(كِتَابُ الحُدُودِ)
جمعُ حدٍّ، وهو لغةً: المَنْعُ، وحدودُ اللهِ محارِمُه.
واصطلاحاً: عُقوبةٌ مُقدَّرةٌ شرعاً في مَعصيةٍ لتَمْنَعَ مِن الوقوعِ في مثلِها.
(لَا يَجِبُ الحَدُّ إِلَّا عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ)؛ لحديثِ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ 1» 2،
(مُلْتَزِمٍ) أحكامَ المسلمين؛ مُسلماً كان أو ذِمَّيًّا،
الجزء: 3 - الصفحة: 377
بخلافِ الحربيِّ والمستأمَنِ، (عَالِمٍ بالتَّحْرِيمِ)؛ لقولِ عمرَ، وعثمانَ 3،
الجزء: 3 - الصفحة: 378
وعليٍّ: «لا حَدَّ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ» 4. (فَيُقِيمُهُ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) مُطلقاً، سواءٌ كان الحدُّ للهِ؛ كحدِّ الزِّنا 5، أو لآدميٍّ؛ كحدِّ القذفِ؛ لأنَّه يَفتَقِرُ إلى اجتهادٍ، ولا يُؤمَنُ
الجزء: 3 - الصفحة: 379
مِن استيفائِه الحيفُ، فوَجَبَ تفويضُه إلى نائبِ اللهِ تعالى في خَلْقِه.
ويُقيمُهُ (فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ)، وتحرُمُ 6 فيه؛ لحديثِ حكيمِ بنِ حزامٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُسْتَقَادَ بِالمَسْجِدِ 7، وَأَنْ تُنْشَدَ 8 الأَشْعَارُ، وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الحُدُودُ» 9.
الجزء: 3 - الصفحة: 380
وتحرُمُ شفاعةٌ وقبولُها في حدٍّ للهِ تعالى بعدَ أن يَبلُغَ الإمامَ.
ولسيِّدٍ مكلَّفٍ عالمٍ به وبشروطِهِ إقامتُه بجَلْدٍ، وإقامةُ تعزيرٍ على رقيقٍ كلِّه له.
(وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الحَدِّ قَائِماً)؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى إعطاءِ كلِّ عُضْوٍ حظَّه 10 مِن الضَّرْبِ، (بِسَوْطٍ) وسَطٍ (لَا جَدِيدٍ وَلا خَلَقٍ) -بفتحِ الخاءِ 11 -؛ لأنَّ الجديدَ يجرحُهُ، والخَلَقَ لا يُؤلِمُهُ.
(وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجَرَّدُ) المحدودُ مِن ثيابِهِ عندَ جلْدِه؛
الجزء: 3 - الصفحة: 381
لقولِ ابنِ مسعودٍ: «لَيْسَ فِي دِينِنَا مَدٌّ، وَلَا قَيْدٌ، وَلَا تَجْرِيدٌ» 12، (بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ قَمِيصَانِ)، وإن كان عليه فَروٌ أو جُبةٌ محشُوَّةٌ نُزِعَت.
(وَلَا يُبَالَغُ بِضَرْبِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الجِلْدَ)؛ لأنَّ المقصودَ تأديبُه لا إهلاكُه، ولا يَرفَعُ ضاربٌ يدَهُ بحيثُ يَبدو إبطُهُ.
(وَ) سُنَّ أن (يُفَرَّقَ الضَّرْبُ عَلَى بَدَنِهِ)؛ ليأخُذَ كلُّ عضوٍ منه حظَّه، ولأنَّ تواليَ الضربِ على عُضوٍ واحدٍ يُؤدِّي إلى القتلِ.
وُيكثِرُ منه في مواضِعِ اللَّحمِ؛ كالأَلْيتين، والفخذَيْنِ، ويُضرَبُ مِن جالِسٍ ظهرُه وما قاربَهُ.
(وَيُتَّقَى) وُجوباً (الرَّأْسُ، وَالوَجْهُ، وَالفَرْجُ، وَالمَقَاتِلُ)؛ كالفؤادِ، والخُصْيَتَيْنِ؛ لأنَّه ربَّما أدَّى ضَرْبُه على شيءٍ مِن هذه إلى قَتْلِه أو ذهابِ مَنفعةٍ.
(وَالمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِيهِ)، أي 13: فيما ذُكِر، (إِلَّا أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً)؛ لقولِ عليٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ: «تُضْرَبُ المَرْأَةُ جَالِسَةً، وَالرَّجُلُ
الجزء: 3 - الصفحة: 382
قَائِماً» 14، (وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ)؛ لأنَّ المرأةَ عورةٌ، وفِعْلُ ذلك بها أسْتَرُ لها.
وتُعتبَرُ لإقامَتِه نيَّةٌ، لا موالاةٌ.
(وَأَشَدُّ الجَلْدِ) في الحدودِ (جَلْدُ الزِّنَا، ثُمَّ) جَلْدُ (القَذْفِ، ثُمَّ) جَلْدُ (الشُّرْبِ، ثُمَّ) جَلْدُ (التَّعْزِيرِ)؛ لأنَّ اللهَ تعالى خَصَّ الزِّنا بمزيدِ تأكيدٍ بقولِه: (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) النور: 2]، وما دونَه أخفُّ منه في العَدَدِ، فلا يجوزُ أن يَزيدَ عليه في الصِّفةِ.
ولا يُؤخَّرُ حَدٌّ لمرضٍ ولو رُجِيَ زوالُهُ، ولا لِحَرٍّ أو بردٍ ونحوِهِ، فإن خِيفَ مِن السَّوطِ لم يَتعَيَّنْ، فيُقامُ بطَرَفِ ثوبٍ ونحوِه.
ويُؤخَّرُ لسُكْرٍ حتى يَصحُوَ.
(وَمَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ فَالحَقُّ قَتَلَهُ)، ولا شيءَ على مَن حدَّهُ؛ لأنَّه أتى به على الوجهِ المشروعِ بأمرِ الله تعالى وأمْرِ رسولِه عليه السلامُ.
ومَن زاد ولو جلدةً، أو في السَّوطِ، أو بسوطِ لا يَحتَمِلُهُ فتَلِفَ المحدودُ؛ ضَمِنَه بِدِيَتِه.
(وَلَا يُحْفَرُ لِلمَرْجُومِ فِي الزِّنَا)، رَجلاً كان أو امرأةً؛ «لأَنَّ النَّبِيَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 383
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْفُرْ للجُهَنِيَّةِ» 15، «وَلَا لليَهُودِيَّيْنِ» 16، لكن تُشَدُّ على المرأةِ ثيابُها لئلا تَنكشِفَ.
ويجبُ في إقامةِ حَدِّ الزِّنا حضورُ إمامٍ أو نائبِهِ، وطائفةٍ مِن المؤمنين ولو واحداً.
وسُنُّ حضورُ مَن شَهِد، وبداءتُهُم برجْمٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 384