرافعي" – يجوز ألا يحضره، ويكتفي بإعلام ثقة، رجلاً كان أو امرأة؛ مراعاة لحكم الائتمان: وعلى هذا: هل يلزمه أن يأذن له في النقل إن حَدَث بمكانها خوف؟ فيه وجهان.
فإن لم نوجبه، فنقلها الأمين عند الخوف فهل يضمن؟ فيه وجهان في "الحاوي".
ولو لم يُعْلِمْ بما دفنه أحداً، أو أعلم به غير ساكن الدار، أو ساكنها لكنه غير أمين ضمن.
وألحق الإمام – كما حكاه الرافعي – في إعلام المراقب للدار من الجوانب أو من فوقها، مراقبةَ الحارس بإعلام الساكن، والذي وقفت عليه في "النهاية": أن بعض الأئمة أطلق الاكتفاء باطلاع الأمين مع كون الموضع حرزاً، وحكى عن أئمة العراق ما ذكره الشيخ واستحسنه، ثم قال: ولست أدري في ذلك خلافاً بين الطرق.
والاطلاع الذي ذكره غير العراقيين محمول على ما ذكره العراقيون، ولكنهم بينوه وفصَّلوه: فإن كانت الدار خالية والمطلع لا يدخلها، ولكنه يرعاها من فوق رعاية الحارس أو من الجوانب فلا يكاد يصل إلى الغرض، وإن أحاطت بالدار حياطته، وعمَّها في الجوانب برعايته – فهذه اليد التي تليق بالوديعة، وهي التي عناها العراقيون، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يجوز أن يعلم من هو بعيد عنها؛ بناء على أن المغلَّب على هذا الإعلام الخبر، وطرده في الاكتفاء بإعلام العبد.
وقد صور الجيلي المسألة بما إذا دفن في الدار مع قدرته على الحاكم أو

أمينه؛ فتكون حقيقة الخلاف راجعة إلى جواز إيداع الأمين مع وجود الحاكم أو أمينه أو نائبه، وما قاله هو ما حكاه البندنيجي، والأكثرون على خلافه.
واعلم أنه كما يجوز الإيداع بعذر السفر - كما تبين - يجوز بسائر الأعذار، كما إذا وقع في البقعة حريق أو غارة أو خاف الغرق ولم يجد حرزاً ينقلها إليه.
قال الرافعي: وليكن في معناه ما إذا أشرف الحرز على الخراب، ومن طريق الأولى يجوز الإيداع عند خوف الموت بحدوث مرض مخوف وما في معناه.
فإن لم يودع مع الإمكان، أو لم يوصِ بها عند عدمه حتى مات - ضمن.
قال الرافعي: لكن كأنا نتبين بالموت أنه كان مقصراً من أول ما مرض، أو يلحق التلف إذا حصل بعد الموت بالتردي في بئر حفرها متعدياً.
وفي "التهذيب": أن الوصية تكفي وإن أمكن الرد إلى المالك؛ لأنه لا يدري متى يموت، وإذا أوصى فليُشْهِدْ؛ صوناً لها عن الإنكار.
ويشترط أن يكون الموصى إليه أميناً، وهل يشترط أن يكون ممن يوصي ماله إليه حتى لو أوصى بماله لشخص وبالوديعة لآخر هل يضمن؟ فيه وجهان في "الحاوي".
ولو أوصى إلى فاسق وسلم إليه ضمن، وإن لم يسلم وتلف قبل الموت فهل يضمن؟ فيه وجهان في "الحاوي".
ولو قال: عندي وديعة لفلان، ووصفها، ولم توجد في تركته.
قال أبو إسحاق: لا يضارِب المقَر له بها مع الغرماء؛ لأنها أمانة فلا يضمن بالشك، وبهذا أجاب في "التهذيب"، وخالفه غيره.
قال في "المهذب": وهو ظاهر النص.

ولو وجد في تركته أثواب بذلك الوصف ضمن.
ولو وجد ثوب واحد ففي "التهذيب" و"التتمة": أنه ينزل عليه، ومنهم من أطلق أنه يكون ضامناً.
ولو مات المودَع ولم يوص، فادعى المالك أنه قصر في الإيصاء، وقال الورثة: لعل الوديعةتلفت قبل أن يوصف بالتقصير.
قال الإمام: فالظاهر براءة الذمة، ولا خلاف أنه إذا مات فجأة أنه لا يضمن بترك الإيصاء.
فرع: لو سافر المودَع بالوديعة فهل يضمنها؟ ينظر: إن لم يجد من يودعه إياها وكان السفر مأموناً والحضر مخوفاً، جازت المسافرة، ولا ضمان.
وإن كان الحضر مأموناً أيضاً، فلا يجوز على النص، وبه قال أبو إسحاق، وصححه صاحب "التقريب"، فإن سافر بها ضمن.
وقال ابن أبي هريرة: يجوز، ولا ضمان؛ لاستواء الأمين في الحالين وفضل حفظها له بنسه، وحمل قول الشافعي على حالة الخوف، وهذا ما اختاره القفال.
وقال الرافعي: إنه أظهر عند المعظم، وبه جزم في "المهذب" وقال: إنه يلزمه أن يسافر بها وإن سافر بها مع إمكان إيداعها ضمن.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل