كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحمله الجارية، وفرق بأن الثمرة تحدث بغير إحداث أمر، والولد لا يحدث إلا بإحداث أمر في الأصل؛ ولهذا تجوز المساقاة على الثمار التي ستحدث، ولا تجوز المعاملة على النتائج الذي سيحدث.
وبناه الماوردي على أن الاعتبار في الثلث بحال الموت أو بحال الوصية.
أما إذا أوصى بثلث ماله وله مال فهلك واستفاد غيره، فعلى قول البصريين: تتعلق الوصية بالمتجدد، وهو ما ادعى القاضي أبو الطيب الجزم به، وكذلك ابن الصباغ.
وقال البندنيجي في باب الرجوع عن الوصية: إنه المذهب.
وعلى مقابله: بطلت الوصية.
وقياس هذا أن يطرد فيما إذا باع المال الموجود حال الوصية، واستبدل غيره، وقد جزموا بالصحة في هذه الحالة، واستدلوا بها على فساد قول البغداديين.
وللبغداديين أن يفرقوا بأن في الاستبدال: المالية التي كانت في الأعيان الموجودة حال الوصية انتقلت إلى الأعيان الموجودة حال الموت؛ فاعتمدت الوصية المالية في الحالتين؛ كما نقول في وجوب زكاة التجارة في مثل ذلك؛ لما ذكرناه، وعند التلف فإن مالية الأعيان الموجودة حال الوصية قد زالت بالكلية، ولم تعد؛ فلذلك بطلت الوصية.
وفي النهاية في باب الطلاق قبل النكاح: أن الشيخ أبا محمد كان يقول: إذا صححنا الوصية مضافة إلى العين، فشرطه: أن يقيد بتقدير الملك، فيقول: إن ملكت هذا العبد، أما إذا وجه الوصية على عبد الغير مطلقاً من غير تقييد بالملك، فالوصية باطلة.
قال الإمام: والظاهر عندنا ما ذكره العراقيون من البندنيجي وابن الصباغ، ومن المراوزة: القاضي الحسين في كتاب المكاتبة؛ حيث قالوا: لو أوصى برقبة المكاتب على القول بامتناع بيعه، لم يصح ولا يسلم له، وإن انفسخت الكتابة قبل موت الموصى [له]؛ كما لو أوصى بعبد الغير ثم ملكه، نعم: إن وصى
برقبة المكاتب إن عجز، أو بهذا العبد إن عاد إليه، ففيه وجهان، حكاهما الإمام والبندنيجي، ثم حكى الإمام وجهاً ثالثاً: أنه تصح الوصية برقبة المكاتب، وهو ما حكاه في البحر عن الأم، ولا تصح بمال الغير وسنذكره ثم، إن شاء الله تعالى.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أن القول بعدم الصحة لا يجري عند ملكه لبعض ما أوصى به، وهو ما صرح به القاضي أبو الطيب، ومساق البناء على قول اعتبار حال الوصية، ألا تصح إلا في قدر ما يملكه إذ ذاك.
فرع: إذا صححنا الوصية بما تحمل المرأة، فإن انفصل الولد لأقل من ستة أشهر فما فوقها ولدون أربع سنين، فإن لم تكن ذات زوج، فهو للورثة، وإن كانت ذات زوج يطؤها، فالظاهر أن الولد تجدد؛ فيكون للموصى له، قاله الماوردي.
فرع: إذا صححنا الوصية بالثمرة التي ستحدث، فلا يجب على الورثة السقي عند الحاجة؛ لأن الثمرة تحدث على ملك الموصى له، ولا يجب على الموصى له أيضاً سقيها، بخلاف نفقة العبد؛ لأن نفقة العبد مستحقة؛ لحرمة نفسه.
قال الماوردي: وكذا إن احتاجت النخل إلى سقي، لم يلزم واحداً منهما.
قال: ويجوز تعليقها على شرط في الحياة، [أي: مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر، أو قَدِمَ زيد، فقد أوصيت لفلان بكذا، وإن كان في بطنك ذكر فقد أوصيت به لفلان؛ لأنها تجوز بالمجهول؛ فجاز تعليقها على شرط؛ كالطلاق.
قال: وعلى شرط بعد الموت، أي: بأن يقول: إذا مت، ودخل زيد الدار بعد موتي، أو جاء المطر- فأعطوا فلاناً كذا؛ لأن ما بعد الموت في حال الوصية كحال الحياة.
قال: وتجوز بالمنافع والأعيان، أي: تجوز بالمنافع خاصة وبالأعيان خاصة، كما إذا أوصى لشخص بمنفعة عبد ولآخر برقبته.
قال: وبما يجوز الانتفاع به من النجاسات: كالسماد، والسرجين، والكلب، والزيت النجس؛ لما ذكرناه من أن الموصى له في الثلث كالورثة في الثلثين،
وهذه الأشياء تنتقل إلى الوارث، فكذلك الموصى له.
وفي الكلب وجه: [أنه لا تجوز الوصية به، كما لا تجوز هبته على وجه.
وفي البحر وجه]: أنه لا تجوز الوصية بكلب صيد أو زرع أو ماشية لمن لا يحسن الصيد ولا زرع له، ولا ماشية، وهو مستمد مما ذكرناه في باب الغصب: أنه لا يجوز لمن مثل هذا حاله اقتناء مثل هذا الكلب.
وفي الكلب الذي لا ينتفع به وجه: أنه تجوز الوصية به.
والأول وهذا غريبان.
نعم، المشهور الخلاف في الوصية بالجرو الصغير؛ بناءً على جواز اقتنائه، والصحيح في البحر جوازه.
وفي جواز الوصية بشحم الميتة الذي [يطلي] به السفن، إذا جوزنا الانتفاع به- وجهان.
قال: [ولا تجوز بما لا ينتفع به]: كالخمر، والخنزير؛ لأنه يحرم الانتفاع بهما، ولا تقر اليد عليهما؛ فلا يجوز نقلهما إلى الغير، وهذا ما أطلقه العراقيون؛ بناءً على الصحيح عندهم في أنه لا فرق في الخمر بين المحترمة وغيرها.
والمراوزة: فرضوا ذلك في غير المحترمة، وجزموا في المحترمة بجواز الوصية فيها؛ بناءً على اعتقادهم جواز إمساكها.
ومحل الكلام في ذلك في هذا الكتاب، [في] باب إزالة النجاسة.
قال: وإن أوصى لأقارب فلان، أي: وهم محصورون، دفع إلى من يعرف بقرابته، أي: من قبل الآباء والأمهات، ويسوي بين الأقرب والأبعد [منهم]؛ لاستوائهم في تناول اللفظ، ولا فرق فيهم بين الوارث وغيره، ولا بين الذكر والأنثى، ولا بين الغني والفقير، ولا بين المسلم والكافر، قال أبو إسحاق: لا يدخل الأبوان والأولاد في الوصية؛ للقرابة، ويدخل الأجداد والأحفاد، وادعى الأستاذ أبو منصور إجماع الأصحاب عليه، وقيل: لا يدخل الأصول والفروع،
وقيل: كل من اجتمع معه في الأب الرابع، [فهو من قرابته، ومن اجتمع بعد الرابع] خرج من القرابة؛ حكاه الماوردي.
وقد خص بعض الأصحاب الصرف إلى [القرابة] الأقاربَ من [جهة] الآباء والأمهات إذا كان الموصي غير عربي، أما إذا كان عربياً، فلا يصرف إلى الأقارب من جهة الأم؛ لأن العرب لا يعتنون إلا بالأقارب، من جهة الأب وبهم يتناصرون.
قال القاضي الحسين: وهذا ما ذكره الشافعي- رضي الله عنه- في أثناء الباب وصححه بعضهم، والذي ذكره في طرف الباب يدل على أنه لا فصل بين أن يكون الموصي عربياً أو غير عربي، وصححه آخرون، والصحيح ما ذكره الشيخ، وعلى هذا: إذا كان له أب أو جد يعرف به عند الناس، صرف إلى [من ينسب إلى] ذلك الذي عرف به دون من ينسب إلى أب ذلك أو على أخيه، مثاله: إذا أوصى لأقارب الشافعي- رضي الله عنه- فإنه يدفع إلى من ينسب إلى شافع بن السائب بن عبد يزيد [بن هشام بن عبد المطلب بن عبد] مناف، دون من ينسب إلى السائب أو إلى علي والعباس أخوي شافع، و [لا] إلى أولادهما؛ لأنهم لا يعرفون بقربته، وهذا في زمن الشافعي.
[أما إذا أوصى موص لأقارب بعض أولاد الشافعي] دون غيرهم من أولاد شافع، وعلى هذا القياس، وهكذا الحكم في جانب الأم إذا لم تكن من قبيلة الأب فيعتبر في جنبتها ما ذكرناه في جنبة الأب، فكل من تنسب إليه الأم من الأب المشهور فإنه قرابتها، وإن كانت الأم من قبيلة الولد، قال في البحر: فنسب الجميع واحد.
والحكم فيهما إذا أوصى لذي رحم فلان أو لأرحامه، كالحكم فيما إذا أوصى لقرابته.
قال الرافعي: و [في] هذا اللفظ يدخل أقارب الأم بلا خلاف.
أما إذا كان قرابته غير محصورين، فهو كما لو أوصى لقبيلة كبيرة.
ولو لم يكن له إلا قريب واحد، فوجهان:
أصحهما: أنه يصرف إليه الجميع؛ لأن المقصود منه الصرف إلى جهة القرابة.
والثاني: لا يصرف إليه إلا ثلث الموصي به؛ لأن أقل الجمع ثلاثة.
وحكى الأستاذ أبو منصور وجهاً آخر: أنه يكون له النصف.
فرع: لو أوصى لأقارب نفسه، فإنه لا يصرف للوارث [منهم]؛ لأن الوصية إليه غير صحيحة، قال القاضي والمتولي: ولا يقال: إنها تقسم على الجميع ثم تبطل الوصية في حصة من يرث، وغيره من المراوزة قال ذلك [وحكاه] وجهاً مع الأول، وقال الرافعي: لك أن تقول: وجب أن يختص الوجهان بقولنا: إن الوصية للوارث باطلة؛ أما إذا قلنا بأنها موقوفة على الإجازة فليقطع بالوجه الثاني.
قال: وإن وصى لأقرب الناس إليه لم يدفع إلى الأبعد مع وجود الأقرب؛ عملاً بمقتضى اللفظ.
