كتاب الأيمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الرافعي، ولم يعتبر الماوردي وابن الصباغ أربعة أشهر بالأهلة إلا في الصورة الأولى، وفيما عداها اعتبر ثلاثة أشهر بالأهلة وشهراً بالعدد.
وحكى بعض أصحابنا وجهاً: أنه متى انكسر شهر منها واعتبرنا بالعدد، اعتبرنا الجميع بالعدد، وقد تقدم له نظائر.
ولو كانت المرأة محبوسة لا تعرف الهلال اعتبرت بمائة وثلاثين يوماً.
قال: وإن كانت أمة اعتدت بشهرين وخمس ليال.
أطلق الشيخ- رحمه الله- "الليالي" هاهنا وفي "المهذب"، وأراد: الليالي بأيامها، وكذلك الماوردي والقاضي الحسين والمسعودي؛ اتباعاً لعادة العرب؛ فإنها تطلق "الأيام" وتريد: بلياليها، وتطلق "الليالي" وتريد: بأيامها، وقد حكى ذلك عنهم الماوردي عند الكلام في المسألة قبل هذه، وبهذا يندفع كلام من قال: إن قول الشيخ: "وخمس ليال" غلط، وإن صوابه: خمسة أيام بلياليها.
على أن ما ذكرناه يظهر مما قررناه في عدة الحرة.
وإنما قلنا: إن الأمة تعتد بشهرين وخمس ليال؛ لأن العدة أمر ذو عدد ينبني على المفاضلة؛ فوجب ألا تساوي الحرة فيه الأمة، وتكون على النصف منها مع إمكان تنصيفه؛ كالحدود، وهذا هو المشهور في أكثر الكتب.
وفي "الزوائد" للعمراني حكاية قول آخر عن أبي حامد: أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر؛ لأن الولد يكون نطفة أربعين يوماً، وعلقة أربعين يوماً، ومضغة أربعين يوماً، ثم ينفخ فيه الروح ويتحرك؛ فاعتبر أن تعتد المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر؛ ليتبين الحمل بذلك، ويتحرك، وهذا لا تختلف فيه الحرة والأمة.
وما حكاه كلام البندنيجي يدل عليه أيضاً؛ فإنه قال: "عدة الوفاة واجبة بوفاة الزوج، صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة، حرة أو أمة، مسلمة أو مشركة، مدخولاً بها أو غير مدخول بها، ثم لا تخلو من أمرين: إما أن تكون حاملاً أو حائلاً [فإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإن كانت حائلاً] فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام".
قال: وإن طلق امرأته طلقة رجعية، ثم توفي عنها، انتقلت إلى عدة الوفاة؛
لما روى جابر أن حبان بن منقذ طلق امرأته، ومات قبل أن تحيض الثالثة؛ فورثها عثمان، واعتدت عدة الوفاة من زوجها.
ولأن النكاح في الرجعية قائم؛ لما ذكرناه في الرجعة، وإنما حصلت البينونة بالموت، والطلاق المتقدم موجود؛ فاجتمع ما يوجب عدة الطلاق وما يوجب عدة الوفاة، وهو: حصول ابينونة بالموت، ولا سبيل إلى وجوبهما؛ إذ لا يجوز أن تكون معتدة من واحد عدتين، فقدمنا عدة الوفاة لتأكدها؛ فإنها تجب قبل الدخول وبعده، وعدة الطلاق لا تجب قبل الدخول.
ثم بقية عدة الطلاق هل تسقط، أو نقول: دخلت في عدة الوفاة؟
قال الرافعي قبل القسم الثاني من كتاب العدة: إنها تسقط بلا خلاف.
وحكى مجلي فيها خلافاً عن الأصحاب، وأن منشأة تباين جنس العدتين، وتظهر فائدة الانتقال في سقوط النفقة، وفي وجوب الإحداد، وقصر المدة وطولها، والمطلقة طلاقاً بائناً لا تنتقل إلى عدة الوفاة وإن كان في المرض، وقلنا: إنها ترثه؛ لأن البينونة حاصلة قبل الموت.
قال: وإن طلق إحدى امرأتيه، أي: ثلاثاً بعد الدخول، ومات قبل أن يبين- وجب على كل واحدة منهما أطول العدتين من الأقراء أو الأشهر، أي: إذا كانتا من ذوات الأقراء؛ لأن لك واحدة قد وجبت عليها عدة، واشتبهت عليها بعدة أخرى؛ فوجب أن تأتي بهما؛ لتخرج عما عليها بيقين؛ كمن أشكلت عليه صلاة من صلاتين، يجب عليه أن يقضيهما؛ ليخرج عما عليه بيقين.
ثم ابتداء الأشهر يكون من وقت الموت، وابتداء الأقراء يكون من حين الطلاق على الأصح؛ بناء على أنها تعتد من حين [الطلاق.
أما إذا قلنا: إنها تعتد من حين البيان، فهاهنا تعتبر الأقراء من حين] الموت، وقد صرح بهذا الوجه في "البحر" [لكن] من غير بناء.
أما إذا كان الطلاق رجعياً وجب على كل واحدة منهما عدة الوفاة، لا غير، وكذلك لو كان الطلاق قبل الدخول، أو كانتا من ذوات الأشهر، أو من ذوات الأقراء، وقد مضت ثلاثة أقراء قبل الموت.
ولو كانتا من ذوات الحمل اعتدتا بوضعه، وإن كانت إحداهما مخالفة للأخرى، اعتدت كل واحدة منهما بما يلزمها لو كانتا متفقتين.
واعلم أن قول الشيخ: "ومات قبل أن يبين" يعرفك أن المسألة مفروضة فيما إذا كان الطلاق معيناً في نفس الأمر، كما صرح به الماوردي وغيره؛ لأن البيان يكون لما وقع في نفس الأمر معيناً، والتعيين يكون لما وقع في نفس الأمر مبهماً.
أما إذا كان الطلاق مبهماً، فإنه ينبني على أن الطلاق يقع من حين الطلاق أو من حين التعيين؛ فإن قلنا: من حين الطلاق، فالحكم كما تقدم، وإن قلنا: من حين التعيين، فيعتبر ابتداء الأقراء والأشهر من حين الموت.
وحكي عن تعليق الشيخ أبي حامد أن كل واحدة منهما تعتد عدة الوفاة لا غير؛ لأنا نفرع على أن الطلاق يقع بالتعيين، فإذا لم يعين فكأنه لم يطلق، وهذا مشابه لما حكيته عن الفوراني ثم.
فرع: لو أسلم وثنى ومعه ثمان نسوة، فمات قبل أن يختار- وجب على كل واحدة منهن الاعتداد بأكثر الأمرين، وفي ابتداء الأقراء وجهان:
أحدهما: من حين الموت.
والثاني: من حين أسلم الأول منهم.
واعلم أن الأصحاب تكلموا في هذه المسألة، ولم يتعرضوا لبنائها على أن الوارث هل يقوم مقام الموروث في البيان أم لا، وكان لا يبعد بناؤها عليه.
قال: ومن فقدت زوجها، وانقطع عنها خبره- أي: حتى تتوهم، أو تظن أنه قد مات مثل: أن غاب وعادت رفقته، ولم يعرفوا حاله، أو كان في حرب الكفار، وانقضت الحرب، ولم يعرفوا حاله، أو غاب، ومضت مدة يعرف فيها في مجرى العادة خبر من سافر هذا السفر، ولم يعرف خبره- ففيه قولان:
أحدهما: أنها تكون على الزوجية إلى أن يتحقق الموت؛ لما روى عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَاتِيَهَا يَقِينُ مَوتِهِ أَوْ
طَلَاقِهِ" وروي عن علي- كرم الله وجهه- أنه قال: "امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ لَا تَتَزَوَّجُ".
ولأنه إذا لم يجز الحكم بموته في قسمة ماله وعتق أم ولده، فكذلك في زوجته، وهذا هو الجديد.
والثاني: أنها تصبر أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة، وهذا هو القديم؛ اتباعاً لعمر- رضي الله عنه – فإنه قضى به، واشتهر من غير إنكار من الصحابة.
ولأن للمرأة الخروج من النكاح بالجب والعنة؛ لفوات الاستمتاع، وبالإعسار بالنفقة؛ لفوات المال؛ فلأن يجوز هاهنا، وقد اجتمع الضرران، كان أولى.
هكذا علل به الأصحاب، ومقتضاه: أن المرأة إذا لم تكن عادمة للنفقة لا يأتي هذا القول، وقد صرح به بعضهم، وبعضهم طرده وإن كانت واجدة للنفقة.
فإن قيل: أجريتم على الطريقة الأولى الخلاف وإن كانت عادمة للنفعة، والصحيح منه القول الأول، وربما ادعى بعضهم أن القول الثاني مرجوع عنه، وعليه جرى الغزالي في "الوسيط"، وعندكم أن للمرأة الفسخ بتعذر النفقة على الصحيح؛ فكيف يكون انقطاع الخبر مانعاً من الفسخ، مع أن فيه زيادة ضرر تقتضي التسليط على الفسخ؟
فالجواب: أن الفسخ بسبب تعذر النفقة شرطه الإعسار، وإذا كان مفقوداً لم يتحقق، وعلى تقدير ألا يكون الإعسار شرطاً على أحد الوجهين فهو فسخ
للنكاح تتعاطاه المرأة أو القاضي- على ما سيأتي بيانه- ولا شك أنها لو رامت ذلك هاهنا تفريعاً على ذلك لقدرت عليه، والخلاف في مسألة المفقود في أنا هل نحكم بالفرقة بانتهاء النكاح أم لا؟ والمأخذان مختلفان؛ فلا إشكال إذن.
وما ذكره الشيخ في "المهذب" من أن لها أن تفسخ النكاح على القديم محمول على تعاطي أسبابه، وكلامه- من بعد- يعرفك أنه ليس على ظاهره، والله أعلم.
ثم مدة الصبر يكون ابتداؤها من حين ضرب القاضي، أو يكون ابتداؤها من حين انقطاع خبره؟ فيه وجهان، ويقال: قولان، قال الرافعي: وإيراد كثير من الأئمة يشعر بترجيح الأول، وادعى البندنيجي أنه ظاهر قوله في القديم، ومنهم من رجح الثاني، ومنهم صاحب "التهذيب"، وهو اختيار القفال.
فإن اعتبرنا القول الثاني فلا بد بعد انقضاء المدة من قضاء القاضي بوفاته، وحصول الفرقة.
وإن اعتبرنا القول الأول فهل نحتاج إلى ذلك، أو يكون حكم الحاكم بضرب المدة حكماً بالوفاة بعد انقضائها؟ فيه وجهان: أظهرهما الأول، واستدل له مجلي بأنها لو رضيت بالصبر بعد انقضاء العدة لجاز ذلك.
قال: ثم تحل للأزواج في الظاهر؛ لأن ذلك ثمرة الفسخ، وهل تحل في الباطن؟ فيه قولان، أي ينبنيان على [أن الفسخ يحصل باطناً كما يحصل في الظاهر، أم لا؟ وفيه قولان:
أحدهما] أنه لا ينفسخ في الباطن؛ لأن عمر لما عاد المفقود مكنه من أن يأخذ زوجته، ولو وقع الفسخ باطناً لم يمكنه منها إلا بتجديد عقد.
