كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 556-24
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 556-24
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فرع: إذا قال الشاهد: أشهد أن هذا وارثه، وأقطع بأنه لا وارث له سواه- سألناه عن معنى القطع؟ فإن قال: لا أعلم له وارثاً سواه، قبلناه.
وإن قال: أردت القطع بذلك، قال البندنيجي: قال الشافعي في الإقرار: رجع هذا إلى معنى العلم؛ لأن القطع بهذا محال، ولا ترد به شهادته؛ لأنه أخبر باعتقاد الخطأ، ولم يقصد الكذب؛ وهذا كقوله: لا أعرف له وارثاً سواه؛ وهذا ما جزم به البغوي وغيره.
وحكى ابن أبي الدم وجهاً آخر: أنه لا تقبل شهادته؛ لظهور الكذب.
قال: وعلى هذا هل يصير مجروحاً في غيرها؟ فيه وجهان.
فرع: شهد شاهدان: أنه لا وارث لفلان سوى عمرو، [و] شهد آخران: أنه لا وارث له سوى زيد- ثبت أنهما وارثان، ولا تعارض؛ لأن كل بينة ربما اطلعت على ما تطلع عليه الأخرى؛ حكاه الرافعي في الفروع.
قال: وإن لم يقولا: لا نعلم [له] وارثاً غيره، أو قالا ذلك، ولم يكونا من أهل الخبرة، فإن كان ممن له فرض، أي: لا ينقص عنه بحال، وهما الأبوان، والزوجان- دفع إليه الفرض عائلاً؛ عملاً باليقين، واحتياطاً لما عساه يظهر: فيدفع للزوج الربع عائلاً من خمسة عشر، وهو ثلاثة من خمسة عشر.
وللزوجة ربع الثمن عائلاً من سبعة وعشرين، وهو ثلاثة من مائة وثمانية.
وللأم السدس عائلاً، وهو سهم من عشرة؛ إن كان الميت امرأة، لأنا نقدر أنها ماتت، وخلفت زوجاً، وأختين [لأم] وأمًّا.
وإن كان رجلاً، كان ما يعطاه سهمين من سبعة عشر سهماً؛ لأنا نقدر أنه خلف أختين لأب وأم، وأختين لأم، وأمًّا، وزوجة، وللأب سهمان من خمسة عشر.
قال البندنيجي: ولا يؤخذ منه ضمين.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وجه آخر: أنه لا يعطى شيئاً قبل البحث؛ كالابن، والأخ.
والأصح الأول.
قال: وإن [كان] ابناً أو أخاً، لم يدفع إليه شيء:

أما الأخ؛ فلجواز أن يكون ثم [من] يسقطه: كالابن.
وأما الابن؛ فلجواز أن يكون ثم من يزاحمه؛ فلا يعرف قدر ما يصرف إليه.
قال: ثم يسأل الحاكم عن حاله في البلاد التي سافر إليها- أي: بالمكاتبة إلى [الحكام، والنداء] فيها: بأن فلاناً قد مات، فإن كان له وارث فليأت؛ فإنا قاسمو تركته- إلى حد يغلب على الظن أنه لو كان له وارث لظهر.
قال في "الحاوي": فإن حضرته بينة، جاز أن يسمعها الحاكم من غير دعوى، وعلى غير خصم؛ لأنها بينة على ما قد لزم من الكشف.
قال: فإن لم يظهر [له] وارث آخر، فإن كان ممن له فرض، أكمل فرضه؛ لانفراده بسبب ذلك.
وقيل: لا يكمل [له] حتى يشهد شاهدان: أنه لا وارث يحجبه؛ لأنه قد أخذ شيئاً في الجملة؛ فلا يضره وقف الباقي.
والمذهب في "تعليق" القاضي أبي الطيب- وهو الصحيح في "الشامل"-: الأول.
وقد قال الإمام بعد حكاية الوجهين عن رواية العراقيين، وصاحب "التقريب": إنهما كالوجهين في أن الأخ هل يصرف إليه بعد البحث شيء أم لا؟ والمذكور في "الشامل" و"تعليق" [القاضي] أبي الطيب: أنهما جاريان على قولنا: يعطى الأخ نصيبه، وأشار إلى الفرق بما ذكرناه من تعليل الوجه الثاني.
قال: وإن كان ابناً، سلم إليه المال؛ لأن الظاهر أنه ليس ثم غيره مع أن الأصل عدم غيره.
ولو كان بدل الابن بنتاً، سلم إليها النصف، والنصف الآخر لبيت المال؛ قاله البندنيجي.
قال: وإن كان أخاً، فقد [قيل]: لا يسلم إليه المال؛ للشك في أصل إرثه؛ وهذا قول ابن سريج؛ كما حكاه الماوردي هنا، ونسبه البندنيجي إلى أبي إسحاق؛

[وكذا الماسرجسي] في كتاب الإقرار نسبه إليه وإلى ابن أبي هريرة.
وقيل: يسلم [إليه] – وهو الأصح- نظراً للظاهر؛ كما في الابن؛ وهذا قول الجمهور؛ كما حكاه الماوردي، وقال: إن الوجهين يجريان في ابن الابن؛ لأنه يحتمل أن يحجب كالأخ.
وأجراهما البندنيجي في الجد أيضاً.
ثم محل الخلاف في الأخ إذا شهدت البينة بوراثته من أخيه، أما إذا شهدت بأنه أخوه، وسكتت عن وراثته – فقد حكى الإمام عن العراقيين: أنهم قالوا: لا يسلم إليه شيء [إلا] بعد الخبرة وجهاً واحداً؛ فإن سكوتهم عن الوراثة يورث ريباً، ويشعر بأنهم يعرفون له حاجباً.
ثم قال: وهذا ليس بشيء.
والوجه: أن تُختبر، ثم يجري الوجهان، كما قدمناه.
وقد نسب القاضي أبو الطيب ما حكاه الإمام عن العراقيين إلى ابن سريج، وأنه قال: لو شهدت البينة بالبنوة، ولم تذكر أنه وارث، صرفنا إليه إذا لم يكن ثم حاجب بعد الكشف.
وأورده ابن الصباغ، ولم ينسبه إلى أحد.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه لو جاء رجل، وادعى على رجل بأن فلاناً مات، وأنا ابنه، وشهد شاهدان بأنه ابنه- فظاهر المذهب: أن هذه الشهادة لا تسمع؛ لأنه يجوز أن يكون ابناً له، ولا يكون وارثاً، ومن أصحابنا من قال: تسمع؛ لأن الظاهر من حال الابن أنه وارث.
قال: ويستحب أن يؤخذ منه، أي: من الآخذ بحكم البحث، لا بحكم البينة كفيل؛ لاحتمال ظهور وارث آخر، وإنما لم يجب؛ لأن الظاهر عدم غيره، ولأنها وثيقة [بغير مطالب]؛ وهذا ما نص عليه في الإقرار.
وقيل: يجب؛ ليكون نفوذ الحكم على الأحوط؛ وهذا ما حكاه المزني هنا؛ حيث قال: طالبه بكفيل.
وقد جمع بعض الأصحاب بين النصين، وأثبت في المسألة قولين.

وبعضهم امتنع من حكاية الخلاف في المسألة، وحمل النصين على حالين؛ [ولذلك] قال الشيخ: وقيل: إن كان ثقة، استحب؛ للسكون إلى أنه لا يضيع حق من يظهر، وإن كان غير ثقة وجب؛ خوفًا من تضييعه حق من يظهر.
قال: والأول أصح؛ لأنه ظهر له الحق؛ فلا يطالب بكفيل.
وفي "الحاوي" طريقان آخران في الحمل: أحدهما- وقد أورده البندنيجي وغيره-: أنه إن كان ممن لا يحجب، استحب؛ وإن كان ممن يحجب وجب.
والثاني: إن كان موسرًا ذا مال ظاهر، لم يجب، وإن كان معسراً وجب.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: [أنه] إن كان ممن يحجب، وجب قولاً واحداً، وإلا فوجهان.
وقال الفوراني: الصحيح: أن في مطالبتهما جميعاً قولين؛ لأن الابن يحجب حجب نقصان؛ كما يحجب الأخ حجب حرمان.
فإن قيل: ألستم تقسمون مال المفلس بين غرمائه بعد إشاعة أمره من غير ضمين مع جواز ظهور غريم آخر، فما الفرق؟ قيل: الفرق أن حقوق الغرماء متحققة، وحقوق هذا الوارث غير متحققة.
قال الماوردي: ثم إذا دفع إليه الحاكم المال على ما وصفنا، كتب قضية ذكر فيها: أنه دفع المال إليه بعد الكشف الظاهر من غير حكم قاطع بأمر الاستحقاق؛ ليكون إن ظهر له شريك في الميراث غير مدفوع بنفوذ الحكم عليه بإبطال حقه منه؛ ليتمكن من المطالبة وإقامة البينة.
قال: ومن وجب له حق على رجل، وهو مقر، أي: في الظاهر، غير مماطل – لم [يجز أن] يأخذ من ماله [بغير إذنه]؛ لأن له الخيار فيما يقضي به الدين من أي أمواله شاء؛ فلا يجوز إبطاله عليه، فلو خالف وفعل كان آثماً، ويجري على

آخذه حكم الغاصب؛ فيجب [عليه] رده، ولو كان من جنس دينه، ولا يكون تقاصًّا وإن رأينا التقاص؛ لأنه يختص بما في الذمم دون الأعيان؛ لمعنيين ذكرهما القاضي أبو الطيب: أحدهما: أنهما إذا كانا في الذمة، فلا فائدة لأحدهما بمطالبة الآخر بما [له] في ذمته، بخلاف العين؛ لأنه يجوز أن يكون له فيها غرض صحيح، مثل: أن تكون تذكرة من صديق له، أو ميت له، أو يعلم أنه حلال طلق؛ فيجب صرفها في غير ذلك الوجه؛ فلأجل غرضه منعنا غريمه من أخذها بغير اختياره.
والثاني: أن التقاص إبراء؛ بدليل أنه لا يفتقر إلى إيجاب وقبول؛ كما لا يفتقر الإبراء إليهما، وقد أجمعنا على أن الإبراء لا يصح إلا بما في الذمة؛ فكذلك التقاص.
نعم، لو تلف المأخوذ في يد الآخذ، وكان من الجنس جرى التقاص حينئذٍ.
قال: وإن كان منكراً، أي: في الظاهر؛ كما قاله البندنيجي وابن الصباغ، وله بينة – فقد قيل: يأخذ؛ لأن هنداً قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي [إلا ما أخذت منه سرًّا؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف] "، فأذن لها في الأخذ مع القدرة عليه بالحاكم؛ لأن وجوب ذلك عليه ظاهر.
ولأن في حضور الشهود وتعديلهم عند الحاكم، وسماع البينة – تطويلاً ومشقة، وربما كان فيه غرر؛ لأن الشهود ربما جرحوا.
وقيل: لا يأخذ؛ لأن البينة حجة يمكنه أن يأخذ حقه بها؛ فكانت بمنزلة إقراره بالدين وهو مماطل؛ كذا قاله أبو الطيب، ومقتضاه: أن المقر المماطل لا يجري فيه الخلاف المذكور، وهو [ما] صرح به الإمام والغزالي.
وفي "الحاوي" و"الرافعي" التسوية بين المقر المماطل، والمنكر الذي عليه البينة