نعم: لو أوصى لجماعة من أقرب قراباته، وكان الأقرب واحداً أو اثنين، قال ابن الصباغ: اشترك معه من دونه ليتم العدد؛ أي: الذي يصدق عليه أقل الجمع وهو ثلاثة، كما صرح به المتولي، فإذا خلف ابنين وابن ابن [ابن] دُفِعَ للابنين الثلثان ولابن ابن الابن الثلث، وإن كانوا ابنا، وابن ابن، وابن ابن ابن- دفع إليهم، وإن كان له ولد وأولاد بنين، دفع إلى الأكبر الثلث، والباقي لأولاد البنين بالسوية، وكذلك لو كان له ابنان وأولاد بنين دفع للابنين الثلثان، والثلث الباقي بين أولاد الابن بالسوية، والاعتبار عند اجتماع جماعة من القرابة من أولاد الأولاد وأولاد الإخوة، وأولاد الأعمام والأخوال والخالات- بالجهة لا بقرب الدرجة، فجهة الولادة مقدمة على جهة الأخوة، وجهة الأخوة مقدمة على جهة العمومة والخئولة، نعم قرب الدرجة معتبر في الجهة الواحدة.
فرع: إذا اجتمع في الدرجة الأولى عشرة، فهل يجوز الاقتصار في الصرف إلى ثلاثة منهم، أو [يجب] بقيمتهم؟ فيه وجهان جاريان في الرتبة الوسطى
والسفلى، أصحهما في التتمة الأول، وهو ظاهر نصه في الأم، كما حكاه في البحر؛ حيث قال: دفع ذلك إلى ثلاثة من أقرب قراباته، واختاره، وبذلك أجاب البندنيجي في تعليقه، وشبهه بما إذا [أوصى إليه] أن يدفع للفقراء، وعليه يدل قول الإمام فيما إذا لم يكن من أقرباء الموصى له إلا واحد، أنه يجوز دفع جميع الثلث [إليه]؛ لأن الجميع ليس مقصوداً، وإنما المقصود الصرف إلى جهة القرابة.
وكلام القاضي في المجرد يدل على الثاني؛ فإنه قال: إذا كان الأخ وبنو الإخوة، فإنه يدفع إلى الأخ الثلث، والباقي يدفع لبني الإخوة ويسوي بينهم فيه؛ لأنهم استووا في القرابة، وهو الذي رجحه ابن الصباغ؛ لأن مقابله يؤدي إلى أن يكون الموصى له مجهولاً، [قال] ويخالف ما إذا أوصى للفقراء؛ لأنهم لا ينحصرون، ولأن الوصية تقع للجهة دون الأعيان، وقال الرافعي: كان الأشبه أن يقال في مثل هذه الوصية: إنها وصية لغير معين؛ لأن لفظ الجماعة منكر؛ فصار كما لو أوصى لأحد الرجلين أو الثلاثة، لا على التعيين من جماعة معينين.
قال: وإن اجتمع الأب والابن قدم الابن في أحد القولين؛ لأنه أقوى في التعصيب؛ بدليل تقديمه عليه في الإرث، وهذا هو المذهب.
قال الرافعي: ولم يورد طوائف سواه، وبه جزم أكثر الأئمة في نظير المسألة من الوقف.
قال: ويسوى بينهما في الآخر؛ لاستوائهما في القرب من الميت، وهذا أصح في الجيلي.
وقال ابن الصباغ: لا نظر إلى الإرث؛ ألا ترى أن الأب والابن، والأم والبنت في ذلك سواء، وإن اختلفا في الميراث، وكذلك أب الأب وأب الأم يستويان، وهذه طريقة القاضي في المجرد، وغيره حكى الخلاف في المسألة وجهين.
قال مجلي: وينبغي أن يجري الخلاف في دخول الأب والأم في دخولهما في الوصية.
قال: وإن اجتمع الجد والأخ، أي: من الأبوين أو من أحدهما، [كما صرح به] المتولي والبغوي والعراقيون- قدم الأخ في أحد القولين، وهو الأصح
في الرافعي، ومنهم من قطع به؛ لأن تعصيبه تعصيب الأولاد؛ فقدم عليه كالابن، فعلى هذا يقدم ابن الأخ على الجد، والعم والعمة على أبي الجد، والخال والخالة على جد الأم وجدتها، ويسوى بينهما في الآخر؛ لاستوائهما في القرب والإدلاء بالأب، وهذا أصح في الجيلي؛ فعلى هذا يقدم الجد والجدة من الأب أو الأم على ابن الأخ، والعم والعمة وأبو الجد وأم الجد سواء، وكذا الخال والخالة وجد الأم وجدتها سواء.
وفي البحر والحاوي [حكاية] وجه ثالث: أن جد الأب أو جدة الأب أولى من العم والعمة والخال [والخالة].
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون ها هنا الأخ من الأم مع الجد كالأخ من الأب، وبه صرح المتولي وصاحب البحر، وكذلك غيرهما في نظير المسألة من [كتاب] الوقف، وأن الأخ من الأب كالأخ من الأم، والجد للأب كالجد للأم فيما ذكرناه، وأن الأخ من الأبوين مقدم على الأخ من أحدهما، وحكى الإمام في كتاب النكاح أن بعض الأصحاب أثبت في ذلك قولين كما في ولاية النكاح.
قال الرافعي: وهذا ذكره الحناطي.
قلت: وكذلك الماوردي في نظير المسألة من الوقف، لكن الجمهور في الوقف، وهذا على الأول، وبه جزم الماوردي هنا، وسنذكر دليله في قسم الفيء، إن شاء الله تعالى.
والأخت فيما ذكرناه كالأخ، صرح به في البحر، والأعمام
والعمات والأخوال والخالات في درجة واحدة، وكذا أولادهم مستوون، ولو كان لإحدى الجدتين قرابتان فهل تقدم بهما أم لا؟ فيه وجهان في الشامل، وقال: إنه ذكر هذين الوجهين في ميراثها، والمشهور في ميراثها من الخلاف: أنها تأخذ نصيبين، والجدة التي معها تأخذ نصيباً ويقدر كأنهما ثلاث جدات، كما ستقف عليه.
ولو اجتمع جد جد وابن عم، ففيه وجهان:
أحدهما: جد الجد أولى.
والثاني: ابن العم أولى.
فرع: [إذا] أوصى لأهله، دخل فيه الأقرباء، ولا يدخل المعتق والرضيع، وهل يدخل الزوج والزوجة؟ فيه وجهان.
ولو أوصى لعصبته، دخل المعتق، ولو أوصى لمناسبه، فهم من [نزل عن درجة الموصي من أولاده الذين يرجعون إليه في نسبهم دون من علا من آبائه، وهل تدخل] أولاد بناته؟ فيه وجهان، الأشبه في البحر: عدم الدخول.
ولو قال: ادفعوا ثلثي إلى من أناسبه، دخل فيهم الآباء دون الأبناء، ودخل فيهم الإخوة والأعمام، وهل يدخل الأجداد والجدات؟ فيه وجهان، ولا يدخل الأخوال والخالات وإخوة الأم.
ولو أوصى لورثة زيد فالوصية موقوفة حتى يموت زيد، ثم تدفع إلى من يرثه.
قال: وإن أوصى لجيرانه صرف إلى أربعين داراً من كل جانب؛ لما روى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حَقُّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَاراً: هَكَذَا، وهَكَذَا، وهَكَذَا، وهَكَذَا؛ يَمِيناً وَشِمَالاً، وَقُدَّاماً وَخَلْفاً".
وفي الحاوي في كتاب الوقف: أن مذهب الشافعي- رضي الله عنه-: أنهم من نسبوا إلى سكنى محلته، وسواء كان منهم مالكاً أو مستأجراً.
وعن بعض أصحابنا أن الجار هو الذي يلاصق داره [داره].
وقال الأستاذ أبو منصور: من يلاصق داره [داره] [من الجوانب جار، فيمن ليس بملاصق: فالذي باب داره حذاء باب داره]، والذين هم في زقاق واحد غير نافذ، [وفيه] اختلاف للأصحاب.
فرع: لو كان للموصي داران، فإن كان سكناه فيهما واحداً، يصرف إلى جيران الدارين، وإن كان سكناه في إحداهما أكثر، كان الحكم للأكثر.
قال: وإن وصى لفقراء بلده استحب أن يعمهم؛ ليعم الفضل ويشمل، ويصرف لكل منهم قدر كفايته إن أمكن، ويجوز أن يصرف [للمساكين، كما يجوز أن يصرف] ما وصى به للمساكين إلى الفقراء.
وحكى ابن الصباغ عن أبي إسحاق المروزي حكاية قول: أنه يجوز صرف ما وصى به للمساكين إلى الفقراء دون العكس؛ لأن الفقير أشد حالاً من المسكين وكذلك رواه في الرقم عن النص، والأصح الأول.
قال: فإن اقتصر على ثلاثة منهم جاز، أي: إذا لم يكن فقراء البلد محصورين؛ لأن عرف الشرع ثبت كذلك في الزكاة؛ فحملت الوصية عليها، فلو لم يكن في البلد فقير ولا مسكين، لغت الوصية، قاله القاضي الحسين.
أما إذا كان الفقراء محصورين، اشترط استيعابهم والتسوية بينهم، واشترط قبولهم، ذكره في التهذيب وغيره، وعلى ذلك ينطبق قول الماوردي: إنه لو أوصى إلى أهل بلد: فإن كان صغيراً جاز، ووجب تعميمهم، وإن كان كبيراً كالبصرة، فهو [كالوصية للقبيلة] الكبيرة، ولو أوصى بثلثه للفقراء صرف إلى فقراء بلده.
وهل ذلك على سبيل الإيجاب أو الاستحباب؟ فيه خلاف مرتب على نقل الصدقة، وأولى بالجواز، وهذه طريقة الماوردي والغزالي وغيرهما، وأطلق القاضي الحسين الخلاف من غير ترتيب، والقاضي أبو الطيب قال: يجب الصرف إليهم كما في الزكاة، وهو الذي حكاه البندنيجي [عن نص الشافعي- رضي الله عنه-.
وعلى هذا، يجب أن يكون قوله: أوصيت للفقراء بمائة] كقوله: أوصيت لفقراء هذه البلدة، وقد تقدم.
وقد أشار إلى ذلك الرافعي، وعضده بأن الأستاذ أبا منصور ذكر في الوصية للغارمين: أنه يعطي ثلاثة منهم، إن كانوا غير محصورين، وإن كانوا محصورين استوعبوا، فإن اقتصر [القاضي] على ثلاثة [منهم] فتجزئه أو يضمن حصة الباقين؟ جعله على جوابين، إن قلنا بالثاني، فالحساب على قدر ديونهم أو على عدد رءوسهم؟ فيه وجهان.
فرع: لو دفع الوصية إلى شخصين من الفقراء، ضمن نصيب الثالث، وفيه مثل الخلاف المذكور في الزكاة، والمنصوص عليه في الأم في هذه المسألة- كما قال الماوردي-: أنه يضمن الثلث.
