(بَابُ مَسْحِ الخُفَّيْنِ) وغيرِهما مِن الحوائلِ.
وهو رخصةٌ، وأفضلُ مِن غَسْلٍ، ويَرفعُ الحدثَ، ولا يُسنُّ أن يَلبِسَ ليَمسحَ.
(يَجُوزُ يَوْماً وَلَيْلَةً) لمقيمٍ ومسافرٍ لا يُباحُ له القصرُ.
(وَلِمُسافِرٍ) سفراً يبيحُ القصرُ: (ثَلَاثَةَ) أيامَ (بِلَيَالِيهَا)؛ لحديثِ عليٍّ يرفعُه: «لِلمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، وَلِلمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» رواه مسلمٌ 1.
ويخلَعُ عندَ انقضاءِ المدةِ، فإن خاف، أو تضرَّر رفيقُه بانتظارِه؛ تيمَّم، فإنْ مَسَح وصلَّى؛ أعاد.
(وَ) ابتداءُ المدةِ (مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ).
(عَلَى طَاهِرِ) العَيْن، فلا يَمسحُ على نجِسٍ ولو في ضرورةٍ، ويتيمَّمُ معها لمستورٍ.
(مُبَاحٍ)، فلا يجوزُ المسحُ على مغْصوبٍ، ولا على حريرٍ لرجلٍ؛ لأن لُبسَه معصيةٌ، فلا تُستباحُ به الرخصةُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 128
(سَاتِرٍ لِلمَفْرُوضِ)، ولو بِشَدِّه أو شَرْجِهِ؛ كالزُّرْبولِ 2 الذي له ساقٌ وعُرىً يدخُلُ بعضُها في بعضٍ، فلا يمسحُ ما لا يَسترُ محلَّ الفرضِ لقِصَرِه، أو سَعَتِه، أو صَفائِه، أو خَرْقٍ فيه وإن صَغُر، حتى موضعِ الخَرزِ، فإن انضمَّ ولم يَبْدُ منه شيءٌ؛ جاز المسحُ عليه.
(يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ)، فإن لم يثْبُتْ إلا بشدِّه؛ لم يجُزْ المسحُ عليه، وإن ثَبَت بنعلَيْن مَسَح إلى خَلْعِهما ما دامت مُدَّتُه، ولا يجوزُ المسحُ على ما يَسقطُ.
(مِنْ خُفٍّ)، بيانٌ لـ (طَاهِرٍ)، أي: يجوزُ المسحُ على خفٍ يُمْكِنُ متابعةُ المشي فيه عُرفاً، قال الإمامُ أحمدُ: (ليس في قلبي مِن المسحِ شيءٌ، فيه أربعون حديثاً عن رسولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) 3، (وَجَوْرَبٍ صَفِيقٍ)، وهو ما يُلبسُ في الرِّجْلِ على هيئةِ الخفِّ مِن غيرِ الجلدِ؛ لـ «أَنَّهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» رواه أحمدُ وغيرُه، وصحَّحه الترمذي 4،
(وَنَحْوِهِمَا)، أي: نحوِ الخفِّ والجَوْرَبِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 129
كالجُرْمُوقِ، ويسمى: المُوقُ، وهو خفٌّ قصيرٌ، فيصحُّ المسْحُ عليه؛ لفعلِه عَلَيْهِ السَّلَامُ، رواه أحمدُ وغيرُه 5. (وَ) يصحُّ المسحُ أيضاً (عَلَى عِمَامَةٍ)، مباحةٍ، (لَرَجُلٍ) لا امرأةٍ؛ لأنَّه «صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ وَالعِمَامَةِ»، قال الترمذي: (حسنٌ صحيحٌ) 6، هذا إذا كانت (مُحَنَّكَةً)، وهي التي يُدارُ منها تحتَ
الجزء: 1 - الصفحة: 130
الحَنَكِ كَوْرٌ -بفتحِ الكافِ- فأكثرَ، (أَوْ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ) -بضمِّ المُعْجَمةِ 7، وبعدَها هَمْزةٌ مفتوحةٌ- وهي طرَفُ العمامةِ المُرْخَى، فلا يصحُّ المسحُ على العمامةِ الصَّمَّاءِ.