فعلى [هذا]: لو عاد المفقود سلمت إليه كما فعل عمر.
والثاني: نعم؛ لأنه فسخ مجتهد فيه، فانفسخ في الباطن والظاهر؛ كالفسخ بالعنة والإعسار، وهذا ما ادعى الجيلي أنه الأصح؛ فعلى هذا: لو عاد المفقود لم تسلم إليه، وكأن الشافعي- على هذا القول- أخذ بأصل قول عمر، وخالفه في
التفاصيل؛ لبعد مذهبه فيها عن القياس.
وقد جزم أبوا علي؛ ابن أبي هريرة والطبري بهذا، [ولم] يبنياه على القولين، بل قالا: إن الحاكم إنما حكم بوفاته بالاجتهاد، وإذا بان حياً تيقن الخطأ في اجتهاده فينقضه؛ كما لو حكم باجتهاده، ثم وجد نصاً بخلافه، وهذا أصح عند القاضي الروياني.
وحكي عن أبي إسحاق أنه إن رجع بعدما نكحت لم ترد إليه [وإن كان قبل أن تنكح ردت إليه]، وحكاه القاضي الحسين وجهاً، ولم يعزه إليه، وكذلك ابن الصباغ، وزاد فقال: إن قائله لم يبنه على القولين.
وحكى عن نص الشافعي طريقة أخرى: أن المفقود بالخيار بين أن ينتزعها من الثاني، وبين أن يتركها ويأخذ مهر المثل منه، وهذا ما حكاه في "التهذيب"، ومستنده: أن عمر كذلك قضى.
وعن القاضي الحسين زيادة فيها، وهو أنه إن فسخ غرم للثاني مهر مثلها.
وحكى الرافعي طريقة أخرى، وهي أن ذلك النكاح ارتفع بما جرى قولاً واحداً، ولكن إذا ظهر المفقود هل يحكم ببطلان الثاني؟ فيه وجهان، أظهرهما: المنع، وللمفقود الخيار؛ كما ذكرنا.
فإذا قلنا ببطلان النكاح الثاني فكيف نقول: وقع صحيحاً، ثم إذا ظهر المفقود، بطل، أو نقول: يتبين بظهور المفقود أنه وقع باطلاً؟ فيه وجهان:
فعلى الثاني: يجب مهر المثل إن جرى دخول، وإلا لم يجب.
وعلى الأول: الواجب: المسمى، أو نصفه.
وإذا ماتت المرأة، ثم ظهر المفقود بعد ما نكحت- ورثها الأول أو الثاني؟ يخرج على هذه الطرق.
واعلم أنه يتفرع على القولين مسائل:
منها: لو حكم حاكم بالفرقة؛ بناءً على القديم: فهل ينقض حكمه عند المفرع على الجديد؟ فيه وجهان، أظهرهما- وهو الذي نسبه القاضي الحسين هنا
والغزالي في أدب القضاء إلى النص-: أنه ينقض.
ومنها: إذا نكحت، ثم بان أن المفقود كان ميتاً وقت الحكم بالفرقة: فإن فرعنا على القديم فنكاح الجديد صحيح؛ إذ الفرقة- والحالة هذه- تحصل باطناً وجهاً واحداً، وإلا فوجهان؛ بناء على وقف العقود.
وأصل الوجهين في وقف العقود القولان فيما إذا كاتب عبده كتابة فاسدة، ثم أوصى به وهو يعتقد صحة الكتابة- ففي صحة الوصية قولان، كذا حكاه البندنيجي.
ولو بان أنه مات بعدما نكحت: فإن قلنا بحصول الفرقة باطناً فهي زوجة الثاني، وإن قلنا بالجديد، أو أنها لا تحصل باطناً، فعليها عدة الوفاة عن الأول، ولكن لا تشرع فيها حتى يموت الثاني، أو يفرق بينهما؛ فحينئذ تعتد عن الأول، ثم تعتد عن الثاني بثلاثة أقراء أو أشهر.
ومنها: لو طلق المفقود، أو ألى، أو ظاهر عنها، أو قذفها فإن فرعنا على القديم، وكان بعد الحكم بالفرقة- لم ينفذ إن قلنا بحصول الفرقة في الباطن.
وإن كان قبل الحكم، أو قلنا: إن الفسخ لا يحصل في الباطن، أو فرعنا على الجديد- ثبت حكم ذلك.
قال الرافعي: وليكن الحكم بنفوذها على الجديد مفرعاً على أنه ينقض حكم من حكم على موجب القديم.
ومنها: نفقة امرأة المفقود عليه إلى أن يحكم الحاكم بالفرقة، وبعد ذلك لا تجب على القديم، وفي استحقاق السكنى قولان، قال في "البسيط": إلا إذا عاد المفقود، وقلنا: لا ينفسخ في الباطن؛ فيحتمل أن يقال: لا نفقة لها إذا كانت ناشزة بقصد الاعتداد، ويجوز ألا تجعل ناشزة بمجرد القصد حتى يتصل به نكاح.
قال مجلي: وأما بعد انقضاء العدة فلم أر للأصحاب فيه شيئاً، ويحتمل على قول منع الفسخ في الباطن إجراء هذين الاحتمالين أيضاً؛ إذ المعنى واحد.
وإن قلنا بالجديد فالنفقة عليه إلى أن تنكح، وإن كان فاسداً.
وعن القاضي أبي الطيب القطع بأن نفقة مدة العدة عليه؛ على القولين جميعاً؛ كما في مدة التربص، والأظهر الأول.
وإذا فرق بينهما وعاد المفقود، فسلمت إليه- عادت نفقتها، وإن كان الثاني
دخل بها لم يلزم المفقود نفقة زمان العدة.
وإن لم يعد وعادت هي بعد التفريق إلى بيته، ففيه طريقان:
أشهرهما: أن في عود النفقة قولين.
والثاني: تنزيل القولين على حالين: فحيث قال: تعود النفقة، فهو محمول على ما إذا نكحت من غير حكم حاكم؛ لأنها سقطت بفعلها؛ فتعود بفعلها، وحيث قال: لا تعود، فهو محمول على ما إذا نكحت بحكم الحاكم.
والأصح عند الروياني: أنها لا تعود، قال: وينبغي أن يقطع به إذا لم يعلم الزوج عودها إلى الطاعة.
وأما النفقة على الزوج الثاني فلا يخفى حكمها على القديم، وعلى الجديد: لا نفقة لها في زمان الاستفراش إذ لا زوجية، وإن أنفق لم يرجع إلا أن يلزمه الحاكم الإنفاق؛ فيرجع، وفيه وجه: أنه إذا ألزمه رجع على الأول.
وإذا شرعت في عدته فلا نفقة لها أيضاً، إلا أن تكون حاملاً على أحد القولين.
ومنها: لو نكحت على الصورة المجوزة على القديم، وأتت بولد يمكن أن يكون [من الثاني]، وجاء المفقود، ولم يدع الولد- فهو للثاني، وإن ادعاه فوجهان:
أحدهما: يعرض على القائف.
والثاني- وهو الأظهر-: أنه يسأل عن جهة ادعائه، فإن قال: قدمت عليها في خلال المدة وأصبتها، وكان ما يقوله ممكناً- عرض على القائف.
وإن قال: لأن زوجتي ولدته على فراشي، قلنا له: هذه الجهة باطلة.
وفي "البحر": أن هذين الوجهين أخذا من وجهين قيلا في [أن] هذه المرأة لو أتت بولد من غير أن تتزوج هل يلحق بالمفقود؟
إن قلنا: نعم، فلا حاجة إلى الاستفصال، وإلا فلا بد منه.
وجزم في "التهذيب" بأنه يلحق بالثاني من غير تفصيل.
فرع: عن القفال: أن زوجة الغائب إذا أخبرها عدل بأن زوجها مات، جاز لها أن تنكح فيما بينها وبين الله تعالى.
قال: ويجب الإحداد في عدة الوفاة.
"الإحداد" و"الحداد": مأخوذ من "الحد" وهو: المنع؛ لأنها تمنع من الزينة، وما يدعو إلى المباشرة كالطيب ونحوه.
ويقال: أحدت المرأة، تحد إحداداً، وحدت: بضم الحاء، وكسرها، وحدت تحد حداداً، وهي حاد، ولا يقال: حادة.
والأصل في وجوب الإحداد: ما روى مسلم عن كل من زينب بنت جحش و [أم] حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ [الْآخِرِ أَنْ] تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً" هكذا استدل به بعضهم.
وقال مجلي: هذا الحديث لست أرى فيه دلالة على الوجوب؛ لأنه حرم الإحداد على الإطلاق، ثم [استثنى منه أربعة أشهر وعشراً، والاستثناء من التحريم إباحة؛ كما أن] استثناء الثلاث من التحريم إباحة.
قال الرافعي: لكن أجمع الأئمة على أنه أراد الوجوب، وأنه استثنى الواجب من الحرام.
قال القاضي الحسين: ويستدل بهذا الحديث على جواز الاستثناء من غير الجنس، وما قاله الأصحاب يعتضد بما سنذكره من حديث أم سلمة، وبما روى مسلم: أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ فقال: "لا"، مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: "لا"، ثم قال: "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَاسِ الْحَوْلِ" انتهى.
ومعنى ترمي بالبعرة: أن المرأة كانت إذا توفي زوجها دخلت حفشاً- وهو البيت الصغير- ولبست خشن ثيابها، ولم تمس طيباً ولا شيئاً حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى
بدابة حمار أو شاة أو طير؛ فتفتض [به]، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمي بها، ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره.
ولا فرق في وجوب الإحداد بين المسلمة، والذمية إذا كان زوجها مسلماً أو ذمياً، ولا بين الحرة والأمة، ولا بين المكلفة والصبية والمجنونة، وولي الصبية والمجنونة يمنعها مما تمتنع منه المكلفة.
فإن قيل: فقد خصص رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوب الإحداد بالمؤمنة بقوله: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ".
قيل: قد ورد من غير هذه الزيادة؛ فالاعتماد عليه.
وأيضاً: فإن هذا تعلق بدليل الخطاب، والمخالف لنا في الذمية أبو حنيفة، وهو لا يقول به.
قال: ولا يجب في عدة الرجعية؛ لبقاء أحكام النكاح فيها، وتوقع الرجعة، وهل يستحب؟ الذي رواه أبو ثور عن الشافعي: أنه يستحب، ومن الأصحاب من قال: الأولى أن تتجمل وتتزين بما يدعو الزوج إلى رجعتها.
قال: الموطوءة بشبهة؛ لأن الإحداد لإظهار الحزن على الزوج، وما فات من عصمة النكاح وقد تقدم ذلك في حقها.
وحكم أم الولد إذا توفي سيها في هذا المعنى حكم الموطوءة بشبهة، وكذلك المعتدة عن نكاح فاسد.
