(بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ)
العِشْرةُ - بكسرِ العينِ-: الاجتماعُ، يقالُ لكلِّ جماعةٍ: عشرةٌ، ومعشرٌ.
وهي هنا: ما يكونُ بينَ الزَّوجين مِن الأُلفَةِ والانضِمامِ.
(يَلْزَمُ) كلاًّ مِن 1 (الزَّوْجَيْنِ العِشْرَةُ)، أي: معاشرةُ الآخرِ (بِالمَعْرُوفِ)، فلا يَمطُلُهُ 2 بحقِّه، ولا يَتكرَّهُ لبَذْلِه، ولا يُتبِعُهُ أذىً ومنَّةً؛ لقولِه تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: 19]، وقولِه: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 228].
ويَنبغي إمساكُها مع كَراهَتِه لها؛ لقولِه تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19]، قال ابنُ عباسٍ: «رُبَّمَا رُزِقَ مِنْهَا وَلَداً فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» 3.
(وَيَحْرُمُ مَطْلُ كُلِّ وَاحِدٍ) مِن الزَّوجين (بِمَا يَلْزَمُهُ لِـ) لزوجِ
الجزء: 3 - الصفحة: 147
ا (لآخَرِ، وَالتَّكَرُّهُ لِبَذْلِهِ)، أي: بذلِ الواجبِ؛ لما تقدَّم.
(وَإِذَا تَمَّ العَقْدُ لَزِمَ تَسْلِيمُ) الزَّوجةِ (الحُرَّةِ الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا)، وهي بنتُ تسعٍ، ولو كانت نِضْوَةَ 4 الخِلقةِ، ويَستمتِعُ بمَن يُخشى عليها كحائضٍ، (فِي بَيْتِ الزَّوْجِ) مُتعلِّق بـ: (تَسْلِيمُ)، (إِنْ طَلَبَهُ)، أي: طَلَب الزوجُ تَسلُّمَها، (وَلَمْ تَشْتَرِطْ) في العقدِ (دَارَهَا أَوْ بَلَدَهَا)، فإن اشترطَتْ عُمِلَ بالشَّرطِ؛ لما تقدَّم.
ولا يَلزَمُ ابتداءُ تسليمِ مُحْرِمَةٍ، ومريضةٍ، وصغيرةٍ، وحائضٍ ولو قال: لا أطأ.
وإنْ أنكَرَ أنَّ وطأَهُ يؤذيها فعليها البينةُ.
(وَإِذَا اسْتَمْهَلَ أَحَدُهُمَا)، أي: طَلَبَ المُهْلَةَ ليُصلِحَ أمرَه؛ (أُمْهِلَ العَادَةَ وُجُوباً)؛ طَلَباً لليُسْرِ والسُّهولةِ، (لَا لِعَمَلِ جهَازٍ) بفتحِ الجيمِ وكسرِها، فلا تجبُ المهلَةُ له، لكن في الغُنيةِ: (تُسْتَحَبُّ الإجابةُ لذلك) 5.
(وَيَجِبُ تَسْلِيمُ الأَمَةِ) مع الإطلاقِ (لَيْلاً فَقَطْ)؛ لأنَّه زمانُ 6 الاستمتاعِ، وللسيِّدِ استخدامُها نهاراً؛ لأنَّه زمَنُ الخدمةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 148
وإن شَرَط تسلُّمَها 7 نهاراً، أو بَذَلَهُ سيِّدٌ؛ وَجَب على الزِّوجِ تسلُّمُها 8 نهاراً أيضاً.
(وَيُبَاشِرُهَا)، أي: للزوجِ 9 الاستمتاعُ بزوجتِه في قُبُلٍ ولو من جِهَةِ العَجيزةِ (مَا لَمْ يَضُرَّ) بها (أَوْ يَشْغَلْهَا عَن فَرْضٍ) باستمتاعِه 10، ولو على تَنُّورٍ أو ظَهْرِ قَتَبٍ 11.
(وَلَهُ)، أي: للزوجِ (السَّفَرُ بِالحُرَّةِ) مع الأمنِ؛ لأنَّه عليه السلام وأصحابَه كانوا يُسافِرون بنسائِهِم 12، (مَا لَمْ تَشْتَرِطْ ضِدَّهُ)، أي: ألا يُسافِرَ بها، فَيُوفي لها بالشرطِ، وإلا فلها الفسخُ كما تقدَّم 13.
والأَمةُ المزوَّجةُ ليس لزوجِها ولا سيِّدِها سفرٌ بها بلا إذنِ الآخرِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 149
ولا يَلزَمُ الزوجَ لو بوَّأها سيِّدُها مَسكناً أن يأتِيَها فيه.
ولسيِّدٍ سفرٌ بعبدِه المزوَّجِ واستخدامُه نهاراً.
(وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِي الحَيْضِ)؛ لقولِه تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) الآية [البقرة: 222]، وكذا بعدَه قبلَ الغُسلِ، (وَ) في (الدُّبُرِ)؛ لقولِه عليه السلام: «إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» رواه ابنُ ماجه 14.
الجزء: 3 - الصفحة: 150
ويحرُمُ عَزْلٌ بلا إذنِ حرَّةٍ أو سيِّدِ أَمةٍ.
(وَلَهُ إِجْبَارُهَا)، أي: للزوجِ إجبارُ زوجتِه (عَلَى غُسْلِ حَيْضٍ)، ونفاسٍ، وجنابةٍ إذا كانت مكلَّفةً، (وَ) غَسْلِ (نَجَاسَةٍ)، واجتنابِ محرَّماتٍ، وإزالةِ وسَخٍ ودَرَنٍ، (وَأَخْذِ مَا تَعَافُهُ النَّفْسُ مِنْ شَعْرٍ وَغَيْرِهِ)؛ كظفرٍ، ومَنعُها مِن أكلِ ما له رائحةٌ كريهةٌ؛ كبصلٍ وكراثٍ؛ لأنَّه يَمنَعُ كمالَ الاستمتاعِ، وسواءٌ كانت مسلمةً أو ذمِّيةً.
ولا تُجبَرُ على عَجْنٍ، أو خبزٍ، أو طبخٍ، أو نحوِه.
(وَلَا تُجْبَرُ الذِّمِّيَّةُ عَلَى غُسْلِ الجَنَابَةِ) في روايةٍ، والصحيحُ مِن
الجزء: 3 - الصفحة: 151
المذهبِ: له إجبارُها عليه، كما في الإنصافِ وغيرِه (1). وله مَنعُ ذِمِّيةٍ دخولَ بيعةٍ، وكنيسةٍ، وشُرْبِ ما يُسْكِرُها لا ما دونَه، ولا تُكره على إفسادِ صومِها، أو صلاتِها، أو سَبْتِهَا.