قال القفال: ولا يجوز للوصي أن يدفع ما يغرمه للفقير نفسه، بل يدفعه [إلى الحاكم]؛ ليدفعه إليه، فإن دفعه إليه [بنفسه] لم يبرأ، وإن أمره الحاكم بدفعه إلى فقير فدفعه إليه برئ.
قال الإمام: وهذا حسن ظاهر.
قال: وإن أوصى بالثلث لزيد وللفقراء، فهو كأحدهم؛ لأنه ألحقه بهم في الإضافة، وذلك يقتضي التسوية، وهذا نصه ها هنا؛ حيث قال: [القياس]: أنه كأحدهم.
قال الرافعي: وأراد القياس على ما إذا أوصى لزيد وأولاد عمرو، فإن زيداً يكون كأحدهم.
وقد اختلف الأصحاب في قوله: "كأحدهم" على أوجه:
أحدها: أن للموصي أن يعطي سهماً من سهام القسمة، فإن قسم المال على أربعة من الفقراء، دفع إليه الخمس، وإن قسمه على خمسة دفع إليه السدس، وعلى هذا القياس، وهذا تقرير الأستاذ أبي منصور، وقال البندنيجي: إنه المذهب.
والثاني: أنه كأحدهم: بمعنى أنه رابعهم؛ لأن أقل ما يجوز أن يصرف إليه من
الفقراء ثلاثة أسهم؛ فيدفع إليه الربع، والباقي يصرف للفقراء بالتساوي أو التفاضل كما يراه، وهذا ذكره في الإفصاح.
والثالث: أنه يكون كأحدهم: بمعنى أنه يعطى جزءاً وإن قل.
قال في البحر: وهذا ظاهر كلام الشافعي- رضي الله عنه- وأبي إسحاق، وهو الصحيح، ويكون فائدة ذكره: أنه لا يحرم، وأن يعطى وإن كان غنياً، ويجوز أن يعطى إلى ثلاثة منهم، وزيد أحدهم.
انتهى.
وما ذكره آخراً يفهم جواز دفع الثلث إلى ثلاثة، زيد أحدهم، وإن كان غنياً، وهو ما صرح به القاضي أبو الطيب في تعليقه، وأفهمه كلام ابن الصباغ.
حيث قال: وينبغي أن يقال: إذا كان غنياً لا يجوز أن يكون من جملة من يقتصر عليه من الفقراء؛ فيكون ثلاثة غيره، وهذا ما جزم به في الحاوي، وأسقط هذا القول في حال غنى زيد؛ ولأجل ذلك قال صاحب البحر: وقد قيل: إن كان [غنياً] لا يجوز أن يجعل كأحدهم؛ لأن مخالفته في صفتهم تقتضي مخالفته في حكمهم.
وعلى هذا ينطبق ما قاله المتولي: أنه ينصرف إليه الثلث إن كان فقيراً، والربع إن كان غنياً.
وعلى ما حكاه القاضي أبو الطيب: أنه لا فرق بين الغني والفقير، وعلى هذا القول يكون له الثلث، [وكذلك صرح به].
قال: وقيل: يدفع إليه نصف الثلث، كما لو أوصى لزيد وعمرو وللفقراء والمساكين، فإنه يقسم بين النوعين نصفين.
وقد روى أبو عبد الله في شرح التلخيص هذين القولين منصوصين؛ لأنه نص في كتاب اليمين مع الشاهد: أنه كأحدهم، ثم قال: وقد قيل: إنه له النصف.
وغيره نسب القول الثاني إلى أبي إسحاق.
وعن البندنيجي أنه حكى عن أبي إسحاق أنه قال في الدرس: إن كان زيد
فقيراً [فهو كأحدهم، وغلا] فله النصف.
وهذا كله إذا لم يصف زيداً بالفقر، أما إذا قال: لزيد الفقير وللفقراء، أجري الخلاف فيما لزيد إن كان فقيراً.
ومنهم من خصص الخلاف بهذه الحالة، وبقي القول بكونه كأحدهم عند الإطلاق، وإن كان غنياً لم يصرف إليه شيء، ويصرف للفقراء؛ إن قلنا: إنه كأحدهم، وإلا فهو لورثة الموصي.
ولو وصف زيداً بغير صفة الجماعة، فقال: لزيد الكاتب وللفقراء، فعن الأستاذ أبي منصور أن له النصف قولاً واحداً.
وفي الزوائد حكاية عن الشيخ أبي حامد في الشرح رواية وجه: أنه إذا أوصى لزيد وللفقراء، كانت الوصية لزيد باطلة؛ لجهل القدر الذي يصرف إليه.
فروع:
لو أوصى لزيد وللفقراء والمساكين، فإن جعلناه فيما تقدم كأحد الفقراء، فكذلك ها هنا، وإن جعلنا له النصف فله هنا الثلث، وإن جعلنا له ثَمَّ الربع، فله هنا السبع.
ولو كان له ثلاث أمهات أولاد، فأوصى بثلث ماله [لهن] وللفقراء والمساكين، فالمذهب: أن لكل صنف ثلث الثلث.
وفي التتمة: أنه حكى عن أبي علي الثقفي من أصحابنا: أنه يقسم الثلث على خمسة.
ولو أوصى لزيد بدينار وبثلث ماله للفقراء وزيد فقير، لم يجز أن يعطى غير الدينار، وبه جزم في الحاوي.
وفي البحر وجه آخر عن رواية الحناطي: أنه يجوز أن يجمع له بين ما أوصى له به وبين شيء آخر من الثلث.
ولو أوصى بثلث ماله لحي وميت، [ولجبريل والملائكة والشياطين والحائط والرياح]، أو لمن يملك ولمن لا يملك، [فالوصية للميت] باطلة، وفيما
يملكه الحي وجهان:
أحدهما: جميع الثلث.
والثاني: إن كان المسمى معه ميتاً أو جبريل أو حائطاً، فله نصف الثلث، وإن كان المسمى معه الملائكة أو الشياطين أو الرياح فله النصف أو الربع، أو للوصي أن يعطيه أقل ما يتمول فيه، [على] الخلاف المذكور فيما إذا أوصى لزيد وللفقراء.
وفي الحاوي: الجزم بأنه إذا أوصى له ولجبريل: أنه لا يستحق إلا نصف الثلث والنصف للورثة، وعلى ذلك جرى [في] المهذب.
وفيما إذا أوصى بثلثه لزيد والملائكة وجهان:
أحدهما: لزيد نصف الثلث.
والثاني: الربع ويرد الباقي إلى الورثة.
وفيما إذا أوصى لزيد والشياطين ثلاثة أوجه:
أحدها: جميع الثلث.
والثاني: النصف.
والثالث: الربع، ويرد الباقي على الورثة.
وفيما إذا أوصى بثلثه لزيد والرياح، كان فيما لزيد وجهان:
أحدهما: جميع الثلث.
والثاني: النصف، وحكاه في المهذب أيضاً.
ولو أوصى بثلثه لله تعالى ولزيد، فوجهان:
أحدهما: أن جميع الثلث لزيد.
والثاني: لزيد نصف الثلث؛ وفي النصف الآخر وجهان في الحاوي:
[أحدهما] يصرف في سبيل الله، وهم الغزاة.
والثاني: في الفقراء والمساكين.
وحكى الرافعي عن الأستاذ أبي منصور أنه قال: يصرف في سبيل الله، وتصرف في وجوه القرب.
وعن ابن القاص: أن النصف يرجع إلى ورثة الموصي.
ولو أوصى لزيد ولحمار عمرو بالثلث، قال ابن أبي أحمد: كان النصف لزيد، وأما النصف المسمى للحمار، فينظر: إن قصد تمليك الحمار، فالوصية به باطلة، وإن أطلق ومات قبل البيان، سئل ورثته، فإن قالوا: أراد بها تمليك الحمار، فالوصية باطلة، والقول قولهم مع أيمانهم، وإن قالوا: أوصى به؛ ليتملكه [ربه] ويصرفه في علفه والإنفاق عليه، جازت الوصية؛ إذا قبلها صاحبه بعد موت الموصي؛ وينفق عليها الوصي إن كان له وصي، وإن لم يكن فصاحب الدابة، وإن قالوا: لا ندري، حلفوا إنهم لا يعلمون ذلك، وبطلت الوصية.
وفي الرافعي حكاية وجه فيما إذا أوصى لبهيمة، وصرح بأن الموصي به يصرف في علفها: أنه لا يشترط القبول، ووجهه: أنه إذا قبل مالكها، لا يجب عليه صرف ذلك إلى علفها.
[قال:] فإن قلنا بوجوب صرفه وهو الذي يقتضي إيراد الماوردي ترجيحه، فيتولى الإنفاق [عليها] الوصي، فإن لم يكن فالقاضي [أو أمين] بأمره.
قال: وإن أوصى لحمل هذه المرأة، دفع إلى من يعلم أنه كان موجوداً عند الوصية، أي بعد انفصاله حيّاً؛ إذ به يتحقق الاستحقاق، وذكر في جواز الوصية للحمل أنه لما مَلَكَ بالإرث [الذي هو] أضيق، ملك بالوصية التي هي أوسع.
ثم العلم بوجوده حالة الوصية يحصل بأن تضعه لما دون ستة أشهر من حين الوصية، وكذا إذا وضعته لأكثر منها إلى أربع سنين، و [لا] هي تحت زوج ولا مولى بعد الوصية.
وقيل: لا يستحق في هذه الحالة، وقد حكاه القاضي الحسين في موضع قولاً، وفي موضع آخر عن قول الربيع، وحكى الأول عن النص، والذي صححه في التهذيب الثاني.
وقال غيره: إنه ليس بشيء.
ولا نزاع في أنها إذا وضعته لأكثر من أربع سنين من حين الوصية، أو لما دونها وفوق ستة أشهر، وكانت تحت زوج أو سيد يمكن أن يطأها- أنه لا يستحق.
ثم إذا صحت الوصية: فإن خرج الحمل واحداً: صرف إليه، وإن كان أكثر: صرف الموصي به [إليهما] بالسوية، إلا أن يفضل الذكر على الأنثى أو بالعكس، فيتبع.
وكذا لو قال: إن كان حمل هذه المرأة ذكراً، [فله دينار، وإن كان أنثى فله] ديناران، فإنه يتبع شرطه، فلو وضعت في هذه الحالة ذكراً وأنثى، يستحقهما، [ولو وضعت ذكرين أو جاريتين فهل يستحقان؟] فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لو وضعت غلاماً وجارية.
والثاني: يستحقان، وفي كيفية الصرف لهما ثلاثة أوجه سنذكرها.
ولو قال: إن كان في بطنك ذكر فله دينار، وإن كان في بطنك أنثى فله ديناران، فخرج ذكراً وأنثى- استحقا ما شرط لهما؛ كما في مسائل الطلاق.