قال الرافعي: وقد يستدل لتحريم الحداد على الموطوءة بشبهة وأم الولد؛ بقوله- عليه السلام-: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ... " الحديث.
قلت: وفي الاستدلال به على تحريمه على الموطوءة بالشبهة نظر؛ فإن الحديث لا تعرض فيه لغير الميت.
قال: وفي المطلقة البائن- أي: بالخلع، أو باستيفاء العدد- قولان:
أصحهما: أنه لا يجب فيه الإحداد، وهذا هو الجديد؛ لأنها معتدة عن طلاق؛ فأشبهت الرجعية.
وأيضاً: فهي مجفوة بالطلاق؛ فلا يليق بها تكلف التفجع، بخلا المتوفى عنها.
فعلى هذا: يستحب لها الإحداد، وهل يحرم عليها الطيب؟ فيه وجهان؛ لاختصاصه بتحريك الشهوة.
والقول الثاني: [أنه] يجب، وهو القديم؛ لأنها بائن، معتدة عن نكاح؛ فأشبهت المتوفى عنها.
والمفسوخ نكاحها بعيب أو نحوه، في وجوبه عليها طريقان:
أشبههما- وهو ما حكاه أبو حامد: أنه على القولين.
والثاني: القطع بأنه [لا] حداد عليها؛ لأن الفسخ لمعنى فيها، أو هي المباشرة له؛ فلا يليق إظهار التفجع بحالها، وهذا ما صححه القاضي الحسين.
قال: والإحداد، أي: الذي تقدم ذكره: أن تترك الزينة؛ فلا تلبس الحلي لإطلاق الخبر، وهو ما روى أبو داود عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَكْتَحِلُ".
قال [في] المستغرب: الممشق: المصبوغ بالمشق، وهو: المغرة.
والحلي – بفتح الحاء وإسكان اللام-: لكل ما تتزين به من ذهب أو فضة أو جوهر، ولا شك في أن المتخذ من الذهب أو الفضة يحرم، كما قال.
وقال الإمام: يجوز لها التختم بالخاتم الذي يحل للرجال، وهل يجوز لها التحلي بغير الذهب والفضة؟ ينظر:
إن كان من اللآلئ فقد أبدى الإمام فيه تردداً؛ من حيث إنها ليست كالذهب والفضة؛ ولذلك لم تحرم على الرجال، لكن الزينة ظاهرة فيها.
قال الرافعي: وهذا أظهر وهو ما جزم به [في] "الوجيز".
وإن كان [من] الصفر والنحاس، فإن كان ذلك مموهاً بالذهب أو الفضة، أو مشابهاً لهما، بحيث لا يعرف إلا بعد التأمل- لم يجز، وإلا فإن كانت المعتدة من قوم يتزينون بمثل ذلك لم يجز أيضاً، وإن كانت من قوم لا يتزينون، ولا يتحلون به، لكنهم يستعملونه لمنفعة يتوهمونها- جاز، هكذا حكى عن "البحر"، وكلام الشيخ لا يأباه.
فرع: حكي عن بعض الأصحاب أنها لو كانت تلبس الحلي ليلاً، وتنزعه نهاراً، جاز، لكنه يكره لغير حاجة، ولو فعلته لإحراز المال لم يكره.
قال: ولا تتطيب، أي: في جميع بدنها، إلا في حال طهرها من الحيض؛ لما روى مسلم، عن أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تُحِدُّ امْرَأَةُ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيباً، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ"، وزاد النسائي: "ولا تمشط".
والذي يحرم من الطيب هو الذي يحرم على المحرم، حتى يحرم عليها أكل ما فيه طيب ظاهر.
وقد استوعب ذكر ذلك في الحج.
قال: ولا تختضب؛ لحديث أم سلمة.
ولا فرق فيه بين أن يكون بالحناء أو الزعفران أو الورس، ويستوي فيه جميع بدنها على ما حكاه ابن يونس.
وفي "الرافعي": أن القاضي الروياني قال: لا يمنع منه فيما تحت الثياب.
وكما يحرم عليها الاختضاب يحرم عليها طلاء الوجه بما يقتضي التحسين من الإسفيداج والحمرة وغيرها، وكذا الصبر إذا طلت به البيضاء وجهها، وهذا بخلاف الإثمد؛ فإنه يجوز أن تستعمله في غير الحاجب؛ [فإنه لا تزيين فيه، وفي
الحاجب] هو زينة كالعين.
قال: ولا ترجل الشعر، أي: شعر الرأس؛ وكذا شعر اللحية إن كانت لها لحية؛ لحديث النسائي.
ترجيل الشعر: تسريحه بالمشط بدهن أو ماء، والمراد به هاهنا بالدهن؛ لأن به تحصل الزينة.
ولا يجوز لها أيضاً [أن] تحفف حاجبيها؛ لأنه نوع زينة.
وأبدى الغزالي في تصفي الشعر وتجعيده بغير الدهن تردداً.
ويجوز لها أن تغسل رأسها بالسدر؛ إذ لا زينة فيهز
وكذا لا يحرم عليها قلم الأظفار، وحلق العانة، بخلاف المحرم؛ فإنه ممنوع من الترفه، وهذه ممنوعة من التزين.
قال: ولا تكتحل بالإثمد والصبر، أي: وإن لم يكن فيه طيب؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أم عطية وأم سلمة: "ولا تكتحل"، ولأن فيه زينة.
وعن الماسرجسي حكاية وجه: أنه يجوز الاكتحال بالإثمد [للمرأة السوداء إذا لم يكن فيه طيب؛ لأنه لا يفيدها جمالاً.
وروى ما يقرب من هذا عن القفال.
وفي "النهاية": أن الشافعي نص في بعض المواضع على جواز الاكتحال بالإثمد] وأن الأصحاب حملوه على العربيات؛ لأنهن إلى السواد؛ فلا يزينهن الإثمد، وأما البيض فلا يكتحلن به.
وفي "التتمة": أنه يحرم الاكتحال بالصبر على السوداء دون البيضاء، وهو ما حكاه القاضي الحسين في "التعليق".
والظاهر عند الأكثرين: أنه لا فرق بين البيضاء والسوداء.
تنبيه: الإثمد: هو الكحل الأصفهاني، وهو مكسور الهمزة والميم.
الصبر: بفتح الصاد، وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء مع فتح الصاد وكسرها.
وتقييد الشيخ منع الاكتحال بالإثمد والصبر يعرفك أنها لا تمنع من الاكتحال بغيرهما كالتوتياء ونحوها؛ فإنه لا زينة فيه.
وفي "البحر" وجه: أن البيضاء تمنع منه حين تتزين به.
قال: فإن احتاجت إليه اكتحلت بالليل، وغسلته بالنهار، أي: إذا لم تدع الضرورة إليه نهاراً.
ووجهه: ما روي عن أم سلمة قالت: "دَخَلَ النبي صلى الله عليه وسلم حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلْتُ في عَيْنَيَّ صَبِراً، فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ " فَقُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبِرُ يَا رَسُولَ اللِه لَيْسَ فِيهِ طِيبُ، فَقَالَ: "إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، وانتزعيه بِالنَّهَارِ، وَلا تَمْتَشِطيِ بِالطِّيبِ، وَلا بِالْحِنَّاءِ؛ فَإِنَّهُ خِضَابُ".
قُلْتُ: بِأَيِّ [شَيْءٍ] أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَاسَكِ".
انتهى.
ومعنى "يشب الوجه": يحسنه، وهو بشين معجمة، وباء معجمة بواحدة من أسفل.
أما إذا دعت الضرورة إليه بالنهار عذرت، قاله الرافعي: ولفظ الغزالي: احتاجت.
واعلم أن في الاستدلال بما ذكر من الحديث نظراً؛ من حيث إن أبا قاسم بن أصبغ ذكر أن زينب بنت أم سلمة ابنة النحام توفي عنها زوجها، فأتت أمها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إِنَّ ابْنَتِي تَشْتَكِي عَيْنَهَا أَفَأَكْحِلُهَا؟ قَالَ: "لَا".
قَالَتْ: إِنِي أَخْشَى أَنْ [تَنْفَقِئَ].
قَالَ: "لَا، وَإِنِ انْفَقَأَتْ".
وقد قال عبد الحق في "أحكامه الكبرى": ذكره أبو محمد، وإسناده [صحيح]، وهو يدل على عدم الجواز مطلقاً.
والحديث الأول قال عبد الحق: ليس له إسناد يعرف؛ فلا [يمكن] التخصيص به.
قال: ولا تلبس الأحمر ولا الأزرق الصافي، ولا الأخضر الصافي، ولا الأصفر؛ لعموم قوله- عليه السلام- في حديث أم عطية: "وَلَا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ"، وقوله- عليه السلام- في حديث أم سلمة الذي رويناه: أولاً: [لَا] تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثَّيَابِ وَلَا الُمَمشَّقَةَ"، ولأن في ذلك زينة؛ فمنع منه كالاكتحال.
ولا فرق في ذلك بين ما صبغ غزله ثم نسج، أو صبغ بعد النسج.
وقيل: يجوز الأول، ومنه الديباج المنقش، وتمسك قائله بقوله- عليه السلام- في حديث أم عطية: "إلا ثوب عصب"، والعصب هو: الثوب المصبوغ غزله ثم نسج.
وأجيب عنه: بأنه قد جاء في الحديث: "إلا ثوباً مغسولاً"؛ فتعارضا، وسقطت الدلالة به.
أو يحمل على ما يجوز لبسه من المصبوغ.
ولا فرق في المصبوغ المحرم بين أن يكون ليناً أو خشناً على النص.
وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أنه إذا تفاحشت خشونته لا يحرم.
ويجوز لها لبس السواد، وهل يجب عليها؟ فيه وجهان، وكذا يجوز لها لبس الأزرق الكدر والمشبع، وكذلك الأخضر؛ لأن المشبع من الأخضر يقارب السواد، ومن الأزرق يقارب الكحلي.
ولا يحرم عليها لبس الثياب التي لم تدخل عليها الزينة، وإن كانت في نفسها زينة من الأصل: كالدبيقي والبندقي، وما يتخذ من القز والخز والحرير.
وذهب القفال إلى أنه يحرم عليها لبس الإبريسم، وتابعه عليه الإمام ومن تابعه، والمتولي والبغوي، ووجهه بأنه إنما حل لها للزينة؛ فالتحقت في حال الإحداد بالرجال.
فعلى هذا: حكمها في لبس المختلط حكم الرجال.
وأما الثوب المطرز فهل يحرم عليها؟ ينظر: [إن كان الطراز كثيراً] حرم، وإلا فثلاثة أوجه، ثالثها: إن ركب بعد النسج حرم، وإن رقم مع النسج لم يحرم، حكاها الشاشي وغيره.
قال: ولا يجوز للمبتوتة ولا للمتوفى عنها زوجها أن تخرج من المنزل لغير حاجة أي: حافة؛ لقوله- تعالى-: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، قال ابن عباس: [الفاحشة]: هي أن تبذو على أهل زوجها.
