كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يشتري له، بخلاف ما لو قال: أعطوه عبداً.
قال: وإن قال [أعطوه] طبلاً، أي من طبولي، وليس له إلا طبل لهو، وهي التي تعرف بالكوبة: طبل المخنثين، ضيق الوسط واسع الطرفين.
قال: أو عوداً أو مزماراً فإن كان ما يصلح منه للهو يصلح لمنفعة مباحة؛ أي: من غير زوال، [ما سمي] في الوصية عنه- دفع إليه؛ لأنه وصى بما يمكن الانتفاع به.
وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة إلا بزوال اسم ما نطق به في الوصية- لم يصح؛ لأنه على تلك الهيئة لا منفعة فيه، وعلى غيرها لم تتناوله الوصية؛ كذا أطلقه الجمهور، ومنهم القاضي الحسين، والشيخ في المهذب، ووافق الإمام على ذلك في مسألة الطبل إذا لم يكن من شيء نفيس.
وقال فيما إذا كان من شيء نفيس، كذهب أو عود: إن الوصية تنزل عليه، وكان أوصى برضاضِ إذا كسر، والوصية قابلة للتعليق، وقياس هذا أن يطلق في باقي الصور، وفي الحاوي في مسألة العود: إذا كان لا يصلح لغير اللهو إلا بعد تفصيله وتخليعه، فصل ودفع إليه.
وقال: إن الكلام في المزمار كذلك، وقياسه: أن يطرد في الطبل أيضاً، وحينئذ يجتمع من مجموع منا نقلناه ثلاثة أوجه؛ كما [هي مذكورة] في البيع.
أما إذا لم يقل عند الوصية: بطبل من طبولي، بل أطلق لفظ الإعطاء، أعطي طبل حرب، وهي التي تضرب للتهويل، أو طبل لهو تصلح لمنفعة مباحة.
ولو قال: من طبولي، وله طبول حرب لا غير، أعطي واحداً منها، وكذا ما هو في معناه كما سنذكره.
وإن كان [له] طبول لهو وحرب، أعطي طبل حرب، إذا لم يكن في طبول اللهو ما يصلح لمنفعة مباحة، ويقدر كأنه لم يكن سواها، وإن كان فيها ما يصلح [لمنفعة مباحة] تخير الوارث بين أن يعطيه ذلك أن يعطيه طبل حرب [منها]؛ صرح به الماوردي، والقاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وغيرهم،
وكذلك الفوراني، وقال: إن كان في طبوله طبل حرب وطبل العطار، وهو الذي يوضع فيه العطر، [كالسَّفَطِ]: يخير الوارث في إعطاء أحدها.
قال الرافعي والمتولي: وكذلك إذا كان فيها طبل الحجيج والقوافل، وهو الذي يضرب؛ لإعلام النزول والارتحال.
قال القاضي الحسين: وكذلك طبل البان.
وعند الإطلاق للوارث أن يشتري أحدها ويدفعه إليه.
ثم إذا صحت الوصية بالطبل، قال الشافعي- رضي الله عنه-: فإن لم يقع اسم الطبل عليه إلا وجلده عليه، لم يجز أن يعطيه إلا وجلده عليه، بخلاف العود إذا صحت الوصية به؛ فإنه لا يعطى الوتر؛ لأن اسم العود يقع عليه بغير وتر؛ كذا حكاه البندنيجي عنه، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: العلة غير هذا، وهو أن الوتر لا يصلح لغير الضرب.
وكما لا يعطيه [الوتر؛ لا يعطيه] ما عداه مما هو من توابعه؛ كالملاوي التي يكون عليها الأوتار، والمضارب، والحمار وهو: الخشبة التي يركب الوتر عليها ويحز فيها مواضع الوتر.
وكذا لا يعطى عند صحة الوصية بالمزمار المجمع، وهو الأبيض الذي يجعله الزامر بين شفتيه ويزمر به.
ثم لا فرق فيما ذكره الشيخ في الوصية بالعود بين أن يطلق أو يقول: من عيداني، وليس له إلا عود لهو، أو له عود لهو وعود بناء، وهو الذي لا يصلح إلا للبناء، وعود قسى ونبال، وهو الواحد من الخشب، الذي يصلح لأن يتخذ منه القسي أو النبال؛ لأن المفهوم من العود عند الإطلاق الذي يضرب به.
وأطلق في التتمة فيما إذا قال: أعطوه عوداً، ولا عود له: أنه يشتري له ما لو كان موجوداً في ماله أمكن تنفيذ الوصية بالعود فيه، وعن بعض العراقيين من أصحابنا: أنه كالوصية بالطبل على التفصيل الذي ذكرناه.
قال الرافعي: وللقائل به أن يقول للأولين: إذا كان الاستعمال في عود اللهو
أظهر، وجب أن يصرفوا [قوله:] أعطوه عوداً من عيداني، وليس له إلا عود بناء وقسي- إلى عود اللهو، وتلغو الوصية، وقد قلتم بالصحة.
قال: وإن قال: أعطوه قوساً، دفع إليه قوس ندف أو قوس رمي؛ لأن اسم القوس يطلق عليهما، إلا أن يقرن به ما يدل على أحدهما؛ فيحمل عليه؛ للقرينة.
ثم قوس الرمي [الذي] يطلق على قوس النبل، [وهو قوس العرب، وعلى قوس النشاب]، وهو الذي يرمى بالسهام، وعلى قوس الحسبان، وهو الذي يرمى بالسهام أيضاً، لكن سهامه صغار لا يراها الإنسان حتى تقع فيه، وهما للعجم، وعلى قوس الجلاهق، وهو قوس البندق، ثم ما ذكره الشيخ هو ما حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق المروزي، حيث قال: إن اسم القوس يطلق على الأنواع الثلاثة، ما لم يكن في كلامه ما يدل على أحد الأنواع الثلاثة، وعني بالأنواع: الجلاهق، والندف، وما عداها.
ثم قال: فإن كان في كلامه ما يدل على نوع منها، أعطي ما دلت القرينة عليه، فإن قال: قوساً يرمى عنها، أعطي من الثلاث؛ يعني: قوس النبال، وقوس السهام الكبار، والصغار، وإن قال: يندف بها، أعطي قوس ندف.
والجمهور على أنه عند الإطلاق يدفع إليه قوس النبال أو النشاب، أو الحسبان؛ كما يراه الوارث؛ لأنه السابق إلى الفهم، ولا يعطى الجلاهق وقوس الندف.
وهذا ما جرى عليه في المهذب، وهو ظاهر النص في المختصر.
قال الإمام: وقوس النداف إنما سمي قوساً؛ لكونه شبيهاً بالقسيِّ؛ لمكان أوتارها، لا يوضع الاسم عليه، وكذا [قوس] الجلاهق، هكذا ذكره الشافعي- رضي الله عنه- وأطبق عليه الأئمة.
ولو جرت الوصية في ناحية لا يعرف فيها إلا نوع واحد من هذه الأنواع، فهذا يخرج على التردد، والمذكور في الوصية بالدابة.
فرع: إذا قال: أعطوه أي قوس الرماة شئتم انطلق على ما ذكرناه، ولو قال: أعطوه أي قوس يقع عليه اسم قوس، قال في الأم: كان لهم أن يعطوه ما يقع عليه الاسم، سواء كان قوس نداف أو غيره، ولو قال: أعطوه قوساً من قسي، وليس له إلا جلاهق وقسي نداف.
قال البندنيجي: أعطى أيها شاء الوارث، وجزم الماوردي والمصنف والرافعي: أنه يعطى في هذه الحالة الجلاهق؛ لأنها أخص بالاسم.
واعلم أنه يجب إعطاء الموصى له القوس معمولة يمكن الرمي عنها، فلو بذلها الوارث قبل الفراغ منها، لم يجبر على قبولها، وهل يجب له الوتر؟ حكى العراقيون فيه وجهين، أصحهما وبه جزم الماوردي: لا؛ لخروجه عن مسمى القوس.
وذكر الإمام عنهم حكاية الخلاف، فيما إذا أوصى بقوس وكان عليها الوتر، أو أوصى بقوس من قسي كلها موتورة، ثم قال: أما إذا لم يكن على القسي أوتار، وقال: اشتروا قوساً وسلموها إليه- فلا يجوز أن يتخيل خلاف في أنه لا يجب ضم وتر إلى القوس الموصي بها، وإن ما ذكر من الخلاف في خول الوتر تحت الوصية بالقوس، يجب طرده في بيع القوس الموتورة.
قال: وإن أوصى بأن يحج عنه، أي: حجة الإسلام، فإن كان من رأس المال، أي: إما بتصريحه، أو بحملنا الوصية عليه- حج عنه من الميقات؛ لأنه الواجب عليه في حياته بالشرع.
قال: وإن كان من الثلث، أي: إما بتصريحه [به] أو بحملنا الوصية عليه، فقد قيل: يحج عنه من الميقات، كما لو جعله من رأس المال، وهذا ما ادعى القاضي الحسين أنه الذي عليه [عامة] الأصحاب في الصورتين، والشيخ في المهذب في الصورة الأولى، وفي الثانية [يكون ذلك] من طريق الأولى.
وفي المسألة وجه آخر: حكاه الماوردي: أنه يحج عنه من بلده؛ لأنه كان الواجب في الأصل هكذا لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] قال
عمر وعلي وابن عباس- رضي الله عنهم- كما حكاه القاضي أبو الطيب: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فإذا أوصى به عاد إلى الأصل.
قال: وقيل: إن كان قد صرح بأنه من الثلث حج [عنه] من بلده؛ لما ذكرناه.
وإن لم يصرح حج عنه من الميقات؛ لأن المؤنة تكون من رأس المال، وهذا قول أبي إسحاق المروزي؛ لأن من مذهبه عند تقييد الوصية بالثلث: أن يحج عنه من بلده، وعند الإطلاق [أن] يكون من رأس المال جزماً؛ فيكون من الميقات.
قال الماوردي: وما قاله أبو إسحاق عند التصريح بأنه من الثلث، وهو الظاهر من كلام الشافعي، رضي الله عنه.
فإن قلت: لا يحسن أن يحمل [قول] الشيخ: وإن لم يصرح حج عنه من الميقات، على ما ذكرت؛ لأن الشيخ فرع على ما إذا كان الحج من الثلث وهذا يؤدي إلى التفريع على أنه من رأس المال.
قلت: الشيخ ذكر أولاً: ما إذا كان الحج من رأس المال، وفرع عليه، وذكر ثانياً: ما إذا كان الحج من الثلث وفرع عليه، ونهاية التفريع [قوله] فقد قيل: يحج عنه من الميقات، وأشار إلى قول من ذهب إلى أنه يحج عنه من بلده كما ذكرنا، وهو خلاف ما عليه الأكثر، ثم عاد وذكر قول أبي إسحاق في الحالتين، ولا بدع في ذلك، وهو أولى من أن يحمل على شيء لم يقل به غيره، نعم حكى القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق، زيادة [على] ما ذكرته، وهو أنه عند إطلاق الوصية تكون مؤنة الحج من بلده إلى الميقات من الثلث، وباقي المؤنة من رأس المال، وهذا ما حكيته عن أبي علي بن خيران في تقدير النصين، وقد رأيت في تعليق القاضي الحسين، عند الكلام في وجوب الحط عن المكاتب، أن
المزني قال بمثل ذلك فيما إذا أوصى بأن يحج عنه من بلده.