ولو وضعت غلامين أو جاريتين صحت الوصية، وفيها ثلاثة أوجه حكاها ابن سريج:
أحدها: [أن للورثة أن يدفعوا] الدينار أو الدينارين إلى أي الغلامين أو الجاريتين شاءوا.
والثاني: أن الغلامين أو الجاريتين يشتركان فيما شرط لهما.
والثالث: أن ذلك يوقف بينهما إلى أن يصطلحا.
ولو وضعت الموصي لحملها ولداً حيّاً وآخر ميتأً: ففيه وجهان، حكاهما في
الزوائد [عن رواية الشيخ سهل]:
أحدهما: للحي جميع الثلث.
والثاني: نصفه.
فرع: لا يصح قبول الوصية للحمل في حال اجتنانه من وليه، كما حكاه في التهذيب عن القفال، وحكى عن غيره في صحته قولين؛ بناءً على ما لو باع مال أبيه على ظن أنه حي فإذا هو ميت وأنهما جاريان فيما إذا أخذ الأب الشفعة لولده في حال اجتنانه ثم ظهر حيّاً، وبعد الوضع يصح.
ولو تداعى اثنان بسبب الحمل؛ لكونهما وطئا أمة في طهر واحد وقبلا له مع بقاء الإشكال- صح؛ لأنا نتيقن أن أحدهما أبوه، [كذا] قاله القاضي الحسين في باب العدد.
فرع: إذا أوصى لحمل هذه المرأة من زيد، فكل موضع ألحقنا الحمل بزيد، وعلمنا وجوده حالة الوصية، صرفت له الوصية.
وإن لم نلحقه به فلا يصرف له.
ولو ألحقناه به وتحققنا وجوده حالة الوصية، فنفاه؛ إما بدعوى الاستبراء أو باللعان، قال أبو إسحاق المروزي: يصرف الموصي به إليه.
قال القاضي أبو الطيب: وهو المشهور، بعد أن حكى عن باقي الأصحاب: أنه لا يستحق شيئاً من الوصية.
ووجَّه قول أبي إسحاق بأن حكم لعانه مقصور عليه، لا يتعداه إلى غيره؛ ألا ترى أن عدة الأمة تنقضي بوضعه.
وقد نسب الماوردي قول البطلان إلى ابن سريج.
قال: وإن وصى للرقاب، صرف إلى المكاتبين، وإن وصى لسبيل الله، صرف إلى الغزاة من أهل الصدقات؛ لأنه المفهوم من عرف الشرع؛ فحمل عليه.
وأقل من يجوز الصرف لهم ثلاثة.
ولو لم يكن في الدنيا مكاتب، حكى القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الشافعي: أنه يوقف الثلث؛ لجواز أن يُكاتَب عبيدٌ بعد ذلك؛ فيدفع إليهم.
وأبدى في البحر احتمالاً في بطلان الوصية، وكلامه يفهم أن الاحتمال لأبي الطيب.
فرع: إذا قال: أعتقوا بثلثي رقاباً، فإن كان ثلث ماله يبلغ ثمن ثلاث رقاب، اشتُرُوا وعتقوا، وإن كان لا يبلغ إلا ثمن رقبتين اشتريتا وأعتقتا، وإن كان يبلغ ثمن رقبتين ويفضل: فإن كان الفاضل لا يبلغ أن يشتري به شقصاً من رقبة، [وأمكن أن يَشترِي رقبتين غاليتين- فعل، فإن فضل عن ثمن أغلى رقبتين، بطلت الوصية فيه، وفيه وجه: أنه يوقف إلى أن يوجد شقص يشتري به، وإن لم يمكن أن يشتري بجميع الثلث رقبتين غاليتين] وأمكن أن يشتري [به] رقبتين وشقصاً من رقبة- فعل، وفيه وجه: أنه لا يشتري وتبطل الوصية بتلك الزيادة، وهذا يحكى عن أبي إسحاق [وجعله الغزالي أظهر.
وإن أمكن الأمران جميعاً، فأيهما يفعل؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو قول أبي إسحاق] والأظهر عند الغزالي-: أنه يشتري به شقصاً من آخر.
والثاني- وبه قال ابن سريج وهو الأظهر عند عامة الأصحاب، وظاهر النص-: أن يُشْتَرىَ به رقبتان نفيستان.
فرع: لو أوصى للخيرات أو البر أو الثواب، فالحكم كما لو وقف على هذه الجهات، وقد ذكرناه في الوقف.
قال: وإن أوصى لعبد فقبل، دفع إلى سيده، كما لو اصطاد أو احتطب أو احتش.
وهل يستقل العبد بقبولها دون إذن السيد؟ فيه وجهان:
المذهب منهما في تعليق البندنيجي: نعم.
واختيار الإصطخري: لا.
قال في البحر: وعليهما ينبغي الاكتفاء بقبول السيد دون العبد: فإن قلنا بالأول، لم يجز، وبه جزم البندنيجي، وإن قلنا بالثاني، جاز ولا ترد الوصية برد
العبد، كما حكاه الإمام.
ثم على الصحيح: لو منع السيد العبد من القبول فقبل، قال الإمام: الظاهر عندي الصحة وحصول الملك للسيد؛ كما لو نهاه عن الخلع فخالع، وإن قلنا: لا يصح من غير إذنه، فلو رد السيد فهو أولى من عدم الإذن، فلو بدا له أن يأذن في القبول [بعد ذلك، فالذي يظهر أنه لا أثر لذلك؛ فإنا على قول اعتبار الإذن في القبول نقيم قبول السيد] مقام قبول العبد، فكذلك، ينبغي أن يقام رده مقام رده.
ثم السيد الذي يدفع الموصي به إليه، [هو مالكه عند الموت أو القبول، فلو أوصى له وهو ملك زيد فباعه، ثم مات الوصي] وقبل العبد- كان الموصي به للمشتري دون البائع؛ كذا حكاه الرافعي عن القاضي أبي الطيب في الركن الرابع من القسامة، وحكاه في البحر هنا، وألحق به ما لو أوصى لعبد وارثه، فباعه الوارث، ثم مات الموصي، كانت الوصية صحيحة، ويسلم الموصي به للمشتري إذا قبل العبد، بخلاف ما لو أوصى لعبد نفسه، ثم باعه من أجنبي، ثم مات الموصي، فإن الوصية لا تصح؛ لأنها لم تنعقد لعبد نفسه أصلاً.
وفيما قاله نظر من وجهين:
أحدهما: أن البندنيجي قال: الوصية لعبد نفسه وصية لعبد وارثه في الحقيقة؛ لأنه يكون لوارثه بعد الموت، فأي فرق بينهما؟!
والثاني: أن الرافعي حكى عنه في الركن الرابع من القسامة: أنه لو أوصى لعبد نفسه، ثم أعتقه قبل أن يموت، تصح الوصية، والبيع من الأجنبي كالعتق.
وقد صرح الرافعي: بأن الموصي إذا باع عبده الموصى له قبل موته، كانت الوصية للمشتري، [وإن] أعتقه، كانت الوصية للعتيق، ولو باع الأجنبي العبد الموصي به أو أعتقه بعد موت الموصي وقبل القبول، فإن قلنا: الملك لا يحصل إلا بالقبول، فالملك للمشتري أو للمعتق، وإن قلنا: يحصل بالموت
ناجزاً، أو تَبَيُّنَاً، فهو للبائع أو للمعتق إذا لم يكن وارثاً، وإن كان وارثاً فهي كالوصية للقاتل، كذا أبداه الغزالي لنفسه.
فروع:
الوصية لأم الولد صحيحة، وكذا للعبد بنفسه أو بعضها، وهل يفتقر عتقه بعد الموت إلى القبول؟ المشهور: نعم، وللإمام احتمال في عدم اشتراطه.
وفي البحر في آخر باب الكتابة: أنه لو أوصى لعبده بثلث ماله، قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يصح.
والثاني: يصح بثلث نفسه فقط.
والثالث: يصح بجميع ثلثه، وتُقَدَّمُ نفْسُهُ عليه.
وفي الرافعي وجه آخر عزاه إلى ابن الحداد وجعله الأظهر: أن رقبته تدخل في الوصية، ويكون الحكم كما لو قال: أوصيت له بثلث رقبته وثلث سائر أموالي.
والحكم في هذا كما لو أوصى لمن بعضه حر وبعضه رقيق لوارثه، وسنذكره.
والوصية للمدبر إن خرج كله من الثلث، صحيحة، ولو خرج بعضه قال في الحاوي: صح من الوصية له بقدر ما عتق منه، وبطل منها بقدر ما رق منه.
وقال في البحر: قال سائر أصحابنا: إذا رق بعضه، بطلت الوصية، وعلى ذلك جرى البندنيجي.
وقال الرافعي: إن وفى الثلث بقدر الأمرين من الوصية والرقبة؛ بأن كانت الوصية بمائة ورقبة المدبر بمائة، وهو [يملك مائة أخرى- فوجهان:
أحدهما- وبه أجاب الشيخ أبو علي]-: أنه يقدم رقبته؛ فيعتق كله، ولا شيء له من الوصية.
الثاني- وهو أصح في التهذيب-: يعتق نصفه، والوصية [وصية] لمن بعضه حر وبعضه رقيق للوارث.
وإن لم يف الثلث بالمدبر، عتق منه بقدر الثلث، وصارت الوصية وصية لمن
بعضه حر وبعضه رقيق للوارث، والحكم فيه: أنه إن لم يكن بينهما مهايأة، أو كانت وقلنا: لا تدخل الوصية فيها، فهي وصية لوارث؛ لأن ما ثبت له بالوصية يكون نصفه للوارث؛ ولهذا قلنا: لا يرث؛ لأنه لو ورث شيئاً لملك [السيد] بعضه وهو أجنبي عن الميت، قال الإمام: وكان يحتمل أن تتبعض الوصية، كما لو أوصى بأكثر من الثلث.
وإن جرت بينهما مهايأة، وقلنا بدخول الوصية فيها: فإن قلنا: الاعتبار بيوم الوصية، فإن كان في يوم السيد فهو وصية لوارث، وإن كان في يوم العبد فهي صحيحة.
وهكذا إن قلنا: الاعتبار بيوم الموت، كما هو الظاهر من المذهب، ووجد [الموت] في يوم أحدهما.
ولو أوصى لمن نصفه رقيق لأجنبي ونصفه حر، فإن لم يكن بينهما مهايأة، وقبل بإذن السيد فالموصي به بينهما بالسوية، وكذا إن كان بغير إذنه، وقلنا: لا يفتقر العبد في قبولها إلى إذن السيد، وإن قلنا: يفتقر، بطل في نصف السيد، وفي نصفه وجهان، وجه المنع: أن ما يملكه ينقسم على نصفيه، فيلزم دخول نصفه في ملك السيد بغير رضاه.
