(بَابُ القِسْمَةِ)
مِن قَسَمْتُ الشيءَ: إذا جَعَلتُهُ أقساماً، والقِسمُ - بكسرِ القافِ -: النَّصيبُ.
وهي نوعانِ:
قِسمةُ تَراضٍ، وأشار إليها بقولِه: (لَا 1 تَجُوزُ قِسْمَةُ الأَمْلَاكِ الَّتِي لَا تَنْقَسِمُ إِلَّا بِضَرَرٍ)، ولو على بعضِ الشُّركاءِ، (أَوْ) لا تَنقسِمُ إلا بـ (رَدِّ عِوَضٍ) مِن أحدِهما على الآخرِ؛ (إِلَّا بِرِضَا الشُّرَكَاءِ) كلِّهِم؛ لحديثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رواه أحمدُ وغيرُه 2، وذلك (كَالدُّورِ الصِّغَارِ، وَالحَمَّامِ وَالطَّاحُونِ الصَّغِيرَيْنِ)، والشجرِ المُفرَدِ، (وَالأَرْضِ الَّتِي 3 لَا تَتَعَدَّلُ بِأَجْزَاءٍ وَلَا قِيمَةٍ لِبِنَاءٍ 4، أَوْ بِئْرٍ)، أو معدنٍ، (فِي بَعْضِهَا)، أي: بعضِ الأرضِ؛ (فَهَذِهِ القِسْمَةُ فِي حُكْمِ البَيْعِ)، تجوزُ بتَراضِيهِما، ويجوزُ فيها ما يجوزُ في البيعِ خاصَّةً، و (لَا يُجْبَرُ مَنِ امْتَنَعَ) منهما (مِنْ قِسْمَتِهَا)؛ لأنَّها معاوضةٌ، ولما فيها مِن الضررِ.
ومَن دَعا شريكَه فيها إلى بيعٍ؛ أُجبِرَ، فإن أبَى باعَه الحاكمُ
الجزء: 3 - الصفحة: 493
عليهما وقَسَّمَ الثمنَ بينهما على قَدرِ حِصَصِهما؛ وكذا لو طَلَب الإجارةَ ولو في وقفٍ.
والضررُ المانعُ مِن قِسمَةِ الإجْبارِ نَقصُ القيمةِ بالقسمةِ.
ومَن بينهُما دارٌ لها علوٌ وسفلٌ 5، وطَلَب أحدُهما جَعْلَ السّفلِ لواحدٍ والعلوِ لآخَرَ 6؛ لم يُجبَرْ الممتنِعُ.
النوعُ الثاني: قِسمةُ إجبارٍ، وقد ذَكَرها بقولِه: (وأَمَّا مَا لَا ضَرَرَ) في قِسمتِه، (وَلَا رَدَّ عِوَضٍ فِي قِسْمَتِهِ؛ كَالقَرْيَةِ، وَالبُسْتَانِ، وَالدَّارِ الكَبِيرَةِ، وَالأَرْضِ) الواسِعَةِ، (وَالدَّكَاكِينِ الوَاسِعَةِ، وَالمَكِيلِ، والمَوْزُونِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ كَالأَدْهَانِ 7، وَالأَلْبَانِ وَنَحْوِهَا، إِذَا طَلَبَ الشَّرِيكُ قِسْمَتَهَا؛ أُجْبِرَ) شَريكُهُ (الآخَرُ عَلَيْهَا) إن امتَنَع مِن القِسمةِ مع شريكِه.
ويَقسِمُ عن غيرِ مكلَّفٍ وليُّه، فإن امتَنَع أُجبِرَ، ويَقسِمُ حاكمٌ على غائبٍ مِن الشَّريكَيْنِ بطَلَبِ شريكِه أو وليِّه.
ومَن دعَا شَريكَه في بستانٍ إلى قَسمِ شجرِه فقط؛ لم يُجبَرْ، وإلى
الجزء: 3 - الصفحة: 494
قَسْمِ أرضِه؛ أُجبِرَ، ودَخَل الشجرُ تَبَعاً.
(وَهَذِهِ القِسْمَةُ) وهي قِسمةُ الإجبارِ: (إِفْرَازٌ) لحقِّ أحدِ الشريكين مِن الآخرِ، (لَا بَيْعٌ)؛ لأنَّها تُخالِفُه في الأحكامِ، فيصحُّ قَسمُ لحمِ هَديٍ وأضاحي، وثمرٍ يُخرَصُ خَرْصاً، وما يُكالُ 8 وَزْناً، وعكسُه، ومَوقوفٍ ولو على جِهةٍ، ولا يَحنَثُ بها مَن حَلَف لا يَبيعُ، ومتى ظَهَر فيها غَبْنٌ فاحشٌ؛ بَطَلت.
(وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَ) أنْ يَتَقاسَمُوا (بِقَاسِمٍ يَنْصِبُونَهُ أَوْ 9 يَسْأَلُوا الحَاكِمَ نَصْبَهُ)، ويجبُ عليه إجابتُهُم؛ لقَطعِ النِّزاعِ.
ويُشترَطُ: إسلامُه، وعدالتُه، ومعرفتُه بها، ويَكفي واحدٌ إلا مع تقويمٍ.
(وَأُجْرَتُهُ) - وتُسمَّى القُسَامةَ بضمِّ القافِ - على الشركاءِ (عَلَى قَدْرِ الأَمْلَاكِ)، ولو شُرِطَ خلافُه، ولا يَنفرِدُ بعضُهُم باستئجارِه، وتُعَدَّلُ سهامٌ بالأجزاءِ 10 إن تَساوَت؛ كالمكيلاتِ والموزوناتِ غيرِ المختلفةِ، وبالقيمةِ إن اختَلَفَتْ، وبالرَّدِّ إنِ اقتَضَتْهُ.
(فَإِذَا اقْتَسَمُوا وَاقْتَرَعُوا 11؛ لَزِمَتِ القِسْمَةُ)؛ لأنَّ القاسِمَ
الجزء: 3 - الصفحة: 495
كالحاكمِ، وقُرعَتُه كحُكمِه.
(وَكَيْفَ اقْتَرَعُوا جَازَ)، بالحَصى أو غيرِه.
وإن خَيَّر أحدُهم الآخرَ؛ لَزِمَت برِضاهُم وتَفرُّقِهُم.
ومَن ادَّعى غَلَطاً فيما تَقاسَماه بأنفُسِهما وأشهَدا على رِضاهُما به؛ لم يُلتَفَتْ إليه، وفيما قَسَمَه قاسِمُ حاكمٍ أو قاسمٌ نَصباه؛ يُقبَلُ ببيِّنةٍ، وإلا حَلَف مُنكِرٌ.
وإن ادَّعى كلٌ شيئاً أنه مِن نصيبِه؛ تَحالَفا ونُقِضَتْ.
ولمن خَرَج في نَصيبِه عيبٌ جَهِلَه؛ فله 12 إمساكٌ مع أرشٍ وفَسْخٌ 13.
الجزء: 3 - الصفحة: 496