وحكى في الإبانة فيما إذا أوصى بأن يحج عنه حجة الإسلام من بلده، وكان ثلث ماله يفي بمؤنة الحج من بلده إلى الميقات بعد إخراج مؤنة الحج [من الميقات]- وجهين كالوجهين فيما إذا أوصى بأن يعتق عنه في كفارة اليمين، وكان ثلث ماله بعد إخراج الطعام أو الكسوة يفي بذلك:
أحدهما: تبطل الوصية.
وأصحهما: أنه يعتق عنه كسائر أنواع التبرعات، ويحج عنه من بلده:
فروع:
إذا أوصى بحج التطوع وجوزناه، فإنه محسوب من الثلث، ويحج عنه من الميقات، أو من بلده إن قيد، وإن أطلق فوجهان:
أحدهما: من الميقات؛ حملاً على أقل الدرجات.
والثاني: من بلده؛ لأن الغالب التجهز من البلد، وهذا ما جزم به الماوردي، ونص عليه الشافعي- رضي الله عنه- في عيون المسائل، حيث قال: إذا أوصى بأن يحج عنه متطوعاً، فبلغ ثلثه الحج [من بلده- حج] عنه من بلده.
وإن لم يبلغ، حج عنه من حيث بلغ، قال الماوردي: فإن لم يوجد من يحج عنه من الميقات، ولا فوقه بطلت الوصية وعادت ميراثاً.
وميل الأكثرين إلى الأول، وربما حملوا النص على ما إذا قيد به، إذا قال: أحجوا عني بثلثي، صرف ثلثه إلى ما يمكن من حجتين وثلاث فصاعدا، فإن فضل ما لا يمكن أن يحج به فهو للورثة، وإن لم يُوف ثلثه بحجةٍ، بطلت الوصية.
وكذلك إذا قال: أحجوا عني من ثلثي بمائة، فلم يوجد من يحج بها.
[بطلت الوصية، وعادت ميراثاً، قال الماوردي: ولا تعود إلى الثلث، وفي الإبانة حكاية قول: أنها] لا تبطل ويتصدق بها عنه، حكاه الإمام [عند
الكلام] فيما إذا أوصى أن يشتري بثلثه رقاب وتعتق عنه، ولو قال: أحجوا عني بثلثي حجة، صرف إلى حجة واحدة.
قال في الحاوي: ولا فرق بين أن يسمى من يحج عنه أولاً، ثم إن كان الثلث قدر أجرة المثل أو دونها، جاز أن يعطى ذلك للوارث وغيره، وإن كان أكثر من أجرة المثل، لم يستأجر به إلا أجنبي؛ لأن الزيادة محاباة فلا تجوز للوارث، وحكى في الإبانة: أنه إذا لم يعين أحداً وجهين.
[أحدهما]: لا يحج عنه إلا بأجرة المثل والزيادة للورثة.
والثاني: الصحة، وتكون الزيادة لشخص موصوف بصفة، وهي: أن يحج عنه ذلك الشخص.
وعن القفال أنه قال: وقعت مسألة اختلف فيها فتوى مشايخنا، وهي أن رجلاً أوصى بأن يشتري عشرة أقفزةٍ حنطةً بمائة درهم، ويتصدق بها، فوجدت عشرة أقفزة من أجود حنطة بما دونها.
فمنهم من أجاز أن الزيادة ترد إلى الورثة.
ومنهم من قال: هي وصية لبائع الحنطة.
ومنهم من قال: يشتري بالزيادة حنطة بهذا السعر ويتصدق بها، وهذا الوجه لا يتصور في الحج.
ولو أوصى بأن يحج زيد عنه بألف؛ نظر فإن كان الألف قدر أجرة المثل أعطيت له، سواء كان وارثاً أو غير وارث.
وكذلك إن كان أقل، وإن كان الألف أكثر من أجرة المثل: فإن كان الموصى له أجنبيّاً أعطيت له.
وإن كان وارثاً، فالزيادة على أجرة المثل وصية لوارث، فإن رضي بقدر أجرة المثل دفع إليه، وردت الزيادة للورثة، وإن لم يرض إلا بالألف [كله] استؤجر غيره بأجرة المثل، كما لو امتنع الأجنبي من الحج؛ فإنه يستأجر عنه بأجرة المثل، ويعود الفاضل ميراثاً، وكذا إذا رغب متطوع بغير جعل جاز، ولا يجوز استئجار المعين، وهذا إذا كان الحج فرضاً، فإن كان الحج تطوعاً، وامتنع المعين من الحج، فهل يجوز أن يحج عنه غيره؟ فيه وجهان في
الإبانة، والماوردي أطلق الجواز.
فرع: إذا [استأجر] الوصي أو الوارث زيدا المعين على الحج بخمسمائة، وهو غير وارث، ولم يعلم [المستأجر] بالوصية، فما الحكم؟
هذه المسألة لم أقف فيها على نقل، لكن في الحاوي ما يمكن أن يخرج عليه، وهو [ما] إذا أوصى بشراء عبد [زيد] بألف ويعتقه عنه، فاشتراه الموصي بخمسمائة، وأعتقه عنه والبائع غير عالم بالوصية، فإن [كان] العبد يساوي ألفاً، فيعود الباقي من ثمنه إلى الورثة، وإن كان يساوي خمسمائة، عاد الباقي إلى زيد البائع؛ لأنها وصية له، وإن كان يساوي سبعمائة فالوصية بثلاثمائة فتدفع إلى البائع، وترد المائتان إلى الورثة ميراثاً.
قال: وإن قال: أعطوه جزءاً من مالي، أو سهماً من مالي، أعْطي أقل جزء؛ لأن ذلك لا حد له في اللغة، ولا في الشرع، فأجزأ الأقل؛ لأنه المحقق.
وهكذا لو قال: أعطوه قسطاً من مالي، أو نصيباً من مالي، أو حظّاً من مالي، أو قليلاً أو كثيراً من مالي.
وعن ابن سريج، إبداء احتمال فيما إذا قال: أعطوه سهماً من مالي، أنه يعطى [أقل] الأمرين من نصيب أحد الورثة أو الثلث، كما رواه أبو الفرج الزاز، وعلى المذهب: المرجع إلى تعيين الوارث.
فإن ادعى الموصى له أن الموصي أراد شيئاً مقدراً، وأن الوارث يعرفه، حلف الوارث- إن أنكر- على نفي العلم بإرادة الزيادة؛ كما ذكره الأستاذ أبو منصور، والحناطي، والمسعودي، وغيرهم.
وإن لم يدع علم الوارث به، لم تسمع الدعوى.
قال القاضي الحسين: لأنه لو أقر بجهالته سقطت الدعوى.
وفي التهذيب: أنه لا يتعرض- للإرادة، وإنما يحلف: إنه لا يعلم استحقاقه الزيادة.
ولو ادعى الوارث أن عنده بيان ما أوصى به مورثه، ولم يبين، قال في البحر:
فيه وجهان بناءً على القولين: إذا أقر بمجمل ولم يبين:
أحدهما: يحبس حتى يبين.
والثاني: يرجع إلى بيان الموصى له.
فرع: لو قال: أعطوه ثلث مالي إلا شيئاً، فللوارث أن يعطيه أقل ما يتموَّل.
وعن الأستاذ أبي منصور: أن هذه الوصية وصية بنصف الثلث وشيء، وكذا لو قال: أعطوه ثلث مالي إلا قليلاً؛ والمشهور الأول.
قال: وإن قال: أعطوه مثل نصيب أحد وُرَّاثي، أعطي مثل نصيب أقلهم؛ لأنه نصيب، وهو محقق، والزائد مشكوك فيه.
مثال ذلك: إذا كان له ابنان وبنت، أعطي مثل نصيب بنت، فيجعل كأن للميت ابنان وبنتان، فتكون المسألة من ستة: للموصى له: سهم، وللبنت: سهم، ولكل [واحد من الابنين] سهمان.
ولو كان له بنت، وبنت ابن، وأخت، أعطي مثل نصيب بنت الابن، وهو: سدس؛ [فتكون المسألة] من ستة، وتعول إلى سبعة: للبنت: ثلاثة، ولبنت الابن: سهم، وللأخت: سهمان، وللموصى له: سهم.
ولو كان معهن زوجة، أعطي مثل نصيبها، وتكون المسألة من أربعة وعشرين، وينضاف إليها نصيب زوجة وهو: ثلاثة، تبلغ سبعة وعشرين: للبنت: اثنا عشر، ولبنت الابن: أربعة، وللزوجة: ثلاثة، وللأخت: خمسة، وللموصى له: ثلاثة، فلو كانت الزوجات أربعة، أعطي مثل نصيب واحدة منهن، فالمسألة من أربعة وعشرين، وتصح من ستة وتسعين، [ينضاف إليها مثل نصيب زوجة- وهو: ثلاثة- تبلغ تسعة وتسعين]: للبنت: ثمانية وأربعون، ولبنت الابن: ستة عشر، وللأخت: عشرون، وللزوجات: اثنا عشر: لكل واحدة منهن ثلاثة، وللموصى له: ثلاثة، وعلى هذا فَقِسْ.
وقال البندنيجي في هذه الصورة: إننا ننظر إلى عدد، لثُمُنِه ربعٌ صحيح، وأقله
اثنان وثلاثون، فنجعل المسألة منه، ويُضَمُّ إليه مثل نصيب زوجة وهو: سهم، يبلغ ثلاثة وثلاثين، فيعطى الموصى له سهماً منها، انتهى.
وما قاله لا يصحح المسألة؛ لأن نصيب بنت الابن يبقى منكسراً، وهو من مخرج السدس، وبينه وبين الاثنين والثلاثين موافقة بالنصف، فنحتاج لضرب ثلاثة في ثلاثة وثلاثين، تبلغ تسعة وتسعين، ومنها تصح كما ذكرناه.
وطريق التصحيح في مسألة الكتاب: أن نصحح مسألة الميراث بضرب وغير ضرب، وعول وغير عول، ثم ننظر إلى أقل نصيب، فنزيد على فريضة الميراث ذلك القدر.
وهكذا يفعل فيما إذا [أوصى] بمثل نصيب واحد معين.
ولو كان في مسألتنا أنصباء الورثة متساوية، مثل: إن خلف ثلاثة أولاد:
فلكل ابن ثلث، فتعول المسألة بالثلث، ويقسم المال عليها؛ فيعطي الموصى له الربع؛ لأنا نجعله بمنزلة ولد رابع.
وإن كان للميت أربعة أولاد، فلكل ابن ربع، فيجعل الموصى له بمنزلة ولد خامس؛ فيعطى الخمس.
ولو كانت المسألة بحالها، وأوصى له بمثل نصيب ابن خامس لو كان- أعطى السدس، ويقسم الباقي بين الأولاد الأربعة.