ويُشترطُ أيضاً: أن تكونَ ساتِرةً لما لم تَجْرِ العادةُ بكَشْفِه؛ كمُقدَّم الرَّأسِ، والأذنين، وجوانبِ الرأسِ، فيُعفى عنه لمشقةِ التحرُّزِ منه، بخلافِ الخفِّ، ويُستحبُ مسحُه معها.
(وَعَلَى خُمُرِ 8 نِسَاءٍ مُدَارَةٍ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ)؛ لمشقةِ نزعِها كالعمامةِ، بخلافِ وقايةِ الرأسِ.
وإنما يَمسحُ جميعَ ما تقدَّم (فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ)، لا في حدثٍ أكبرَ، بل يَغسلُ ما تحتَها.
(وَ) يمسحُ على (جَبِيرَةٍ) مشدودةٍ على كسرٍ أو جُرْحٍ ونحوِهما (لَمْ تَتَجَاوزْ قَدْرَ الحَاجَةِ)، وهو موضِعُ الجُرحِ أو الكسرِ، وما قَرُبَ منه؛ بحيثُ يحتاجُ إليه في شَدِّها، فإنْ تعدَّى شدُّها محلَّ الحاجةِ؛ نَزَعها، فإن خَشِي تلفاً أو ضرراً؛ تيمم لزائدٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 131
ودواءٌ على البدنِ تضرَّر بقلعِه؛ كجبيرةٍ في المسحِ عليه.
(وَلَوْ فِي) حدثٍ (أَكْبَرَ)؛ لحديثِ صاحبِ الشجَّةِ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْضِدَ - أَوْ يَعْصِبَ- عَلَى جرْحِهِ خِرْقَةً، ويَمْسَحَ عَلَيْها، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» رواه أبو داودَ 9.
والمسحُ عليها عزيمةٌ.
(إِلى حَلِّهَا)، أي: يمسحُ على الجبيرةِ إلى حَلِّها، أو بُرْءِ ما تحتَها، وليس مُؤَقتاً كالمسحِ على الخفين ونحوِهما؛ لأنَّ مَسْحَها للضرورةِ، فيتَقدَّرُ بقَدْرِها.
(إِذَا لَبِسَ ذَلِكَ)، أي: ما تقدَّم مِن الخُفين ونحوِهما، والعمامةِ، والخمارِ، والجبيرةِ (بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ) بالماءِ، ولو مَسَح فيها على حائلٍ، أو تيمَّم لجُرحٍ، فلو غَسَل رِجْلاً ثم أدخلها
الجزء: 1 - الصفحة: 132
الخفَّ؛ خَلَع ثم لَبِس بعد غَسْلِ الأخرى.
ولو نوى جُنُبٌ رفْعَ حدثيه، وغَسَل رِجليه وأدخلهما الخفَّ، ثم تَمَّمَ طهارتَه، أو مَسَح رأسَه ثم لبِس العمامةَ ثم غَسَل رجليه، أو تيمَّم ولبِسَ الخفَّ أو غيرَه؛ لم يَمسح ولو جبيرةً، فإنْ خاف نَزْعها 10 تيمَّم.
ويمسحُ مَن به سَلَسُ بولٍ أو نحوِه إذا لبس بعدَ الطهارةِ؛ لأنَّها كاملةٌ في حقِّه، فإن زَال عُذْرُه لزِمه الخلعُ واستئنافُ الطهارةِ؛ كالمتيممِ يجدُ الماءَ.
(وَمَنْ مَسَحَ فِي سَفَرٍ ثُمَّ أقَامَ)؛ أتمَّ مَسْحَ مقيمٍ إن بقيَ منه شيءٌ، وإلا خَلَع، (أَوْ عَكَسَ)، أي: مَسَح مقيماً ثم سافر؛ لم يَزِد على مسحِ مقيمٍ؛ تغليباً لجانبِ الحضرِ.
(أَوْ شَكَّ في ابْتِدَائِهِ)، أي: ابتداءِ المسحِ، هل كان حضراً أو سفراً؛ (فَمَسْحَ مُقِيْمٍ)، أي: فيمسحُ تتمَّةَ يومٍ وليلةٍ فقط؛ لأنَّه المتيقَّنُ.
(وَإِنْ أَحْدَثَ) في الحضرِ (ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ مَسْحِهِ؛ فَمَسْحَ مُسَافِرٍ)؛ لأنَّه ابتدأَ المسحَ مسافراً.