في إجراء الخلاف في جواز الأخذ، لكن الماوردي خص الخلاف فيهما بما إذا كان المأخوذ من غير الجنس، [وقال فيما إذا كان من الجنس]: إنه يجوز وجهاً واحداً؛ لأن إحواجه إلى المحاكمة عدوان من الغريم، وكلام الشيخ الآتي من بعد يقتضي إجراء الخلاف في الحالين.
ثم ما الصحيح من الوجهين في مسألة الكتاب؟ الذي يقتضيه كلام الماوردي: أنه الأول؛ لأنه قال: [إن القائل به هو الذي رأى أن له البيع] بنفسه.
ومقابله: رأي من قال: [إنه] لا يبيع بنفسه.
وقد صرح بأن الصحيح الأول القاضي أبو الطيب؛ كما قال الرافعي، وتبعه المصنف والروياني وصاحب "المرشد" والفوراني.
وفي "الرافعي": أنه يروي عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة، وهذه الرواية إن صحت كان فيها مخالفة لما قاله الماوردي؛ لأن ابن أبي هريرة من القائلين بأنه لا يبيع بنفسه.
قال: وإن كان منكراً، ولا بينة له – فله أن يأخذ؛ لعجزه عن حقه إلا بأخذه بنفسه.
قال الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم: وهكذا لو كانت له بينة، وعجز عن الأخذ؛ لقوة سلطان الغريم.
وعن القفال في مسألة الكتاب: أنه ليس له الأخذ، بل يقتصر على التحليف.
وعلى الأول: لو كان صاحب الحق يرجو إقراره لو حضر عند القاضي، وعرض عليه اليمين- وجب إحضاره، ولم يجز له الأخذ إن قلنا: إنه لو كان مقرًّا مماطلاً؛ لم يجز له الأخذ؛ قاله الرافعي.

قال: وإن كان – [أي:] المأخوذ – من غير جنس حقه، باعه بنفسه- أي: من غير حاكم- لأنه قد يتعذر [عليه] إثبات حقه عند الحاكم، فوليناه بيعه بنفسه؛ لأجل الضرورة؛ كالآخذ؛ وهذا قول أكثر الأصحاب في "الحاوي".
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل" نسبته إلى الإصطخري.
وقال البندنيجي: إنه المنصوص.
وقيل: يواطئ من يقر له بحق عند الحاكم، وأنه ممتنع؛ لبيع الحاكم عليه؛ لأنه لا ولاية له على الغريم، ولا نيابة، وللحاكم الولاية على الممتنعين بغير حق؛ فكان له سلوك هذه الطريقة؛ توصلا إلى استيفاء حقه؛ وهذا قول ابن أبي هريرة.
وما ذكره الشيخ من تصويره موافق لما أوره القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ عنه؛ فإنهم حكوا عنه أنه قال: يواطئ رجلاً يحضر معه مجلس الحكم، ويقر له بدين، وأن المال الذي في يده رهن عنده بما له عليه من الدين، ويمتنع من بيعه؛ حتى يبيع الحاكم عليه، ويوفيه الثمن.
وفي "الحاوي": أن ابن أبي هريرة صور ذلك بأن يأتمن رجلاً، ويحضره إلى الحاكم، ويدعي عليه أن له ديناً على غريم، وقد ائتمن هذا على ما في يده أن يبيعه [في ذمتي، وأسأل إلزامه ببيع ذلك، وإلزامه قضاء ديني من ثمنه،

[ويعترف الحاضر] بما ادعاه من الدين وائتمانه على ما في يده؛ ليباع في دينه؛ فيأمر الحاكم ببيعه.
قال: والأول أصح؛ لأن في هذه المواطأة فجوراً وغروراً؛ فإن الحكم وإن وقع موافقاً لما في نفس الأمر، فسببه في الظاهر باطل، ولا يجوز سلوك مثل ذلك ليقع الحاكم فيه؛ كما نقول فيمن ظاهره العدالة، وهو فاسق: لا يحل له الإقدام على الشهادة بحق عند من يراه عدلاً؛ لهذا المعنى.
وما ذكره ابن أبي هريرة من أنه ليس بوالٍ ولا نائب، فجوابه: أن الإذن قد يسقط عند تعذره؛ كما تؤخذ الزكاة ممن هي عليه، ولا يؤديها، ويسقط إذنه.
وفي "التهذيب" موافقة الشيخ على التصحيح إذا لم يكن للآخذ بينة، أما إذا كانت، قال: فظاهر المذهب: أنه لا يبيعه إلا بإذنه.
وقد سلك المراوزة في حكاية الخلاف في البائع طريقاً آخر، فقالوا: أحد الوجهين: أن الظاهر [أن] يبيع بنفسه.
والثاني- وهو ما اقتضى إيراد الغزالي في "الوجيز" ترجيحه-: أنه يرفع الأمر إلى الحاكم؛ ليبيع بعد إقامة البينة على استحقاق المال.
قال الشيخ أبو محمد في "السلسلة": وهما مبنيان على أن ملتقط اللقيط إذا وَجَد معه مالاً مشدوداً على ثوبه، وأراد أن ينفقه عليه- فهل له ذلك استقلالاً، أم يرفع

الأمر إلى القاضي؟ ويحكى [مثل] هذا عن القفال.
قلت: وعلى هذا الطريق ينطبق قول الماوردي فيما إذا كان له بينة، هل يأخذ غير جنس حقه؟ فيه وجهان: من جوز له البيع [بنفسه]، جوز له الأخذ، ومن منعه من البيع؛ لم يجوز؛ لأنه لا فائدة في الأخذ إذاً؛ فإنه يحتاج إلى أن يرفع الأمر إلى القاضي، ويقيم البينة على استحقاق المال.
وقد حكى الرافعي عن رواية الشيخ أبي حاتم القزويني وجهين في أن القاضي هل يأذن [له] في البيع، أو يفوضه إلى غيره.
وإذا قلنا بالأصح في الكتاب، فإذا باع فلا يبع إلا بنقد البلد إن كان حقه من جنسه، فإن كان [الثمن] قدر حقه أخذه، وإن كان أقل من حقه فكذلك، ويبقى الباقي [له] في ذمة الغريم.
وإن [كان] أكثر من حقه: إما لبيعه بأكثر من ثمن مثله، وإما لكونه لم يقدر على أخذ شيء إلا وقيمته أكثر من حقه، ولم يتمكن من بيع بعضه؛ لعدم تجزئه- أخذ قدر حقه، ورد الباقي عليه بطريقه، فإن لم يقدر على إعطائه له، حفظه عليه.
ولو كان حقه من غير نقد البلد، مثل: البر، والشعير- فعن طائفة من المحققين: أنه يبيع بجنس حقه؛ خشية من التطويل.
قال الإمام: وهو حسن.
ومنهم من قال: لا يبيع إلا بنقد البلد، ويشتري بالثمن جنس حقه، فلو كان حقه دراهم مكسرة، ووجد دراهم صحاحاً- باع بالذهب وإن كان غير نقد البلد؛ للضرورة.
ولو أراد من جوزنا له البيع أن يتملك المأخوذ بحقه، فالذي أورده البندنيجي وابن الصباغ والمصنف: المنع؛ لأنه يؤدي إلى أن يبيع من نفسه، وتلحقه التهمة فيه.
وقيل: يجوز.
قال الإمام: وهو غير معتد به.
وإيراد الغزالي يفهم أن القائل بجواز التملك

لا يجوز البيع له.
وكل هذا إذا لم يقدر على الأخذ من جنس حقه، فإن قدر على جنس حقه، لم يأخذ غير جنسه؛ وهذا ما جزم به الماوردي وغيره، فإن خالف واحد؛ كان عاصياً.
وقيل: لا يجوز أخذ غير الجنس وإن لم يقدر إلا عليه؛ حكاه الإمام والفوراني قولاً؛ فعلى هذا: لو كان حقه دراهم مكسرة، فظفر بدراهم صحاحاً، فهل له أخذها؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم.
وقيل: يجوز أن يأخذ غير الجنس وإن قدر على الجنس؛ حكاه في "التهذيب" وجهاً.
والذي حكاه العراقيون والماوردي: الأول، واستدلوا بجواز أخذ [غير] الجنس وإن كان من غير الأثمان بقصة هند؛ فإن لها من الحقوق المختلفة ما يعلم تعذر وجود جنسها في مال أبي سفيان.
ومحل القولين بمنع أخذ [غير] الجنس إذا كان الغريم مصدقاً لملكه له، أما إذا كان الغريم منكراً؛ لكونه ملكاً له، جاز أخذه وجهاً واحداً؛ صرح به الإمام في كتاب الوكالة، وقال: إنه مقطوع به، فليفهم الناظر ذلك.
وقد حكيت في باب الوكالة عن الأصحاب الخلاف فيه [أيضاً].
قال: وإن تلفت العين في يده، تلفت من ضمانه؛ لأنه أخذ العين بغير إذن مالكها لغرض نفسه؛ فكانت من ضمانه؛ كما لو اضطر [إلى] طعام الغير، فأخذ منه، وهذا ما اختاره في "المرشد".
فعلى هذا قال البندنيجي: إن كان ثمنها من جنس حقه، كان قصاصاً على المذهب الصحيح.
وقيل: تتلف من ضمان الغريم؛ لأنه استحق أخذها وصرف ثمنها في دينه؛ فأشبهت المرهون؛ وهذا أصح عند الروياني، كما قال الرافعي.
فعلى هذا له أن يأخذ غيرها، وقد رجع حاصل الخلاف إلى أن يده على المأخوذ

من غير [جنس الحق] قبل البيع: يد ضمان، أم يد أمانة؟ ومحلهما- كما قال الماوردي- إذا لم يتمكن من بيعها، فإن تمكن، واستبقاها، ضمنها وجهاً واحداً.
وسلك الإمام طريقاً آخر، فقال: إذا ظفر بغير جنس حقه، وقيمته قدر حقه، وتلف في يده – ضمنه وجهاً واحداً.
ولو لم يقدر إلا على أخذ ما تزيد قيمته على قدر حقه، فهل يدخل الزائد في ضمانه؟ فيه وجهان.
أحدهما: نعم؛ كالأصل.
والثاني: لا؛ لأنه لم يأخذه بحق نفسه.
ولهذه المسألة فروع: لو لم يتمكن من الأخذ إلا بثقب الجدار، قال القاضي الحسين: جاز له، ولا ضمان عليه؛ كما [في] دفع الصائل.
ولو أخذ ثوباً قيمته عشرة [وحقه عشرة]، فبقي الثوب في يده حتى بلغت قيمته عشرين- فتلك الزيادة محسوبة عليه، وإن انتقصت قيمة الثوب.
فإن كان البيع ممكناً، فالنقص محسوب عليه؛ إن لم يرد العين لتلف أو بيع، وإن ردها فلا شيء عليه.
وإن لم يتمكن من البيع، ثم أمكن؛ خرج على الوجهين.
ولو غصب إنسان عينًا من إنسان، وظفر المغصوب منه بعين للغاصب والامتناع قائم- قال الإمام: فله أن يأخذها، ويبيعها، وينتفع بقيمتها؛ كما لو أبق العبد المغصوب.
ثم قال: فإذاً البيع بنفسه ظاهر المذهب.
وإذا رد الغاصب العين؛ رد الظافر قيمة العين.