وعن أبي إسحاق: أنه يعطى الخمس، ويقدر الموصى له كأنه الابن الخامس، وهكذا في كل صورة من هذا النوع يفعل.
فرع: لو كان له ابن وبنت، فوصى لواحد بمثل نصيب الابن، ولآخر بمثل نصيب البنت، فإن أراد بمثل نصيب البنت قبل دخول الوصية [عليها]، كان للموصى له بمثل نصيبها الربع؛ فتكون الوصية حينئذ بالخُمُسين والربع.
وإن أراد بمثل نصيبها بعد دخول الوصية عليها، كانت الوصية له بالسدس؛ فتصير الوصيتان بخمسي المال وسدسه، وتوقف على إجازتهم.
قال: فإن قال: أعطوه مثل نصيب ابني، ولا وارث له غيره، كانت الوصية بالنصف؛ لأن الوصية بمثل نصيب الابن تقتضي أن يكون النصيبان مثلين؛ فيلزم التسوية، ولأن الابن يأخذ الكل لولا الوصية، فإذا نزل الموصى له منزلته، فقد أثبت له الكل أيضاً، والمبلغ إذا عال بمثله، كان الزائد مثل المزيد عليه.
ولو قال: بمثل نصيب ابني، وابنه غير وارث؛ لرق أو غيره- فالوصية باطلة؛ لأنه لا نصيب للابن.
ولو قال: بمثل نصيب ابني، وله ابن وبنت، فإن أجازا، قسمت التركة على خمسة: للابن سهمان، وللموصى له سهمان، وللبنت سهم.
وإن ردا، أعطى الثلث، فيقسم المال على تسعة: للموصى له ثلاثة، وللابن أربعة، وللبنت سهمان.
وإن أجاز أحدهما، ومنع الآخر، فسيأتي الكلام في طريق تصحيح ذلك.
وقد نقل المزني فيما إذا قال: أوصيت بمثل نصيب ابني، ولا وارث له غيره- فله النصف، إلا أن يجيز الوارث ذلك.
قال البندنيجي: وهو سهو في النقل والفقه.
وإن قال: بمثل نصيب ابني لو لم أوص لأحد، كانت الوصية بكل المال؛ قاله البندنيجي.
فرع: إذا كانت له بنت، وأخت لأب، أو شقيقة، فأوصى له بمثل نصيب البنت، قال في البحر: ففي قدر ما يستحق الموصى له، وجهان:
أحدهما: الربع، نصف حصة البنت؛ لأنه لَمَّا استحق مع الابن الواحد إذا أوصى له بمثل نصيبه النصفَ؛ لأنه نصف نصيب الابن- وجب أن يستحق مع البنت الواحدة نصف نصيبها، وهو الربع.
والثاني- وهو الأصح وبه جزم الرافعي-: أن له الثلث؛ لأنه يصير مع البنت الواحدة كبنت ثانية؛ كما يصير مع الابن [الواحد] كابن ثانٍ، وللواحدة من البنتين الثلث؛ كذلك للموصى له بمثل نصيب البنت الواحدة: الثلث، وهذا لو
لم يرث مع البنت أو الأخت غيرهما؛ لأن لكل واحدة الانفراد بالنصف، والباقي لبيت المال.
قال الروياني: وعلى هذا، لو أوصى بمثل نصيب أخ لأم، فله في أحد الوجهين: [نصف] السدس، وفي الآخر: السدس، ومقتضى هذا التعليل: أنه لو أوصى بمثل نصيب ابنته وله بنتان، أن يعطى ثلث الثلثين؛ لأنه لو كان له ثلاث [بنات]، لكان لكل منهن ثلث الثلثين.
لكن الرافعي جعل المأخذ فيما إذا أوصى [بمثل نصيب ابنته ولا ابنة له سواها: أن المسألة من اثنين لو لم يكن] وصية، فنزيد على الاثنين سهماً، ونعطيه سهماً من ثلاثة.
وأنه إذا أوصى بمثل نصيب ابنته وله ابنتان، فالوصية بالربع؛ لأن المسألة من ثلاثة لولا الوصية: لكل من البنتين سهم، فنزيد للموصى له سهماً تبلغ أربعة.
وأنه لو أوصى بمثل نصيبهما معاً، فالوصية بخمسي المال لأنها من ثلاثة، ولهما سهمان [من الثلاثة] فنزيد على الثلاثة سهمين تبلغ خمسة.
ولو أوصى [بمثل] نصيب ابنته وله ثلاث بنات، فالوصية بسهمين من أحد عشر سهماً؛ لأن المسألة تصح من تسعة لولا الوصية، ونصيب كل بنت منهن سهمان؛ فنزيد على التسعة سهمين تكون أحد عشر.
وعلى هذا [أبَداً، وهذا مقتضى] الضابط الذي ذكرناه من قبل.
قال: وإن قال: أعطوه ضعف نصيب ابني، [ولا وارث له غيره،] كانت الوصية بالثلثين؛ لأن الضعف عبارة عن الشيء ومثله، كما قاله الفراء وأكثر أهل اللغة، ويعضده ما روى أن عمر- رضي الله عنه- صالح نصارى [بني] تغلب وتنوخ وبهراء، على أن يأخذ منهم الجزية باسم الصدقة، وأن يضاعف الجزية؛ فكان يأخذ منهم مثلى ما يأخذ من المسلمين، من كل مائتين: عشرة دراهم، ومن كل عشرين: ديناراً: [ديناراً].
ويقال: أضعفت الثوب: إذا طويته باثنين.
قال: وإن قال: [أعطوه] ضعفي نصيب ابني، كانت الوصية بثلاثة أرباعه؛ لأن الضعف إذا كان عبارة عن الشيء ومثله، كان الضعفان عبارة عن الشيء ومثليه؛ لأن الضعف ليس شيئاً مستقلاً بنفسه؛ فلا يكون اسماً لمنقول معلوم، وإنما هو من أسماء الإضافة؛ فيقتضي أصلاً ينضاف إليه؛ ألا ترى أنه يقال للضعف في العربية: تضعيفاً؛ [لما يركب] منه حرفان، وانضم أحدهما إلى الآخر، وإذا كان كذلك فقد وجد ما ينضاف إليه؛ فلا حاجة إلى تكرار المضاف إليه.
وقال أبو ثور: تكون الوصية بأربعة أخماسه؛ لأن الضعف إذا كان عبارة عن الشيء ومثله، كان الضعفان عبارة عن أربعة أمثال الشيء؛ وهذا ما حكى الإمام عن الأستاذ أبي منصور أنه قال: إنه القياس، وأنه حكى أن الموصي لو قال: ضاعفوا لفلان ضعف نصيب ولدي، فالضعف أربعة أمثال بلا خلاف، وإنما قال الشافعي- رضي الله عنه- ما قال إذا قال الموصي: أوصيت لفلان بضعف نصيب ولدي، فإذا صرح بتضعيف الضعف، كان كل ضعف ضعفين، ثم قال الإمام: وما قاله سديد، لا يجوز غيره.
وقال في البحر: ما قاله أبو ثور لا يصح؛ لما ذكرناه، ألا ترى أنه لو كان معه مائة، فقال لغلامه: أضعفها، لزمه أن يزيد عليها مائة أخرى، ولو قال: أضعفها مرتين، لزمه أن يزيد عليها مائتين.
وعلى المذهب لو قال: ثلاثة أضعاف نصيب ابني، أعطي أربعة أخماس المال، وعلى هذا القياس.
قال: وإن قال: أعطوه نصيب ابني، فالوصية باطلة؛ لأنه وصى بما هو حق الابن؛ فأشبه ما لو قال: أعطوه دار ابني.
قال الشيخ أبو حامد: وليست هذه المسألة منصوصة، وهذا ما أورده ابن الصباغ، وعزاه القاضي إلى ابن القاص، وأنه قال: قلته تخريجاً، وحكاه الداركي عن أبي إسحاق؛ كما قاله في البحر، ولم يحك القاضي الحسين عن العراقيين
سواه.
قال: وقيل: هو كما لو قال بمثل نصيب ابني؛ لأن الوصية واردة على مال الموصي، فليس للابن نصيب قبل موته، وإنما الغرض من التقدير بما يستحقه من بعد، كما يقال: للمرأة مهر مثلها، ومهر مثلها لا يكون لها؛ وإنما يكون لها مثل مهر مثلها.
وهذا ما أورده الأستاذ أبو منصور، واختاره القفال، والقاضي الحسين، والإمام، والروياني؛ كما حكاه الرافعي؛ فعلى هذا تكون الوصية بالنصف.
وفي التهذيب وجه: أنه يكون موصى له بالكل.
قال: وإن وصى لرجل بالنصف، ولآخر بالثلث، وأجاز الورثة، أخذ كل واحد منهما وصيته؛ لما تقدم.
وإن لم يجيزوا كان للموصى له بالنصف ثلاثة أسهم من خمسة أسهم، أي: هي جملة الثلث، وللآخر سهمان؛ لأن ما قسم على التفاضل عند اتساع المال، قسم على التفاضل عند ضيق المال؛ كالمواريث والديون.
واعلم أن الضابط في تصحيح مسائل الوصايا، مع تصحيح مسائل الورثة: أن تصحح فريضة الميراث بضرب وغير ضرب، وعول وغير عول، ثم ننظر إلى مجيز الوصية، ويعطى نصيب الموصى له، ثم نقسم الباقي على فريضة الميراث، فإن انقسمت عليها فبها ونعمت.
مثاله: أوصى لواحد بربع ماله، وله ثلاثة من البنين، مخرج الوصية من أربعة: الربع للموصى له وهو سهم، والباقي يقسم على البنين الثلاثة.
وإن لم ينقسم الباقي على الفريضة، فللحساب طريقان:
أحدهما: طريق يعرف بطريق النسبة، وهو: أن ننظر إلى نسبة المقدر للوصية من مخرجها من الباقي، ثم نزيد على فريضة الميراث تلك النسبة، فإن كان المقدر للوصية مثل ثلث الباقي، زدت فريضة الميراث مثل ثلثها، وإن كان مثل نصف الباقي [زدت على فريضة الميراث] مثل نصفها، وهكذا، فإن لم يكن
لمسألة الفريضة نصف صحيح، والنسبة النصف مثلاً، [فتضرب] الفريضة في مخرج النسبة، ثم تزيد عليها تلك النسبة.
والطريق الثاني: يعرف بطريق القسمة، وهو: أن يقابل بين الباقي من مخرج مسألة الوصية بعد إقرار الوصية وبين فريضة الميراث، فإن وجدتَ [بينهما] وفقاً صحيحاً، تضرب أقل جزء الوفق من فريضة الميراث في مخرج الوصية، وإن لم تجد بينهما موافقة بجزء صحيح، اضرب جميع فريضة الميراث في مخرج الوصية، فما بلغ قيمته تصح الوصية.