وأضاف "البيوت" إليهن؛ لأنها سكناهن، وليس المراد به ملكهن؛ لأنه خص المطلقة بذلك، ولو كان البيت لها لم تختص المطلقة بالتحريم، ولأن البذاءة لا توجب ذلك، وروي أنه- عليه السلام- قال لفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري- بعدما أخبرته أن زوجها قتل، وسألته أن ترجع إلى أهلها؛ فإنه لم يتركها في مسكن يملكه، ولا نفقة – فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث طويل: "امْكُثِي فِي بَيْتِكِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ"، قالت: فَاعْتَدَدْتُ فيه أربعة أشهر وعشراً، ذكره الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
ثم ما ذكرناه في المتوفى عنها إذا قلنا: إن السكنى تجب لها، أما إذا قلنا: إنها لا تجب؛ فلا يجب عليها ذلك، بل تعتد حيث شاءت، إلا أن يلتزم الوارث أجرة
منزل يعينونه، سواء فيه منزل النكاح أو غيره؛ فيجب، أو يكون البلد الذي هي فيه مثل المدينة يتطوع أهله بالمساكن؛ فيجب أن تسكن في مكانها؛ كما لو تطوع الوارث، قاله البندنيجي.
وبعض المراوزة فصل فقال: إن كان بعد المسيس فالحكم كذلك، وإن كان قبله فليس للوارث أن يلزمها ذلك، ولها أن تسكن حيث شاءت سكنى المعتدات؛ فلو لم يلزمها الوارث هل يلزمها السلطان ذلك؟ فيه وجهان.
ولا فرق فيما ذكر في المتوفى عنها بين أن تكون حاملاً والحمل غير لاحق بالزوج أو لا في مدة الأربعة أشهر والعشر، صرح به الماوردي عند الكلام في زوجة الصبي، وأما المبتوتة فلا يتصور ذلك في حقها؛ إذ لا عدة عليها.
قال: وإن أرادت، أي: المعتدة عن الوفاة أو المبتوتة الخروج لحاجة: كشراء القطن وبيع الغزل- لم يجز ذلك بالليل، أي: مع تمكنها من الخروج نهاراً؛ لأنه يبعد الغوث عنها لو قصدت، وكانت متصدية للآفات؛ فإن الليل مظنة الفساد، أما إذا لم يمكنها الخروج نهاراً فلسنا نمنعها من الخروج ليلاً.
وقال البندنيجي: إن ذلك في المتوفى عنها؛ إذا قلنا: لها السكنى أو تطوع الوارث، أما إذا قلنا: لا سكنى لها، تصرفت كيف شاءت، ليلاً ونهاراً.
قال: ويجوز للمتوفى [عنها] زوجها أن تخرج لقضاء الحاجة بالنهار؛ دفعاً لحاجتها، وكذا يجوز لها أن تخرج بالليل إلى بيت بعض الجيران؛ للغزل والحديث، ولكن لا تبيت معهم، وتعود للنوم إلى مسكنها.
قال: وتمسك الأصحاب في ذلك بحديث رواه مجاهد وهو مرسل.
وحكم الموطوءة بالشبهة وفي النكاح الفاسد في عدتها- حكم المتوفى عنها.
قال في "التتمة": إلا أن تكون حاملاً، وقلنا: إنها تستحق النفقة؛ فلا يباح لها الخروج.
قال: وفي المطلقة البائن قولان:
أصحهما: أنه يجوز؛ لما روي عن جابر أنه قال: طلقت خالتي ثلاثاً، فأرادت أن تجد نخلها، فزجرها رجل أن تخرج؛ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " [بَلَى،
فَجُدِّي] نَخْلَكِ؛ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصْدُقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفاً" رواه مسلم.
ولأن عدة المتوفى عنها زوجها أغلظ؛ فإذا جاز لها الخروج فالمطلقة أولى، لكن لا يستحب لها الخروج.
وهذا في الحائل، أما الحامل فهكذا حكمها أيضاً إن قلنا: لا نفقة لها في الحال، أما إذا قلنا نفقتها تعجل، فهي مكفية بها؛ فلا تخرج إلا أن يضيعها المطلق، ومست الحاجة إلى الخروج، وكيف لا والزوجة لو ضيعها الزوج لخرجت؟ صرح بذلك الإمام والمتولي.
والقول الثاني: لا يجوز، وهو القديم؛ لعموم الآية.
قال القاضي الحسين بعد حكاية حال المتوفى عنها والمبتوتة: [ونظير ذلك الإحداد والتعرض بالخطبة، وحكم المفسوخ نكاحها في هذا المعنى حكم المبتوتة، والفرق على القديم بين المتوفى عنها والمبتوتة] أن المتوفى عنها متفجعة؛ فيؤمن منها الوقوع في الآفات، بخلاف المبتتوتة؛ فإنها موغرة الصدر؛ فلا يؤمن منها الفساد.
فرع: الرجعية في حكم الزوجات، لا يجوز لها الخروج إلا بإذنه.
قال في "التتمة": وكذا الجارية المشتراة والمسبية في زمان الاستبراء، وكذا هو محكي في "تعليق" القاضي الحسين، وزاد: أم الولد.
تنبيه: ما ذكر مفروض فيما إذا لم يكن لها أحد يقضي حاجتها، أما إذا كان لها من يقضي حاجتها فلا يجوز لها الخروج إلا للضرورة في ذلك، قاله الإمام وغيره، وقد حكاه الجيلي أيضاً.
قال: وإن وجب عليها حق يختص بها، وهي برزة- أي: لها عادة أن تلقى الرجال في حوائجها، وهي بفتح الباء- خرجت؛ فإذا وفت، أي الحق، رجعت- أي: إن بقي من العدة شيء، وبنت، لأن ذلك محل ضرورة.
أما إذا كان يمكن استيفاؤه في بيتها: كالدين والوديعة، لم تخرج.
وإن كانت مخدرة بعث الحاكم إليها نائبه، أو حضر بنفسه.
واستدل للفرق بين البرزة والخفرة بأن الغامدية لما أتت النبي صلى الله عليه وسلم واعترفت بالزنى رجمها بعد وضع الحمل، وقال في قصة العسيف: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا؛ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ} فَارْجُمْهَا"، ولم يأمر بإحضارها.
تنبيه: ذكر الشيخ هذه المسالة وإن كان الحكم فيها مستفاداً مما تقدم، بل بطريق الأولى؛ لينبه على أمور:
أحدها: أن هذا الحكم يشمل المتوفى عنها وغيرها، وإن كان في خروج البائن قولان فيما تقدم.
والثاني: أن المخدرة لا يجب عليها الخروج، وفيه دليل على أن المعتدة إذا أمكنها تحصيل شراء القطن وبيع الغزل من غير أن تخرج- لا يجوز لها الخروج، كما ذكرناه؛ لأن المخدرة لما أمكن استيفاء الحق منها في بيتها لم تخرج.
والثالث: لئلا يعتقد معتقد أنه يجب تأخير الحق إذا كان حداً إلا بعد انقضاء العدة؛ كما يفعل في الحر والبرد، وتكون العدة مانعة منه.
فرع: لو كان الحق الذي عليها الرجم، وكانت من ذوات الشهور أو الأقراء رجمت، ولم ينتظر بها انقضاء العدة؛ لأن الأصل براءة الرحم، والعدة موضوعة لمنعها من الأزواج، ورجمها أمنع.
ولو كانت من ذوات الحمل أخرت حتى تضع أو يتبين عدم حملها.
وإن كان الحق جلداً في الزنى جلدت إن كانت حائلاً، وفي تغريبها قبل انقضاء العدة وجهان:
أحدهما: لا تغرب إلا بعد انقضاء العدة.
والثاني: تغرب حولاًإلى أحصن المواضع، ويراعى تحصينها في التغريب
في بقية العدة؛ فإن استكملت حق التغريب قبل انقضاء العدة وجب ردها إلى منزلها؛ لتقضي فيه بقية العدة، حكاه الماوردي.
قال: وتجب العدة [في المنزل الذي وجبت فيه العدة]، أي: إذا كان يليق بها حال الطلاق، وأمكن بقاؤها فيه؛ لكونه ملكاً للزوج أو مستأجراً معه، أو مستعاراً؛ لقوله- تعالى-: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6]، مع حديث فريعة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم "أَمَرَهَا أَنْ تَمْكُثَ فِي بَيْتِهَا حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ" كما ذكرناه، ثم هذا الحق لله- تعالى- لا يسقط بالتراضي.
أما إذا كان لا يليق بها: فإن كان لشرفه عليها فللزوج أن ينقلها منه إلى منزل يليق بها، [أو يفرد لها منه ما يليق بها].
وإن كان لشرفها عليه، وقد رضيت به في صلب النكاح: فإن قنعت به أقرت فيه، ولم تخرج منه، وإن لم تقنع، وجب [على] الزوج أن يكمل حقها في مسكن مثلها، فإن قدر على دار تلاصقها تضاف إليها فعل، وإن لم يقدر نقلها إلى منزل مثلها في أقرب المواضع كما سنذكره، هذا كلام العراقيين.
وأبدى المراوزة- على ما حكاه مجلي عنهم- في المسألتين احتمالاً.
وهذا كله تفريع على أن الاعتبار [في المسكن في حال الزوجية بحالها، أما إذا قلنا: الاعتبار] بحاله- كما سنذكره- فينبغي أن يكون هاهنا كذلك.
ولا فرق فيما ذكرناه بين الحرة والأمة إذا قلنا: إن الزوج يستحق تعيين المسكن في صلب النكاح.
[فإن] قلناك السيد يبوئها بيتاً، فطلقت فيه- فالظاهر: أنه لا يلزمها ملازمة المسكن، وقيل: إنه يجب.
ثم هذا كله إذا كانت المعتدة عن وفاة أو طلاق بائن، أما إذا كانت عن طلاق رجعي ففي "المهذب" و"الحاوي"، وغيرهما من كتب العراقيين: أن للزوج أن يسكنها حيث شاء؛ لأنها في حكم الزوجات.
وقفي "النهاية": أن الزوج إذا كان يساكن امرأة في مسكن مملوك له، ثم طلقها ألبتة، أو طلقة رجعية، أو مات عنها، والتفريع على الاستحقاق للسكنى- فيتعين عليها ملازمة مسكن النكاح؛ فلو زايلته عن اختيار عصت ربها، ويجب على
الزوج ألا يخرجها، ولا يزعجها، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
قال: وإن وجبت وهي في مسكن لها، وجبت لها الأجرة؛ لأن سكناها في العدة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6]، وهذا إذا طلبت، أما إذا سكتت ولم تطلب، فمضت مدة-[فقد] نص الشافعي على أن حقها يسقط بالسكوت، وقال في الزوجة إذا زفت إلى زوجها، فأنفقت على نفسها من مالها، ولم تطالبه بالنفقة: استقرت نفقتها.
واختلفت أصحابنا في هذا على طريقين:
منهم من ضاق عليه الفرق؛ فنقل جوابه في كل واحدة إلى الأخرى، وقال: فيهما معاً قولان:
أحدهما: تسقط بالسكوت نفقة الزوجة وسكنى المعتدة.
