(الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الوُجُوهِ)، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّهما يَعاملان فيها بوجهِهِما، أي: جاهِهِما، والجاهُ والوجهُ 1 واحدٌ.
وهي: أن يَشتركَا على (أَنْ يَشْتَرِيَا فِي ذِمَّتَيْهِمَا) مِن غيرِ أن يكونَ لهما مالٌ (بِجَاهِهِمَا، فَمَا رَبِحَاهُ فَـ) هو (بَيْنَهُمَا) على ما شَرَطاه، سواءٌ عَيَّنَ أحدُهُما لصاحبِه ما يَشتريه، أو جِنسَه، أو وَقتَه، أوْ لَا، فلو قال: ما اشترَيْتَ مِن شيءٍ فبيننا؛ صحَّ.
(وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ، وَكَفِيلٌ عَنْهُ بِالثَّمَنِ)؛ لأنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 371
مَبناها على الوكالةِ والكفالةِ.
(وَالمِلْكُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» 2.
(وَالوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا)؛ كشركةِ العِنانِ؛ لأنَّها في مَعناها.
(وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَا)؛ كالعنانِ، وهما في تصرُّفٍ كشريكَيْ عنانٍ.
(الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الأَبْدَانِ)، وهي: (أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا)، أي: يَشترِكانِ في كَسبِهِما مِن صنائِعِهِما، فما رَزَق اللهُ فهو بَينهما، (فَمَا تَقبَّلَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ عَمَلٍ يَلْزَمُهُمَا فِعْلُهُ)، ويُطالَبانِ به؛ لأنَّ شركةَ الأبدانِ لا تَنعقِدُ إلا على ذلك.
وتصحُّ مع اختلافِ الصنائِعِ؛ كقصَّارٍ مع خياطٍ.
ولكلِّ واحدٍ منهما طَلَبُ الأجرةِ، وللمستأجِرِ دَفْعُها إلى أحدِهِما.
ومَن تَلِفت بيدِه بغيرِ تفريطٍ؛ لم يَضمَنْ.
(وَتَصِحُّ) شركةُ الأبدانِ (فِي الاحْتِشَاشِ، وَالاحْتِطَابِ، وَسَائِرِ
الجزء: 2 - الصفحة: 372
المُبَاحَاتِ)؛ كالثِّمارِ المأخوذةِ مِن الجبالِ، والمعادِنِ، والتلصُّصِ على دارِ الحربِ؛ لما روى أبو داودَ بإسنادِه عن عبدِ اللهِ قال: «اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ أَجِئ أَنَا وَعَمِّارٌ بِشَيْءٍ، وَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ» 3، قال أحمدُ: (أَشْرَكَ بَينهم النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) 4.
(وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَالكَسْبُ) الذي عَمِلَه أحدُهُما (بَيْنَهُمَا)، احتجَّ الإمامُ بحديثِ سعدٍ 5، وكذا لو تَرَك العملَ لغيرِ عذرٍ.
(وَإِنْ طَالَبَهُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقِيمَ مُقَامَهُ 6؛ لَزِمَه)؛ لأنَّهما دَخَلا
الجزء: 2 - الصفحة: 373
على أن يَعملا، فإذا تعذَّر عليه العملُ بنفسِه لزِمَه أن يُقيمَ مَقامَه؛ توفيةً للعقد بِما يَقتضيه، وللآخَرِ الفسخُ.
وإن اشتركَا على أن يَحمِلا على دابَّتَيْهِما والأجرةُ بينهما؛ صحَّ.
وإن آجَراهُما بأعيانِهِما؛ فلكلٍّ أُجرةُ دابَّتِه.
ويصحَّ دفعُ دابةٍ ونحوِها لمن يَعمَلُ عليها، وما رَزَقه اللهُ بينهما على ما شَرَطاه.
(الخَامِسُ: شَرِكَةُ المُفَاوَضَةِ)، وهي: (أَنْ يُفَوِّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ كُلَّ تَصَرُّفٍ مَاليٍّ وَبَدَنِيٍّ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ)، بَيعاً، وشِراءً، ومُضاربةً، وتَوكيلاً، وابتِيَاعاً في الذمَّةِ، ومُسافرةً بالمالِ، وارتهاناً، وضَمانَ ما يَرى مِن الأعمالِ، أو يَشتركَا في كلِّ ما يَثبُتُ لهما وعليهما؛ فتصحَّ، (وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَالوَضِيعَةُ بِقَدْرِ المَالِ)؛ لما سَبَق في العنانِ.
(فَإِنْ أَدْخَلَا فِيهَا 7 كَسْباً، أَوْ غَرَامَةً نَادِرَيْنِ)؛ كوِجْدانِ 8 لقطةٍ، أو رِكازٍ، أو مِيراثٍ، أو أرشِ جِنايةٍ، (أَوْ مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ فَسَدَتْ)؛ لكثرةِ الغررِ فيها، ولأنَّها تَضمَّنت كفالةً وغيرَها مما لا يَقتضِيه العقدُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 374