(فَصْلٌ) في موقفِ الإمامِ والمأمومين
السنةُ أنْ (يَقِفَ المَأْمُومُونَ) رجالاً كانوا أو نساءً، إن كانوا اثنين فأكثرَ (خَلْفَ الإِمَامِ)؛ لفعلِه 1 عليه السلامُ: «كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَامَ أَصْحَابُهُ خَلْفَهُ» 2، ويُستثنى منه: إمامُ العراةِ يقفُ وسْطَهم وجوباً، والمرأةُ إذا أمَّت النِّساءَ تقفُ وسْطَهنَّ استحباباً، ويأتي.
(وَيَصِحُّ) وقوفُهم (مَعَهُ)، أي: مع الإمامِ (عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ)؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ صلَّى بين علقمةَ والأسودَ، وقال: «هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَل» رواه أحمد 3، وقال ابنُ عبدِ البر: (لا يصحُّ رفعُه، والصحيحُ أنَّه مِن قولِ ابنِ مسعودٍ) 4.
الجزء: 1 - الصفحة: 355
(لَا قُدَّامَهُ)، أي: لا قدَّامَ الإمامِ، فلا تصحُّ للمأمومِ ولو بإحرامٍ؛ لأنَّه ليس موقفاً بحالٍ.
والاعتبارُ بمؤخرِ القدمِ وإلا لم يضرَّ، وإنْ صلَّى قاعداً فالاعتبارُ بالأَلْيَةِ، حتى لو مدَّ رجليه وقدَّمَهما على الإمامِ لم يضرَّ، وإنْ كان مُضطجعاً فبالجنبِ.
وتصحُّ داخلَ الكعبةِ إذا جَعَل وجهَه إلى وجهِ إمامِه، أو ظهرَه إلى ظهرِه، لا إنْ جَعَل ظهرَه إلى وجهِ إمامِه؛ لأنَّه متقدِّمٌ عليه.
وإن وقفوا حولَ الكعبةِ مستديرين صحَّت، فإن كان المأمومُ في جهتِه أقربُ مِن الإمامِ في جهتِه؛ جاز إن لم يكونَا في جهةٍ واحدةٍ، فتبطلُ صلاةُ المأمومِ.
ويُغتفرُ التقدُّمُ في شدِّةِ خوفٍ إذا أمكن المتابعةَ.
(وَلا) تصحُّ للمأمومِ إن وقَفَ (عَنْ يَسَارِهِ فَقَطْ)، أي: مع خلوِّ يمينِه إذا صلَّى ركعةً فأكثرَ؛ «لأَنَّهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَارَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِراً عَنْ يَسَارِهِ إِلَى يَمِينِهِ» 5.
الجزء: 1 - الصفحة: 356
وإذا كبَّر عن يسارِه أداره مِنْ ورائِه إلى يمينِه، فإن كبَّرَ معه آخرُ وقفَا خلفَه، فإن كبَّر الآخرُ عن يسارِه أدارهما بيدِه وراءَه، فإن شقَّ ذلك أو تعذَّرَ؛ تقدَّمَ الإمامُ فصلَّى بينهما أو عن يسارِهما، ولو تأخَّرَ الأيمنُ قبلَ إحرامِ الداخِلِ ليصلِّيَا خلفَه جاز، ولو أدركهما الداخِلُ جالسين كبَّر وجلس عن يمينِ صاحبِه أو يسارِ الإمامِ، ولا تأخُّر إذنْ للمشقةِ، فالزَمْنَى لا يَتقدَّمون ولا يَتأخَّرون.
(وَلَا) تصحُّ صلاةُ (الفَذِّ)، أي: الفردِ (خَلْفَهُ)، أي: خلفَ الإمامِ، (أَوْ خَلْفَ الصَّفِّ) إنْ صلَّى ركعةً فأكثرَ، عامداً أو ناسياً، عالماً أو جاهلاً؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» رواه أحمدُ وابنُ ماجه 6، و «رَأَى عليه السلام رَجُلاً يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» رواه أحمدُ، والترمذي وحسَّنه، وابنُ ماجه،
الجزء: 1 - الصفحة: 357
وإسنادُه ثقاتٌ 7.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ) الفَذُّ خلفَ الإمامِ أو الصفِّ (امْرَأَةً) خلفَ رجلٍ؛ فتصحُّ صلاتُها؛ لحديثِ أنسٍ.