والثاني: لا تسقطان معاً.
ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، هكذا حكاه ابن الصباغ والبندنيجي، واللفظ للبندنيجي.
وذكر ابن الصباغ عن الأكثر أنهم فرقوا بفرقين:
أحدهما: أن نفقة الزوجة تجب بالتمكين وقد حصل، والمسكن يجب على الزوج؛ لتحصن ماءه وتحفظه، فإذا سكنت حيث شاءت لم يجب عليه أجرة المسكن؛ لأنه لم يوجد سبب وجوبه.
والثاني: أن نفقة الزوجة تجب على سبيل المعاوضة؛ فلم تسقط بمضي الزمان، وهذا لا يجب لا على سبيل المعاوضة، وإنما يثبت لحق الله تعالى.
وظاهر هذا الكلام يدل على أن الخلاف في النفقة في حال الزوجية.
ويؤيده أن البندنيجي فرق بأن الزوجة [ممكنة من] الاستمتاع، ثم قال: قالوا: فعلى هذا يجب ألا يكون للرجعية نفقة؛ لأنها غير ممكنة.
قلنا: هي ممكنة، وإنما الزوج لا يستوفي؛ فهو كما لو أحرم.
[هذا] على هذه الطريقة- يعني: طريقة الفرق- فأما من قال على قولين فالرجعية والزوجة سواء.
وصور في "الحاوي" مسألة الخلاف في النفقة بما إذا كانت المطلقة البائن حاملاً، والله أعلم.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه يجب عليها أن تعتد فيه، وكذلك كلام الماوردي، وهو ما صرح به في "المهذب" وصاحب "التهذيب".
وفي "الشامل" و"التتمة": أن ذلك يجوز ولا يجب، حتى لو طلبت أن يسكنها غيره، وجب عليه ذلك.
قال: وإن وجبت، وهي [في] مسكن للزوج لم يجز أن يسكن معها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] وأراد بذلك: في المسكن، وفي سكناه معها إضرار بها.
ولأن في ذلك خلوة بمن يحرم عليه النظر إليها، وهي حرام؛ قال صلى الله عليه وسلم: "لا يَخْلُوَنَّ رَجُلُ بِامْرَأَةٍ؛ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ".
قال: إلا أن تكون في دار فيها ذو رحم محرم لها، أي: رجل على ما حكاه الرافعي، أو له، أي: امرأة، على ما حكاه أيضاً، ولها موضع تنفرد به، أي: من غير اشتراك في المرافق: كالمطبخ والسقاية والبئر، وهو صالح مع ذلك لسكنى مثلها؛ لأنه إذا وجد ذلك زالت الخلوة، وانتفى الضرر؛ لكنه مكروه؛ لاحتمال أن تقع عينه عليها.
ولو كانت الدار ذات حجرتين، فسد المنفذ بينهما أو أغلقه، أو كان لها علو فقطع بين العلو والسفل بغلق باب أو سده- فيجب أن يسكنها ما يليق بها من ذلك، وله أن يسكن ما عداه، وإن لم يكن معهما محرم.
واشترط صاحب "التهذيب" و"التتمة": ألا يكون ممر أحدهما على الآخر.
ولو كانت الدار كبيرة يكتفي كل منهما بجانب منها، وقطع بين الجانبين بحاجز من بناء مكين أو خشب وثيق فهي كالدارين.
أما إذا كانت المرافق
مشتركة، أو لم يكن لها موضع تنفرد به؛ بحيث لا يمكن ألا تقع عينه عليها- فلا يجوز وإن كان معهما محرم، صرح بالأولى القاضي الروياني، وبالثانية الماوردي، وقريب منها ما حكاه ابن الصباغ: أنه لو لم يكن في الدار إلا بيت واحد، والباقي صفات- لم يجز أن يسكن معها، وإن كان معهما محرم؛ لأنه لا يتميز في السكنى عنها بموضع.
وفي كلام الرافعي تصريح بجوازه في الأولى؛ كما يجوز في البيتين من الخان.
وفي "النهاية": أن الاشتراك في الممر والمخرج إلى خارج لا يراعى.
ثم اشترط الشافعي- رضي الله عنه- في المحرم أن يكون بالغاً؛ قال القاضي أبو الطيب: لأن من لم يبلغ لا تكليف عليه؛ فلا يلزمه إنكار الفاحشة.
وقال الشيخ أبو حامد: يكفي حضور المراهق، ويقوم مقام المحرم زوجته الأخرى أو جاريتهن أو من هي محرمة عليه برضاع أو مصاهرة، صرح بذلك القاضي الحسين في "تعليقه" وغيره.
والنسوة الثقات يقمن مقامه، وكذلك المرأة الواحدة عند ابن الصباغ وغيره.
وحكى الإمام عن الأصحاب تردداً، فيما إذا خلا بأختين أو معتدتين أو بجمع من النسوة: هل هو خلوة أم لا؟ والذي جزم به في كتاب الحج: أن الرجل كما يحرم عليه أن يخلو [بامرأة واحدة يحرم عليه أن يخلو] بنسوة إلا أن يكون مع واحدة منهن محرم.
وقال هنا: لا تزول الخلوة عند اجتماع رجلين بامرأة على ظاهر ما ذكره الأصحاب، وليس كخلوة رجل بامرأتين؛ لأنا لا نوجب على المرأة الفردة أن تخرج حاجة مع جمع من الرجال.
انتهى.
وقد ضبط ما تندفع الخلوة به بما إذا كان هناك من يحتشم منه جانبه، أو يخاف بأن يمنع ما يكاد يجري: إما بنفسه، وإما بالاستعانة بغيره، وحينئذ لا يحرم.
ولا فرق في ذلك بين المطلقة البائن أو الرجعية؛ فإن الرجعية في حكم التحريم كالبائن.
قال: ولا يجوز نقلها من المسكن الذي وجبت فيه العدة؛ للآية، إلا لضرورة.
ومثالها: إشراف الدار على الانهدام، أو الحريق، أو الغرق، وكذا لو كانت الدار [غير] حصينة، وكانت تخاف من اللصوص، أو كانت بين قوم فسقة تخاف منهم على نفسها، أو كانت تتأذى من الجيران، أو كانت الدار مستعارة فرجع المعير فيها، أو مستأجرة فانقضت مدة الإجارة، وامتنع مالك المنفعة من أن يؤجره إلا بأكثر من أجرة المثل، أو كانت في دار الحرب، فإن عليها أن تهاجر وتخرج إلى دار الإسلام.
وقال المتولي: إلا أن تكون في موضع لا تخاف على دينها، ولا على نفسها؛ فلا تخرج حتى تعتد.
قال: أو بذاءة على أحمائها؛ فتنتقل إلى أقرب المواضع إليها:
أما نقلها عند وجود الضرورة؛ فللضرورة.
وأما عند البذاءة؛ فلقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19]، وقد قال ابن عباس وغيره: إن الفاحشة المبينة: أن تبذو على أهل زوجها.
[وما روي أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها] فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت الزوج، فاستطالت على أحمائها باللسان فبذت عليهن؛ فأخرجها النبي صلى الله عليه وسلم من بَيْتِ الزَّوجِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومِ، كذا قاله القاضي الحسين.
وأما كونها تنتقل إلى أقرب المواضع إليها؛ فلأن المكان إذا تعين لإيفاء الحق، ثم تعذر- رجع إلى أقرب المواضع إليه.
وقال الإمام في "فصل: إذا كان المنزل الذي طلقت فيه أضيق من منزل النكاح": الذي أرى القطع به أن رعاية القرب من مسكن النكاح لا يجب أصلاً، بل لا أرى له أصلاً في الاستحباب.
نعم، لا سبيل إلى الخروج من البلد، وجزم البغوي بسقوط حق السكنى، وأن عليها أن تعتد في بيت أهلها.
وكأنه تمسك في ذلك بما روي أن فاطمة روت مطلقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها النفقة والسكنى.
وقد كره منها ذلك جماعة- ابن المسيب وغيره- مخافة أن [تقرع السامع] روايتها على الإطلاق من غير بيان سبب، وهو يجهل سبب الحكم وحقيقة الحال؛ فيظن أن المطلقة لا سكنى لها، وأنها تعتد حيث شاءت.
ولو بذا أحماؤها عليها فينقل الأحماء دونها.
فرع: لو كان المسكن مستعاراً، فأراد أن ينقلهاإلى منزل مكرى: فإن، كان في بلد عرف أهله بالعارية فيه لم يكن له نقلها، وإن كان في بلد عرف أهله بالكرى، ففيه وجهان.
فلو نقلهان ثم بذل المنزل الأول مالكه: فإن كان بالإعارة لم يلزمه ردها إليه، وإن بذل بالإجارة: فإن كان المنقول إليه مستعاراً وجب ردها إلى الأول وإن كان مستأجراً فوجهان.
تنبيه: البذاءة- بفتح الباء، وبالذال المعجمة، والمد- هي: الفحش، وفلان بذي اللسان- بتشديد الياء- والمرأة بذية، بالتشديد أيضاً.
والأحماء: أقارب زوجها.
وقيل: محارم زوجها من الرجال والنساء؛ كما يقال: أختان الرجل: محارم زوجته من الرجال والنساء.
و"الأصهار" يقع على أقارب الرجل والمرأة.
وحماة المرأة: أم زوجها.
قال الجوهري: لا لغة فيها غيرها، وفي واحد "الأحماء" من الرجال أربع لغات: "حما" كـ"قفا"، و"حمو" مثل "أبو"، و"حم" مثل "أب"، وحمء- بإسكان الميم، مهموز- وأصله: حمو، بفتح الحاء والميم.
[تنبيه] آخر: المحل الذي تنقل منه المرأة بسبب البذاءة على الأحماء، إذا كانوا في دار واحدة تسع جميعهم، أما إذا كانت صغيرة لا تسع إلا المرأة نقل الأحماء، ولو كان الأحماء في دار أخرى لم تنقل المعتدة بالبذاءة؛ إذا لم تكن الداران متجاورتين.
ولو كانت في دار أبويها؛ لأن الزوج كان يسكن دارهما، فبذت على الأبوين، أو بذا الأبوان عليها- لم ينقل واحد منهما.
ولو كانت أحماؤها في دار أبويها أيضاً، فبذت عليهن؛ فينقلن دونها.
واعلم أن ما ذكرناه مفروض في أهل القرى، فأما أهل البادية فيجب على من طلقت في البادية أن تقيم في البيت الذي هو مسكنها من [خيام النقلة]، وتقيم فيه ما أقام قومها؛ فإن انتقلوا بجملتهم، أو النساء، وبقي الرجال؛ للخوف من عدو، أو بعض أهل الحي، وفيهم أهلها وأهل الزوج، أو أهلها- فليس عليها أن تقيم.
وإن انتقل الرجال دون النساء، أو غير أهلها وغير أهل الزوج، أو أهلها وبقي أهل زوجها- وجب عليها أن تقيم.
وإن انتقل أهل زوجها وبقي أهلها، فهي بالخيار بين الانتقال مع أهل الزوج، وبين أن تقيم مع أهلها، قاله الماوردي.