ولو كان لإنسان على آخر دين، فقال: اشتريت منك دارك بذلك الدين، وقبضتها، فأنكر- جاز لصاحب الدين المطالبة به؛ قاله الرافعي في آخر الخلع.
ولو كان لإنسان على شخص دين، وعليه لذلك الشخص دين [آخر]، فإن لم يجر التقاص إلا بالتراضي، وجحد أحدهما صاحبه، وحلف- فهل للآخر أن يجحد؟ فيه وجهان.
ولو كان للمجحود على الجاحد دين آخر قد قبضه، وله بينة بأصل الدين – فله إقامة البينة، وطلب ذلك الدين؛ كما قاله القاضي أبو سعد.
وعن "فتاوى" القفال: لا؛ لأنهم لو شهدوا، وقال المدعى عليه: إني قضيت ما [شهدت بينته به]، وطلب يمينه- لم يكن له أن يحلف؛ وذلك يدل على أن ما شهد به غير ما يدعيه.
ولو كان للجاحد أو المماطل على شخص دين، فيجوز للمجحود دينه أن يأخذ من مال مديون الجاحد قدر دينه، ولا يمنع من ذلك رد الجاحد، وإقرار المدين له، ولا تكذيب المدين للمدعي على الجاحد؛ كذا قاله الرافعي.
وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به: أحدها: إذا اختلف الزوجان فيما في البيت، كان بينهما، إلا ما اختص به أحدهما، وثبت يده عليه حسًّا أو شرعاً، ويحلف كل واحد منهما على ما في يده، ولا فرق في ذلك بين أن يكون ما في البيت يصلح لهما، أو لا يصلح إلا للنساء، أو الرجال، سواء كانا مقيمين على الزوجية أو قد حصل الفراق.
وكذا لو كان الاختلاف بين ورثتهما، أو بين ورثة أحدهما وبين الآخر.
الفرع الثاني: إذا ادعى داراً في يد رجل، وقال: إنها ملكي، وأنت مبطل في استيلائك، وعليك ردها عليَّ، فقال المدعى عليه: لا يلزمني التسليم إليك، فأقام المدعي بينة على أن الدار ملكه، ولم تتعرض البينة لأكثر من إثبات الملك للمدعي- قال القاضي: ثبت الملك، ويكفي ثبوته، ويقال للمدعى عليه: إن أثبت

استحقاقاً من استئجار، أو ارتهان، فادَّعِ وأثبت، وإلا فحكم الملك استيلاء المالك باسترداد الملك من يدك.
قال الإمام: وهذا فيه نظر؛ فإن البيت لم تشهد إلا على الملك، والملك لا ينافي استحقاق يد المدعى عليه؛ فلم تقم البينة على وجه يوجب إزالة اليد، وهذا عندي يقرب مأخذه من أن المالك وصاحب اليد إذا تنازعا في [الإعارة، والإجارة] فالقول قول من؟ فإن جعلنا القول قول المالك؛ فيكفي ثبوت الملك هنا، ثم باب الدعوى مفتوح لصاحب اليد، والقول قول المالك.
وإن جعلنا القول قول صاحب اليد، فلا تزال يده ما لم تتعرض البينة لكون صاحب اليد مبطلاً.
قال ابن أبي الدم: وما ذكره القاضي صحيح عندي، ولا يمكن فرض خلاف فيه في المذهب، وقاعدة المذهب تقتضيه، وليس كمسألة الإجارة التي ذكرها الإمام والخلاف فيها، والإشكال الذي ذكره ضعيف جدًّا، وبيانه: أن بينة الخارج موجبة لتقدمه شرعاً على يد الداخل إذا لم تقم له بينة بملك ولا بيد سابقة – مثلاً- ولا بأمر يعارض بينة الخارج.
وكون العين المدعى بها في يد الداخل لا يعارض مجرد هذا بينة الخارج إجماعاً، وإمكان كونها مستأجرة منه أو مرهونة عنده لا يقاوم بينة الخارج إذا سكت ذو اليد عن دعوى ذلك بلا خلاف أيضاً.
نعم، لو ادعى ذو اليد أن العين [بيده] بإجارة، صدق على أحد الوجهين بدعواه، أما عند سكوته فلا ذاهب إليه، ولا نعرف فيه خلافاً، والدليل على صحة ما ذكرناه: أنه لو ادعى عليه ثمن مبيع باعه منه، وسلمه إليه، فأجاب بالابتياع، وقبضه المبيع، وأن الثمن ما ذكره البائع للمدعي، وقال: لا يلزمني تسليم الثمن إليه، أو: ما يستحق عليَّ هذا الثمن، ولا شيئاً منه- فهذا لا يسمع منه إجماعاً وإن أمكن براءته منه.

وهكذا لو ادعى عليه: أنه أتلف عليه ثوباً قيمته عشرة دراهم تعديًا، أو خطأ بغير إذن المالك، وطالبه بقيمته، فقال مجيباً: أتلفته بغير إذنك وهو ملكك، ولكن ما تستحق عليّ قيمته ولا شيئاً منها- فلا يسمع منه أيضاً إجماعاً مع إمكان الإبراء.
ولو قالت: تزوجني تزويجاً صحيحاً بولي مرشد وشاهدي عدل، على صداق مائة دينار، وسلمت نفسي إليه، ودخل بي، فقال مجيباً: تزوجتها [كذلك على ما ذكرت]، ودخلت بها، ولكنها ما تستحق علي هذا الصداق ولا شيئاً منه- فلا يسمع منه على المذهب الصحيح.
وحكي فيه وجه عن الشيخ أبي عاصم العبادي في "فتاويه": أنه يسمع منه، والقول قوله في نفي الصداق، ولم يذكره أحد من الأصحاب في كتب المذهب، ولا ذكره الشيخ أبو عاصم في إنكار الثمن في البيع.
والسبب في عدم قبول إنكاره مع إمكان البراءة: أنه اعترف بالسبب الشاغل لذمته؛ فلا يسمع منه نفيه إلا بدعوى قبض أو براءة؛ فهكذا في مسألتنا قيام البينة للخارج بسبب ظاهر في ثبوت الملك له، وترجيح [جانبه]، فإذا انضم إليه تصديق الداخل بها، تأكد الظهور، وقوي جانب المشهود له بالملك، واعترف بما يوجب عليه التسليم إليه؛ فيلزمه التسليم قولاً واحداً، وإن ادعى ناقلاً فعليه بيانه، أو ما يقتضي إبقاءه في يده فعليه إظهاره، أو إثباته قولاً واحداً، أو إظهاره والدعوى به على أحد الوجهين إن كان إجارة.
قلت: وكلام الأصحاب في الوديعة يدل على ما قاله ابن أبي الدم؛ حيث قالوا: لو ادعى وديعة، فقال: ما لك عندي شيء، فأقام المودع بينة بالإيداع، فقال: أودعني ولكنها هلكت- قبل قوله؛ فلو لم تكن إقامة البينة بالإيداع موجبة للمطالبة بالتمكين من الوديعة؛ لما احتاج المودع إلى دعوى التلف.
وكذا قول من قال من أصحابنا إذا مات المودع، ولم توجد الوديعة في تركته: إنه يضمن، فلو لم يكن مجرد الإيداع يقتضي وجوب الرد والمطالبة به، ودعوى التلف والرد هي المسقط للضمان- لما ضمنه؛ لأنه يحتمل التلف.

نعم، الخلاف المشهور فيما إذا اختلف المالك ومن في يده العين في الإجارة والإعارة، هل المصدق المالك أو الآجر في استحقاق الأجرة أو قيمة العين، أو نفي ذلك، لا في أنه يصدق في عقد الإجارة حتى يتمكن من استيفاء المنافع إذا كان الاختلاف في أول المدة أو انتهائها؛ وحينئذٍ فلا يتجه التخريج المذكور منهما، والله أعلم.
الفرع الثالث: إذا كانت في يد شخص دار، فتنازع فيها نفسان، فقال أحدهما: كلها [لي]، وأقام على ذلك بينة، وقال الآخر: نصفها له، وأقام على ذلك بينة تعارضت البينتان في أحد النصفين، دون الآخر.
فإن قلنا بالتساقط، فكأن لا بينة في النصف المتعارض فيه، وهل تبطل الشهادة في النصف الآخر؟ قال ابن سريج: فيه وجهان؛ كما لو ردت الشهادة في بعض ما شهدته به للتهمة؛ فإن في [الباقي قولين].
قال الشيخ أبو حامد: وهذا سهو منه، بل لا يرد هاهنا في النصف الآخر قولاً واحداً، ويسلم لمدعي الكل؛ لأن سقوط هاهنا بالتعارض، وهو لا يسقطها فيما بقي.
وهذا ما أورده الماوردي، وقال: إن يد الثالث هل تزال عن النصف الآخر إذا كان يدعي الدار ملكاً؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لسقوط البينتين بالتعارض.
والثاني: تزال؛ لاتفاق البينتين على عدم ملكه، وليس تعارضهما في حقه، وإنما تعارضهما في حق المتنازعين.
ولو لم يكن من في يده العين قد ادعاها ملكاً لنفسه، نزعت يده، ووقفت للمتنازعين، وهكذا على الوجه الثاني في المسألة السابقة، فإن حلفا جعل بينهما؛ فيكمل لمدعي الكل النصف والربع، ويكون لمدعي النصف الربع لا غير.
وإن نكلا، حكم لمدعي الكل بالنصف، وبقي [النصف] الآخر موقوفاً، فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قُضي به للحالف؛ وهذا كله على قول التساقط.

