(بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَيُوجِبُ الكَفَّارَةَ)، وما يتعلَّقُ بذلك
(مَنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، أوْ اسْتَعَطَ) بدهنٍ أو غيرِه فوصل إلى حَلْقِه أو دماغِه، (أَو احْتَقَنَ، أَو اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ)، أي: بما عَلِم وصولَه (إِلَى حَلْقِهِ) لرطوبتِه أو حِدَّتِه، مِنْ كُحْلٍ، أو صَبِرٍ 1، أو قَطُورٍ 2، أو ذَرُورٍ 3، أو إثْمِدٍ كثيرٍ، أو يسيرٍ مُطَيَّبٍ؛ فَسَد صومُه؛ لأنَّ العَيْنَ منفذٌ، وإن لم يكن معتاداً.
(أَوْ أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئاً) مِنْ أيِّ موضِعٍ كان (غَيْرَ إِحْلِيلِهِ)، فلو قطَر فيه 4، أو غيَّب فيه شيئاً فوصل إلى المثانةِ؛ لم يَبطُل صومُه.
الجزء: 2 - الصفحة: 20
(أَو اسْتَقَاءَ)، أي: استدعَى القيءَ فقاء؛ فسد 5 أيضاً؛ لقولِه عليه السلام: «مَنْ اسْتَقَاءَ عَمْداً فَلْيَقْضِ»، حسَّنه الترمذي 6.
الجزء: 2 - الصفحة: 21
(أَوْ اسْتَمْنَى) فأَمْنى أو مذَّى 7، (أَوْ بَاشَرَ) دونَ الفرجِ، أو قَبَّل، أو لمس؛ (فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى، أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ) منِيًّا؛ فسد صومُه، لا إنْ أَمْذى.
(أَوْ حَجَمَ، أوْ احْتَجَمَ وَظَهَرَ دَمٌ، عَامِداً ذَاكِراً) في الكلِّ (لِصَوْمِهِ؛ فَسَدَ) صومُه؛ لقولِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» رواه أحمدُ، والترمذي 8،
الجزء: 2 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أوس، فذكرت له الاضطراب، فقال: كلاهما عندي صحيح، فإن أبا قلابة روى الحديثين جميعاً، رواه عن أبى أسماء عن ثوبان، ورواه عن أبي الأشعث عن شداد)، قال الترمذي: (وكذلك ذكروا عن ابن المديني أنه قال: حديث ثوبان وحديث شداد صحيحان)، وقال الدارمي: (صح عندي حديث أفطر الحاجم والمحجوم لحديث ثوبان وشداد بن أوس، وأقول به، وسمعت أحمد بن حنبل يقول به ويذكر أنه صح عنده حديث ثوبان وشداد).
الثالث: حديث رافع بن خديج: رواه أحمد (15828)، والترمذي (774)، من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارض، عن السائب بن يزيد، عن رافع.
قال أحمد: (أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج)، وقال ابن المديني: (لا أعلم في الحاجم والمحجوم حديثاً أصح من هذا)، وقال الترمذي: (حسن صحيح)، وصححه ابن حزم، وابن عبد الهادي، والألباني.
وأعلَّ البخاري، وابن معين، وإسحاق بن منصور، وأبوحاتم حديث رافع بن خديج، حتى قال أبو حاتم: (هو عندي باطل)، وقال ابن معين: (حديث رافع أضعفها)، قال الترمذي: (سألت إسحاق بن منصور عنه، فأبى أن يحدثني به عن عبد الرزاق، وقال: هو غلط، قلتُ: ما علَّتُه؟ قال: روى هشامٌ الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد حديثَ «مهرُ البغي خبيث»، وروى عن يحيى، عن أبي قلابة أن أبا أسماء حدَّثه أن ثوبان أخبر به، فهذا هو المحفوظ عن يحيى، فكأنه دخل لمعمر حديث في حديث، والله أعلم)، وأجيب: بأن يحيى بن أبي كثير رواهما جميعاً عن أبي قلابة، ويدل على عدم غلط معمر: أن معاوية بن سلام تابعه عليه عند ابن خزيمة، ولذا قال البيهقي: (كأن يحيى بن أبي كثير روى الحديث بالإسنادين جميعاً)، وقال الحاكم: (وليُعلَم أن الإسنادين ليحيى بن أبي كثير، قد حكم لأحدهما أحمد بن حنبل بالصحة - يعني حديث ثوبان -, وحكم علي بن المديني للآخر بالصحة - يعني حديث رافع -، فلا يعلل أحدهما بالآخر).