الجزء: 1 - الصفحة: 133
(ولا يَمْسَحُ قَلَانِسَ)، جمعُ قَلَنْسُوَةٍ 11، وهي المُبَطَّناتُ؛ كدنِّيَّاتِ القضاةِ، والنَّومياتِ 12، قال في مجمعِ البحرين 13: (على هيئةِ ما تَتَّخذُه الصوفيةُ الآن).
(وَ) لا يَمسحُ (لِفَافَةً)، وهي الخِرْقةُ تُشدُّ على الرِّجْلِ، تحتَها نعلٌ أوْ لا، ولو مع مشقةٍ؛ لعدمِ ثبوتِها بنفسِها.
(وَلَا) يمسحُ (مَا يَسْقُطُ مِنَ القَدَمِ، أَوْ) خُفًّا (يُرَى مِنْهُ بَعْضُهُ)، أي: بعضُ القدمِ، أو شيءٌ مِن مَحَلِّ الفرضِ؛ لأنَّ ما ظَهَر فرضُه الغَسْلُ، ولا يُجَامع المسْحَ.
(فَإِنْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى خُفٍّ قَبْلَ الحَدَثِ)، ولو مع خَرْقِ أحدِ الخفين؛ (فَالحُكْمُ لِـ) ـلخُفِّ ا (لفَوْقَانِيِّ)؛ لأنَّه ساترٌ فأشبه المُنفردَ، وكذا لو لَبِسه على لِفافةٍ، وإن كانا مُخرَّقيْن؛ لم يَجُز المسحُ ولو سَتَرا.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
وإنْ أدخَل يدَه مِن تحتِ الفَوْقاني ومَسَح الذي تحتَه؛ جاز.
وإن أحْدَث ثم لبِسَ الفَوْقاني قبلَ مسْحِ التحتاني أو بعدَه؛ لم يَمسحُ الفَوْقاني بل ما تحتَه، ولو نَزَع الفوقاني بعدَ مسحِه؛ لزِم 14 نزْعُ ما تحتَه.
(وَيَمْسَحُ) وجوباً (أَكْثَرَ العِمَامَةِ)، ويَختصُّ ذلك بدوائرِها.
(وَ) يمسحُ أكثرَ (ظَاهِرِ قَدَمِ الخُفِّ) والجُرموقِ والجَوْربِ.
وسُنَّ أن يَمسحَ بأصابعِ يدِه (مِنْ أَصابِعِهِ)، أي: أصابعِ رِجليه (إِلى سَاقِهِ)، يمسَحُ رِجلَه اليُمنى بيدِه اليُمنى، ورِجلَه اليُسرى بيدِه اليُسرى، ويُفرِّجُ أصابعَه إذا مَسَح، وكيف مَسَح أجزأه، ويُكره غَسْلُه، وتكرارُ مسْحِه، (دُونَ أَسْفَلِهِ)، أي: أسفلِ الخفِّ، (وَعَقِبِهِ 15، فلا يُسنُّ مسحُهما، ولا يُجزئُ لو اقتَصر عليه.
(وَ) يَمسحُ وجوباً (عَلَى جَمِيعِ الجَبِيْرَةِ)؛ لما تقدَّم مِن حديثِ صاحبِ الشَّجةِ 16.
(وَمَتَى ظَهَرَ بَعْضُ مَحَلِّ الفَرْضِ 17 ممن مَسَح (بَعْدَ الحَدَثِ)
الجزء: 1 - الصفحة: 135
بخَرقِ الخفِّ، أو خروجِ بعضِ القدمِ إلى ساقِ الخفِّ، أو ظَهَر بعضُ رأسٍ وفَحُشَ، أو زالت جبيرةٌ؛ استأنف الطهارةَ.
فإن تطهَّر ولَبِس الخفَّ ولم يُحْدِث؛ لم تَبطلْ طهارتُه بخَلْعِه، ولو كان توضأ تجديداً ومَسَح 18.
(أَوْ تَمَّتْ مُدَّتُهُ)، أي: مدَّةُ المسْحِ؛ (اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ) ولو في صلاةٍ؛ لأنَّ المسْحَ أُقيمَ مقامَ الغَسلِ، فإذا زال، أو انقضت مُدَّتُه؛ بَطَلت الطهارةُ في الممسوحِ، فتبطُلُ في جميعِها؛ لكونِها لا تَتَبَعَّضُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 136