وأما إذا طلقت المرأة، وهي في سفينة ولا منزل لها سواها؛ لكون زوجها [ملاحاً: فإن] كانت كبيرة، وفيها بيوت متميزة المرافق- اعتدت في بيت منها؛ كما في الدار التي [فيها] حجر مفردة المرافق.
وإن كانت صغيرة، ومعها محرم لها يمكنه أن يعالج السفينة- خرج الزوج، واعتدت هي فيها، وإلا فتخرج وتعتد في أقرب المواضع إلى الشط.
وإذا تعذر خروج واحد منهما، فعليها أن تستتر، وتبعد عنه بحسب الإمكان، هذا ما أورده ابن الصباغ وغيره.
قال الرافعي: وفيه إشعار بأنه لا يجوز لها الخروج من السفينة إذا أمكن الاعتداد فيها، وقد نص ناصون عليه.
ونقل القاضي الروياني أنها تتخير بين أن تعتد في السفينة وبين أن تخرج، وحكاه مجلي- أيضاً- لكن عن بعض الأصحاب:
فإن اختارت الاعتداد في السفينة؛ فحينئذ ينظر: أهي كبيرة أم صغيرة؟ ويراعى التفصيل المذكور.
وإن اختارت الخروج فوجهان:
أحدهما: أنها تعتد في أي موضع شاءتن وينسب إلى أبي إسحاق.
وأظهرهما- وبه قال الماسرجسي-: أنها تعتد في أقرب القرى إلى الشط.
وقد حكى هذين الوجهين، وجوز الخروج من السفينة مع إمكان الاعتداد الشاشي- أيضاً – وقال: إن الأصح من الوجهين: الوجه الآخر، كما ذكر.
قال: وإن أمرها بالانتقال إلى موضع آخر، فانتقلت، أي: خرجت بنية الانتقال، ثم طلقها، أي أو مات عنها، قبل أن تصير إلى الثاني- فقد قيل: تمضي؛ لأنهقد صار هو المسكن؛ فإنها ممنوعة من المقام في الأول، مأذون لها في الثاني.
وهذا هو الصحيح، ويحكى عن نصه في "الأم"، ونسبه الماوردي إلى أبي إسحاق.
قال: وقيل: هي بالخيار بين المضي وبين العود؛ لأنها بينهما، [والأول خرج عن أن يكون سكناً بالخروج منه، والثاين لم يصر مسكناً؛ فخيرت بينهما]، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يعتبر القرب فيرجح به.
قال: ويشبه أن يكون قول أبي الفياض.
وفي "الرافعي" حكاية وجه: أن المسكن الأول يتعين؛ فتحصلنا على أربعة أوجه.
ولو أمرها بالانتقال، فلم تنتقل بنفسها- وجب عليها أن تعتد في الأول، وإن انتقلت بنفسها وجب عليها أن تعتد في الثاني، ولو رجعت لنقل القماش، ثم طلقها، أو مات وهي في الأول- اعتدت في الثاني.
قال الإمام: وهذا إذا دخلت الثاني دخول قرار، أما إذا لم تدخله كذلك، وكانت تتردد بينهما: فإن طلقت في الثاني تعين، وإن طلقت في الأول ففيه احتمالان.
ولو طلقها في الأول طلقة، ثم كمل الثلاث في الثاني- عادت إلى الأول، وأكملت فيه العدة.
قال الماوردي لأن أول عدتها في الطلاق المبتوت في الثاني من وقت الطلاق الرجعي في الأول، فكذلك انتهاء العدة فيه آخراً، وينبغي أن يجيء فيه وجه: أنها تعتد في الثاني؛ بناء على أنها تستأنف العدة.
وحكمها إذا انتقلت بغير الإذن، ثم أقرها الزوج- حكم ما إذا انتقلت بالإذن.
ولو خرجت لا للنقلة، ثم لحقها الطلاق- فحق عليها أن ترجع إلى مسكن النكاح وإن كان عليها في تلك الدار شغل يضاهي التجارة في حق المسافرة.
قال: وإن أذن لها في السفر، فخرجت، أي: من المنزل، ووجبت العدة، أي: عد الطلاق أو الوفاة، قبل أن تفارق البلد- فقد قيل: عليها أن تعود؛ لأنه لم
يثبت لها حكم السفر؛ بدليل أنها لا تستبيح قصر الصلاة، وإذا كان كذلك لم يوجد المأذون فيه؛ فأشبه ما لو طلقها قبل أن تخرج من البيت، وهذا نسبه الماوردي إلى أبي إسحاق، وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه الأكثرون، وإنه الأظهر.
قال: وقيل: لها أن تمضي ولها أن تعود؛ لأن مزايلتها المنزل بإذن الزوج أسقط عنها وجوب الإقامة فيه، وهذا قول أبي سعيد الإصطخري، وهو ظاهر المذهب.
وحكي وجه غريب فارق بين أن يكون سفر حج؛ فلا يلزمها، وبين أن يكون غيره؛ فيلزمها، وقيده في "الذخائر" بحج الفرض.
قال: وإن فارقت البلد، ثم وجبت العدة- فلها أن تمضي، ولها أن تعود؛ لأن في قطعها عن السفر مشقة، لا سيما إذا بعدت عن البلد، وخافت الانقطاع عن الرفقة.
وفي "الحاوي" حكاية وجه عن ابن أبي هريرة: أنه لا يستقر دخولها في حكم السفر، إلا أن تنتهي على مسافة يوم وليلة؛ اعتباراً بالسفر الذي يستباح فيه الترخص؛ فما لم تبلغ إليه فعليها إذا مات أو طلق أن تعود إلى منزلها؛ فإن بلغت يوماً وليلة لم يلزمها العود.
ثم هذا في السفر للحاجة، أما سفر النقلة: فإن لم تخرج من البلد عادت إلى المنزل، وإن خرجت فعلى الوجوه الأربعة فيمن طلقت وهي بين الدارين.
وفي "الحاوي" عن ابن أبي هريرة: أنه إذا [كان] السفر لنزهة أو زيارة، فطلق أو مات بعد استقرار سفرها، وقبل وصولها- يلزمها العود، وعليه حمل قول الشافعي: إنه لو أذن لها في زيارة أو نزهة، فعليها أن ترجع.
والمذكور في "الشامل": أن سفر النزهة كسفر الحاجة.
وفي "تعيلق" القاضي الحسين: أنها ترجع في سفر النزهة، على قولنا: إنه إذا أذن لها في المقام مدة، ثم طلقها: إنها لا تقيمها، ولا ترجع في سفر الزيارة على هذا القول؛ لأنها غرض صحيح، وظاهر النص: أنه لا فرق بين سفر الزيارة والنزهة.
قال: وإن وصلت إلى المقصد، أي: سواء وجبت العدة في الطريق، ولم تعلمه، أو فيه؛ على ما صرح به الماوردي- فإن كان السفر لقضاء حاجة، أي
مثل: حج يؤدى، أو دار تبنى- لم تقم بعد قضائها؛ لأنه لم يأذن في القدر الزائد على ذلك، اللهم إلا أن تكون الحاجة مما ينقضي في دون الثلاثة أيام؛ فإن لها أن تقيم مدة المسافرين ثلاثة أيام، كذا حكاه القاضي الحسين والبغوي والغزالي.
وحكاه الروياني عن بعضهم، وغلط قائله، وقال: نهاية سفرها قضاء الحاجة لا غير.
وما قاله هو ما يقتضيه كلام الشيخ، وهذا إذا لم يقدر لها مدة، أما إذا قدر ففيها الخلاف الآتي.
والمقصد: بكسر الصاد.
قال: وإن كان لنزهة أو زيارة، لم تقم أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن ما زاد في حكم الإقامة.
وألحق الماوردي بذلك ما إذا كان لأداء رسالة، واستدل له بما روي أنه- عليه السلام-: "أَذِنَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ".
ثم هذا إذا أمكنها الخروج في اليوم الرابع فإن لم يكن لمرض أو خوف؛ فلا حرج عليها في المقام ما كان عذرها قائماً.
قال: وإن قدر لها مقام مدة ففيه قولان:
أحدهما: أنها لا تقيم أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن الإذن في المدة المقدرة قد بطل؛ لاستحقاق العدة في الوطن؛ فليس لها أن تقيم إلا مدة المسافرين ثلاثة أيام، إلا أن يقطعها عذر.
والثاني: أنها تقيم المدة التي أذن لها فيها؛ كما لو أذن في قضاء الحاجة، وكما أنه إذا أذن في سفر النقلة، يجب عليها أن تعتد في البلد الثاني، وهذا هو الأصح، واختيار المزني، وقد أجرى هذا الخلاف فيما لو أذن لها في الانتقال إلى
منزل آخر في البلد مدة قدرها، كما حكاه الروياني عن نصه في "الأم".
وقال الغزالي: إن الطلاق يبطل تلك المدة، ولم يجعله على الخلاف.
وأجرى- أيضاً- فيما لو أذن لها أن تعتكف عشرة أيام، ثم وجبت العدة في أثنائها: هل تتمهما، أو تقطعها وتود إلى المنزل؟
فإن لم نوجب الخروج فخرجت بطل، واستأنفت إن كان الاعتكاف منذوراً.
وإن أوجبناه، فهل تستأنف أو تبني؟ فيه خلاف، والظاهر الثاني.
ومنهم من قال: إن قلنا: تبني، فعليها الخروج، وإلا فإبطال [العبادة عليها كإبطال] أهبة السفر.
والمقيم: بضم الميم.
فرعان:
أحدهما: لو أذن لها في السفر مطلقاًروعي شواهد الحال فيه: فإن دلت على المقام أقامت، وإن دلت على العود عادت، وإن لم تدل على شيء اقتضى مطلق الإذن أن يكون سفر مقام؛ لأن العود سفر آخر يحتاج إلى إذن فيه؛ فيلزمها قضاء العدة في البلد الذي سافرت إليه، حكاه الماوردي.
الثاني: لو كان الزوج معها في السفر، وكان سفرها لغرضه، فطلقها أو مات- لم تقم إلا مدة المسافرين، إلا لضرورة، وإن كان لغرضها فالحكم كما لو لم يكن معها.
قال: فإن قضت الحاجة في المسألة الأولى لتنزه أو زيارة، وبقي من المدة ما تعلم أنه ينقضي قبل أن تعود إلى البلد- فقد قيل: لا يلزمها العود؛ لأنها لا تقدر على العدة في ذلك البلد؛ فالسكون أولى وأليق، وهو أيسر لها من السفر، وهذا قول أبي إسحاق، واختيار القفال، وهو أظهر في "تعليق" القاضي الحسين.
وقيل: يلزمها؛ لأن إقامتها غير مأذون فيها، وعودها مأذون فيه من جهته، ولأن المكان الذي تعود إليه أقرب إلى مسكنها من الموضع الذي تقيم فيه، والقرب من موضع العدة مطلوب؛ دليله ما سبق، وهذا نصه في "الأم"، وهو الأظهر في "الرافعي" وغيره، وقال: البندنيجي: إنه المذهب، ونسبه الإمام إلى بعض الأصحاب، وقال: لا أعرف له وجهاً؛ فإنها إذا قطعت بأنها لا تنتهي إلى مسكن النكاح، فقصدها المسكن قصد لا مقصود له.