ولو كانت بينهما مهايأة وقلنا: لا تدخل فيها الأكساب النادرة، فالحكم كما تقدم، وإن قلنا: تدخل، فلا حاجة إلى إذن السيد في القبول.
ثم الاعتبار بأي وقت؟ قد سبق الكلام فيه في باب اللقيط، وهذا إذا أطلق الوصية [له]، أما إذا قال: أوصيت لنفسك الرقيق أو الحر خاصة، فعن القفال: أن الوصية باطلة، ولا يجوز أن يوصي لبعض شخص، كما لا يجوز أن يرث بعض شخص.
وعن غيره: أنها تصح، ويتبع شرطه.
ولو أوصى لمكاتب نفسه أو لمكاتب وارثه، صح، جزم به البندنيجي.
وحكى في البحر عن ابن أبي أحمد في التلخيص: أنه لا تجوز الوصية لمكاتب وارثه، وأن القفال قال: إنه غلط، بل تجوز؛ كما تجوز لمكاتب نفسه، فلو عجز المكاتب نفسه قبل موت الموصي بطلت الوصية، بخلاف مكاتب الأجنبي إذا أوصى له وعجز نفسه، فإنها [لا] تبطل.
قال في البحر: وكانت لمولاه.
وقال في الحاوي: إن لم يكن أخذها فهي مردودة؛ لأنه صار عبداً.
قال: وإن أوصى بعتق عبد، عتق عنه ما يقع عليه الاسم؛ لعموم اللفظ، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد، وبه جزم القاضي الحسين.
وقيل: لا يجزيه إلا ما يجزئ في الكفارة؛ لأنه عرف الشرع، وهذا ما اختاره أبو الحسن الماسرجسي والقاضي الطبري، كما حكاه عنه في البحر.
وهل يجوز على هذا أن يعتق الخنثى؟ فيه وجهان في الحاوي، ويجوز للموصي أن يعتق عنه [أبا] نفسه سواء كان العتق تطوعاً [أو واجباً.
قال الماوردي: ولو اشترى أبا الموصي وأعتقه فإن كان عن واجب، لم يجز، وإن كان تطوعاً أجزأ و] المستحب أن يشتري العبد المأذون المترفه عند مالكه والعبد الضعيف أولى من غيره، ولو أوصى بشراء جارية وتعتق عليه، ففعل الوصي ذلك، ثم ظهر دين مستغرق للتركة، فإن وقع الشراء بعين المال، فالعقد باطل، وإن وقع في الذمة ولم يسم الموصي في العقد وقع الشراء للمشتري.
قال في البحر: وعتق عليه، كما لو أعتق مملوكه؛ ظاناً أنه مملوك غيره، وجزم في الشامل وتعليق البندنيجي والقاضي أبي الطيب والحسين، بأن عتقه عن الميت [لأنه أعتقه عن الميت]، وإن كان يملكه، فكل من أعتق عبد نفسه عن غيره بإذنه، كان العتق واقعاً عن ذلك الغير.
قال في البحر: وهذا عندي خطأ؛ لأنه أمره بالإعتاق عنه فيما يشتريه له ويصح الشراء له، وها هنا لم يصح الشراء له؛ فلا يتناوله إذن الميت، ومن أعتق عن غيره بغير إذنه لا يعتق عنه عندنا.
ولو أوصى ببيع عبد من تركته، وأن يشتري بثمنه جارية ويعتقها عنه، ففعل الوصي ذلك، ثم اطلع مشتري العبد على عيب قديم فرده- فللوصي أن يبيع ذلك العبد المردود على الأصح، ويؤدي من ثمنه ما قبضه ثمناً عنه أولاً، وفيه وجه: أنه لا يجوز له البيع، فعلى الأول: [إن وفى ثمنه الثاني الأول فلا] كلام، وإن كان الأول ألفاً والثمن الثاني تسعمائة؛ لمكان العيب، فعلى من يكون النقصان؟ فيه وجهان:
أحدهما: على الوصي؛ لتفريطه.
والثاني: أنه على ذمة الميت.
ولو زاد الثمن الثاني على الأول، بأن بلغ [ألفاً ومائة]: فإن كان لأجل ارتفاع الأسواق، ولا لحدوث ديون، فقد بان لنا أن البيع الأول جرى بالغبن؛ فكان باطلاً.
وحينئذ فإن كان شراء الجارية واقعاً في الذمة، فينصرف إلى الوصي، والعتق
واقع [عليه]، وعليه ألَّا يشتري بتمام ثمن العبد جارية فيعتقها عن الموصي، وإن كان شراء الجارية وقع بعين ما قبض، فلا يصح العقد ولا ينفذ العتق.
كذا حكاه الإمام في أواخر باب بيع الكلاب.
قبل كتاب السلم.
قال: وإن قال: أعطوه رأساً من رقيقي، ولا رقيق له عند الموت، أي: إما لموتهم أو قتلهم، مع وجودهم [في] حال الوصية، أو لعدم وجودهم [حال الوصية]، واستمرار ذلك إلى الموت.
قال: بطلت الوصية؛ لعدم إمكان الوفاء بها، وما يوجد من القيمة عند الإتلاف، فليس بموصى به، ولا هو بُدل ما تعلق به حق لازم.
وفي الحاوي [وجه]: أنهم إذا قتلوا تعلق حقه بقيمة أحدهم، ولو كان له رقيق صحت الوصية؛ لأن غاية الأمر أنها وصية بمجهول، وللوارث أن يدفع إليه ما ينطلق عليه الاسم من: صغير وكبير، وذكر وأنثى، وسليم ومعيب، ومسلم وكافر.
وهل يجوز أن يعطي خنثى؟ حكى القاضي الحسين عن المزني: أنه يعطي، وعن باقي الأصحاب: لا؛ لأن العرف لا يقتضيه، وهذا ما حكاه الماوردي عن الربيع، وحكاه الإمام وجهاً عن رواية صاحب التقريب، وأنه عرى عن التحصيل، لا اعتداد به، وجعل مقابله المذهب الصحيح، وعلى ذلك جرى الرافعي والروياني في البحر، وهذا إذا كان الرقيق موجوداً عند الوصية أيضاً.
ولو لم يكن ففيه الخلاف السابق فيما إذا أوصى بألف أو عبد لا يملكه، وإيراد ابن الصباغ يفهم حكاية خلاف فيه، وإن صححنا ثم؛ لأنه قاس وجه الصحة على [ذلك].
وقال في وجه المنع: لأن ذلك يقتضي وجود الرقيق له في حالة الوصية.
وعلى الخلاف يخرج ما إذا كان له رقيق عند الوصية، وتجدد له رقيق عند
الموت، هل يجوز أن يعطى من الثاني؟
وحكى الإمام عن بعض أصحابنا وجهاً آخر: أن للورثة الخيار في أن يعطوه العبد.
ولو لم يكن له إلا رأس واحد وقال: أعطوه رأساً من رقيقي، ففيه وجهان في التتمة:
أحدهما: البطلان.
والمذكور منهما في تعليق البندنيجي: صحة الوصية، وتعين العبد، وهو المذهب؛ كما حكاه من تلقى عن الإمام.
وفي كلام الشيخ إشارة إليه من بعد، والحكم عند القاضي أبي الطيب، فيما [إذا قال: أعطوه رأساً من عندي، كالحكم فيما لو قال: رأساً من رقيقي.
وعند القفال وغيره: لا يجوز أن] يعطى جارية، وهل يجوز أن يعطى خنثى قد بانت ذكورته؟ فيه وجهان؛ كذا حكاه في البحر.
قال: وإن قال: أعطوه عبداً من مالي اشْتُرِي [أي: إن لم يكن له عبد] ودفع إليه؛ لاقتضاء اللفظ ذلك.
أما إذا كان له عبيد، فالورثة مخيرون بين أن يعطوه عبداً منهم، وبين أن يشتروا له عبداً ولو [كان] معيباً؛ كما قاله القاضي الحسين.
وحكى الإمام عن بعض أصحابنا أنه لم يُجوِّز أن يُشتَرى له معيبٌ إذا كان الموصي قد قال: اشتروا له عبداً من مالي؛ لأن لفظ الشراء يقتضي سلامة المشتري.
ثم قال: ورأيت في بعض التصانيف رمزاً إلى أنه يتعين تسليم عبد من الموجودين؛ إذا كانوا في التركة، وهذا غير معتد به.
ولو قال: أعطوه عبداً، ولم يقل: من مالي، فالمذهب أن الوصية تصح، ويكون كما لو قال: من مالي.
وفي التتمة وجه: أنها لا تصح.
قال: وإن قال: أعطوه رأساً من رقيقي، فماتوا كلهم، أي [في حياة] الموصي، أو قتلوا إلا واحداً- تعينت فيه الوصية، أي: وإن كان أكثرهم قيمة؛ كما قاله القاضي الحسين؛ لأن الوصية تعلقت بالرقبة؛ فلم يكن للورثة العدول عنها مع القدرة عليها، ولأن حقه تعلق بواحد لا بعينه؛ فأشبه ما لو قال: بعتك صاعاً من هذه الصبرة فتلفت إلا قدر صاع؛ فإنه يتعين البيع فيه؛ فكذلك ها هنا، وهذا ما نسبه البندنيجي إلى أبي إسحاق، وبه جزم ابن الصباغ والمتولي والقاضي الحسين والإمام، وحكى عن [بعض] الأصحاب نفى خلافه، وجعل صاحب البحر محله في مسألة القتل إذا وجد القتل بعد موت الموصي، وقاسه على ما إذا قُتِلوا [إلا واحداً] قبل موت الموصي.
وحكى عن بعض أصحابنا وجهاً آخر: أن للورثة الخيار بين أن يعطوه العبد الباقي أو قيمة أحد العبيد المذكورين؛ كما لهم الخيار إذا قتلوا جميعاً، وهذا اختيار القفال، وحكاه الإمام عن طرق أئمتهم، وبه جزم الفوراني، وكذا الرافعي؛ إذا كان القتل بعد القبول أو قبله وقلنا بقول الوقف أوب أنه ملك بالموت، والحكم فيما لو أعتقهم إلا واحداً، كالحكم فيما إذا ماتوا إلا واحداً.
فإن قيل: قد حكيتم فيما إذا لم يكن [له] إلا واحد عند الموت [هل تبطل الوصية] أو تصح وتتعين؟ فيه وجهان، وجزمتم فيما إذا ماتوا أو قتلوا إلا واحداً: أن الوصية تتعين فيه، [فهلا جرى] الخلاف السابق.