وإن وقفَت بجانبِ الإمامِ فكرجلٍ، وبصفِّ رجالٍ لم تبطلْ صلاةُ مَن يليها أو خلفَها، فصفٌّ تامٌ مِن نساءٍ لا يَمنعُ اقتداءَ مَن خَلفهنَّ مِن رجالٍ.
(وَإِمَامَةُ النِّسَاءِ تَقِفُ فِي صَفِّهِنَّ) ندباً، رُوي عن عائشةَ 8، وأمِّ
الجزء: 1 - الصفحة: 358
سلمةَ 9، فإن أمَّت واحدةً وقفت عن يمينِها، ولا يصحُّ خلفَها.
(وَيَلِيهِ)، أي: الإمامَ من المأمومين: (الرِّجَالُ) الأحرارُ، ثم العبيدُ، الأفضلُ فالأفضلُ؛ لقولِه عليه السلامُ: «لِيَلِيَنِّي 10 مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى» رواه مسلمٌ 11، (ثُمَّ الصِّبْيَانُ) الأحرارُ، ثم العبيدُ، (ثُمَّ النِّسَاءُ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ» 12،
ويُقدَّم منهنَّ البالغاتُ الأحرارُ، ثم الأرقاءُ، ثم مَن لم تَبلغ: الأحرارُ 13 فالأرقاءُ، الفُضَلُ 14 فالفُضلى، وإن وَقَف الخناثى
الجزء: 1 - الصفحة: 359
صفًّا لم تصحَّ صلاتُهم، (كـ) التَّرتيبِ في (جَنَائِزِهِمْ) إذا اجتمعت، فيُقدَّمون إلى الإمامِ وإلى القبلةِ في القبرِ على ما تقدَّم في صفوفِهم.
(وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ) في الصفِّ (إِلَّا كَافِرٌ، أَوْ امْرَأَةٌ)، أو خنثى وهو رجلٌ، (أَوْ مَنْ عَلِمَ حَدَثَهُ) أو نجاستَه (أَحَدُهُمَا)، أي: المصلِّي أو المصافِفِ 15 له، (أَوْ) لم يقفْ معه إلا (صَبِيٌّ فِي فَرْضٍ؛ فَفَذٌّ)، أي: فردٌ؛ فلا تصحُّ صلاتُه ركعةً فأكثرَ.
وعُلِم منه: صحَّةُ مُصافَّةِ الصبي في النَّفلِ، أو مَن جَهِل حدثَه أو نَجَسَه حتى فَرَغ.
(وَمَنْ وَجَدَ فُرْجَةً 16، بضمِّ الفاءِ، وهي الخللُ في الصفِّ ولو بعيدةً؛ (دَخَلَهَا)، وكذا إن وجد الصفَّ غيرَ مرصوصٍ وَقَف فيه؛ لقولِه عليه السلامُ: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ» 17.
الجزء: 1 - الصفحة: 360
(وَإِلَّا) يجدْ فرجةً وَقَف (عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ)؛ لأنَّه موقفُ الواحدِ، (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ) بنحنحةٍ أو كلامٍ أو إشارةٍ، وكُره بجَذْبِه، ويَتْبَعُهُ مَن نبَّهَه 18 وجوباً.
(فَإِنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَةً لَمْ تَصِحَّ) صلاتُه؛ لما تقدَّم، وكرَّره لأجلِ ما أعقبه به.
(وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا)، أي: فرداً لعذرٍ؛ بأنْ 19 خَشِيَ فواتَ 20 الركعةِ، (ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ) قبلَ سجودِ الإمامِ، (أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ سُجُودِ الإِمَامِ؛ صَحَّتْ) صلاتُه؛ لأنَّ أبَا بكرةَ رَكَع دونَ الصفِّ، ثم مشَى حتى دَخَل الصفَّ، فقال له النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زَادَكَ اللهُ حِرْصاً، وَلَا تَعُدْ» رواه البخاري 21.
وإن فَعَله ولم يخشَ فواتَ 22 الركعةِ؛ لم تصحَّ إن رَفَع الإمامُ رأسَه مِن الركوعِ قبلَ أن يَدخلَ الصفَّ أو يقِفَ معه آخرُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 361