وإن قلنا بالاستعمال، لم يخف التفريع.
الفرع الرابع: إذا شهد شاهدان بأن خالداً سرق من زيد في وقت كذا، وشهد آخران: أنه سرق في ذلك الوقت من عمرو- فإن قلنا بالتهاتر فلا قطع، وإن قلنا بالاستعمال، قال القاضي في "الفتاوى": فلا يجيء قول القرعة، والوقف، ويجيء قول القسمة، فإن بلغ نصيب كل واحد منهما نصاباً، قطع، وإلا فلا.
الفرع الخامس: إذا كانت دار في يد ثلاثة: فادعى أحدهم أن نصفها ملكه، وباقيها في يده وديعة أو مستأجراً من فلان الغائب، وادعى الثاني: أن ثلثها له، وباقيها في يده [وديعة] لفلان الغائب، وادعى الثالث: أن سدسها له، وباقيها في يده لفلان الغائب، ولا بينة- فيحلف كل واحد منهم لصاحبيه على ما يدعيه، وتبقى اليد: فصاحب النصف يده على الثلث فهو له، وصاحب الثلث يده على الثلث [فهو له]، وصاحب السدس يده على الثلث، وهو يدعي السدس، ويقر بالباقي للغير؛ فيقبل قوله.
ولو أقام كل واحد منهم البينة على قدر ما يدعيه منها ملكاً؛ أعطي صاحب الثلث الثلث؛ لأن له بالثلث يداً وبينة، ويعطى صاحب النصف الثلث؛ لأن له به يداً وبينة، ويقضى لصاحب السدس بالسدس؛ لأن له [به] يداً وبينة، وبقي هناك سدس في يد صاحب السدس، ولا بينة له، وصاحب النصف يدعي عليهما معاً السدس؛ بدليل: أنهما لو أنكرا؛ حلف له كل واحد منهما؛ فلهذا جعلنا

السدس بين صاحب النصف والسدس.
الفرع السادس: إذا كانت الدار في يد ثلاثة، فادعى أحدهم ملك جميعها، وأقام عليه بينة، وادعى آخر ملك نصفها، وأقام عليه بينة، وادعى الآخر ملك ثلثها، ولا بينة له- سلم لصاحب النصف الثلث؛ لأن له عليه يداً وبينة، ولصاحب الثلث الثلث – أيضاً- لأن له عليه يداً وبينة، والثلث الذي في يد الآخر لا بينة له عليه، وقد قامت بينة صاحب- الكل على استحقاقه، وبينة صاحب النصف على استحقاق نصفه- فلا تعارض في نصفه- وهو السدس- فيسلم لمدعي الكل، ووقع التعارض في السدس الآخر، فإن قلنا بالتساقط سلم لمن هو في يده، وإلا جاءت أقوال الاستعمال فيه.
قلت: ويجيء في ذلك الوجه الذي حكيناه عن ابن سريج في أن البينة إذا لم تسمع في بعض ما شهدت به- لأجل التعارض- تسقط بجملتها على قولٍ؛ فعلى هذا تكون الدار بينهم أثلاثاً بعد أيمانهم، لكن الأصحاب لم يذكروه؛ لضعفه عندهم، والله أعلم.


كفاية النبيه شرح التنبيه

الجزء التاسع عشر تتمة كتاب الأقضية- كتاب الشهادات

بسم الله الرحمن الرحيم

باب اليمين في الدعاوى

إذا ادعى رجل على رجل حقاً، فأنكر [المدعى عليه]، ولم تكن للمدعى بينة- فإن كان ذلك في غير الدم، حلف المدعى عليه، لما روى أبو داود عن ابن أبي مليكة- وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة- قال: كتب إلى ابن عباس [أن رسول] الله صلّى الله عليه وسلّم ((قضى باليمين على المدعى عليه))، وأخرجه البخاري ومسلم.
وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ((لو أعطى الناس بدعاويهم، لا دعى ناس دماء ناسٍ وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)).
قال: فإن نكل عن اليمين، فإن كان الحق لغير معين: كالمسلمين، أي: كمال من مات، ولا وارث له، إذا وجد في دفتره ما يدل عليه.
قال: والفقراء: كمال الموصى به لهم إذا ادعاه من أسندت تفرقته إليه على الورثة.
قال: حبس المدعي عليه حتى يحلف، أو يدفع الحق، لأنه لا يمكن القضاء بالنكول من غير يمين، لأن الحقوق تثبت بالإقرار أو البينة، وليس النكول واحداً منهما، ولا يمكن رد اليمين، لأن المستحق غير متعين، ولا يمكن تركه، لما فيه من ترك الحق، فتعين فصل الخصومة بما ذكرناه.
وقيل: يقضى عليه بالنكول، للضرورة، وهذا [ما] قاله الإصطخري.
وحكى الإمام عن شيخه وجهًا: [أنا نخليه]، ولا نقضي عليه، غير أنا

نغصبه إن عاند.
ولا حاصل له، وقال بتخريجه الشيخ أبو علي أيضًا، كما حكاه ابن أبي الدم.
والصحيح- وهو المذهب في ((تعليق)) البندنيجي، والقاضي الحسين، و ((البحر)) - الأول، لأن إثبات الحق لا يكون بنفيه، لأنه ضد موجبه، وفي الممتنع أن وجود الضد نافياً لحكمه ومثبتاً لحكم ضده، كالإقرار لا يوجب إنكاراً، كذلك الإنكار لا يوجب إقرارًا.
وتحريره: أن النكول إنكار، فلم يثبت به حكم الإقرار، كالتكذيب لا يثبت به حكم التصديق.
قال صاحب ((التخليص)): ولا يقضى [عليه] بالنكول عندنا إلا في مسائل مخصوصة، فإنه يجب الحكم فيها بالنكول، وهي ما إذا كان مع [رجل أربعون] شاة، فحال عليها الحول، ثم جاء الساعي يطالبه بزكاتها، فقال: كنت بعتها في وسط الحول، ثم مكلتها بعده.
أو كان له ثمانون شاة: نصفها في بلد، ونصفها في أخرى، فطالبه الساعي بالزكاة، فقال: أخرجتها بذلك البلد التي هي فيه، أو خرص [نخلة أو كرمه] وضمنه إياه، ثم طالبه بالعشر، فادعى أنه ناقص عما خرصه، وخطأه في خرصه، أو أنه أصابته جائحة- فإن القول في ذلك كله قوله مع يمينه، فإذا نكل، أخذت منه الزكاة والعشر مما خرص عليه وضمنه.
وكذا الذمي إذا غاب سنة، ثم عاد، فطالبه الإمام بالجزية، فادعى أنه أسلم قبله- فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل، أخذت منه الجزية.
وكذلك إذا سبى المشركين، وكشف عن مؤتزر أولادهم، فرآهم قد أنبتوا، وادعوا أنهم عالجوا ذلك، ولم يبلغوا- فإنهم يحلفون، ويحكم بأنهم لم يبلغوا، فإن نكلوا عن اليمين جعلوا في حكم البالغين فيما يجري عليهم من الحكم.
وكذلك إذا غنم المسلمون غنيمة، فادعى صبيان منهم: أنهم كانوا بالغين في حال القتال، فإنهم يحلفون، ويسهم لهم في الغنيمة، فإن نكلوا رضخ لهم.
وقال ابن الصباغ: وقد اعترض أصحابنا عليه، فقالوا في هذه المسائل: لم يحكم بالنكول، وإنما أرباب الأموال قد ادعوا معاني تسقط الأحكام المتعلقة بالأموال، فيحلفون على ثبوتها، فإن حلفوا ثبتت المعاني المسقطة للأحكام،

وإن نكلوا عن اليمين، لم تثبت المعاني المسقطة، فبقيت على الوجوب، ولا يكون هذا حكماً بالنكول، وهذا كما قلنا: إن من قذف زوجته أمر باللعان، لدرء الحد، فإن امتنع حد، ولا يكون الحد لأجل الامتناع من اللعان، ولكن لأجل القذف المتقدم.
قال القاضي أبو الطيب: والجواب أن هذا لا يخفى على ابن القاص مع فضله وعلمه، والسؤال غير صحيح، لأنه لم يعتبر ما اعتبره هذا القائل، وإنما اعتبر المسائل التي إذا عرضت اليمين فيها على المدعى عليه، ونكل عنها، لم ترد اليمين، وحكم بالمدعى، وهذا صحيح، لا اعتراض فيه.
وما ذكره صاحب ((التخليص)) في مسائل الزكاة مفرع على القول بوجوب اليمين، ووراءه- تفريعًا عليه أيضًا- وجوه: أحدهما: لا يقضي عليه أيضًا.
والثاني: يحبس إلى أن يقر، فيؤخذ منه الحق، أو يحلف.
والثالث: إن انتصب في صورة مدع، بأن قال: أديت، أو علقت- قضى عليه.
وإن انتصب في صورة مدعى عليه، مثل أن قال: لم يحل على الحول، فلا يقضى عليه، قاله في ((التهذيب)) في كتاب الزكاة، [ونسبه] ثم إلى ابن سريج، وهو في النسبة موافق للقاضي الحسين، فإنه نسبه إلى ابن سريج ثم، وفي باب الامتناع من اليمين أيضًا، وقال: إن محل الخلاف إذا كان الفقراء غير محصورين، [أو محصورين] وجوزنا النقل.
أما إذا منعنا نقل الصدقة، حلفوا، واستحقوا، وهكذا قاله الرافعي والشيخ أبو علي، كما قاله ابن أبي الدم، ويؤخذ من قول الشيخ: ((وإن كان الحق لمعين، حلف المدعى عليه)).
أما إذا قلنا: إنها مستحبة، فلا نقضي عليه عند الامتناع بشيء، وكذلك قال الأصحاب، تفريعًا على هذا، أنه لا يأمره باليمين أمر إرهاق، وليعلمه بذلك، لأن أمر الإمام إرهاق.
وما ذكره صاحب ((التخليص)) في مسألة الذمي هو الأظهر عند الشيخ أبي علي،

وهو مفرع- كما قال الإمام- على أنه إذا أسلم في أثناء الحول لا يلزمه شيء.
قلت: وعلى أن اليمين واجبة، كما هو أحد الوجهين في ((تعليق)) البندنيجي والقاضي الحسين وغيرهما، ووراءه- تفريعًا على هذا- وجهان حكيتهما في باب عقد الذمة: أحدهما: [أنه] لا يقضى عليه بشيء.
قال الإمام: وهذا عندي إسقاط اليمين، فإنه ينكل فلا يلزمه شيء، ولا سبيل إلى حمله [علي] اليمين.
والثاني: أنه يحبس حتى يحلف، أو يعترف بما عليه.
أما إذا قلنا بأن اليمين مستحبة، فلا يلزمه شيء.
وإذا قلنا: إن القول عند الاختلاف في الإسلام قول الإمام- كما حكيته قولاً في باب عقد الذمة، وأبداه الإمام هنا احتمالاً لنفسه- ارتفع الخلاف، لكن الصحيح المشهور: أن القول قول الذمي.
قال الإمام: وتقييد صاحب ((التخليص)) هذه المسألة بالإسلام في الغيبة، يدل على أنه لو كان بيننا، ولما انقضت السنة صادفناه مسلمًا، وادعى أنه كان قد أسلم قبل الحول، ولم يخبرنا، وكتم إسلامه عنا- أنا [لا] نقبل قوله في هذه الصورة، إذ الظاهر أن من أسلم في دار الإسلام لا ينكر إسلامه، والأصل عدم ما يدعيه، فلزمته الجزية، إلا أن يقيم بينة.
وما ذكره صاحب ((التلخيص)) في أولاد المشركين مفرع على أن الإنبات علامة على البلوغ، ووراء ما ذكره- تفريعًا على هذا الوجه-[أمور:] أحدها: أنه يحبس حتى يتحقق بلوغه فيقتل، أو صباه، فنحلفه على الاستعجال، فلا يقتل.
قال الإمام: وقياس الباب أن يقال: إذا بلغ، يدام الحبس عليه إلى أن يحلف، أو يقر بأني ما كنت استعجلت، فيقتل، لأن البلوغ [المحقق لا يخرجه عن الذرية أمس، وهو لا يقتل ببلوغ حادث، وإنما يقتل ببلوغ مقارن] للأسر، وقد حكاه في ((التهذيب)) هكذا، فيكون وجهًا ثانيًا.