وقد ذُكر عن يحيى بن معين أنه قال: (ليس فيها حديث يثبت - يعني أحاديث: أفطر الحاجم والمحجوم -)، وبلغ الإمام أحمد قوله هذا، فقال في رواية المرُّوذي: (هذا كلام مجازفة)، على أن الميموني روى عن يحيى بن معين أنه قال: (أنا لا =
الجزء: 2 - الصفحة: 23
قال ابنُ خزيمةَ: (ثبتت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك) 9.
ولا يُفطِرُ بِفَصْدٍ، ولا شَرْطٍ، ولا رُعافٍ.
(لَا) إن كان (نَاسِياً، أَوْ مُكْرَهاً)، ولو بِوَجُورِ 10 مغمىً عليه معالجةً، فلا يَفسُدُ صومُه وأجزأه؛ لقولِه عليه السلامُ: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنْ 11 الخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 12، ولحديثِ أبي هريرةَ مرفوعاً: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» متفق عليه 13.
(أَوْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ، أَوْ غُبَارٌ) من طريقٍ، أو دقيق، أو دخان؛ لم يُفطِرْ لعدمِ إِمْكانِ التحرُّزِ مِن ذلك؛ أشْبَه النائمَ.
= أقول إن هذه الأحاديث مضطربة).
وقال بعض الحفاظ: (الحديث في هذا متواتر)، قال ابن عبد الهادي: (وليس ما قاله ببعيد، ومن أراد معرفة ذلك فليطالع ما روي في ذلك في مسند أحمد، ومعجم الطبراني، وكتاب النسائي، والمستدرك للحاكم، والمستخرج للحافظ أبي عبد الله المقدسي، وغير ذلك من الأمهات).
ينظر: العلل الكبير ص 121، علل الحديث 3/ 107، المحلى 4/ 336، السنن الكبرى 4/ 444، تنقيح التحقيق 3/ 251، التلخيص الحبير 2/ 415، الإرواء 4/ 65.
الجزء: 2 - الصفحة: 24
(أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)؛ لم يُفطِرْ؛ لقولِه عليه السلامُ: «عُفِيَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» 14، وقياسُه على تَكرارِ النظرِ غيرُ مُسلَّمٍ؛ لأنه دونَه.
(أَوْ احْتَلَمَ)؛ لم يَفسُدْ صومُه؛ لأنَّ ذلك ليس بسببٍ مِن جهتِه، وكذا لو ذَرَعه القيءُ، أي: غَلَبَه.
(أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ)، أي: طَرَحه لم يَفسُدْ صومُه، وكذا لو شقَّ عليه أن يلفِظَه فبلعه مع ريقِه مِن غيرِ قَصْدٍ؛ لما تقدَّم.
وإن تميَّزَ عن ريقِه وبَلَعَه باختيارِه؛ أفطر.
ولا يُفْطِرُ إنْ لَطَخ 15 باطِنَ قدمِه بشيءٍ فوجد طعمَه بِحَلْقِه.
(أَوْ اغْتَسَلَ، أَوْ تَمَضْمَضَ، أَوْ اسْتَنْثَرَ)، يعني: استنشق، (أَوْ 16 زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) في المضمضةِ أو الاستنشاقِ، (أَوْ بَالَغَ) فيهما (فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ؛ لَمْ يَفْسُدْ) صومُه؛ لعدمِ القصدِ.
وتُكرَه المبالغةُ في المضمضةِ والاستنشاقِ للصائمِ، وتقدَّم،
الجزء: 2 - الصفحة: 25
وكُرِهَا 17 له عَبَثاً، أو سَرَفاً 18، أو لحرٍّ، أو عطشٍ؛ كغَوْصِه في ماءٍ لغيرِ غُسْلٍ مشروعٍ أو تَبَرُّدٍ.
ولا يَفسُدُ صومُه بما دخل حَلْقَه من غيرِ قصدٍ.
(وَمَنْ أَكَلَ) أو شرِب، أو جامع (شَاكًّا فِي طُلُوعِ فَجْرِ) ولم يتبيَّن له طلوعُه؛ (صَحَّ صَوْمُهُ)، ولا قضاءَ عليه ولو تردَّد؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الليلِ.
(لَا إِنْ أَكَلَ) ونحوَه (شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ) مِنْ ذلك اليومِ الذي هو صائمٌ فيه ولم يتبيَّن بعدَ ذلك أنَّها غربت؛ فعليه قضاءُ الصومِ الواجبِ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النهارِ.
(أَوْ) أكل ونحوَه (مُعْتَقِداً أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَاراً)، أي: فبان طلوعُ الفجرِ، أو عدمُ غروبِ الشمسِ؛ قضى؛ لأنَّه لم يُتِمَّ صومُه.
وكذا يَقضي إنْ أكل ونحوَه يعتقِدُه نهاراً فبان ليلاً ولم يُجَدِّد نيَّةً لواجبِ.
لا مَن أكل ظانًّا غروبَ شمسٍ ولم يَتبيَّن له الخطأُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 26