قلنا: اللفظ في هذه المسألة كان صحيحاً عند الوصية؛ لأنه قال: "من رقيقي" وكان له رقيق، وهناك اللفظ فاسد؛ لكونه لا رقيق له يصرف منه رأساً.
أما إذا مات واحد منهم بعد موت الموصي وقبول الموصى له، فللوارث التعيين فيه؛ حتى يجب تجهيزه على الموصى له.
وإن كان ذلك بعد الموت وقبل القبول، فكذلك الحكم إن قلنا بحصول الملك بالموت أو بالقبول تبيَّن حصوله بالموت وإن قلنا: يملك بالقبول، فيعطى [واحداً] من الباقين؛ كما لو كان ذلك قبل موت الموصي؛ كذا حكاه الرافعي، وهو بناءً على ما حكاه أولاً.
وعند الأصحاب- كما حكاه الإمام-: أنه لا فرق بين أن يكون موتهم إلا واحداً، قبل موت الموصي أو بعده في أن الوصية تنفذ في الواحد.
قال: وإن قتلوا كلهم، أي: بعد موت الموصي، قتلاً يوجب الضمان، دفعت إليه قيمة أحدهم؛ لأن القيمة بدل ما وجب له، ثم للورثة التعيين.
وفي الشامل: أن للموصى له قيمة أحدهم.
وفي تعليق [البندنيجي أن على الوارث أن يعطي قيمة أقلهم، وبين عبارة الشيخ وما عداها فرق؛ لأن عبارة] الشيخ مقتضى أنه إذا عين له أكثرهم قيمة كانت هي الواجبة [له]، وعبارة غيره مقتضى أنه إذا دفع إليه قيمة أكثرهم كان متبرعاً بالزائد على قيمة أقلهم، قال القاضي الحسين: ولا فرق في ذلك بين أن نقول: إنه يملك يوم الموت أو بالقبول.
وفي الرافعي: أن هذا فيما إذا [قلنا: إنه] ملك بالموت أو بالقبول.
أما إذا قلنا: [إنه] لا يملك إلا بالقبول، فإن الوصية تبطل، وهذا احتمال أبداه الإمام، وقال: إنه لم يصر إليه أحد من الأصحاب، والذي أطلقوه الأول، والممكن [فيه]: أنا وإن حكمنا بأن الملك يحصل بالقبول، فللموصى له حق في الموصي به قبل القبول، وآية ذلك أنه يستبد بتملكه، ولا يقدر أحد على إبطال هذا الحق عليه، وليس كحق القبول في البيع والهبة بعد الإيجاب، والحقوق
اللازمة المالية إذا تعلقت بالأعيان لم يمتنع الانتقال إلى أبدالها: كحق المرتهن.
وأطلق في الحاوي حكاية قولين، فيما إذا قتل العبد الموصي به قتلاً مضموناً بالقيمة، هل تبطل الوصية أم لا؟ [وقال: إنهما مأخوذان من اختلاف قوليه في العبد المبيع إذا قتل في يد بائعه، هل يبطل البيع بقتله أم لا]؟
فأحدهما: تبطل الوصية؛ لأن القيمة لا تكون عبداً، وكما لو قطعت يده [لا يكون] أرشها له.
والثاني: لا تبطل؛ لأن الوصية بدل من رقبته فأقيمت مُقامها، وخالفت قيمة رقبته أرش يده؛ لأن اسم العبد ينطلق عليه بعد قطعها؛ فلم يستحق أرش يده؛ لأنه حصل له ما ينطلق عليه اسم العبد، وليس كذلك بعد قتله، ولكن لو قتله السيد، بطلت الوصية به قولاً واحداً؛ لأنه لا يضمن قيمة عبده في حق غيره؛ كما لو أوصى له بحنطة فطحنها.
وهذا منه يدل على أن الخلاف في قتله [لا يضمن] في حياة الموصي.
ولو ماتوا كلهم من غير تفريط من الوارث، أو قتلوا قتلاً لا يوجب الضمان: كما إذا قتله حربي أو سبع- سقط حق الوصية؛ لأنه لا متعلق لها.
فرع: لو أوصى بعتق عبد، فقتل قبل موت الموصي، بطلت الوصية، ولو قتل بعد موته وقبل العتق، قال الماوردي: فقد حكى المزني أن الوصية لا تبطل بموته.
ويشتري بقيمته عبد يعتق مكانه، كمن نذر أضحية فأتلفها متلف، قال: ويحتمل أن تبطل الوصية بخروج القيمة عن أن تكون عبداً، بخلاف نذر الأضحية؛ لاستقرار حكمها، والعبد لا يستقر حكمه إلا بالعتق.
فرع: لو شهد شاهدان: أنه أوصى له بعبده سالم الحبشي، وكان له عبدان حبشيان اسم كل منهما سالم: فإن عينا الموصي به منهما، صحت الشهادة، وإلا
فوجهان، ذكرهما ابن سريج:
أحدهما: الوصية باطلة؛ للجهل بها.
وعلى وجه الصحة وجهان:
أحدهما: يوقف العبدان إلى أن يصطلح الورثة والموصى له.
والثاني: يرجع إلى بيان الورثة، قاله في البحر.
قال: وإن أوصى برقبة عبد دون منفعته، أعطى الرقبة، أي: خالية عن المنفعة؛ عملاً بالأصل.
قال: [فإن أراد عتقها، أي: تبرعاً، جاز؛ لأنها ملكه]، ولو أراد عتقها عن الكفارة لم يجز.
وفيه وجه: أنها تجزئ.
قال: وعن ابن [القطان وجه: أن عتقها لا ينفذ مطلقاً؛ حكاه ابن يونس.
وفي الحاوي حكاية وجه عن أبي الحسين بن] القطان فيما إذا أوصى بمنفعته دون رقبته: أن الوارث لا ينفذ عتقه، ثم قال الماوردي: وهذا على الوجه الذي يجعل الرقبة داخلة في ملك الموصى له، وإذا كان هذا مأخذ الوجه لم يحسن جريان مثله في مسألة الكتاب؛ لأن الموصى له ملك الرقبة، والصحيح الأول، وتبقى المنافع على ملك الورثة، ولا يرجع المعتق على المعتق بشيء؛ لأنه لم يفوِّت عليه شيئاً، وإنما المفوِّت لذلك الموصي؛ فأشبه ما إذا أجر مورثه [عبداً] وأعتقه الوارث؛ فإنه لا يرجع عليه بشيء، بخلاف عتق العبد الذي أجره؛ فإنه يغرم على أحد القولين؛ لأنه المفوت.
وفي تعليق أبي الطيب: أنه إذا أوصى بالمنفعة فأعتق صاحب الرقبة الرقبة، فهل يسقط حق صاحب المنفعة من منفعته؟ فيه وجهان:
وحكى الرافعي: وجه البطلان عن حكاية أبي الفرج الزاز؛ إذ يبعد أن يكون الحر مستحق المنفعة أبد الدهر.
وعلى هذا، فهل يرجع الموصى له على المعتق ببدل المنافع؟ فيه وجهان.
وهذا بعينه يتجه جريانه في مسألتنا.
قال: وإن أراد بيعها لم يجز؛ لأنها [عين] مسلوبة المنفعة؛ فلم يجز بيعها، كالأعيان التي لا منفعة لها، وهذا الصحيح من المذهب عند القاضي أبي الطيب، وقال: إن به قال أكثر الأصحاب.
وقيل: يجوز؛ لأنه يملكها ملكاً تاماً، وفيها منفعة الإعتاق، وهذا هو المذهب في تعليق البندنيجي والبحر، وعلى هذا لو كان الموصي بمنفعته غير آدمي فهل يجوز [بيعه]؟ فيه وجهان.
وقيل: إن أراد بيعها من [مالك] المنفعة، جاز؛ لأنه يتكامل له الرقبة والمنفعة؛ فيكون كبيع ما فيه منفعة.
وإن أراد بيعها من مالك غيره، لم يجز؛ لأن يد صاحب المنفعة تمنع من تسليمها إلى غيره.
قال الرافعي: وهذا أرجح [على] ما يدل عليه كلام الأئمة.
فرع: هل تجوز كتابة مثل هذا العبد؟
المذهب في النهاية: لا.
وفيه وجه: أنها تصح؛ اعتماداً على الصدقات.
ولا يجوز للموصى له تزويج الأمة الموصي برقبتها، وكذلك مالك المنفعة، فلو اتفقا على التزويج: جاز؛ قاله ابن الصباغ والقاضي الطبري.
وهذا [ما] حكاه في الحاوي وجهاً، وحكى [معه] وجهين آخرين:
أحدهما: قال في البحر: وهو الصحيح أن لمالك المنفعة تزويجها؛ لأن المهر له.
والثاني: [أن] لمالك الرقبة التزويج.
وقال في التتمة: إن قلنا: يجوز للموصى له وطؤها، فيجوز له تزويجها،
[وإن قلنا: لا يجوز له وطؤها؛ فلا يجوز له تزويجها].
قال: وفي نفقته وجهان:
أحدهما: [أنها] على الموصى له بالرقبة؛ لأن النفقة على الرقبة؛ فكانت على مالكها، وهذا هو المذهب في تعليق البندنيجي، والأصح في النهاية وبه جزم الفوراني.
وقال في البحر: إنه نص عليه في زكاة الفطر.
والثاني: أنها على مالك المنفعة؛ لأن المنافع له على التأبيد؛ فكانت عليه النفقة؛ كنفقة الزوجة؛ وهذا قول الإصطخري، واستضعفه الإمام.
وفيه وجه حكاه العراقيون: أنها في كسبه، فإن لم يكن له كسب، ففي بيت المال.
قال الإمام: وما ذكرناه في النفقة يطرد في الكسوة وجميع المؤن اللازمة للمالك في مملوكه.
التفريع:
إن قلنا بوجوب النفقة على مالك الرقبة، فله أن يسقطها بالبيع على رأي، أو بالعتق إن قلنا: إن العتق يبطل حق صاحب المنفعة منها، وتكون نفقته إذ ذاك في كسبه.
وكذا إن قلنا: إن حق صاحب المنفعة لا يسقط منها [بالعتق]، تسقط نفقته عنه أيضاً بعتقه على المذهب الصحيح، وتكون في [بيت] المال.
قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: ومن أصحابنا من قال: على هذا له الرجوع على المعتق بأقل الأمرين: من أجرته التي هي قيمة منافعه، أو نفقته، وهذا لا وجه له.
فرع: إذا كان الموصي برقبته أمة، فأتت بولد من نكاح أو زنى، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لمالك المنفعة؛ لأنه من جملة الفوائد؛ كالكسب.
والثاني: أن حكمه حكم الأم.
وفي الحاوي وجه ثالث فيما إذا كانت الرقبة للورثة والمنفعة للموصى له: أن الولد يكون للورثة؛ لأنه غير معهود من كسبها، وأنه تابع لرقبتها، وهذه العلة قد تمنع جريانه في مسألتنا.
[أما] المهر: [فقد] [جزم] البندنيجي وغيره من العراقيين والروياني وصاحب التهذيب بأنه لمالك المنفعة، وهو متفق عليه، إذا كان مالك المنفعة الوارث.
فأما إذا كان الموصى له بها، فهو كذلك عند العراقيين، وقال المراوزة: يكون للورثة إذا كانت الرقبة على ملكهم؛ لأن بدل منفعة [البُضع لا تجوز الوصية بها، فبدلها لا يستحق بالوصية.
قال الرافعي: وهذا أشبه]، وبه جزم المتولي.
قلت: ما قالوه منتقض بمهر الموقوفة؛ فإنه مصروف لمالك منفعتها، وهو الموقوف عليه، وإن كان لا يصح وقف منفعة البضع.
ولو كان الوطء بشبهة فحكم المهر ما تقدم، والولد حر، وعليه قيمته.
وفيما يصنع بها الخلاف السابق فيما لو كان الولد رقيقاً لمن يكون؟ ولا خلاف أنه لا يحل لمالك المنفعة دون الرقبة وطؤها، فلو وطئها فلا حد ولا مهر عند الجمهور؛ ومنهم القاضي الحسين.
وقيل: يجب الحد، وهو ما جعله في التتمة المذهب؛ إذا كان عالماً بالتحريم وجعل الأول مبنياً على قول من أوجب النفقة عليه؛ فيصير كالنكاح، وإذا كانت المنفعة منتقلة إليه بالوصية يجب عليه المهر على قياس [قول] المراوزة، وعلى الصحيح إذا أتت بولد فهو حر.
وقيل: رقيق.
فإن قلنا بحريته، لم تصر الجارية أم ولد [له]، وقيمة الولد ما حكمها؟ فيها
الخلاف السابق.
وهل يجوز لمالك الرقبة وطؤها؟
قال العراقيون: لا.
وفصل غيرهم، فقال: إن كانت ممن تحبل، فلا يجوز له الوطء، وإن كانت ممن لا تحبل [جاز، وإلا] فوجهان؛ كما في وطء الراهن الجارية المرهونة.
وعكس المتولي [ذلك]، فقال: إن كانت ممن لا تحبل، جاز [الوطء]، وإلا فوجهان؛ فبذلك يجتمع ثلاثة أوجه.
فإن حرمنا الوطء فلا حد للشبهة، ووجب عليه المهر لمالك المنفعة؛ إذا قلنا: هو له، وولده حر، وفيما يصنع بقيمته الخلاف السابق، والجارية أم ولد [له] على المذهب، فتعتق بموته.
وفيه وجه حكاه العراقيون: أنها لا تصير أم ولد [له].
قال: وإن قتل العبد اشتري بقيمته- أي: كامل المنفعة- ما يقوم مقامه؛ جمعاً بين الحقين، وهذا أصح عند الشيخ أبي حامد والروياني والإمام والقاضي الحسين، وهو [اختيار] أبي الحسن الماسرجسي، وشبهه بالعبد الموقوف.
وقيل: قيمته للموصى له بالرقبة؛ لأن القيمة بدل الرقبة.
وفي المسألة وجهان آخران حكاهما الماوردي:
أحدهما: أنها لمالك المنفعة.
والثاني: توزع على الرقبة مسلوبة المنفعة، وعلى المنفعة وحدها.
وطريقه: أن يقوم العبد بمنافعه، فإذا قيل: مائة، قوم بدون منفعته، فإذا قيل: عشرة، سلم لمالك المنفعة تسعة أعشار القيمة، ولمالك الرقبة عشرها.
ولو كان الواجب قصاصاً، اشتركا فيه على الوجه الأول، واختص باستيفائه مالك الرقبة على الوجه الثاني، وبه جزم الماوردي والرافعي، وكذا الروياني.
ثم حكى الأول عن بعض المراوزة.
قال الماوردي: ولو عفا مالك الرقبة [عن القصاص] إلى مال، سقط القصاص، وإن عفا عن القصاص والمال، صح عفوه عن القصاص، وفي صحته عن المال وجهان.
ولو جنى على طرف من أطرافه، فمن الأصحاب من طرد الأوجه في الأرش، وذكر أنه يشتري به على الوجه الأول، ومنهم من قطع بكون الأرش لمالك الرقبة.
قال الرافعي: واتفقوا على ترجيحه، وإن ثبت الخلاف.
وقال صاحب البحر والقاضي الحسين: الصحيح: أن ما يقابل ما نقص من قيمة الرقبة لمالك الرقبة، وما قابل ما نقص من قيمة المنفعة لمالك المنفعة.
فإن لم ينقص الفائت من المنفعة شيئاً، قال الماوردي وابن الصباغ: فالأرش كله لمالك الرقبة.
واعلم أن ما ذكرناه فيما إذا كانت الرقبة موصى بها يجري فيما إذا كانت المنفعة موصي بها خاصة، وهي التي فرض الأصحاب الكلام فيها، ويكون الوارث في هذه الحالة كالموصى له بالرقبة في مسألة الكتاب.
وقد حكى الإمام فيما إذا كانت الوصية بالمنفعة مؤقتة: أن قيمة المقتول تصرف إلى الموصى له بالمنفعة؛ بناءً على [أن] المعتبر نم الثلث قيمة الرقبة بمنفعتها.
فرع: إذا جنى العبد الموصي برقبته أو بمنفعته جناية، نظر: فإن كانت توجب القصاص في النفس واستوفى منه، [بطلت الوصية.
وإن كانت توجبه في اليدين والرجلين واستوفى منه].
قال في الحاوي: بطلت الوصية بمنفعته.
وإن كانت جنايته خطأ، تعلقت برقبته، فإن لم يتبرع أحد بفدائه، بيع في الجناية، فإن زاد الثمن على الأرش.
قال أبو الفرج السرخسي: يقسم الزائد بينهما [على قدر] حقهما.
قال الرافعي: وينبغي أن يجيء فيه الخلاف السابق.
قلت: وينبغي أن يقتصر على بيع قدر أرش الجناية؛ فإن به يحصل الغرض، اللهم إلا ألا يمكن بيع البعض؛ فيباع الكل.
وإذا فداه مالك الرقبة بقي مالك المنفعة على حقه، وهل لمالك المنفعة بسبب الوصية فداؤه إجباراً كما لمالك الرقبة ذلك؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في الحاوي: أن له [أن يفديه]، ويبقى حق مالك الرقبة فيه، وهو نظير ما ذكرناه فيما إذا جنى العبد الموهوب من الابن وأراد الأب أن يفديه، بل ها هنا أولى؛ لأن الأب يطلب الفداء؛ ليثبت لنفسه حق الرجوع، والموصى له يطلب حتى لا يفوت حقه، وذا فيما إذا فدى أحدهما العبد بمنافعه، فلو أراد أحدهما أن يفدي ماله، قال أبو عبد الله الحناطي: يباع نصيب صاحبه.
قال الرافعي: وفيه إشكال؛ لأنه إن فدى مالك الرقبة، فكيف يمكن بيع المنافع وحدها.
وإن فدى صاحب المنفعة، فاستمر حقه؛ فبيع الرقبة يكون على الخلاف السابق.
قال: وإن قال أعطوه شاة، أي من مالي أو من غنمي، وكانت غنمه ذكوراً وإناثاً، لم يعط ذكراً على المنصوص، أي: في الأم.
وإليه أشار في المختصر؛ لأن الشاة في العرف تنصرف إلى الأنثى دون الذكر؛ فحمل لفظ الموصى عليه دون
حقيقته في اللغة.
وقيلك يعطى؛ لأن لفظ الشاة اسم جنس؛ فيتناول الذكر والأنثى؛ ولهذا حمل قوله صلى الله عليه وسلم: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً: شَاةٌ" على الذكر والأنثى، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، وبه جزم في التهذيب.
وذكر الحناطي مصير أكثر الأصحاب إليه، [وهو قضية كلام] المتولي، حيث جعل الخلاف كالخلاف في الشاة المخرجة عن خمس من الإبل.
وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه: إنه ليس بصحيح.
ويجوز أن يعطى من الضأن والمعز، إلا أن يقول: شاة ينتفع بصوفها؛ فإنه لا يعطى المعز، أو يقول: شاة ينتفع بشعرها؛ فإنه لا يعطى [من] الضأن.
وهكذا الحكم في كل وصية تحتمل أشياء؛ إذا قرن بها ما يدل على أحدها؛ فإنه يتعين ذلك.
ولا يتعين على الوارث إذا قال: أعطوه شاة من مالي، وله أغنام: أن يعطى شاة منها، ويتجه أن يأتي فيه ما حكاه الإمام فيما إذا قال: رأساً من مالي، وكان له رقيق.
فأما لو قال: [أعطوه] شاة من غنمي، وكانت غنمه كلها إناثاً أو ذكوراً لم يعط من غيرها.
قال الرافعي: وكان قياس من يقول: اسم الشاة لا يطلق على الذكر، أن تبطل الوصية؛ إذا كانت غنمه كلها ذكوراً.
ولو قال: أعطوه شاة من شياهي، ولم يكن له إلا ظباء، فالوصية باطلة على الأصح.
وفيه وجه: أنه يعطى منها؛ لأن ذلك يطلق عليها مجازاً، فإنه يقال لها: شِيَاه البَرِّ، وقد انحصر الأمر فيها.
ولا فرق فيما يعطى بين أن يكون صغيراً أو كبيراً؛ نص عليه في المختصر بقوله: أُعطِيَ شاة صغيرة كانت أو كبيرة.
قال في البحر: وبعض أصحابنا بخراسان حمل النص على صغير الجثة وكبيرها دون السخلة والعناق؛ لأن الاسم لا يطلق عليها، كاسم البقرة لا يقع على العجلة، وهذا ما صححه الرافعي، وجزم به المتولي.
فرع: لو أراد أن يعطيه عن ذلك ظبية، لم يجز له القبول، قال المتولي: لأنه غير ما أوصى [له] به، ولأن حقه ثابت في ذمة الوارث حتى يأخذ عنه على سبيل الاعتياض.
قال: وإن قال: أعطوه ثوراً، لم يعط بقرة، وإن قال: أعطوه جملاً، لم يعط ناقة؛ لأن اللفظ موضوع للذكر.
وقيل: في الأولى، يعطى بقرة؛ حكاه ابن يونس.
ولو قال: أعطوه [بقرة] أو ناقة، لم يعط جملاً ولا ثوراً.