مثال ذلك: إذا أوصى بالثلث وله ثلاثة بنين، فمسألة الوصية من ثلاثة، للموصى له سهم، وهو مثل نصف ما بقي، ومسألة الفريضة من ثلاثة، فعلى طريق النسبة نزيد على فريضة الميراث مثل نصفها، وليس لها نصف صحيح، فنضربها في مخرج النصف، فتصير ستة، ثم نزيد عليها مثل نصفها، وهو ثلاثة، تصير تسعة، ومنها تصح للموصى له ثلاثة، ولكل ابن سهمان.
وعلى طريق القسمة: نقابل بين الباقي من مخرج الوصية بعد إقرار الوصية، وهو سهمان، وبين فريضة الميراث وهي ثلاثة، وليس بينهما موافقة، فنضرب ثلاثة في مخرج الوصية، وهي ثلاثة تبلغ تسعة، ومنها تصح.
ولو كان البنون أربعة، فعلى طريق النسبة: تكون مسألة الفريضة من أربعة، فنزيد عليها مثل نصفها وهو اثنان تبلغ ستة، ومنها تصح: للموصى له سهمان، ولكل ابن سهم.
وعلى طريق القسمة، نقابل بين الباقي بعد إخراج نصيب الموصى له وهو سهمان، وبين مسألة الورثة وهي أربعة، [فإذا كان] بينهما موافقة بالنصف، فنضرب نصف الأربعة في مسألة الوصية تبلغ ستة.
ولو ترك الموصي ثلاث بنات وعصبة، فمسألة الفريضة أصلها من ثلاثة، وتصح من تسعة.
فعلى طريق النسبة: الباقي بعد إخراج نصيب الموصى له سهمان، فنزيد على
مسألة الفريضة مثل نصفها، وليس للتسعة نصف صحيح، فنضربها في مخرج النصف تبلغ ثمانية عشر، ثم نزيد عليها مثل نصفها تبلغ سبعة وعشرين.
وعلى هذا فَقِسِ الزيادة والنقص.
ولو أوصى لواحد بالنصف، ولآخر بالثلث، وأجاز الورثة، فالمسألة من ستة؛ لأن مخرج النصف والثلث من خمسة، فيعطى للموصى له بالنصف ثلاثة أسهم، وللموصى له بالثلث سهمان [وللورثة سهم].
وإن ردوا الزيادة على الثلث، فالثلث للموصى لهما وهو سهم من ثلاثة، لا ينقسم على خمسة، فيضرب مخرج الثلث في مخرج الخمسة، فيصير خمسة عشر، للموصى لهما خمسة وللورثة عشرة.
ولو كانت المسألة بحالها- لكن كان الورثة ابناً وثلاث بنات، وأجازوا- فمسألة الوصية من ستة كما ذكرناه، ومسألة الفريضة من خمسة.
[فعلى طريق النسبة، الباقي بعد نصيب الموصى لهما سهم، والموصي به قدر السهم خمس مرات]، تبلغ ثلاثين: للموصى له بالنصف ثلاثة مضروبة في خمسة [بخمسة] عشر، وللموصى له بالثلث سهمان مضروبان في خمسة بعشرة، والباقي خمسة: للابن سهمان، ولكل بنت سهم.
وعلى طريق القسمة: الباقي بعد نصيب الموصى لهما سهم، ولا وفق له، فنضرب مسألة الفريضة في مسألة الوصية تبلغ ثلاثين، ومنها تصح.
وأما إذا ردوا الوصية بالزائد، فالثلث بين الموصى لهما على النسبة التي كانت تخصهما عند الإجازة، وهي خمسة أسهم، وإذا كان ثلث المال خمسة، فجملته خمسة عشر، للموصى لهما خمسة، وللورثة عشرة، فهي منقسمة عليهم.
وإن أجازوا البعض وردوا البعض، فالطريق في التصحيح: أن تصحح المسألة على تقدير الإجازة، ثم على تقدير الرد، ثم نضرب مسألة الإجازة في مسألة الرد؛ إن لم يكن بينهما وفق، وإن كان بينهما وفق، فنضرب جزء الوفق من أحدهما في كل الآخر، ثم من له شيء من الإجازة- إذا أجاز- أخذه مضروباً في مسألة الإجازة أو في وفقها، [ومن له من مسألة الرد شيء- إذا رد- أخذه مضروباً في مسألة الإجازة أو وفقها].
ومسألة الإجازة هنا قد صحت من ثلاثين، ومسألة الرد صحت من خمسة عشر، وبينهما موافقة [بالثلث]، فنضرب خمسة عشر في عشرة، أو خمسة في ثلاثين تبلغ مائة وخمسين، فإذا كان الابن مثلاً الذي أجاز، فنصيبه من مسألة الإجازة سهمان، نضربهما في خمسة، تبلغ عشرة، وللبنات من مسألة الرد ستة مضروبة في عشرة تبلغ ستين، والباقي وهو ثمانون بين الموصى لهما مقسومة على خمسة: للموصى له بالنصف ثمانية وأربعون، وللموصى له بالثلث اثنان وثلاثون.
وإن كان الذي رد الابن، فله من مسألة الرد أربعة مضروبة في خمسة بعشرين، وللبنات من مسألة الرد ثلاثة أسهم مضروبة في خمسة بخمسة عشر، والباقي بعد ذلك، وهو مائة وخمسة [عشر] بين الموصى لهما مقسوم على خمسة: للموصى له بالنصف تسعة وستون، وللموصى له بالثلث ستة وأربعون.
ولو أجاز الورثة وصية صاحب النصف، وردوا وصية صاحب الثلث، فالموصى له بالنصف يسلم له ما كان يستحقه في مسألة [الإجازة، والموصى له بالثلث يستحق ما كان يسلم له في مسألة] الرد.
وكذلك الحكم فيما إذا أجازوا وصية صاحب الثلث، وردوا وصية صاحب النصف، يكون لصاحب النصف ما كان له في حالة الرد، ولصاحب الثلث ما كان له في حالة الإجازة، والباقي يقسم بين الورثة.
ولو كانت الوصية لواحد بالثلث، ولآخر بالربع، وأجاز الورثة وهم: بنتان وأبوانِ، فمسألة الوصية من اثني عشر؛ لأن أقل ما يخرج الثلث والربع منها، ومسألة الفريضة من ستة، فعلى طريق النسبة: الحاصل للموصى لهما من الاثني عشر سبعة، وهي مثل ما بقي ومثل خمسيه، فنزيد على مسألة الفريضة مثلها ومثل خمسيها، وليس للسبعة خمس صحيح، فنضرب مسألة الفريضة في مخرج الخمس تبلغ ثلاثين، ثم نزيد عليها مثلها ومثل خمسيها، وهو اثنان وأربعون، تبلغ اثنين وسبعين، ومنها تصح: للموصى له [بالثلث] من مسألة الوصية أربعة مضروبة في مسألة الفريضة، وهي ستة، تبلغ أربعة وعشرين، وهي ثلث الجملة، وللموصى له بالربع من مسألة الوصية ثلاثة مضروبة في مسألة الفريضة، وهي ستة، تبلغ ثمانية عشر، والباقي بعد ذلك ثلاثون [للورثة] للأبوين السدسان، عشرة، وللبنتين الثلثان: عشرون.
وعلى طريق القسمة: الباقي بعد الموصى به خمسة، وليس لها وفق، فنضرب مسألة الميراث في مخرج الوصية تبلغ اثنين وسبعين، ومنها تصح.
وإن رد الورثة الزائد على الثلث، فاقسم الثلث على الموصى لهما على النسبة التي كانت تخصهما عند الإجازة، وهي سبعة، وإذا كان ثلث المال سبعة، فجملته إحدى وعشرون، [للموصى لهما] سبعة، وللورثة أربعة عشرة [وأربعة عشرة] لا تنقسم على مسألة الفريضة، لكن بينهما وفق بالنصف، فنضرب نصف الستة في أصل المسألة، وهي إحدى وعشرون، تبلغ ثلاثة وستين، ومنها تصح: للموصى لهما سبعة مضروبة في ثلاثة بإحدى وعشرين: للموصى له بالثلث اثنا عشر، وللآخر تسعة، وللورثة اثنان وأربعون: للأبوين السدسان: أربعة عشر، وللبنتين الثلثان: ثمانية وعشرون.
[وهذا على] طريق القسمة.
فإن أردت أن تصحح المسألة على طريق النسبة: فأصل المسألة كما ذكرنا من إحدى وعشرين: للموصى لهما سبعة؛ وهي مثل نصف ما بقي، فنزيد على فريضة الميراث مثل نصفها، فتصير تسعة، ثم نحتاج إلى قسمة الثلث على سبعة، فنضرب التسعة في مخرج السعة تبلغ ثلاثة وستين، ومنها تصح.
وإن أجاز بعض [الورثة] ورد البعض، فمسألة الإجازة تصح من اثنين وسبعين، [ومسألة الرد من ثلاثة وستين، وبينهما موافقة بالثلث، فنضرب إحدى وعشرين في اثنين وسبعين] أو ثلاثة وستين في أربعة وعشرين، تبلغ [ألفاً] وخمسمائة واثني عشر، ومنها تصح، فإن [كان] الذي أجاز الأم خاصة مثلاً، من مسألة الإجازة خمسة مضروبة في وفق مسألة الرد، وهو [إحدى] وعشرون، [تبلغ مائة وخمسة، وللأب من مسألة الرد سبعة مضروبة في وفق مسألة الإجازة، وهو أربعة وعشرون، تبلغ مائة وثمانية وستين، وللبنتين من مسألة الرد ثمانية وعشرون مضروبة في وفق مسألة الإجازة، وهو أربعة وعشرون]، تبلغ ستمائة واثنين وسبعين، والباقي بعد ذلك، وهو خمسمائة وسبعة وستون، مقسوماً على سبعة بين الموصى لهما: للموصى له بالثلث: ثلاثمائة وأربعة وعشرون، وللموصى له بالربع: مائتان وثلاثة وأربعون.
ولو كانت الوصية لواحد بالكل، ولآخر بالثلث، وأجاز الورثة وهم: أب وابنان، فالمسألة من أربعة: للموصى له بالكل ثلاثة أرباع، وللموصى له بالثلث الربع.
[وإن ردوا الزائد على الثلث، فاقسم الثلث على أربعة، وإذا كان ثلث المال أربعة فجملته اثنا عشر، لهما منها أربعة: للموصى له بالكل ثلاثة، وللموصى له بالثلث سهم]، والباقي وهو ثمانية بين الورثة، ومسألتهم من ستة، وتصح من اثني عشر، وثمانية على اثني عشر، [لا تصح، ولكن توافق بالربع، فاضرب ربع الاثني عشر
في أصل المسألة وهو اثنا عشر تبلغ ستة وثلاثين، ومنها يصح للموصى لهما اثنا عشر].
والباقي وهو أربعة وعشرون للورثة منقسمة عليهم، وعلى هذا طريق القسمة.
وإن أردت أن تصحح المسألة على طريق النسبة: فأصل المسألة كما قلنا من اثني عشر: للموصى لهما أربعة، وهي مثل نصف ما بقى، فنزيد على مسألة الفريضة مثل نصفها، تبلغ ثمانية عشر، ثم نحتاج إلى قسمة الثلث على أربعة، وبين الثمانية عشر والأربعة موافقة بالنصف، فنضرب الثمانية عشر في نصف الأربعة تبلغ ستة وثلاثين، ومنها تصح.