والثالث: حكاه في ((التهذيب)) - أيضًا-: أنه لا يقضي عيه، والذي ذكره صاحب ((التخليص))، قال الإمام: إنه المنصوص.
قال البندنيجي والقاضي الحسين: واليمين فيه واجبة قولًا واحدًا.
قال الإمام: وفيه وقفة، لأنه قد ادعى [الصبا]، وتحليف من ادعى الصبا متناقض.
وقد أجاب عنه أبو علي بأنا عولنا في تحليفه على الإنبات، [فإن ظاهره] يكذبه في دعواه مع أنه مشكل، أما إذا قلنا: إن الإنبات عين البلوغ، فلا فائدة لقوله أصلا، ويقتل.
وما ذكره ((التلخيص)) في الصبي إذا ادعى أنه بالغ، وطلب السهم من الغنيمة- ففي ((التهذيب)) أنه قاله تخريجًا، وأن بعض أصحابنا قال: إنه يعطى عند الامتناع من اليمين، لأن الظاهر استحقاقه بحضور الوقعة، وأن منهم من قال: إنه يقبل قوله بلا يمين، ويعطى [السهم]، وإليه ذهب الشيخ أبو زيد، لأن احتلامه لا يعرف إلا من جهته، فهو كما علق العتق بمشيئة غيره، فإنه يصدق بغير يمين.
فرع: قيم المسجد والوقف، هل يحلف إذا نكل المدعى عليه؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها القاضي الحسين، وتبعه البغوي، ثالثها: إن باشر السبب نفسه حلف، وإلا فلا.
فإن قلنا: لا يحلف، فهل نقضي عليه بالنكول؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، للضرورة.
والثاني: لا، ولكن يوقف حتى تقوم بينة، أو إلى قيام الساعة يعاقب عليه يوم القيامة.
قال: وإن كان الحق لمعين- أي: يمكن تحليفه- ردت اليمين [على المدعي]، لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الآية] [المائدة:108]- أي: الامتناع من الإيمان الواجبة، فدل على نقل الإيمان.
وقد روي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: ((من طلب طلبةً بغير بينة، فالمطلوب أولى باليمين من الطالب)).

وصيغة ((أفعل)) حقيقة في الاشتراك، وإذا كان كذلك، اقتضى أن يكون للطالب حق في اليمين، وإلا لما كان المطلوب أولى منه، وحينئذ فيكون المدعى عليه أولى في الابتداء، وتنقل عند امتناعه في الانتهاء، ويدل عليه ما روى الليث بن سعد عن نافع [عن] ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رد اليمين [على] طالب حق.
[ذكره] الوليد في ((المستخرج)) والدارقطني في اليمين مع الشاهد.
وقد رد اليمين على عمر فحلف، وعلى زيد بن ثابتٍ فحلف، وعلى عثمان بن عفان- ردها عليه المقداد بين دي عمر- فلم يحلف، وقال: خشيت أن يوافق قدرٌ بلاءً، فيقال: بيمينه.
وهذا مستفيض في الصحابة، ولم يظهر منهم مخالف، فثبت أنه إجماع.
أما إذا لم يكن تحليف صاحب الحق في الحال: كالصبي، والمجنون- فقد حكى القاضي الحسين في كتاب الأضحية عن صاحب ((التلخيص)): أنه يقضي بالنكول.
والمشهور: انتظار البلوغ والإفاقة، كما تقدم.
قال: وإن كانت الدعوى في دم- أي: بسبب قتل خطأ، أو عمد، أو عمد خطأ- فإن كان هناك لوث، حلف المدعي خمسين يميناً، ويقضى له بالدية.
الأصل في ذلك ما رواه الشافعي بسنده في حديث طويل عن سهل بن أبي حثمة أنه حدثه رجال من كبراء قومه: أن محيصة وعبد الله بن سهلٍ خرجا إلى خيبر، فلما دخلا تفرقا في حوائجهما، فقتل عبد الله بن سهلٍ، فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهلٍ، وابنا عمه حويصة، ومحيصة- إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فابتدأ محيصة يخبره بذلك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((كبر كبر)) يريد السن، فتكلم حويصة، لأنه الأكبر، ثم تقدم محيصة، فأخبره بما عنده، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تأذنوا بحرب من الله))، فكتب إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلنها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحويصة ومحيصة

وعبد الرحمن: ((أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟))، ويروى: ((دم قتيلكم))، فقالوا: لا، ويروى أنهم قالوا: كيف نحلف، ولم نشهد، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ((أفتحلف اليهود وتبرئون؟))، فقالوا: كيف نحلفهم، وهم مشركون؟ ويروى: وليسوا بمسلمين، فوداه النبي صلّى الله عليه وسلّم بمائة ناقةٍ حمر.
وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق آخر، واتفق الكل على أن البداية بالأنصار، ولا معارضة بين هذا، وبين قوله صلّى الله عليه وسلّم: ((البينة على [المدعي، واليمين على] المدعى عليه))، لأن هذا خاص، وذلك عام، على أن الدارقطني قد روى بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه إلا في القسامة)).
وقال: إن كل ما يرويه عمرو بن شعيب، عن جده فهو عبد الله بن عمرو، وقد أدركه، ولم يفته عنه إلا حديث واحد، فسمعه من جده: محمد بن عبد الله بن عمرو، فلا يكون مرسلاً، وقد روي من طريق آخر عن ابن عباس وأبي هريرة.
وإذا كان كذلك، فيكون تقدير الحديث: إلا في القسامة، فإن اليمين لا تكون في جنبة المدعى عليه.
والمعنى في جعل اليمين في جانب المدعي في القسامة عند ظهور اللوث: أن باللوث قويت جنبته، فتحولت اليمين إلى جانبه، كما [لو] أقام شاهداً واحداً في غير الدم.
ومن جهة القياس: أنها أيمان تكررت في الدعوى شرعًا، فوجب أن يبدأ بها المدعي، كاللعان، فإنه يمين، قال صلّى الله عليه وسلّم: ((لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن)).
وهذا في دية النفس الكاملة، أما دية النفس الناقصة: كدية المرأة، والذمي، فهل يحلف لأجلها خمسين يمينًا؟ فيه وجهان: أصحهما في ((الحاوي)): أن الأمر كذلك، حتى في دين الجنين، لخطر النفس.
والثاني: أن الأيمان تقسط على كمال الدية، فيكون في دية المرأة خمس

وعشرون، وفي الذمي تسعة عشر.
وقد أبدى الإمام تخريج الوجهين احتمالًا لنفسه من الخلاف في ضرب ذلك على العاقلة في ثلاث سنين أو دونها، [إذا كانت اليمين في جانب المدعى عليهم، دون ما إذا كانت في جانب المدعي، لأجل اللوث].
قال الأصحاب: وكيفية اليمين الواجبة عند حضور المدعى عليه: أن يحلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفات ذاته-: إن هذا قتل هذا، إن كان المقتول حاضرًا، وإن كان غائبًا، قال: إن هذا قتل فلان [بن فلان] الفلاني، منفردًا بقتله، ما شاركه فيه غيره.
ومن هم من قال: نفي المشاركة تأكيد وليس بشرط، لأن لفظ الانفراد يغني عنه، [وهذا ما أورده القاضي الحسين، وقال الإمام: إنه متفق عليه].
والقائلون بالأول- وهو ظاهر النص- قالوا: قد يكون القاتل مكرهًا، فتكون الدية عليه وعلى المكره، فتصدق وإن كان منفردًا بالقتل، كذا قاله أبو الطيب، وغيره.
وما وقفت عليه من كلام الرافعي يفهم أن الخلاف عائد إلى اشتراط ذكر الانفراد.
ويذكر الحالف في يمينه: أنه قتله عمدًا، أو خطأ، أو شبه عمد.
قال الماوردي: [وذكر صفة العمد لا يشترط] إذا كان المدعي قد وصف ذلك في الدعوى، ولا يجب، لأن يمين الحالف عن مذهب الشافعي متوجه إلى الصفة التي أحلفه الحاكم عليها، فلا نعيده.
وإن ادعى الجاني أن الميت قد برأ من جرحه، قال الشافعي: زاد: أنه ما مات من غير جراحته التي جرحه بها، ولا برئ منها حتى مات.
واعترض عليه بوجهين: أحدهما: أنه إذا ادعى البرء من الجراحة، فقد اعترف بها، فكيف يحلف المدعي؟ والثاني: أنه قد سبق أن الجاني والولي إذا اختلفا في الاندمال، وقد مضى