قال في البحر: ومن أصحابنا من خرج وجهاً: [أنه يعطى]؛ كما قال في الشاة.
وهو جار فيما إذا قال: أعطوه بغلة؛ فإنه يجوز أن يعطى بغلاً، وتكون الهاء فيها للتوحيد لا للتأنيث؛ كما يقال: سخلة وسخل، ولا يعطى عند الوصية بالبقرة: الجواميس، [بخلاف الشاة التي تطلق على الضأن والمعز، اللهُمَّ إلا أن يقول: من بقري، وليس له إلا الجواميس].
قال الماوردي: ولو لم يكن له إلا بقر الوحش، فوجهان، كما ذكرنا في الظباء.
قال: وإن قال: أعطوه بعيراً، لم يعط ناقة على المنصوص؛ لما تقدم.
وقيل: يعطى.
وادعى الرافعي أنه الأظهر عند الأصحاب، والقاضي أبو الطيب أنه الذي قال به أصحابنا، وأن أبا علي الطبري قال: إنه الصحيح، ووجهه: أن العرب تقول: حلبت بعيري، وإنما تحلب الأنثى، وقال أهل اللغة: سمت العرب ذلك على
ترتيب تسمية الآدميين، فقالوا: الجمل كالرجل، والناقة كالمرأة، والبَكْرَة والقَلُوص كالفتاة، والبَكْر كالفتى من الناس، والبعير بمنزلة الإنسان، والإبل بمنزلة الناس.
والقائلون بالأول تمسكوا بما قاله الأزهري: أن هذا كلام العرب العاربة المحض، ولا يعرفه إلا خواص أهل العلم باللغة، وإذا كان كذلك، فالوجه أنا نجري حكمها على العرف لا على الأسماء التي تحتمل المعاني، وما قاله الشافعي- رضي الله عنه- هو المعروف من كلام الناس.
ولو قال: أعطوه رأساً من الإبل أو البقر أو الغنم، جاز الذكر والأنثى؛ قاله في التتمة.
ولا يجوز عند الإيصاء بالإبل أن يعطى فصيلاً ولا ابن مخاض؛ لأنها لا تسمى إبلاً.
ولو قال: أعطوه عشراً من الإبل، قال بعض أصحابنا: إن أثبت الهاء في العقد لم يعط إلا من الذكور؛ لأن العدد في الذكور بإثبات الهاء، وإن أسقط الهاء في العدد لم يعط إلا من الإناث؛ لأن عددها بإسقاط الهاء.
قال في الحاوي والبحر: وهذا لا وجه له؛ لأن اسم الإبل إذا كان يتناول الذكور والإناث تناولاً واحداً، صار العدد فيها محمولاً على القدر دون النوع، وبهذا أجاب البندنيجي وابن الصباغ.
قال: وإن قال: أعطوه دابة، دفع إليه فرس أو بغل أو حمار على المنصوص، وهو الأظهر، وبه جزم الفوراني؛ لأن لفظ الدابة وإن كان يطلق لغة على ما دب ودرج، فهو لا يستعمل إلا في هذه الأجناس الثلاثة عرفاً بمصر، وإذا ثبت للفظ عرف [في] موضع، عَمَّ حكمه؛ كما لو حلف: لا يأكل خبزاً، حنث بأكل خبز الأرز، [وإن كان في غير طبرستان].
ولو حلف الحضري لا يدخل بيتاً، فدخل بيتاً من أدم أو شعر، حنث عند الشافعي- رضي الله عنه- نظراً لهذا المعنى.
وقيل: إن قال هذا في غير مصر، لم يدفع إليه إلا فرساً؛ لأن في غير مصر
من البلاد لا يفهم منه إلا الفرس؛ فحملت الوصية على ما يفهمونه، وهذا ما صار إليه أبو إسحاق وابن سريج، وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي ترجيحه، فإنه قال ردًّ على الأول بأن العرف لو كان إذا ثبت في موضع لعمّ في سائر المواضع- لوجب أن يثبت عرف سائر البلاد في مصر؛ ولا يدفع [لمن وصى] له بدابة إلا الفرس خاصة، [وليس كذلك].
وأما الحنث بدخول بيت الشعر والأدم؛ فإنما لزم لأن عرف الشرع اقترن به؛ فكان أولى من عرف العادة؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً﴾ [النحل: 80]، وكذلك اسم الخبز هو حقيقة في خبز الأرز كما هو حقيقة في خبز البر لا فرق بينهما.
وقال البندنيجي: إن هذا القول ليس بشيء.
وقيل: [إن قال] ذلك في مصر، لم يعط إلا حماراً؛ لأنهم لا يطلقون اسم الدابة إلا عليه؛ حكاه في البحر.
ومحل الخلاف عند الإطلاق، أما إذا قال: أعطوه دابة تصلح للكر والفر والقتال والنسل؛ [فيحمل على الخيل، ولو قال: دابة تصلح للنسل، حمل على الخيل والحمير، وإن قال: تصلح للحمل]، فتحمل على البغال والحمير، إلا أن يكون قد جرت العادة في تلك البلدة بالحمل على البراذين، فيجوز أن يعطى برذونا.
قال المتولي: حتى لو كان المعهود في تلك البلدة الحمل على الجمال والبقر، يجوز أن يعطى جملاً أو بقرة، وناقشه الرافعي في ذلك.
ولا فرق فيما يعطى من ذلك؛ كما قال في البحر بين أن يكون صغيراً أو كبيراً، سميناً أو مهزولاً، ذكراً أو أنثى.
وفي التتمة: لا يعطى ما لا يمكن ركوبه؛ لأنه لا يسمى دابة.
قال في البحر والقاضي الحسين [في التعليق]: تخير الوارث بين الأنواع
الثلاثة- على المنصوص، محمول على ما إذا كانت في ملكه، أما إذا لم يكن في ملكه إلا نوعان، دفع إليه أحدهما، وكذا إذا لم يكن في ملكه إلا نوع واحد دفع إليه منه، وما قالا لعله محمول على ما إذا قال: دابة من دوابِّي، كما قاله في الحاوي، أما إذا أطلق، أو قال: من مالي، كما هو لفظ المختصر- فقياس ما ذكرناه فيما إذا قال: أعطوه رأساً من مالي، أنه لا يتعين، ولا خلاف أنه لا يعطى مع ذلك سرج ولا إكاف ولا لجام.
وكذا لو أوصى له بعبد، لم يجب على الورثة تسليم ثيابه، وإنما يجب على الموصى له أن يستره بثوب من عنده.
[قال: وإن قال: أعطوه كلباً من كلابي، وله ثلاثة أكلب، دفع إليه أحدهم؛ أي: إذا كانت مما ينتفع بها؛ دابة من دوابِّي، كما قاله في الحاوي، أما إذا أطلق، أو قال: من مالي، كما هو لفظ المختصر- فقياس ما ذكرناه فيما إذا قال: أعطوه رأساً من مالي، أنه لا يتعين، ولا خلاف أنه لا يعطى مع ذلك سرج ولا إكاف ولا لجام.
وكذا لو أوصى له بعبد، لم يجب على الورثة تسليم ثيابه، وإنما يجب على الموصى له أن يستره بثوب من عنده.
[قال: وإن قال: أعطوه كلباً من كلابي، وله ثلاثة أكلب، دفع إليه أحدهم؛ أي: إذا كانت مما ينتفع بها؛ لما ذكرنا من قبل؛ ويجوز للوارث أن يعطيه ما شاء منها، وإن اختلفت منافعها، اللهم إلا أن يكون الموصى له صائداً أو له ماشية، أو زرع، وفي الكلاب ما يصلح لذلك؛ فإنه يجب أن يعطى ذلك على وجه].
قال: وإن كان له كلب واحد دفع إليه ثلثه؛ أي: إذا لم تجز الورثة؛ ليحصل للورثة مِثْلَا ما حصل للموصى له.
قال القاضي أبو الطيب: فينتفع به الموصى له يوماً، والورثة يومين.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون للموصى له مال غيره أو لا، وهو وجه للإصطخري؛ لأنه لا يمكن اعتباره من ثلث المال، ولا قيمة له؛ فاعتبر بنفسه.
ومنهم من خص ذلك بما إذا لم يكن له مالٌ غيره.
[أما إذا كان له مال غيره] فيدفع إليه جميعه؛ لأن أقل المال خير من الكلب، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، وأبي علي [الطبري] وبه جزم القاضي الحسين والفوراني، وقال: إن الدانق خير من الكلب.
وقد حكينا عن المتولي [من قبل] حكاية وجه فيما إذا قال: أعطوه رأساً من
رقيقي ولم يكن له إلا رقيق واحد أن الوصية باطلة، وذلك الوجه يتجه جريانه هنا.
فرع: لو كان [له] ثلاثة كلاب ولا شيء له غيرها؛ فأوصى بها لرجل، وردت الوصية إلى ثلثها، ففي الكيفية ثلاثة أوجه:
أحدها: قاله أبو إسحاق: يعتبر العدد؛ فيدفع إليه واحد، وإلى الورثة اثنان بالتراضي، فإن [لم يتفقوا على] التعيين، أقرع.
وحكى [في البحر] عن القاضي أبي الطيب أنه قال: ما ذكر من القرعة لا يصح؛ لأن الخيار إلى الورثة في إعطاء أي كلب شاءوه.
والثاني: أنه يستحق من كل كلب ثلثه.
والثالث- وهو اختيار ابن أبي أحمد ابن صاحب التلخيص-: يقدر أنها لو كانت متقومة، [كم] كانت قيمة كل واحد؛ فيراعى استخراج الثلث على هذا الاعتبار.
وفيه وجه رابع: اختاره بعض مشايخ خراسان: أنه يعتبر فيها قيمة منافعها؛ لأنه يصح إجارتها على الصحيح من المذهب؛ كذا حكاه في البحر، وإن كان للموصي مال غير الكلاب، فنفاذ الوصية في جميع الكلاب أو ثلثها يخرج على الخلاف السابق.
فرع: إذا أوصى بثلث ماله لزيد، و [بكلابه الثلاثة] لعمرو، فالوصية بثلث المال صحيحة، وأما الوصية بالكلاب، فعلى قول الإصطخري تلزم في الثلث.
قال القاضي أبو الطيب: وعلى قول غيره، يدفع للموصى له الكلاب الثلاثة؛ لأن ما حصل للورثة من ثلثي المال خير من ضعف الكلاب، واستبعده ابن الصباغ؛ لأن ما يحصل للوارث من الثلثين هو حصتهم مما نفذت فيه الوصية، وهو الثلث؛ فلا يجوز أن يحسب عليهم مرة أخرى في الوصية بالكلاب.
قال: وإن قال: أعطوه كلباً، ولا كلب له، بطلت الوصية؛ لأنه لا يمكن أن