ولو رد الأب خاصة، فكيفية التصحيح تؤخذ مما تقدم.
ولو كانت الوصية لواحد بالنصف، ولآخر بالثلث، ولآخر بالربع، فإن أجاز الورثة وهم: زوجة وأبوان، قسم المال على ثلاثة عشر سهماً، وأعطى صاحب النصف ستة، وصاحب الثلث أربعة، وصاحب الربع ثلاثة.
وإن ردوا، قسمت الثلث على ثلاثة عشر، وإذا كان الثلث ثلاثة عشر سهماً، فالجملة تسعة وثلاثون: للموصى لهم ثلاثة عشر، وللورثة ستة وعشرون، ومسألتهم من اثني عشر، وستة وعشرون على اثني عشر لا تصح، ولكن توافق بالنصف، فنضرب نصف الاثني عشر في مسألة الوصية وهي تسعة وثلاثون تبلغ مائتين وأربعة وثلاثين: للموصى لهم ثمانية وسبعون مقسومة على ثلاثة عشر: للموصى له بالنصف ستة وثلاثون، وللموصى له بالثلث أربعة وعشرون، وللموصى له بالربع ثمانية عشر، والباقي [وهو مائة] وستة وخمسون بين الورثة: للزوجة ربعها: تسعة وثلاثون، وللأم [ثلث الباقي]: تسعة وثلاثون، والباقي للأب، وهذا على طريق القسمة.
وعلى طريق النسبة: نقول: أصل مسألة الوصية من تسعة وثلاثين، ثلثها ثلاثة
عشر، وهي مثل نصف الباقي، فزد على فريضة الميراث مثل نصفها، تبلغ ثمانية عشر، [ثم نحتاج إلى قسمة الثلث على ثلاثة عشر، فنضرب ثمانية عشر] في مخرج ثلاثة عشر، تبلغ مائتين وأربعة وثلاثين، ومنها تصح.
وإن أجاز بعض الورثة ورد البعض، فطريق التصحيح ما تقدم.
وعلى هذا فقس.
ولنكتف بما ذكرناه؛ فإن الكلام في هذا الباب ومسائله متسع، ولو أنفذت العمر فيه لما بلغت مد ما ذكر الأئمة في ذلك ولا نصيفه.
قال: وإن أوصى [له] بشيء ثم رجع في وصيته، صح الرجوع؛ لأنها عطية لم يَزُلْ عنها ملك معطيها؛ فأشبهت الهبات قبل القبض، وصريح الرجوع: رجعت في وصيتي، أو أبطلتها، أو فسختها، أو نقضتها، وما أشبه ذلك.
وكما يحصل الفسخ بصريح الرجوع، يحصل بما يدل عليه مما ذكره الشيخ.
قال: وإن أوصى لزيد بجميع ماله، أو بثلثه، أو بعبد، ثم وصى بذلك لعمرو، سوى بينهما، أي: ولا يكون رجوعاً فيما أوصى به لزيد، ولا في بعضه: أما في الثانية، فللإجماع كما نقله الماوردي، وأما في الأولى والثالثة؛ فبالقياس على الثانية.
ولأنه لما كان قوله في وقت واحد: أوصيت بعبدي هذا لزيد، وأوصيت به لعمرو، لا يكون رجوعاً، ويجعل بينهما إجماعاً- وجب إذا تراخى [ما] بين الوصيتين [أن يكون بينهما، ولا يكون رجوعاً؛ إذ لا فرق بين اقتران الوصيتين] وافتراقهما.
ولأن الوصية الثانية يجوز أن يكون أراد بها الرجوع، ويجوز أن يكون [فعلها لنسيان الأولى، ويجوز أن يكون] أراد بها التشريك بين الأول والثاني؛ فوجب أن يحمل مع هذا الاحتمال على التشريك بينهما؛ لاستوائهما في الوصية.
وفي البحر حكاية عن أبي عبد الرحمن بن بنت الشافعي- رضي الله عنه-: أن الوصية لهما قد بطلت؛ لإشكال حالهما.
والمذهب الأول، وإنما قلنا: إن ذلك لا يكون رجوعاً عن شيء من الموصي
به؛ لأنه لو كان رجوعاً لما كان لأحدهما الاستقلال بالجميع عند رد الآخر.
وقد صرح القاضيان: أبو الطيب والحسين، والإمام بأن الجميع يسلم لمن قبل الوصية إذا رد الآخر، وحينئذ فيكون تسليم النصف كما قال القاضي الحسين؛ لأن لما وصى بذلك لزيد ثم وصى به لعمرو وقبلا، فقد اجتمع كلان، ولا يكون للشيء الواحد كلان، فازدحما؛ فجعل بينهما نصفين، واستشكل الإمام كونه لا يكون رجوعاً؛ لأنا نقول: العرض على البيع رجوع؛ لدلالته [على إرادة إبطال التملك]، وهذا في الدلالة أقوى، ثم محل الكلام في الصورة الثانية إذا رد الورثة، أما إذا أجازوا سلم الثلث كاملاً لكل [واحد] منهما، وهذا أيضاً مما يدل على أن وصيته للثاني لا تتضمن رجوعاً، وهذا هو المذهب.
وفي التتمة حكاية وجه: أنه بالوصية الثانية راجع عن الوصية الأولى؛ كما لو وهب شيئاً لإنسان، ثم وهبه لآخر قبل القبض.
فرع: لو أوصى لرجل بجارية حامل، وقلنا بدخول الحمل في الوصية مكا هو أحد الوجهين، ثم وصى بحملها لعمرو، فالجارية تكون للأول، والولد يكون بين الأول والثاني.
ولو أوصى بالجارية لشخص وبحملها لآخر، [صح ذلك] اتفاقاً.
ولو أوصى لشخص بدار أو بخاتم، ثم أوصى بأبنية الدار أو بفص الخاتم لآخر، فعرصة الدار والخاتم للأول، والأبنية والفص بينهما؛ تفريعاً على المذهب.
ولو أوصى لزيد بدار، ثم لعمرو بسكناها، فعن الأستاذ أبي منصور: أن الرقبة للأول، وأن المنفعة للثاني.
قال الرافعي: وكان يجوز أن يشتركا في المنفعة، كما في الأبنية والفص.
[قال]: وإن قال: أوصيت لعمرو بما وصيت به لزيد، جعل ذلك [رجوعاً عن] وصية زيد؛ لأن ذلك صريح في الرجوع، وقد انتفى احتمال النسيان،
وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وعن المزني: أنه لا يكون رجوعاً، ويجعل بينهما، ووافقه عليه بعض الأصحاب، واحتج له بأنه لو وكل زيداً ببيع سلعة سماها له، ثم قال: قد وكلت عمراً بما وكلت به زيداً، أنهما يكونان معاً وكيلين في بيعها، ولا يكون توكيل الثاني رجوعاً عن الأول.
قال الماوردي: وهذا فاسد، وحكي أن من أصحابنا من ضاق عليه الفرق، فجعل ذلك رجوعاً عن توكيل الأول.
ومنهم من فرق بأن الوكالة نيابة؛ فيصح أن ينوب كل واحد من الجماعة في كل البيع، والوصية تمليك، ولا يصح أن يملك كل واحد من الموصى لهما كل الموصى به.
قال: وإن أوصى لزيد بشيء، ثم أزال الملك فيه ببيع أو هبة، أو ما في معناهما من عتق وغيره، أو عرضه لزوال الملك؛ بأن دبره، أي: ولم يتعرض في لفظه بذكر الوصية الأولى- كما قال الإمام- أو كاتبه، أو عرضه على البيع، أو أوصى ببيعه، كان ذلك رجوعاً؛ لأن القصد من الوصية حصول الموصي به للموصى له، وهذه الأشياء تنافى المقصود؛ لأنه لا يمكن حصوله بعد وجودها؛ فأبطلت الوصية.
وفائدة القول بأنه رجوع فيما إذا باعه أو وهبه وأقبضه: أنه لو ملكه بعد ذلك، ومات وهو في ملكه، لا يعود حق الموصى له فيه، بخلاف ما إذا وهب من ولده شيئاً، فانتقل عن ملك الابن، ثم عاد إليه فإن له الرجوع على أحد الوجهين، وكذلك إذا باع عيناً، ثم خرجت عن ملك المشتري، ثم اشتراها أيضاً وأفلس، فإن للبائع الرجوع فيها على أحد الوجهين.
قال الماوردي: والفرق أن رجوع الأب والبائع حق لهما، ليس للابن ولا للمفلس إبطاله [عليهما]؛ فكذلك لم يكن بيعهما وعوده إلى ملكهما مانعاً من الرجوع، وليس كذلك الوصية؛ لأن للموصي إبطالها، فإذا بطلت بالبيع لم تعد بالشراء.
أما إذا لم يَزُلِ الملك بالهبة، كما إذا لم يتصل بها [قبض]، فكلام الشيخ الأول يفهم أنه لا يكون رجوعاً، وقوله: أو عرضه على [البيع]، يفهم منه أنه يكون رجوعاً، وقد حكى الأصحاب ذلك وجهين:
الأول منهما: قول بعض المتأخرين من البغداديين؛ لأنه لم يؤثر في ملكه؛ فلم يؤثر في رجوعه.
والثاني: قول ابن أبي هريرة، وأبي إسحاق؛ لأنه قد عقد فيه عقداً يفضي إلى الزوال؛ فصار مخالفاً لما قصده من قبل، وهو ما رجحه الإمام، وقال: إنه يجب القطع به.
وزاد القاضي الحسين على ذلك، فقال: قال أصحابنا: إذا وهبه، فلم يقبل الموهوب [له]، كان له رجوعاً، وهو مطرد في إيجاب الهبة والبيع.
ثم قضية تعليل الوجه الأول: أن العرض على البيع لا يكون رجوعاً، وقد صرح به الماوردي وغيره؛ إذا كان في حياة الموصي، وهو جار كما حكاه الرافعي، فيما إذا وكل في البيع.
وهل تكون الهبة الفاسدة رجوعاً؟
[حكى الماوردي فيها ثلاثة أوجه: ثالثها: إن أقبض كان رجوعاً]، وإلا فلا.
ولا فرق في [بطلانها بالإيصاء] بالبيع [بين أن يفسخ في زمن الخيار أم لا.
وعن الأستاذ أبي منصور: أنه إذا فسخ، وقلنا: لا ينتقل الملك إلا بانقضاء الخيار، لا يكون رجوعاً.
وكذا لا فرق في بطلانها بالإيصاء بالبيع] بين أن يعين من يباع منه أَوْ لا، ومع التعيين لا فرق بين أن ينص على قدر الثمن أَوْ لا.