نعم، إذا جوزت أن تنتهي إلى المسكن قبل انقضائها،
وجوزت خلاف ذلك- فيجوز تقدير الخلاف هاهنا.
انتهى.
ولو علمت أن العدة لا تنقضي في الطريق، وبقي بقية تقضيها في البلد- وجب عليها العود وجهاً واحداً.
قال: وإن أذن لها في الخروج إلى منزل أو [إلى بلد] لحاجة، أي: ادعى ذلك، ثم اختلفا، أي: وهي في المنزل الثاني، فقالت: نقلتني إلى الثاني؛ ففيه أعتد، وقال: ما نقلتك [أي: وأصر على ما ادعاه أنه لحاجة]، فالقول قول الزوج؛ لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن كان القول قوله؛ فكذلك إذا اختلفا في صفته؛ لأنه أعرف به، ولأن الأصل عدم الإذن في النقلة.
قال: وإن مات الزوج، واختلفت هي والورثة في ذلك- فالقول قولها؛ لأنهما استويا في الجهل بقصد الزوج، ومع الزوجة ظاهر: وهو أن الأمر بالخروج يقتضي خروجها من غير عود، وهذا ما حكاه القفال عن نص الشافعي في الصورتين على ما حكاه الفوراني، وهو الأصح بالاتفاق.
ونقل نص: أن القول قول الوارث أيضاً، ونص أن القول قولها، سواء كان الاختلاف مع الزوج أو وارثه.
وهذا ما جزم به الماوردي والحالة هذه؛ موجهاً ذلك بأنها تدعي سفراً، وهو يدعي سفرين؛ فكان القول قول من ينكر الثاني.
وكذا جعل القول قوله إذا ادعت العكس لهذه العلة، وخرج مخرجون هذا الخلاف على تقابل الأصل والظاهر؛ [فإن الظاهر] سفر النقلة، والأصل عدمها.
ومن الأصحاب من نفي الخلاف في المسألة، ثم هؤلاء اختلفوا:
فمنهم من قال: حيث جعل القول قوله أو قول الوارث فذاك إذا كان الاختلاف في اللفظ، وحيث جعل القول قولها مع الزوج أو وارثه فذاك فيما إذا كان الإذن في الخروج مطلقاً، واختلفا في الإرادة.
ومنهم من قال: حيث جعل القول قولها، فذاك إذا انتقل الزوج معها إلى المنزل الثاني، وحيث جعل القول قوله أو قول الوارث فذاك إذا انتقلت بنفسها.
وقيل: إن اتفقا على جريان لفظ الانتقال أو الإقامة، وقال الزوج: ضممت إليه النزهة أو شهراً أو نحوهما، فالقول قولها.
وإن كان الإذن المتفق عليه الإذن في الخروج، لا غير، فالظاهر أن القول قوله، وفيه وجه.
وإن كان الاختلاف مع الوارث، فالقول قولها في الحالين، وقد يفهم من هذه الطريقة أن الخلاف يجري فيما إذا اتفقا على النقلة أو الإقامة، وليس فيها خلاف.
نعم، أبدى الرافعي في قبول قوله فيها احتمالاً لنفسه.
فروع:
لو قال الزوج أو الوارث: لم يحصل الانتقال بالإذن، فالقول قوله.
قال الإمام: ويحتمل أن يجعل القول قولها؛ لوجه ذكر فيما لو قال صاحب اليد: أعرتني هذه الدار، فقال المالك: ما أعرتك-: أنه يجعل القول قول صاحب اليد.
لو قالت: أمرتني بالانتقال عشرة أيام، وقال: بل أمرتك بالنزهة من غير ذكره مدة، وقلنا: إنها تقيم المدة المأذون فيها- فإن كان الاختلاف مع الزوج فالقول قوله، وإن كان مع الوارث فالقول قولها، وهكذا الحكم فيما لو ادعت سفر النزهة، وادعى الزوج أنه قدر لها مقام مدة، وقلنا: إنها تقيم فيها، قالهما الماوردي.
قال: وإن أحرمت بإذنه، ثم طلقها، أي: أو مات عنها.
فإن كان الوقت ضيقاً، أي: تخاف فوت الحج إن أقامت لأجل العدة- مضت في الحج؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وصفة الإتمام: إكمال ما دخل فيه، ولأنه قد تقابل عبادتان، [وأحدهما سابق]، وهو الحج؛ فكان تقديمه أولى كما لو تقدمت العدة.
قال: وإن كان واسعاً- أي للأمرين- أتمت العدة، أي: ثم أتمت الحج، وهكذا حكاه- أيضاً- في "المهذب"، ووافقه صاحب "التهذيب"؛ ولأنه أكمل للجمع بينهما؛ فلم يجز إسقاط أحدهما.
والذي ذهب إليه الشيخ أبو حامد والأكثرون، وهو الأصح: أنها بالخيار بين أن تمضي في إحرامها، وبين أن تقيم حتى تنقضي العدة، ثم تخرج لقضاء النسك، وهكذا الحكم فيما لو أحرمت بالعمرة؛ لأن [مصابرة الإحرام عسير] والأولى أن تتم العدة.
ومحل الخلاف ما إذا لم تخرج بعد، أما إذا خرجت ومشت في الطريق، أتمت العدة؛ قاله مجلي، وإن كان الشيخ في "المهذب" وهاهنا لم يقيده.
وفي "الرافعي" و"التتمة" إلحاق ما إذا أحرمت قبل وجوب العدة بغير إذنه بما إذا أحرمت بإذنه.
قال: وإن وجبت العدة، ثم أحرمت، أتمت العدة بكل حال؛ لأنها أسبق؛ فلو فاتها الحج بإتمامها العدة تحللت بعمرة، وقضته.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنها تقضيه من قابل، وكذلك في "ابن يونس"؛ فلعل تفريع على وجوب القضاء على الفور.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنها تقضيه من قابل، وكذلك في "ابن يونس"؛ فلعله تفريع على وجوب القضاء على الفور.
وفي "الجيلي": أنه إذا لم يمكن التحلل بأفعال عمرة؛ بأن تكون في بلدها
تصبر إلى السنة الثانية؛ لأنها ليست في معنى المحصر، هكذا ذكره في "التجربة النظامية" و"الحاوي".
ولو أحرمت بالحج أو العمرة، ثم تحللت، ثم وجبت العدة- فحكمها حكم ما لو سافرت بإذنه.
قال: وإن تزوجت في العدة، ووطئها الزوج، أي: الثاني على ظن الإباحة، وهي حائل، انقطعت العدة؛ لأنها صارت فراشاً للثاني، ولا يجوز أن تكون فراشاً لواحد ومعتدة من آخر؛ غذ الفراش ينافي المقصود من العدة، ويجب أن يفرق بينهما؛ لفساد النكاح.
قال: فإذا فرق بينهما، أتمت العدة من الأول، ثم استأنفت العدة من الثاني أي: بعد انقضاء عدة الأول، أو قطعها بالرجعة إن كان الطلاق رجعياً؛ لما روي عن عمر أنه قال: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا: فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الذِي تَزَوَّجَ بِهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا- اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الأَوَّلِ، وَكَانَ خَاطِباً مِنَ الخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَاعتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ اعتَدَّتْ مِنَ الثَّانِي، وَلَمْ يَنْكِحْهَا أَبَداً".
ولأنهما حقان مقصودان من جنس واحد لثابتي الحرمة؛ فلا يتداخلان؛ كالدينين، ويقدم الألو منهما؛ لتقدمه وقوته؛ فإنه يستند إلى عقد جائز وسبب مسوغ.
ومعنى قولنا: مقصودان، أن العدة تجب عليها، أرادت النكاح أو لم ترده، بخلاف الأجل.
وقولنا: لثابتي الحرمة، احترزنا به عن العدتين من شخص واحد، وعما إذا طلق حربي امرأته، فنكحت في خلال العدة، وأسلم أحدهما؛ فإن عليها عدة واحدة عن النص.
وقد نقل الفوراني: أن بعضهم خرج قولاً من هذا النص إلى المسألة قبلها [ومن المسألة قبلها] إلى هذه، وجعلهما على قولين، وهما ما حكاهما العمراني في "الزوائد" عن طريقة الشيخ أبي حامد.
وبعضهم أقر النصين، وفرق بأن عرض الحربي وماله عرضة الإبطال والنهب، بخلاف المسلم.
والصحيح هو الأول عند الإمام والقاضي الروياني، وعليه جرى الأودني وعند البندنيجي والبغوي: أن التداخل في حق الحربيين أصح؛ جرياً على ظاهر النص.
ومعنى التداخل: أنها تكتفي بعدة واحدة من يوم إصابة الثاني، وتدخل بقية الأولى فيها.
وفيه وجه: أنها تسقط بالكلية، وهذا ما حكاه القاضي الحسين.
فرع: لو أسلمت المرأة ولم يسلم الثاني؛ فلا بد من أن تكمل العدة الأولى، ثم تعتد عن الثاني.
ولو أسلمت مع الثاني، ثم أسلم الأول، وأراد الرجعة: فإن قلنا بسقوطها فلا، وإن قلنا بدخولها فنعم، كذا حكاه الرافعي.
ولو أراد الثاني أن ينكحها: فإن قلنا بدخولها فلا حتى تنقضي تلك البقية، وإن قلنا بسقوطها فنعم.
أما لو وطئها الثاني وهو عالم بأنها في العدة، وأن العقد عليها حرام- فهو زنى لا يوجب العدة ولا يقطعها؛ لأنها لم تصر فراشاً.
فرع آخر: لو وطئها المطلق بعد أن وطئها الثاني، وفرق بينهما؛ فتكمل العدة الأولى، ويدخل فيها من عدة الوطء الثاني مثل ما بقي من العدة الأولى، ثم تعتد عن الثاني، ثم تأتي بما بقي من عدة الوطء، قاله القفال في "فتاويه".
تنبيه: قول الشيخ: ووطئها الزوج انقطعت العدة، يعرفك أن اختياره: أن انقطاعها يكون بالوطء، وهو الصحيح، ونسبه الإمام إلى القفال.
وقيل: بالعقد، ونسبه الإمام إلى الشاشي- أي: المروزي- وهذا يدل على أنه غير القفال، وقيده من عند نفسه بما إذا اتصل به الدخول، أما إذا لم يتصل فلا أثر له، وكلام غيره يقتضي إطلاقه.
وقيل: ينقطع بالزفاف بعد العقد والخلوة وإن لم يوجد وطء، وأبدى الإمام في هذه تردداً.
وقوله: فإذا فرق بينهما أتمت العدة، يعرفك أن البناء يكون من حيث التفريق، وهو الأصح.
قال الإمام: وإليه نظر القفال.
ومنهم من قال: من آخر وطئه.
قال الإمام: وهو قول الشاشي.