زمان يمكن فيه الاندمال- أن القول قول الجاني على الظاهر، فلم جعل هاهنا القول قول الولي حتى يحلف عليه؟ وأجيب عن الأول: بأن دعوى البرء من الجراحة تقتضي الاعتراف بالجراحة في نفسها، لا الاعتراف بجراحة نفسه، ويجوز أن يريد أن الجراحة التي نسبت إليه قد برأ منها، ثم مات، ويكون غرضه إبطال اللوث.
وعن الثاني بوجوه: أحدها: ويحكى عن أبي إسحاق-: أن المسألة مفروضة فيما إذا كان للمدعي بينة على أنه لم يزل ضمنًا متألمًا حتى مات، أو اعترف المدعى عليه بلك، لكن ادعى أنه مات بسبب محدث، فيحلف المدعي، ويصدق، لأن الظاهر معه.
الثاني- وهو الظاهر من مذهب ابن أبي هريرة-: أن محل جعلنا القول قول الجاني في الاندمال في غير القسامة، أما في القسامة، فالقول قول المدعي، لأن القسامة لما خالفت غيرها في قبول قول المدعي في القتل، خالفته في قبول قوله في سراية الجرح، وهذا ما حكى الإمام عن العراقيين القطع به، وقال: إنه هوس، فإن الجرح متفق عليه، وليس المدعي يدعي غيره، ويدعي إفضاء الجرح إلى الموت، وقصر الزمان وطوله لا يختلف بقيام اللوث وعدمه.
الثالث: أن المسألة مفروضة فيما إذا اختلفا في أنه هل مضت مدة يمكن فيها الاندمال، أم لا؟ وحينئذ فالقول قول الولي، لأن الأصل أنها لم تمض.
ويستحب للقاضي أن يحذر المدعي إذا أراد أن يحلف، ويعظه، ويقول له: اتق الله، ولا تحلف إلا عن تحقيق، ويقرأ عليه: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية [آل عمران:77].
والقول في التغليظ في اليمين بالمكان والزمان واللفظ، يأتي في الباب.
فرع: هل يشترط أن تكون الأيمان متوالية، كما في اشتراط الموالاة في كلمات اللعان؟ فيه وجهان للقاضي الحسين، وأظهرهما- وهو الذي أورده أكثرهم-: أنها لا تشترط، لأن الأيمان من جنس الحجج، والتفريق في الحجج لا يقدح، كما إذا شهد الشهود متفرقين، وعلى هذا فلو حلفه القاضي الخمسين في خمسين يومًا، جاز.
وعن ((الأم)): أنه [لو] حلف بعض الأيمان، ثم استنظر القاضي، أنظره، وإذا

عاد، اعتد بما مضى.
[وعلى الأول: لو جن المدعي في خلال الأيمان، أو أغمي عليه، ثم أفاق- يبنى على ما مضى،] ولا يستأنف، لقيام العذر.
لو عزل القاضي، أو مات، وولي غيره- فالذي ذكره الغزالي والبغوي- تبعًا للقاضي-: أن الثاني يستأنف، كما لو عزل القاضي أو مات [بعد] سماع البينة وقبل الحكم، وكما إذا أقام شاهدًا واحدًا، وأراد أن يحلف معه، فعزل القاضي، وولي آخر- لابد من استئناف الدعوى والشهادة.
وحكي قول عن نصه في ((الأم)): أن القاضي الثاني يعتد بما سبق من الأيمان.
وذكر الروياني: أنه الصحيح، ولم يحك القاضي أبو الطيب سواه.
والمتولي حمل النص على ما إذا كان الحالف المدعى عليه، وقلنا بتعدد اليمين في حقه- كما سنذكره- ومات القاضي، أو عزل قبلها استكمالها وولي غيره، وقال فيما إذا كان الحالف للمدعي: إنه لابد من الاستئناف.
وفرق بأن يمين المدعى عليه على النفي، فتقع نافذة بنفسها، ويمين المدعي للإثبات، فتتوقف على الحكم، والقاضي الثاني لا يحكم بحجة أقيمت عند الأول، كما في الشهادة.
وقال: إن موت القاضي وعزله بعد تمام الأيمان، القول فيه كالقول فيما لو مات أو عزل في أثنائها في الطرفين.
ولو عزل القاضي في أثناء يمين المدعي أو المدعى عليه، ثم ولي، فهل [يبني أو] يستأنف ذلك؟ ينبني على القضاء بالعلم: فإن قلنا: يجوز، بني، وإلا استأنف.
ولو أن الولي المقسم مات في أثناء الأيمان، فالنص في ((المختصر)): أنه يستأنف.
وليس كما إذا جن، ثم أفاق، فإن الحالف واحد.
قال الروياني: وليس كما إذا أقام شطر البينة، ثم مات، حيث يضم وارثه إليه الشطر الثاني، ولا يستأنف، لأن شهادة كل شاهد مستقلة منفردة عن شهادة الآخر، وأيمان القسامة لا استقلال لها، ألا ترى أنه لو انضم إليها شهادة شاهد لا يحكم؟! وعن الخضري: أن الوارث يبني على أيمان المورث.
وبني المتولي [ذلك] على [أن] أيمان القسامة توزع على أولياء القتيل،

أو يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا؟ فإن قلنا بالأول حلفوه، وإلا فلا.
ولو مات بعد تمام الأيمان، حكم لورثته.
ولو مات المدعى عليه في أثناء الأيمان إذا كنا نحلفه- إما في غير صورة اللوث، أو لنكول المدعي مع اللوث- بني وارثه على أيمانه.
أما إذا كان المدعى عليه غائبًا، واللوث قائم، فهل يجوز أن يقسم المدعي: إن فلان ابن فلان الفلاني، ويصفه بما يجب وصفه به- كما ذكرناه في الدعوى على الغائب- ويتمم اليمين.
قال الماوردي: ولو حلف هكذا في حال حضوره، ففيه وجهان محتملان في الإجزاء، جاريان فيما لو كان المقتول حاضرًا، فقال: والله إن هذا قتله فلان ابن فلان الفلاني، لأن بذكر الإشارة- مع إمكانها- يحدث من الشبهة المحتملة ما لا يحدث مع الغيبة.
والوجه الثاني: أنه لا يقسم في الغيبة، لأن اللوث ضعيف، لا يعول عليه إلا إذا سلم عن قدح الخصم.
تنبيه: حثمة- راوي الحديث الأول-: بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة، وبعدها ميم مفتوحة، وتاء تأنيث ساكنة.
ومحيصة: بضم الميم، وتاء تأنيث.
ويقال: محيصة بتشديد الياء وكسرها.
وحويصة: بتشديد الياء وكسرها.
والقسامة، قال الماوردي: مشقتة من ((القسم))، وهي اليمين، سميت: قسامة، لتكرر الأيمان فيها.
واختلف أصحابنا فيا: هل هي اسم للأيمان، أو للحالفين بها؟ فقال بعضهم: هي اسم للأيمان التي يقسمها الأولياء في الدم.
قلت: وهو قول الجوهري وابن فارس، ويدل عليه: أنه جاء في بعض طرق الحديث: ((تحلفون خمسي قسامة تستحقون بها قتيلكم))، ولهذا صححه النواوي.

وقال آخرون- ومنهم القاضي أو الطيب-: إنها اسم للحالفين الذين يحلفون على استحقاق دم القتيل، وهو ما حكاه الأزهري عن أهل اللغة، وكذلك البندنيجي.
وقال أبو الطيب وغيره: إن الفقهاء يسمون الأيمان: قسامة.
وقال البندنيجي: إن القسامة في الشرع: كثرة الأيمان.
قال الإمام: ولا اختصاص لها بأيمان الدماء، إلا أن الفقهاء استعملوها فيها، وأصحابنا يستعملونها في الأيمان التي تقع البداءة فيها بالمدعي.
قلت: واستعمال الفقهاء هو الذي حكاه ابن فارس، والجوهري، حيث قال: القسامة: [هي] الأيمان تقسم على الأولياء في الدم، والله أعلم.
قال: وإن كانت الدعوى في قتل عمد، ففي القود قولان: أصحهما: أنه لا يجب، لأنه صلّى الله عليه وسلّم ((كتب إلى يهود: إما أن تدوا صاحبكم، أو تأذنوا بحربٍ))، فأطلق إيجاب الدية، ولم يفصل، فلو صحت لإيجاب القصاص لبينة.
ولأن أيمان المدعين لا يثبت بها النكاح، فوجب ألا يثبت بها القصاص، كشهادة النسوة، ورجل وامرأتين.
وعلى هذا قال الأصحاب: تجب الدية مغلظة في مال الجاني، وهذا القول هو الجديد.
ومقابله: أن القود يجب، كما رواه أبو ثور، وهو معزي إلى القيدم في ((الحاوي)) وغيره، ووجهه: قوله صلّى الله عليه وسلّم: ((أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟)) أي: دم قاتل صاحبكم.
وقد روى أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ((أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قتل في القسامة رجلًا من بني النضر بن مالكٍ)).

وروى مسلم، والبخاري: أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: ((يحلف منكم خمسون رجلًا: إن واحدًا منهم قتله، فيدفع برمته، وألزمه الحبل)).
ولأن هذه حجة يثبت بها العمد، فوجب أن [يثبت] بها القصاص، كشهادة الرجلين.
وأن اليمين المنقولة يثبت بها القصاص، فكذلك اليمين المبتدأة.
وعلى هذا: لو كان المدعى عليهم القتل جماعة، فهل يقتلون بجملتهم بعد الأيمان، أو واحد منهم؟ الذي ذهب إليه عامة الأصحاب: الأول، لأن ما كان حجة في قتل الواحد، كان حجة في قتل الجماعة، كالشاهد.
وحكى الماوردي: أن الربيع حكى قولًا لنفسه: [أنه] لا يقتل بها أكثر من واحد، وبه قال ابن سريج، لحنًا للدماء، ولضعف القسامة.
وقال ابن سريج: أجعل للولي أن يقتل واحداً منهم باختياره، ويأخذ من الباقين أقساطهم من الدية.
وروى أبو ثور عن الشافعي أنه قال في القديم: لا أقتل بها أكثر من اثنين.
وقد أجاب القائلون بالجديد عن الحديث الأول بأنا نضمر: قتل صاحبكم.
وعن الثاني: بأنه يحتمل ألا يكون هناك لوث، ووجب اليمين على المدعى عليهم، فنكلوا عن اليمين، فردت على المدعي، فاستحق القصاص، لأنه يمين منقولة.
وعن الثالث: أن المراد: دفعه، لتؤخذ منه الدية لا القود.
وعن الرابع: أنه ينتقض بما إذا ثبتت السرقة بشهادة رجل وامرأتين، فإنه يثبت بها المال دون القطع.
وعن الخامس: أن اليمين المنقولة انضم إليها جحود المدعى عليه، وهي عندنا إما كإقرار الخصم أو كالبينة، وكل منهما يوجب القود.
قال: وإن كان المدعي جماعة، ففيه قولان:

أحدهما: يحلف كل واحد خمسين يمينًا، لأن العدد في القسامة كاليمين الواحدة في غير القسامة، [فلما تساووا في غير القسامة] وجب أن يتساووا في القسامة.
والثاني: تقسط [عليهم الخمسون] على قدر مواريثهم، لأن الذي يثبت بأيمانهم ينقسم عليهم في فرائض الله، فكذلك يجب أن تكون الأيمان، وتفارق غير القسامة، لأن ثم اليمين الواحدة لا تقبل القسمة، وها هنا القسمة ممكنة.
قال: ويجبر الكسر، لأن اليمين الواحدة لا تتبعض، فكملت، كما في غير القسامة، وهذا ما نص عليه ها هنا، وهو الصحيح عند الماوردي والقاضي أبي الطيب والرافعي وغيرهم، وبه أجاب ابن الحداد، وميل الإمام إلى تضعيفه.
وقد قيل: إن أصل الخلاف في هذه المسألة: أن الدية تثبت للوارث ابتداء، أو للمقتول؟ وفيه قولان، ذكرناهما في باب العفو والقصاص: فإن قلنا: تثبت للوارث ابتداء، حلف [كل واحد] خمسين يمينًا، لأن الحق لا يثبت للإنسان بيمين غيره، والشرع قد علق الاستحقاق بعدد من الأيمان، فلابد من تحققه.
وإن قلنا: تجب للمقتول ابتداء، قسطت، لأن المستحق واحد، والورثة خلف عنه.
ومقتضى هذا البناء: أن يكون الصحيح القول الثاني- أيضًا- لأن ذكرنا ثم: أن الصحيح في الطرق: أن الدية تثبت للمقتول أولًا، ثم تنتقل.
وعلى هذا فروع: أحدها: إذا كان في المسألة عول، فهل تقسم الأيمان بينهم على أصل الفريضة، [أو على الفريضة و] عولها؟ فيه وجهان في ((الحاوي))، وأصلحهما فيه: الثاني.
وعلى هذا: إذا كان القتيل امرأة، وتركت زوجًا، وأختين لأب وأم، وأختين لأم، وأما فالمسألة من ستة، وتصح من عشرة، [فيحلف الزوج خمسة عشر، وكل أخت شقيقة عشرة]، وكل أخت من أم خمسة والأم خمسة.
وعلى الأول: يحلف الزوج خمسة وعشرين، وكل أخت شقيقة سبعة عشر، وكل أخت من أم تسعة، وكذلك الأم.

الفرع الثاني: إذا نكل بعض الورثة عن حلف ما يخصه من الأيمان أو عن بعضها، بطل حقه، لأن النكول عن البعض كالنكول عن الكل، وحلف الباقون تتمة الخمسين، وسلم [إليهم] نصيبهم من الدية، ويكون توزيع ما كان يحلفه الناكل من الأيمان على قدر استحقاقهم.
مثاله: إذا كان للوارث أخوان، وزوجة، فنكل أحد الأخوين: إما عن كل ما يخصه من الأيمان، أو عن بعضه- فنصيبه من الدية الربع والثمن- وقد كان يحلف تسعة عشر يمينًا، فنقص على قدر مستحق الزوجة، والأخ الآخر، ويجبر كسرها، فتحلف [الزوجة] ثمانية أيمان مضافًا لما كانت تحلفه، وهو ثلاثة عشر يمينًا، ويحلف الأخ اثنى عشر يمينًا مضافًا لما كان يحلفه، وهو تسعة عشر [يمينًا]، فتكمل أيمانهم اثنين وخمسين يمينًا، ويسلم للزوجة ربع الدية، وللأخ الحالف الربع والثمن.
ولو كان الورثة ثلاثة إخوة، أو ابنتين وابنين غائبين، أو واحدًا غأئبًا، وواحدًا صغيرًا، فإذا أراد الحاضر أخذ نصيبه، حلف خمسين يمينًا، ثم إذا حضر الغائب حلف خمسة وعشرين يمينًا، وأخذ نصيبه، [ثم إذا حضر الغائب الآخر، أو بلغ الصبي، حلف سبعة عشر يمينًا وأخذ نصيبه]، وعلى هذا المثال.
ولو كان الورثة أربعة بنين، واثنان حاضران، حلف كل واحد منهما خمسة وعشرين يمينًا، وأخذ ربع الدية، فإذا حضر أحد الغائبين، حلف سبعة عشر يمينًا، وسلم إليه ربع الدية، كما لو كان الثلاثة حضورًا، فإنه لا يلزم كل احد أكثر من ذلك، فإذا حضر الرابع، حلف ثلاثة عشر يمينًا، وتسلم باقي الدية، ولو قدم الغائبان معًا، حلف كل واحد ثلاثة عشر يمينًا، ولو أراد الحاضر أن يؤخر اليمين إلى قدوم الغائب، كان له ذلك، ولم يبطل حقه، بخلاف نظيره في الشفعة، حيث لنا: إنه يبطل حقه على وجه لابن أبي هريرة، والفرق: أن الشفعة إذا تعرضت للأخذ، فالتأخير تقصير مفوت، واليمين في القسامة لا تبطل بالتأخير.
الفرع الثالث: إذا حلف الحاضر الخمسين، ثم مات الغائب، ووارثه الحالف لا غير- لم يستحق نصيبه إلا بعد حلفه ما كان يخصه لو حضر.
الفرع الرابع: إذا كان في الورثة خنثى مشكل، أخذنا بالاحتياط والبناء على

اليقين في الأيمان وفي الميراث جميعًا، فلو خلف القتيل ولدا خنثى لا غير، حلف خمسين يمينًا، لاحتمال أنه ذكر، ولاحتمال كونه أنثى، فإنه لو تحققت أنوثته لم يأخذ شيئًا إلا بعد حلفه خمسين، ويعطي نصف الدية، لاحتمال أنه أنثى، ولا يأخذ الإمام النصف الآخر، بل يوقف إلى أن يبين حال الخنثى: فإن بان ذكرًا سلم له، وإن بان أنثى حلف القاضي المدعى عليه للباقي، فإن نكل، فماذا يفعل معه؟ فيه الخلاف السابق.
ولو كان مع الولد الخنثى عصبة للقتيل: كالعم، والأخ، وابنهما- فالحكم في حق الخنثى ما تقدم، [والعصبة مخير بين أن يحلف خمسة وعشرين يمينًا، وبين ألا يحلف، فإن حلف انتزع القاضي النصف الآخر، ووقفه بين هو بين الخنثى، فإذا تبين المستحق منهما دفعه له باليمين السابقة.
[وأبدى الإمام تخريج] وجه: [أن] العصبة لا يحلف، لأنا لم نعلم له استحقاقًا، فلا تصح دعواه، ولو حلف لم يقع الاعتداد بأيمانه، وقال: إنه منقاس مطرد في كل من لا نعلم له استحقاقًا.
وعلى المشهور: إذا لم يحلف، كان له ذلك، ثم إن ظهر أنه المستحق، حلف إذ ذاك خمسة وعشرين [يمينًا وتسلم] النصف الآخر.
ولو خلف ولدين خنثيين، حلف كل واحد أربعة وثلاثين يمينًا، لاحتمال أنه ذكر، والآخر أنثى، ولا يأخذ إلا ثلث الدية، لاحتمال أنه أنثى، والآخر ذكر، أو أنهما أنثيان.
ولو خلف ابنًا، وولدًا خنثى، فيحلف الابن أربعة وثلاثين يمينًا، لاحتمال أن الخنثى أنثى ولا يعطى إلا نصف الدية، ويحلف الخنثى خمسة وعشرين يمينًا، الخنثى أنثى ولا يعطي إلا نصف الدية، ويحلف الخنثى خمسة وعشرين يمينًأ، لاحتمال أنه ذكر، ولا يعطى إلا ثلث الدية، لاحتمال أنه أنثى، ويوقف السدس بينهما، وعلى هذا فقس، [والله أعلم].
ولو خلف جدًا، وأخًا لأب وأم، وأخًا للأب- فأخ الأب يعاد به الأخ للأب والأم- الجد، ولا يرث، فيحلف الجد عشرين يمينًا، والأخ للأبوين ثلاثين

[يمينًا].
ولو كان الورثة جدًا، وأختًا من الأبوين، وأخًا من أب- فتحلف الأخت خمسة وعشرين يمينًا، لأن لها نصف الدية، ويحلف الجد عشرين يمينًا، لأن لو خمسا الدية، ويحلف الأخ خمسة أيمان، لأن له عشر الدية.
فرع: إذا مات أحد الورثة المدعين للدم، قام وارثه مقامه في الأيمان، فإن تعددوا عاد القولان: فإن قلنا: يحلف كل واحد من الورثة خمسين يمينًا، فكذلك ورثة الورثة.
وإن قلنا بالتوزيع، وزعت حصة ذلك الوارث على ورثته، فلو كان للقتيل ابنا، ومات أحدهما قبل أن يحلف [عن ابنين، حلف كل واحد منهما ثلاثة عشر يمينًا، فإن مات أخوه قبل أن يحلف]، ولم يحلف إلا هذا الحالف- حلف أيضًا ثلاثة عشر يمينًا، ولا يقال: يكمل خمسة وعشرين، لأنه يحلف عن مورثه.
ولو نكل أحد ولدي ابن القتيل، حلف أخوه سبعة أخرى، وعمه ثمانية، وعلى هذا فقس.
قال: فإن نكل المدعي عن اليمين، ردت اليمين على المدعى عليه، فيحلف خمسين يمينًا، لقضاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذلك في قصة اليهود التي تقدمت.
ولأنا إذا غلظنا اليمين في جنبة المدعي بالعدد، احتياطًا لدم المدعى عليه- وجب أن نغلظ في جنبة المدعى عليه، صيانة لدم مورث المدعي، وهذا ما حكاه العراقيون والماوردي.
وحكى القاضي الحسين والإمام قولًا آخر: أنه يكفيه يمين واحدة، وبذلك يحصل في المسألة طريقان.