وحكى الماوردي عن بعض أصحابنا أنه قال: إذا عين من يبيع منه، وقدر الثمن، وكان دون ثمن المثل، فهو كما لو أوصى به لزيد، ثم أوصى به لعمرو، فيكون ما حصلت فيه المحاباة بينهما، فإن كانت المحاباة [بينهما] بنصف
الثمن؛ فيكون كأنه أوصى بجميعه لزيد، ثم أوصى بنصفه لعمرو؛ فيكون بينهما أثلاثاً.
وإن كانت المحاباة بثلث الثمن، كان بينهما أرباعاً.
قلت: ولو قيل على هذا الوجه بأن للموصى له ثانياً: الربع في المثال الأول، وله في المثال الثاني []؛ لكان الوجه أحداً مما ذكرناه في أوائل الفصل.
وأطلق في الرافعي حكاية وجه عن أبي الفرج الزاز: أنه إذا أوصى بالبيع وغيره مما هو رجوع، يكون كما لو أوصى لزيد ثم أوصى به لعمرو؛ لأن كليهما وصيه، وحكاه عن المعتمد فيما إذا أوصى بعبده لإنسان ثم أوصى بعتقه، حتى يعتق نصفه ويدفع للموصى له نصفه.
وقيل في التدبير: إن قلنا: إنه وصية، لم يكن رجوعاً؛ حكاه ابن الصباغ.
[والذي أورده] الماوردي: أنا إن قلنا: إنه عتق بصفةٍ فهو رجوع، وإن قلنا: إنه وصية: فإن قلنا بتقديم الوصية بالعتق على الوصية بالتمليك، كان رجوعاً في الوصية.
وإن قلنا باستوائهما، ففيه وجهان:
أحدهما- عن أبي علي الطبري-: [أنه يكون] نصفه وصية ونصفه مدبراً.
والثاني- عن أبي إسحاق-: أنه يكون جميعه مدبراً، ويتضمن ذلك الرجوع عن الوصية؛ لأن عتق المدبر تأخر بالموت، فقُدِّم على الوصايا، كالناجز من العطايا.
قال الإمام حكاية عن الأصحاب: ولأن مقصود التدبير العتق؛ وهو مخالف لمقصود الوصية بملك الرقبة، وإذا اختلف المقصودان ظهر بالثاني قصد الرجوع في الأول، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد والقفال، وعليه ينطبق كلام الشيخ، وحكى الإمام في باب وطء المدبرة عن صاحب التقريب رواية قول: في أن الكتابة هل تكون رجوعاً عن الوصية أم لا؟ لكن كلامه يرشد إلى أن محلها إذا كانت الوصية بعتق؛ فإنه قال: ومبنى التردد: أن مقصود الكتابة العتق
أيضاً، وأن الأصحاب أطبقوا على أن ذلك رجوع عن الوصية للغير.
فرع: لو دبره ثم أوصى به، فإن قلنا: إن التدبير عتق بصفةٍ، كانت الوصية باطلة، وإن قلنا: إنه كالوصايا؛ نظر: فإن قال: العبد الذي [قد] دبرته قد أوصيت به لزيد، كان رجوعاً في تدبيره وموصى بجميعه، ويتجه أن يجيء فيه وجه المزني، وإن لم يقل [في] ذلك.
وفي النهاية: إن الذي ذهب إليه أكثر الأصحاب: أن ذلك رجوع عن التدبير؛ فإن الوصية مع التدبير متناقضان، وأشار بذلك إلى ما حكيناه عن حكايته من الفرق بين التدبير والوصية.
وفي الحاوي: أن في ذلك وجهين:
قول ابن أبي هريرة منهما: أن نصفه باق على التدبير، ونصفه موصي به.
وهذا [ما] أبداه الإمام أيضاً.
وقول أبي إسحاق: أن تدبيره أقوى من الوصية؛ فتبطل الوصية، ويكون على التدبير.
ثم قال: وهذان الوجهان جاريان فيما لو أوصى بعتقه بعد أن أوصى به، أو أوصى بعتقه ثم أوصى به.
فرع: لو أوصى ببيع شيء وصَرْف ثمنه للفقراء، ثم أوصى ببيعه وصَرْف ثمنه إلى المساكين، [لم يكن] رجوعاً، [وصُرِفَ الثمن للفقراء والمساكين نصفين، بخلاف ما لو أوصى بشيء للفقراء، ثم أوصى ببيعه وصَرْف ثمنه للمساكين؛ فإنه يكون رجوعاً].
تنبيه: قول الشيخ: وإن أوصى بشيء؛ احترز به عما إذا أوصى بثلث ماله ثم باعه؛ فإن الوصية لا تبطل، قال البندنيجي: لأن الاعتبار بماله حين الوفاة، وقد تقدم الكلام في ذلك.
قال: وإن أوصى به، ثم رهنه، فقد قيل: هو رجوع؛ لأنه عرضه للبيع؛ لما تعلق به من حق المرتهن، وهذا ما صححه ابن يونس والجيلي.
وقيل: ليس برجوع؛ لأن الرهن ليس بإزالة ملك في الحال ولا في ثاني الحال؛ فلم يكن رجوعاً.
قال الإمام: ولست أرى في ذلك فرقاً بين أن يتصل به القبض أم لا؛ فإنا إنما جعلناه رجوعاً؛ لدلالته على القصد، وهذا لا يختلف بوجود الإقباض وعدمه.
وفي البحر حكاية وجه ثالث: أنه إن اتصل به القبض كان رجوعاً، وإلا فلا.
والمجزوم به في التهذيب عند القبض: أنه يكون رجوعاً، وحكاية الخلاف قبله.
ولو كان الرهن فاسداً، فكلام الماوردي يفهم جريان الخلاف السابق في الهبة الفاسدة.
قال: وإن أجره، أو كاتب جارية فزوجها، لم يكن رجوعاً؛ لأن ذلك لا ينافي الوصية؛ لأنه لا يزيل الملك.
وهكذا الحكم فيما إذا أوصى بعبد، ثم زوجه؛ لأن ذلك من مصالحه، ونفقة الزوجة ومهرها في كسبه.
وكذلك إذا عَلَّمَ الموصي به صنعة لم يكن رجوعاً؛ لأنه زاده خيراً، فهو كما لو كساه.
ولا فرق في كون الإجارة لا تكون رجوعاً بين أن يوصي له بالدار فيسكنها، أو بسكنى دار فيؤجرها، لاحتمال انقضاء مدة الإجارة قبل موته.
نعم، لو مات قبل انقضاء المدة، لزم الموصى له إذا قبل تمكينُ المستأجر من الاستيفاء.
ثم إن [كانت الوصية بالسكنى] مقيدة بمدة، فهل يستوفى بعد انقضاء مدة الإجارة جميع مدة الوصية، أو ما بقي منها؟ فيه وجهان في المهذب وغيره: أرجحهما كما يقتضيه كلام الغزالي: الثاني.
حتى لو لم تنقض مدة الإجارة إلا بعد فراغ السنة الموصي بها بطلت الوصية.
ولو وطئ الجارية الموصي بها، لم يكن رجوعاً إلا أن يحبلها.
وقال ابن الحداد: إن عزل عنها لم يكن رجوعاً، وإن لم يعزل كان رجوعاً، وزعم أنه أخذ ذلك من قول الشافعي- رضي الله عنه- في الإملاء: لو حلف لا يتسرى، فوطئ جارية له، فإن كان يعزل عنها، فهو غير مُتَسَرٍّ ولا حنث عليه، وإلا فهو متسر، وقد حنث.
قال: فلما جعل التسري طلب الولد لا الاستمتاع، دل ذلك على الفرق بينهما، وكان طلب الولد رجوعاً في الوصية دون الاستمتاع، وهذا ما حكاه الإمام والقاضي الحسين، والبغوي في باب وطء المدبرة، وقال الإمام هنا: إن من أصحابنا من قال: إن الوطء رجوع كيف فُرِضَ، وهذا أضعف الوجوه، وإن قول ابن الحداد، هو الطريقة المستقيمة.
قال: وإن أوصى بشيء، ثم أزال اسمه؛ بأن كان قمحاً فطحنه، أو دقيقاً فعجنه، وعجيناً فخبزه، كان ذلك رجوعاً؛ لأنه زال عنه الاسم؛ فلم يبق متناولاً لوصيته.
ولأنه قصد استهلاكه بالأكل، وذلك دليل على قصد الرجوع.
وهكذا لو قلا الحنطة سويقاً، أو عمل منها شيئاً، أو بلها بالماء، أو بذرها.
ولو كان الموصي به خبزاً يابساً، فدقه فتيتا، ففي كونه رجوعاً وجهان، في تعليق أبي الطيب وغيره.
قال: وإن كان غزلاً فنسجه، أو نُقْرَة فضربها دراهم، أو ساجاً فجعله باباً- فقد قيل: هو رجوع؛ لزوال الاسم، وهذا أصح في الشامل، وبه جزم الماوردي في مسألة نسج الغزل وطبع النقرة دراهم.
وقيل: ليس برجوع؛ لأن الاسم باقٍ عليه مع التقييد.
قال بعضهم: وهذا الوجه غريب في مسألة نسج الغزل.
وكأنه لم يقف على تعليق القاضي أبي الطيب والشامل؛ فإنهما حكيا الخلاف في الصور الثلاث، كما حكاه الشيخ وهو جار في تجفيف الثمار عند خشية الفساد.
وقد أجرى وجه الرجوع في تقديد اللحم، والمذهب خلافه.
كما أن المذهب: أن شَيَّهُ رجوع، وخلافه وجه بعيد حكاه في البحر.
والرافعي ادعى نفي الخلاف فيه، وألحقه بما إذا كانت شاة فذبحها.
وفي الحاوي: الجزم بأنه لو كان قطناً فغزله، أو ثوباً فقطعه قميصاً، أنه يكون رجوعاً، وفي المذهب وجه فيه كما لو كان الثوب مقطوعاً فخاطه.
ولو حشا بالقطن مخدة أو مضربة أو جبة، ففي كونه رجوعاً- تفريعاً على الأول- وجهان: أصحهما في النهاية والرافعي: أنه رجوع.
وكذا لو قصر الثوب، هل يكون رجوعاً؟ فيه وجهان:
وجه الرجوع: القياس على ما لو صبغه.
ووجه مقابله: القياس على ما لو غسله.
وقد حكى هذا أيضاً فيما لو صنعه؛ كما في عمارة الدار.
ولو لبس الثوب الموصي به، قال القفال: يحتمل أن يكون رجوعاً، قال في البحر: وهو المذهب عندي؛ لأنه عرضة للإتلاق، كما لو عجن الدقيق.
فرع: إذا عرض الموصي به لشيء من الأحوال المذكورة: كنسج الغزل، وطحن القمح، ونحو ذلك، قال الرافعي: فقد نص الأصحاب على وجهين في بعضهما، والباقي ملحق به.
قال: وإن أوصى بدار فانهدمت، أي في حياة الموصي، بحيث زال [عنها] اسم الدار، وبقيت عرصتها- فقد قيل: تبطل؛ لأنه زال عنها الاسم؛ فبطلت الوصية، كما لو هدمها الموصي، وهذا هو الأصح في الحاوي، [والمذهب في] تعليق البندنيجي.
وقيل: لا تبطل؛ لأنه لم يوجد منه شيء يدل على الرجوع، وظاهر كلام الشيخ يدل على أن الخلاف في بطلان الوصية في العرصة.
أما النقض فقد بطلت الوصية [فيه] لا محالة.
والمذكور في التتمة: حكاية الخلاف في أن الوصية هل تبطل بالنقض أم لا؟ وتبقى الوصية فيها على المنصوص.
وعلى طريقة: أنها تبطل فيها أيضاً.
وحكى وجهاً فيما إذا هدم الدار: أن الوصية لا تبطل في العرصة.
قال في البحر: وهذا وهذا غلط؛ لأن الشافعي- رضي الله عنه- نص على أنه إذا أوصى بدار، فذهب السيل بها: أن الوصية تبطل؛ لأن العرصة [لا] تسمى داراً، أما إذا بقي عليها اسم الدار، فالوصية باقية.
ولمن تكون الآلة؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو الذي نص عليه الشافعي- رضي الله عنه- وبه قال جمهور أصحابنا-: أنها خارجة من الوصية؛ لأنها لا تسمى داراً.
والثاني- حكاه القاضي ابن كج عن بعض أصحابنا-: أنها تكون للموصى له، وحمل نص الشافعي- رضي الله عنه- على ما إذا هدمها بنفسه.
وجعل في الحاوي الخلاف في مسألة الكتاب مفرعاً على هذا الخلاف، وقال: إن من قال بأن النقض للموصي، قال: تبطل الوصية، ومن قال بأنه للموصى له، لا يقول بالبطلان، وهذا يوافق ما حكيناه عن المتولي من تصوير محل الخلاف.
وإن كان الانهدام بعد موت الموصى له: فإن كان بعد القبول، فالوصية ممضاة، وجميع ما انفصل من آلتها للموصى له، وإن كان قبل القبول: فإن لم يَزُلِ اسم الدار عنها، فالوصية بحالها.
ثم إذا قبل، وقلنا: يتبين الملك بالموت، أو قلنا: يملك بالموت، فالنقض للموصى له.
وإن قلنا: إن القبول هو المملِّك، فله الدار، وفي المنفصل وجهان:
أحدهما: للموصى له، وهو الأصح في البحر.
والثاني: للورثة.
وإن لم يبقى مسمى الدار بعد الانهدام، فإن قلنا: إن القبول [مبين، فالوصية جائزة، وله العرصة والنقض.
وإن قلنا: القبول] مملك، ففي بطلان الوصية وجهان:
أحدهما: نعم.
والثاني: لا، وله العرصة وما اتصل.
وفي المنفصل وجهان.
وفي تعليق البندنيجي: أن الانهدام إذا وجد بعد الموت وقبل القبول ثم قبل، وفرعنا على أن القبول مبين للملك، فالمذهب: أن العرصة والنقض [ملك] للموصى له.
ومن أصحابنا من قال: النقض لا يكون له، وهو فاسد.
ولم يفصل البندنيجي في الانهدام بين أن يزيل اسم الدار أم لا.
فرع: إذا أوصى بأرض، فبنى فيها أو غرس، ففيه وجهان، أصحهما في الرافعي: أن ذلك رجوع.
قال الماوردي: فعلى هذا إن كان البناء والغراس في جميعها كان رجوعاً في الجميع، وإن كان في بعضها كان رجوعاً فيه، وليس رجوعاً فيما لم يغرس فيه أو يبني.
والثاني: أنه لا يكون رجوعاً؛ لأن ذلك من استيفاء منافعها.
قال الماوردي والمصنف: فعلى هذا تكون الوصية فيما بين البناء والغراس من بياض الأرض بحالها، فأما أساس البناء وقرار الغراس، ففيه وجهان:
أحدهما: يكون راجعاً فيه.
والثاني: لا.
ولو عمر الدار الموصي بها، نظر: فإن غير اسمها؛ بأن جعلها حَمَّاماً، كان رجوعاً، وإن لم يغير اسمها لم يكن رجوعاً، لكن الزيادة لا تدخل في الوصية [الأولى] على الأصح.
وفي الإبانة وغيرها وجهٌ: أن الزيادة تدخل.
وفي التتمة حكاية وجه: أن العمارة تكون رجوعاً.
ولو جعل على الدار ساباطا، لم [يكن داخلاً] في الوصية، وهل يكون رجوعاً فيما وضع عليه الساباط من حيطانها؟ فيه وجهان.
قال: وإن كان طعاماً بعينه فخلطه بغيره، أي: بحيث لا يمكن تمييزه، كان رجوعاً؛ لأنه جعله على صفة لا يمكن تسليمه بعينه.
وعن رواية أبي الفرج الزاز: أن الشيخ أبا زيد قال: إن خلطه بأجود منه كان رجوعاً، وإلا فلا.
قال: وإن كان قفيزاً من صبرة، فخلطه بأجود منه، كان [ذلك] رجوعاً؛ لأنه بالخلط أحدث زيادة لم يرض بتمليكها.
قال: وإن خلطه بمثله أو بما دونه، لم يكن رجوعاً؛ لأن القدر الموصي به كان مختلطاً بغيره، فإذا خلطه بالمثل لم يحدث صفة زائدة، وإذا خلطه بما دونه تنزل منزلة إتلاف بعضه، وإتلاف بعضه ليس رجوعاً في الباقي، وهذا يخالف الصورة السابقة؛ لأن الموصي به لم يكن مختلطاً بغيره.
وقيل: إذا خلطه بما هو دونه يكون رجوعاً، وإذا خلطه بالأجود لا يكون رجوعاً، حكاه ابن يونس، وأبداه الرافعي تخريجاً لنفسه من قولنا: إنه إذا استجد في الدار بناء، أنه يدخل في الوصية، ثم قال: وهو أقرب هنا وإن لم يذكروه.
ولو اختلطت الصبرة بنفسها، فهو على الخلاف في نظائره، صرح به المتولي.
قال الرافعي: وإذا أبقينا الوصية فالزيادة الحاصلة بالجودة غير متميزة، فتدخل في الوصية.
ولو جحد الموصي الوصية، كان رجوعاً على ظاهر المذهب.
وقال الإمام: يتجه فيه نوع من الاحتمال من جهة أنه قد ينسى الوصية فينكرها، والإنكار إخبار وليس بإنشاء.
وحكى في باب التدبير وجهين في أن الإنكار هل يبطلها؟ وكلام البندنيجي فيها يقتضي ترجيح عدم البطلان؛ فإنه حكى وجهين فيما إذا ادعى عبد على سيده أنه دبره، وأنكر التدبير، وقلنا: إنه وصية، هل يكون إنكاره رجوعاً أم لا؟ والمذهب: أنه ليس برجوع.
ولو قال الموصي: هي عليه حرام، كان رجوعاً، جزم به في البحر، وقال الإمام فيما إذا قال: حَرَّمْتُ هذه العين على فلان، يعني [العين] الموصي بها على الموصى له، فظاهر المذهب: أنه رجوع، ولو قال: هي لوارثي، كان رجوعاً، ولو قال: هي من تركتي، فوجهان في الحاوي.
ولو نقل الموصى به من بلد إلى بلد، [فإن كان المنقول إليه أقرب إلى الموصى له، لم يكن رجوعاً، وكذا إن كان أبعد وكان لعذر]، فإن كان لغير عذر، فوجهان في البحر.
ولو أوصى له بألف وأشهد بها شاهدين، وأوصى له بألف وأشهد بها شاهدين، نظر: إن كان الثاني من جنس آخر، فهما وصيتان، وإن كان مثله، فهما وصية واحدة، وإن كان ما أوصى به ثانياً أكثر في القدر من الأول كما إذا أوصى له بألفين، لغت وصيته الأولى وثبتت الثانية.
ولو كانت الثانية أقل، كما إذا أوصى له بخمسمائة، ففيه وجهان [يبنيان]:
[أحدهما: يثبت كلاهما].
والثاني: تلغو الأولى وتثبت الثانية، قاله القاضي الحسين، وقال الرافعي: إن الوجه الثاني أشبه؛ لأنه يحتمل أنه قصد تقليل حقه والرجوع عن بعض الوصية الأولى، فلا يعطى إلا اليقين.
ولنختم الباب بفروع يسيرة تتعلق به:
- إذا أوفى في مرض موته دين بعض الغرماء، وعجز ماله عن وفاء باقي الديون، فأصح الوجهين وبه جزم الفوراني: أنه لا يعترض عليه.
وفيه وجه: أنه يسترجع منه ما يزيد على ما يخصه عند التوزيع. - إذا ادعى شخص على أحد الوارثَيْن أن مورثهما أوصى له بكذا، فصدقه أحدهما وكذبه الآخر، فماذا يلزم المصدق؟ فيه وجهان، كما لو أقر بدين فكذبه [الآخر]، حكاه في البحر.
-[إذا أجاز الورثة بالثلث والأجنبي بالثلث]، فإن أجاز الورثة الوصيتين سُلِّم لكل منهما الثلث، وإن ردوا، فلا شيء للوارث، ثم ينظر في كيفية الرد: إن ردوا وصية الوارث، سلم للأجنبي الثلث تماماً.
وفيه وجه: أنه لا يسلم له إلا السدس، وإن قالوا: رددنا ما زاد على الثلث من الوصيتين، فوجهان:
أحدهما- وهو الذي ذكره أبو حامد، ونسبه أبو الفرج الزاز إلى اختيار القفال والشيخ أبي علي والقاضي [الطبري]، كما حكاه في البحر-: أنه ليس للأجنبي إلا السدس.
والثاني: أن له تمام الثلث؛ لأن القائل بالرد في حق الأجنبي الزائد على الثلث، وفي حق الوارث الجميع؛ فكان الانصراف إلى نصيب الوارث [أولى]، وهذا ما رجحه الإمام وجزم به في التهذيب، وقال في البحر: إن الشيخ أبا حامد قال: كنت أحكي أن له السدس، ثم رأيت [في] ظاهر كلام الشافعي في الأم أن له الثلث.
قال الروياني: وهذا أقيس.
إذا أجر المريض نفسه بدون أجرة المثل، لا يحتسب [القدر] الناقص من الثلث على الأصح، بخلاف المرأة إذا تزوجت في مرض موتها بدون مهر المثل؛ فإن ذلك التفاوت يحسب من الثلث على الأصح، وفرق المتولي بينهما بفرقين:
أحدهما: أن النكاح من غير مهر المثل يقتضي مهر المثل، فإذا قال الولي: زوجتكها، وذكر ما دون مهر المثل، فكأنه أسقط العوض بعد ثبوته؛ فكان كالإبراء، وأما الإجارة فإنها لا تنعقد من غير ذكر العوض.
والثاني: أن المحاباة في المهر تلحق نوع عار بالورثة؛ فأثبت لهم ولاية الدفع، بخلاف المحاباة في الإجارة.
والوجه المذكور في اعتبار القدر الناقص عن أجرة المثل في الإجارة، [جار]- كما حكاه القاضي الحسين- فيما إذا أعار نفسه في مرض موته، إذا باع بثمن مؤجل ولم يكن له مال غير المبيع، قال صاحب شرح فروع ابن الحداد: للورثة إبطال البيع في الثلثين، وكذلك إذا رهن جميع ماله لهم فَسْخُ الرهن في الثلثين.
- إذا أوصى بأمة لولدها من غيره، إن خرجت من الثلث وقبل الموصى له الوصية، عتقت عليه وإن رد بقية الورثة، وإن لم تخرج من الثلث، فالجواب في قدر الثلث كذلك، وأما الزائد عليه فإن أعتقه الوارث وهو موسر عتق عليه، ثم إن لم يقبل انتهاء الوصية فقد تبينا أن جميعها للوارث؛ فيسري العتق من البعض الذي أعتقه إلى الباقي، وإن قبل عتق عليه ما قبل.
قال ابن الحداد: ولا يكون نصيب الوارث عليه، ولا نصيبه على الوارث.
أما الأول: فلأنه أعتق نصيبه قبل قبوله.
وأما الثاني: فلأنا نتبين بالقبول حصول ملكه بالموت، وتقدمه على إعتاق الوارث الزيادة.
قال الشيخ أبو علي: والصواب عند الأصحاب أن يقال: إن قلنا بحصول الملك [بالموت] ابتداء، وتبينا، فنقوم نصيب الوارث؛ لأنا تبينا استناد عتقه إلى وقت الموت، وعتق الوارث متأخر عنه، وإن قلنا بحصوله بالقبول فيعتق الكل على الوارث؛ لأنه يسري من نصيبه إلى قدر الثلث، والقبول بعده كإعتاق الشريك الثاني بعد الأول وهو موسر، هذا إذا حكمنا بحصول السراية بنفس الإعتاق، فإن قلنا: لا يحصل إلا بعد أداء القيمة فقبوله كإعتاق الشريك الثاني نصيبه قبل أخذ القيمة، وفيه وجهان:
أحدهما: النفوذ؛ لأنه ملكه ما لم يأخذ القيمة.
وأصحهما: المنع؛ لأن الأول [استحق تقويمه عليه بالإعتاق] وفي ذلك تفويت حق وجب له.
قلت: وقد يتجه أن يقال في المسألة، إذا قلنا بأن الملك لا يحصل إلا بالقبول، وقد نفذنا عتق الوارث: تبطل الوصية؛ لأن العتق إتلاف شرعي؛ فكان كالحس، وقد ذكرنا في الإتلاف الحسي أنه إذا وجد قبل القبول [وقلنا]: لا يحصل الملك إلا بالقبول: أن الوصية تبطل.
إذا أوصى لرجل بدينار كل شهرين من غلة داره، أو من كسب عبده، وجعله بعده لوارثه أو للفقراء، والغلة والكسب عشرة مثلاً، فاعتبار هذه الوصية من الثلث كاعتبار الوصية بالمنافع مدة معلومة؛ لبقاء بعض المنافع لمالك الرقبة، قال ابن الحداد: وليس للورثة بيع بعض الدار [إلا قدر] ما يحصل منه دينار؛ لأن الأجرة قد تتفاوت فتعود كل الأجرة إلى دينار أو أنقص منه؛ فيكون الجميع [للموصى له].
ولو أوصى بعشر الغلة في كل سنة، صح منهم بيع ما عدا عشر الدار.
ولو أوصى لإنسان بدينار كل سنة من ماله، قال الإمام: صحت الوصية في السنة الأولى بدينار، وفيما بعدها قولان:
أحدهما: الصحة، وبمثله جزم في الإشراف فيما إذا قال: أعطوه كل يوم من الطعام مُدُّا بعد موتي.
وأظهرهما: البطلان؛ لأنه لا يعرف قدر الموصي به حتى يخرج من الثلث، وعلى الأول إذا لم يكن ثم وصية أخرى، فللورثة التصرف في الثلثين، وفي الثلث وجهان:
أحدهما: ينفذ تصرفهم فيه بعد إخراج الدينار؛ لأنا لا ندري استحقاق الموصى له شيئاً سواه.
والثاني: أنه يوقف، [وهما كذلك في الوصية بالطعام، كما حكاه في الإشراف، وحكى وجهين آخرين:
أحدهما: أنه يوقف له لتتمة سبعين سنة.
وقيل: يعطى سنة.
ومثلهما يظهر مجيئه في مسألة الدينار، والذي اقتضاه إيراده: ترجيح قول الوقف مطلقاً]؛ فعلى هذا: إن بقي الموصى له حتى نفدت التركة فذاك، وإن مات قبل نفاذها، قال الأصحاب: عاد الفاضل في مسألة الدينار لورثة الموصي، وقال الإمام: فيه نظر؛ لأن هذه الوصية إذا صححناها كالوصية بالثمار بلا نهاية؛ فوجب أن ينتقل الحق إلى الورثة، وإن نفذنا تصرف الوارث فيما عدا الدينار، فكلما مضت سنة طلب الموصى له الورثة بدينار، وكان ذلك لوصية تظهر بعد القسمة.
وإن كان هناك وصايا أخر، قال صاحب التهذيب: يُفَضُّ الثلث بعد الدينار على أرباب الوصايا ولا يوقف، فإذا انقضت سنة أخرى، استرد منهم بدينار ما يقتضيه التقسيط.
قال الإمام: وهذا [بين] إذا كانت الوصية مقيدة بحال حياة الموصى له، أما إذا لم تقيد وأقمنا ورثته بعد موته مقامه، فهذا مشكل [لا يهتدي إليه]، والله- عز وجل- أعلم.
باب العتق
العتق في الشرع: إزالة ملك عن رقبة آدمي لا إلى مالكٍ؛ تقرباً لله تعالى.
واحترزنا بقولنا: "عن رقبة آدمي" عن عتق البهائم؛ فإنه غير نافذ على الأصح.
وقيل: إنه إخراج النسمة من ذل الرق إلى عزِّ الحريَّة، وهو عند الأزهري مأخوذ من قولهم: عتق الفرس، إذا سبق ونجا، وعتق فرخ الطائر، إذا طار واستقلَّ.
فكأن العبد إذا فكت رقبته من الرق- وهو: الملك- تخلص فذهب حيث شاء.
وقيل: إنه مأخوذ من قولهم: عتق فرخ الطائر، إذا قوى على الطيران؛ فكأنه بالعتق قوى على التصرفات.
قال صاحب "المحكم": يقال: عَتَقَ يعْتِقُ، عِتَقاً وعَتْقاً- بكسر العين وفتحها- وعَتَاقاً وعَتَاقة؛ فهو عَتِيق، وهم عُتَقَاء، [وأعتقته؛ فهو مُعْتَق وعتيق، وهم عتقاء]، وأمة عَتِيقٌ وعتيقة، وإماء عتائق.
وحلف بالعَتَاق، أي: الإعتاق.
وزاد الجوهري فقال: عتُق، فهو عتيق وعاتق، ويقال: رَقَقْتُ العبد أَرُقُّه؛ فهو مرقوق.
قال: العتق قربة مندوب إليها.
الأصل في ذلك قبل الإجماع من الكتاب قوله- تعالى-: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ 11 وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ 12 فَكُّ رَقَبَةٍ 13﴾ [البلد: 11 - 13]، وقوله- تعالى-: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [أي بالإسلام] ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾
[الأحزاب: 37] أي: بالإعتاق، وكانت قد نزلت في شأن زيد بن حارثة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم تبناه وأعتقه، ومن ثمَّ سمى المولى المعتِق: مُنْعِماً.
ومن السنة: ما روى أبو داود عن أبي نجيح [قال] سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلاً مُسْلِماً، فَإِنَّ اللهَ- عَزَّ وَجَلَّ- جَاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ عَظْماً مِنْ عِظَامِ مُحَرَّرِه مِنَ النَّارِ، وأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً، فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا [عَظْماً مِنْ عِظَامِ] مُحَرَّرِها مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ" وأخرجه النسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن [صحيح.
وأبو نجيح: هو عمرو بن عبسة السلمي.
وقد جاء في حديث خرجه أبو داود والنسائي] وابن ماجة، عن شرحبيل بن السمط، عن كعب بن مرة- أو مرة بن كعب- أنه صلى الله عليه وسلم قال: "وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأتَيْنِ إِلَّا كَانتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِئُ مَكَانَ كُلِّ عَظْمَيْنِ مِنْهُمَا عَظْم مِنْ عِظَامِهِ"، وقد ضبط بعضهم "السمط" بكسر السين وإسكان الميم.
وما روى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [أنه] قال: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ".
وغير ذلك من الأخبار، وخصت "الرقبة" بالذكر دون سائر الأعضاء؛ لأن ملك السيد لعبده كالحبل في الرقبة، وكالغُلِّ هو [به مُحْتَبَسٌ] كما تحبس الدابة بحبل في عنقها؛ فإذا أعتق فكأنه أطلق من ذلك، ولأن في العتق فكاكاً من ذلِّ الرق بعز الحرية، وكمال الأحكام بعد نقصانها، والتصرف في نفسه بعد المنع منه، وتملك الرقبة بعد حظره عليه، فكان من أفضل القرب من المعتق، وأجزل النعم على المعتق، ولأن الله- تعالى- كفّر به الذنوب وجبر به المأثم، ومحص به الخطايا، وما هو بهذه الحالة فهو عند الله عظيم.
ثم محل كون العتق قربة إذا كان منجزاً، أما "إذا كان معلقاً" فليس بعقد قربة، وكذلك الإيصاء ليس بعقد قربة، بخلاف التدبير؛ حكاه الرافعي في كتاب الصداق، في مسألة الرجوع بنصفه.
قال: ولا يصح [إلا] من مطلق التصرف في ماله؛ لأنه تصرف في المال في حال الحياة فأشبه الهبة، وقد تقدم حكاية قول في صحة عتق المفلس موقوفاً على فك الحجر [عنه] وبقاء المعتق في ملكه، وحكاية وجه في
صحة عتق الصبي والسفيه في مرض الموت؛ إذا صححنا وصيتهما، ولا فرق في مطلق التصرف بين أن يكون مسلماً أو كافراً، ولا في الكافر بين أن يكون ذميّاً أو حربيّاً، والمعتق مسلم أو حربي، كما صرح به ابن الصباغ وغيره.
نعم، عتق الكافر ليس بقربة منه، كما حكاه الرافعي عقيب الكلام في أن الملك في الموقوف لمن يكون؟
قال: ويصح بالصريح والكناية كالطلاق.
قال: وصريحه: العتق والحرية؛ لأنه يثبت لهما عرف الشرع والاستعمال.
وصورته أن يقول: أعتقتك أو: أنت معتق، أو: عتيق، أو: حررتك، أو: أنت حر، [أو: محرر]، ولا فرق بين أن يأتي بهذه الألفاظ على قصد إيقاع العتق أو لا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاثَةٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ .. " وعد من جملتها: العتق.
فرع: لو كانت أمته تسمى حرة قبل جريان الرق عليها، فقال لها: "يا حرّة" على قصد النداء- لم تعتق، وإن أطلق، فوجهان، أشبههما: عدم العتق.