فرع: للزوج أن يراجعها بعد التفريق في عدته إن كان الطلاق رجعياً، وفي جواز تجديد النكاح إذا كان بائناً وجهان حكاهما المراوزة، والأصح منهما عند القفال: لا، وبه أجاب صاحب "التهذيب" والقاضي الروياني وغيرهما.
ومقابله هو المحكي عن الشيخ أبي حامد.
قال: وإن كانت حاملاً، أي: من الأول، مثل: أن أتت به لدون ستة أشهر من حين وطء الثاني، ولدون أربع سنين من وقت الطلاق- لم تنقطع العدة؛ لأن الحمل لا يتبعض، وهو لا يجوز أن يكون من الثاني؛ فتعين أن تعتد به عن الأول.
قال: فإذا وضعت استقبلت العدة من الثاني- أي: بالأقراء- بعد مضي النفاس؛ [لتعين] ذلك لوفاء الحق.
ويجوز للزوج الأول أن يراجعها في مدة الحمل إن كان الطلاق رجعياً، لكن قال الروياني فيما لو كان الوطء وطء شبهة من غير نكاح: لا يجوز له ذلك في زمن اجتماع الثاني معها؛ لأنها حينئذ خارجة عن عدة الأول وفراش لغيره، وهذا في مسألتنا أولى؛ لأن النكاح الفاسد له فراش، بخلاف وطء الشبهة، ومقتضى
ذلك في مسألتنا: أن تنقطع العدة أيضاً، لكن لا كالانقطاع السابق.
وإن كان الطلاق بائناً فهل يجوز تجديد النكاح؟ فيه الوجهان السابقان، وهما يجريان- أيضاً- فيما لو كانت حاملاً من الثاني، وأراد الثاني نكاحها فيه، صرح به الإمام.
والفرق بين النكاح والرجعة: أن الرجعة في حكم الاستصحاب؛ ولهذا تجوز للمحرم، بخلاف النكاح، ولأنا لو لم نجوز له الرجعة لأدى إلى إبطال حقه.
ثم إذا راجع أو جدد النكاح فهل له وطؤها في زمن الحمل؟ فيه وجهان، وميل المتولي إلى أنه لا يحل، ومنهم من رجح مقابله.
ويجري الوجهان فيما لو وطئت المرأة بشبهة في صلب النكاح وهي حامل من الزوج.
ويجوز للزوج الثاني أن يتزوجها في عدته وبعد انقضائها، وفيه قول محكي عن القديم: أنها تحرم عليه على التأبيد؛ تقليداً لقضاء عمر، ولأنه استعجل الشيء قبل أوانه؛ فعوقب بحرمانه؛ كما لو قتل مورثه.
ثم هذا القول يجري وإن تفرقا بأنفسهما، أو يختص بما إذا فرق الحاكم بينهما كما في فرقة اللعان؟ فيه وجهان، وقد نقل الروياني إجراء هذا القول في كل وطء شبهة أفسد الفراش.
وأنكر البصريون من أصحابنا هذا القول أعلى ما حكاه الشاشي وغيره- وقالوا: إنما حكاه عن مالك، ويؤيده أن عمر- رضي الله عنه- رجع إلى قول علي أنه إذا انقضت عدتها كان خاطباً من الخطاب؛ كما حكاه في "المهذب" عنهما.
قال: وإن وطئها الثاني، وظهر بها حمل، يمكن أن يكون من كل واحد منهما- أي: بأن أتت به لستة أشهر من وطء الثاني، ولأربع سنين فما دونها من وقت الطلاق- اعتدت به عمن يلحقه- أي: بإلحاق القائف بشرطه الذي تقدم في بابه- ثم تستقبل العدة من الآخر؛ لأنه إذا ألحق بالزوج كان انقضاء العدة به؛ لأمرين:
أحدهما: أنه ولده.
والثاني: سبق حقه.
وأما إذا لحق بالثاني؛ فلأنه لا يجوز أن يلحق الولد بشخص، وتنقضي به عدة غيره؛ فلأجل ذلك قدمت عدة الثاني على عدة الأول، وإنما تستقبل العدة عن الآخر؛ لتعين ذلك لوفاء الحق، وهذا هو المذهب.
وعن القاضي الحسين: أنها إذا كانت ترى الدم على الحمل، وقلنا: إنه حيض- تنقضي به عدة الآخر، وضعفه الإمام والغزالي.
تنبيه: المراد من الاستقبال: ابتداء العدة إن كان الحمل ملحقاً بالأول، والبناء على العدة السابقة إن كان الحمل من الثاني.
فرع: هل يجوز للزوج أن يراجعها إن كان الطلاق رجعياً، أو يجدد النكاح إن كان بائناً؟ يحتاج الكلام في ذلك إلى مقدمة، وهي أن الحمل إذا كان من الثاني كان للزوج الرجعة في بقية عدته إن كان الطلاق رجعياً، ولا فرق في ذلك بين مدة النفاس وغيرها؛ لأنها من جملة العدة؛ كالحيض الذي يقع فيه الطلاق، وفي مدة النفاس وجه: أنه لا رجعة فيها.
وإذا ثبتت الرجعة؛ فلو طلقها لحقها الطلاق، ولو مات أحدهما ورثه الآخر، وتنتقل بوفاته إلى عدة الوفاة، وهل له الرجعة قبل الوضع وتجديد النكاح إن كان بائناً؟ فيه وجهان:
أحدهما- محكي عن أبي إسحاق، وذكر أنه الصحيح-: نعم.
والثاني- وهو الصحيح في "التهذيب"-: لا، ويروى مثله عن الماوردي.
وفي "التهذيب": أنه إذا طلقها قبل الوضع يلحقها الطلاق، وإذا مات أحدهما ورثه الآخر، وإذا مات تنتقل إلى عدة الوفاة بعد الوضع، وإن كان لا تصح رجعته؛ لأنا نجعل زمان الرجعة كزمان صلب النكاح.
هكذا لفظه.
رجعنا إلى المقصود: فإن فرعنا على الوجه الذي قال به أبو إسحاق، فإذا راجعها في زمن الحمل صحت رجعته.
وإن فرعنا على الثاني لا نحكم بصحتها؛ لجواز أن يكون الحمل من الثاني، فلو بان بعد الوضع أن الحمل منه بإلحاق القائف، فهل نحكم الآن بأن الرجعة صحت وحلت محلها؟ فيه وجهان مأخوذان من الخلاف فيما إذا باع مال مورثه
على ظن أنه حي، فبان ميتاً، والأظهر الحكم بالصحة، قاله الرافعي.
ولو راجع بعد الوضع فيما يمكن أن يكون من عدة غيره، لا نحكم بصحتها؛ لجواز أن يكون الحمل منه؛ فإن ألحقه القائف بالثاني ففي الحكم بصحة الرجعة الوجهان.
ولو راجع في حال الحمل وفيما يمكن أن يكون من عدته، ففي صحة الرجعة وجهان، أصحهما- وبه قال القفال-: الصحة.
ولو أراد أن يجدد النكاح: فإن قلنا: إن ثبوت عدة الغير في ذمتها يمنعه من تجديد النكاح في عدته لم يصح.
وإن قلنا: إنه لا يمنع، فالحكم فيه كما في الرجعة سواء؛ إلا أن الوجه الذي ذهب إليه القفال وصحح قال الإمام: الصحيح هاهنا: مقابله.
فرع آخر: إذا ألحقه القائف بهما، أو نفاه عنهما، أو أشكل عليه، أو لم تكن قافة- لزمها أن تعتد بعد وضع الحمل بثلاثة أقراء؛ إذ بذلك تخرج عما عليها بيقين، وهذا إذا لم تحض على الحمل، أو حاضت على الصحيح.
تنبيه: ذكر الشيخ- رحمه الله- في الحمل حالتين:
إحداهما: أن يكون من الزوج الأول.
والثانية: أن يمكن أن يكون من كل واحد منهما، وهي تشتمل على صورتين:
إحداهما: أن يلحقه القائف بالأول.
والثانية: أن يلحقه بالثاني، وبهذه يظهر الحكم في حالة أخرى، وهو إذا أمكن أن يكون من الثاني دون الأول؛ بأن تأتي به لستة أشهر فما فوقها إلى أربع سنين، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول إن كان بائناً، وكذا إن كان رجعياً- على أحد الوجهين- بناء على أن الولد لا يلحقه، فإن الحكم فيها ما تقدم.
وأما إذا قلنا: إنه يلحقه؛ فهو كما لو أمكن أن يكون من كل منهما.
ووراء ذلك حالة أخرى، وهي إذا لم يمكن أن يكون من واحد منهما؛ بأن أتت به لدون ستة أشهر من نكاح الأول، أو من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من حين الطلاق.
وقد قال الماوردي فيها: إن الطلاق إن كان بائناً لم يلحق بواحد منهما، ولم
تنقض به عدة واحد منهما باتفاق أصحابنا.
وإن كان الطلاق رجعياً، فعلى قولين:
أحدهما: أن الحكم كذلك؛ فعليها بعد الوضع أن تتم عدة الأول، ثم تستأنف عدة الثاني.
والقول الثاني: أن الولد يلحق بالأول، وتنقضي به عدته، ثم تستأنف عدة الثاني.
وحكى الشيخ في "المهذب" وغيره في أصل المسألة وجهين، وكذلك الماوردي في باب اجتماع العدتين، وإن كان حكى في موضع آخر ما حكيناه عنه أولاً:
أحدهما- وهو الأشبه-: أنها لا تعتد به عن واحد منهما، وهو ما حكاه القاضي الحسين، ويحكى عن الشيخ أبي حامد- على ما حكاه ابن الصباغ.
فعلى هذا: يكون الحكم- كما ذكره الماوردي في الوجه الأول.
والثاني: أنها تعتد به عن واحد لا بعينه، ثم إذا وضعت اعتدت عن الآخر بثلاثة أقراء؛ لإمكان كونه من أحدهما بوطء شبهة يفرض بعد الطلاق [أو يفرض] من وطء قبل وطئه الظاهر، والإمكان كاف في انقضاء العدة، وهذا ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً؛ قياساً على ما لو علق طلاقها بالولادة، فولدت، ثم أتت بولد آخر بعد ستة أشهر من ولادة الأول؛ فإنه منفي عنه، وتنقضي عدتها به، وهذا قد حكيناه في باب ما يلحق من النسب، وعزاه الرافعي والماوردي، والإمام إلى الشيخ أبي حامد، وقال الإمام: إنه الصحيح عند أئمة المذهب؛ فإن المعتمد في انقضاء العدة الإحبال، وهو [مستحق] في حق كل واحد منهما.
ووجهه الشيخ في "المهذب": بأن أحدهما لو أقر به للحقه؛ فانقضت به العدة؛ كالمنفي باللعان، وفيما قاله نظر من وجهين:
أحدهما: أن الماوردي حكى عند الكلام فيما إذا طلقها طلاقاً بائناً ثم أتت بولد لأكثر من أربع سنين: أن العدة عنده تنقضي بالشهور، أو الأقراء التي كانت