وقال القاضي [الحسين] في باب دعوى الدم: إن المدعي إذا نكل عن اليمين في صورة اللوث، لم يكن للمدعى عليه أن يحلف إلا بعد استئناف الدعوى، فإذا استؤنفت بدأنا بيمين المدعى عليه.
قال: وإن كانوا- أي: المدعى عليهم- جماعة، ففيه قولان: أحدهما: يحلف كل واحد [منهم] خمسين يمينًا، لأن يمين كل واحد لإثبات براءة ذمته، فلا تثبت براءة ذمته بيمين غيره، وهذا ما اختاره في ((المرشد))، وصححه المارودي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وغيرهم وقالوا: الفرق بين هذا وبين ما لو كان المدعي جماعة، وحلفناهم، حيث قلنا: الصحيح أنها تقسم-: أن كل واحد من المدعى عليهم كالمنفرد في إيجاب القود وإلزام الكفارة، فكان كالمنفرد في عدد الأيمان، والواحد من المدعين لا يساوي المنفرد فيما يثبته، لأن الواحد يثبت كل الدية، وكل واحد عند الاجتماع يثبت بعضها، فحلف بحسب [ما] يثبته.
والثاني: تقسم [عليهم] الخمسون على عدد رءوسهم، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يذكر في حق اليهود أكثر من خمسين يمينًا، وإنا وزعت على العدد، لأنه لا مرد غيره، بخلاف المسألة السابقة، فإن الإرث فيها مرد.
ولأن كل واحد من المدعى عليهم يدفع عن [نفسه] القود والكفارة، فتساووا في الأيمان، وكل واحد من المدعين يثبت بيمينه حقا له، فوزعت الأيمان على قدر حقوقهم، وقد صحح البغوي قول التوزيع هنا كما صححه ثم.
وعلى هذا: فلو كانت الدعوى على اثنين: أحدهما حاضر، والآخر غائب- حلف الحاضر خمسين [يمينًا]، ثم إذا حضر الغائب حلف خمسة وعشرين.
وكذا لو كان حاضرين، فنكل أحدهما، يحلف الآخر خمسين يمينًا، لأن البراءة عن الدم لا تحصل بما دونها.
وهذا كله تفريع على الطريقة الصحيحة، وهي الجزم بتعدد اليمين على المدعى عليه إذا كان منفردًا.
أما إذا قلنا بطريقة القولين في المنفرد، جرى قول الاكتفاء بيمين واحدة

[من كل واحد] ها هنا أيضًا.
فرع: إذا ردت الأيمان على المدعى عليه، فإن حلف، لم يلزمه قود ولا دية.
وإن نكل عن اليمين، ففي ((الحاوي)): أنه يرغم الدية، ولا يحبس.
وهكذا إذا كانت الدعوى على جماعة ونكلوا.
وكلام القاضي أبي الطيب وابن الصياغ في باب اليمين مع الشاهد- مصرح بأنه لا يقضي على المدعى عليه والحالة هذه بمجرد نكوله، وكلام القاضي الحسين والإمام وغيرهما يقضتيه- أيضًا- لأنهم قالوا: إذا نكل المدعى عليه عن اليمين، فهل ترد [على المدعي؟] على قولين أطلق الأصحاب حكايتهما.
قلت: ومنهم الشيخ أبو حامد، كما حكيته في باب صفة القضاء: أحدهما: لا، لأنه نكل عن اليمين في هذه الخصومة، ولو رددنا عليه لكانت صيغة يمين الرد كصيغة أيمان القسامة، والخصومة متحدة، والمقصود واحد.
والقول الآخر: أنها ترد، فإنه نكل عن اليمين في مقام، وهذا مقام آخر، فصار تعدد المقام كتعدد الخصومة، وهذا ما صححه الرافعي والبندنيجي.
وقال الشيخ أبو محمد: إن هذين القولين مبنيان على أن يمين الرد هل تتعدد؟ فإن قلنا: لا، فاليمين مردودة على المدعي، فإن نكوله عن أيمان القسامة محمول على رغبته عن كثرة الأيمان، وطلبه الاقتصار على يمين واحدة.
وإن قلنا: تتعدد يمين الرد كما تتعدد أيمان القسامة، فلا ترد اليمين عليه، لما ذكرناه من اتحاد المطلوب والخصومة.
وقال آخرون: إن [قلنا]: يمين الرد تتعدد، فالقولان جاريان، وإن قلنا: يمين الرد تتحد، فترد.
وقال قائلون: إن قلنا: يمين الرد تتعدد، فلا رد قولًا واحدًا، وإن قلنا: تتحدد، ففي الرد قولان: أحدهما: ترد، لغرض الاتحاد.
والثاني: لا، فإن تكرر الأيمان على الصدق لا يضر، وإن فرض كذب، فاليمين الواحدة في معنى الأيمان.

وقد خص البندنيجي وابن الصباغ والبغوي والمتولي هذه القلولين في الرد بما إذا كانت الدعوى في قتل الخطأ، أو شبه العمد، أو في قتل العمد، وقلنا: إن القود يثبت بيمين القسامة، أما إذا قلنا: لا يثبت، فترد اليمين على المدعي بلا خلاف، لأنه يستفيد بها [ما لا يستفيد] بأيمان القسامة، وهو الاقتصاص.
فإن قلت: هذا منهم رجوع إلى طريق الشيخ أبي محمد في بناء القولين على تعدد يمين الرد واتحادها، نظرًا إلى حصول فائدة من هذه اليمين- لم تكن حاصلة من اليمين الأولى، وقضيته: الجزم بأن المدعي قتل العمد لو أقام شاهدًا واحدًا، وامتنع من الحلف حيث يثبت له المال بيمينه- كما سنذكره- وطلب يمين المدعى عليه، فنكل- أن يرد على المدعي، لأنه لم يكن يستفيد باليمين الأولى القصاص، وبهذه يستفيده، وحينئذ ففي الجزم عند ظهور الفائدة نظر، لأنه إنما جاء من جهة أن اختلاف الثمرة يدل على اختلاف اليمينين، فلم تكن المردودة هي التي وقع [النكول عنها]، وإذا كان كذلك لزم] الجزم بالرد وإن لم تظهر فائدة فيه، لأن حقيقة يمين الرد لا تختلف، سواء ظهرت فائدة في بعض الصور، أو لم تظهر.
نعم، هذا يحسن أن يعلل به الصحيح من القولين، والآخر يعلل بأن الواقعة واحدة، بدليل أنه [لا] يحتاج إلى استئناف دعوى، وكذلك حكى الأصحاب القولين كما حكيتهما في باب صفة القضاء فيما إذا أقام المدعي شاهدًا بالمال، وامتنع من الحلف، ونكل المدعى عليه عن اليمين التي ردها عليه المدعي، فهل يحلف المدعي؟ فجرى القولان وإن لم تظهر فائدة.
وكذلك حكوا القولين فيما إذا كانت الدعوى في دم، ولا لوث، فعرضت اليمين على المدعى [عليه، فنكل، فعرضت اليمين على المدعي] فنكل، ثم ظهر لوث، ورام المدعي أن يحلف- فهل يمكن منه؟ وقضية ما قالوه الجزم بعدم التحليف، لعدم ظهور الفائدة.
قلت: ما ذكرته من كون هذا رجوعًا إلى طريق الشيخ أبي محمد لا يأباه كلامهم، ولو صح لكان اللازم [عليه] صحيحًا، لكن كلام الشافعي يأباه، ويأبى

ما ذكرته من الالتزام- أيضًا- لأن القاضي أب الطيب قال: إذا نكل المدعي عن القسامة، والمدعى عليه عن اليمين أيضًا، فهل ترد على المدعي؟ قال الشافعي: إن كان في ردها إليه فائدة، ردت، وإن لم يكن في ردها فائدة، فهل ترد أم لا؟ فيه قولان.
وإذا ظهر لك [ذلك]، علمت أن هذه الطريقة راجعة للطريقة الذاهبة إلى أن محل القولين إذا قلنا: إن يمين الرد تتعدد، أما إذا قلنا: تتحد، فترد، والله أعلم.
وهذا كله ساقنا إليه ما أورده المارودي من ثبوت الدية عند امتناع المدعى عليه من الحلف، والذي يظهر صحته: عدم الثبوت، كما اقتضاء [كلام] غيره، لأن اللوث اقتضى ترجيح جانب المدعي، كما اقتضى إقامة المدعي شاهدًا بالمال ترجيح جانبه حتى جعلت اليمين في جنبته، وقد تقدم أنه لو أقام شاهدًا، وامتنع من الحلف، [وطلب يمين المدعى عليه، فامتنع من الحلف]- لا يثبت عليه المال [المدعي]، فكذلك ها هنا.
نعم، حكينا ثم عن الشيخ أبي حامد: أن المدعى عليه إذا امتنع من اليمين، وقد أقام المدعي شاهدًا، ونكل عن الحلف، وقلنا: لا ترد على المدعي- أنه يحبس المنكر حتى يحلف، أو يعترف، لأنه قد تعين عليه، فلا يكون له إسقاطه، ومقتضى هذا التعليل: أن نقول بمثل هذا هنا.
قال: وإن لم يكن لوث، حلف المدعى عليه، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه))، وقصة الأنصار لا تعارض هذا، لأنها مفروضة مع اللوث، فخرجت من عموم هذا الخبر، وأجري فيما عداها [على عمومه]، لأن الأصل براءة الذمة.
قال: يمينًا واحدة في أحد القولين، للخبر السابق، فإنه أدخل الألف واللام في اليمين، وإدخال الألف واللام يقتضي الجنس، والجنس إذا كان غير محصور اقتضى ما يقع عليه الاسم، وهو إذا حلف يمينًا واحدة فقد أتى بما يقع عليه الاسم.
ولأنها يمين من جانب المدعى عليه شرعت لقطع الخصومة، وإسقاط الدعوى، فوجب أن تكون واحدة كما في سائر الدعاوى.

قال: وخمسين يمينًا في الآخر، لأنها يمين مسموعة في دعوى القتل، لعدم البينة، [فوجب أن تغلظ بزيادة العدد، كما إذا كان هناك لوث.
واحترزنا بقولنا: ((لعدم البينة)) عما] إذا أقام شاهدًا واحدًا في قتل الخطأ، فإنه يحلف يمينًا واحدة، ويستحق الدية، هكذا قال أبو الطيب، وهو يقتضي اتحاد اليمين عند إقامة الشاهد جزمًا، وهو ما أورده غيره [من العراقيين].
وحكى المراوزة القولين في التعدد فيها أيضًا.
ولأن العدد معتبر عند اللوث، ولا يجوز أن يكون لأجله، فإن اللوث إنما يحصل البداءة باليمين دون التغليظ بالعدد، دليله: أن المدعى عليه يحلف الخمسين عند نكول المدعي، وليس هنا بداية باليمين، فدل على أن التغليظ بالعدد إنما شرع لحرمة الدم، وهو موجود، وهذا ما نص عليه هنا، وصححه أبو الطيب وغيره، وفي ((جمع الجوامع)) طريقة قاطعة به، وعليه فروع: أحدها: لو كان المدعى عليه جماعة، فقولان: أحدهما: يحلف كل واحد خمسين يمينًا.
والثاني: يقسم الخمسون على عدد الرءوس، فإذا حلفوا برئوا، وإن نكلوا رددنا اليمين على المدعي، وكم يحلف؟ فيه قولان: أحدهما: يمينًا واحدة.
والثاني: خمسين يمينًا.
فلو كان المدعون جماعة، حلف كل واحد منهم يمينًا واحدة على القول الأول، وعلى الثاني قولان: أحدهما: خمسين يمينًا.
والثاني: يقسط الخمسون على قدر مواريثهم، ويجبر الكسر، كما تقدم.
وإذا حلف الواحد أو الجميع، استحقوا القصاص إن كانت الدعوى في قتل عمد قولًا واحدًا، لأن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة، وكل منهما يجب به القود.
ولو كان الدعوى في قتل خطأ أو شبه عمد، فهل تجب الدية على العاقلة، أو في مال الجاني؟ فيه قولان ينبنيان على أن يمين الرد مع النكول كالبنية أو

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل