(بَابُ وَلِيمَةِ العُرْسِ)
أصلُ الوليمةِ: تمامُ الشيءِ واجتماعِه، ثم نُقِلَت لطعامِ العرسِ خاصةً؛ لاجتماعِ الرجلِ والمرأةِ.
(تُسَنُّ) الوليمةُ بعقدٍ (بِشَاةٍ فَأَقَلَّ) مِن شاةٍ؛ لقولِه عليه السلام لعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ حينَ قال له: تزوجتُ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» 1، و «أَوْلَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِحَيْسٍ وَضَعَهُ عَلَى نِطْعٍ صَغِيرٍ»، كما في الصحيحين عن أنسٍ 2، لكن قال جمعٌ 3: يُستحبُّ ألَّا تَنقُصُ 4 عن شاةٍ.
(وَتَجِبُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ)، أي: في اليومِ الأوَّلِ (إِجَابَةُ مُسْلِمٍ يَحْرُمُ هَجْرُهُ)، بخلافِ نحوِ رافضيٍّ ومُتَجَاهِرٍ بمعصيةٍ 5؛ إن دعاهُ (إِلَيْهَا)، أي: إلى الوليمةِ، (إِنْ عَيَّنَهُ) الدَّاِعي، (وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ)، أي: في محلِّ الوليمةِ (مُنْكَرٌ)؛ لحديثِ أبي هريرةَ يرفعُهُ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ
الجزء: 3 - الصفحة: 138
لَا يُجِيب 6 فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» رواه مسلمٌ 7. (فَإِنْ دَعَاهُ الجَفَلَى)، بفتحِ الفاءِ؛ كقولِه: أيها الناسُ هلُمُّوا إلى الطعامِ؛ لم تَجِب الإجابةُ، (أَوْ) دَعاه (فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ)؛ كُرِهت إجابتُه؛ لقولِه عليه السلام: «الوَلِيمَةُ أَوَّلُ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِي مَعْرُوفٌ، وَالثَّالِثُ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ» رواه أبو داودَ وغيرُهُ 8، وتُسنُّ في ثاني يومٍ؛ لذلك الخبرِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 139
(أَوْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ)، أو مَن في مالِه حرامٌ؛ (كُرِهَتِ الإِجَابَةُ)؛ لأنَّ المطلوبَ إذلالُ أهلِ الذَّمةِ، والتباعُدُ عن الشَّبهةِ وما فيه الحرامُ؛ لئلَّا يُواقِعَهُ.
وسائرُ الدعواتِ 9 مباحةٌ، غيرُ عقيقةٍ فتُسنُّ، ومأْتمٍ فتُكرَه.
والإجابةُ إلى غيرِ الوليمةِ مستحبَّةٌ، غيرِ مَأَتمٍ فتُكره.
(وَمَنْ صَوْمُهُ وَاجِبٌ)؛ كنذرٍ وقضاءِ رمضانَ إذا دُعِيَ للوليمةِ؛ حَضَر وجوباً، و (دَعَا) استحباباً (وَانْصَرَفَ)؛ لحديثِ أبي هريرةَ يرفعُهُ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيَدْعُ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ» رواه أبو دوادَ 10.
(وَ) الصائمُ (المُتَنَفِّلُ) إذا دُعِيَ أجاب، و (يُفْطِرُ إِنْ جَبَرَ) قلبَ أخيه المسلمِ وأَدخَل عليه السُّرورَ؛ لقولِه عليه السلام لرجلٍ اعتَزَل مِن القومِ ناحيةً وقال: إني صائمٌ: «دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ، كُلْ
الجزء: 3 - الصفحة: 140
يَوْماً 11 ثُمَّ صُمْ يَوْماً مَكَانَهُ إنْ شِئْتَ» 12.
الجزء: 3 - الصفحة: 141
(وَلَا يَجِبُ) على مَن حَضَر (الأَكْلُ) ولو مُفطراً؛ لقولِه عليه السلام: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» 13، قال في شرحِ المقنعِ: (حديثٌ صحيحٌ) 14، ويُستحبُّ الأكلُ؛ لما تقدَّم.
(وَإِبَاحَتُهُ)؛ أي: إباحةُ الأكلِ (مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى صَرِيحِ إِذْنٍ أَوْ قَرِينَةٍ)، ولو مِن بيتِ قريبٍ أو صديقٍ لم يُحرِزْهُ عنه؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: «مَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقاً، وَخَرَجَ مُغِيراً» 15.
والدُّعاءُ إلى الوليمةِ وتقديمُ الطعامِ إذنٌ فيه، ولا يَملِكُهُ مَن قُدِّمَ إليه، بل يَهلِكُ على ملكِ صاحبِه.
(وَإِنْ عَلِمَ) المدعوُّ (أَنَّ ثَمَّ)، أي: في الوليمةِ (مُنْكَراً)؛ كزُمْرٍ، وخمرٍ، وآلاتِ لهوٍ، وفُرُشِ حريرٍ، ونحوِها؛ فإن كان (يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِهِ حَضَرَ وَغَيَّرَه)؛ لأنَّه يُؤدِّي بذلك فَرضَيْنِ: إجابةَ الدَّعوةِ، وإزالةَ المنكرِ، (وَإِلَّا) يَقدِرْ على تغييرِه؛ (أَبَى) الحضورَ؛ لحديثِ
الجزء: 3 - الصفحة: 142
عمرَ مرفوعاً: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الخَمْرُ» رواه الترمذي 16.
(وَإِنْ حَضَرَ) مِن غيرِ عِلمٍ بالمنكَرِ، (ثُمَّ عَلِمَ بِهِ؛ أَزَالَهُ)؛ لوجوبِه عليه، ويجلِسُ بعدَ ذلك، (فَإِنْ دَامَ) المنكَرُ (لِعَجْزِهِ)، أي: المدعوِّ (عَنْهُ؛ انْصَرَفَ)؛ لئلَّا يكونَ قاصِداً لرؤيتِه أو سماعِه.
(وَإِنْ عَلِمَ) المدعوُّ (بِهِ)، أي: بالمنكرِ (وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ؛ خُيِّرَ) بينَ الجلوسِ والأكلِ أو الانصرافِ؛ لعَدَمِ وجوبِ الإنكارِ حينئذ.
(وَكُرِهَ النِّثَارُ 17، وَالْتِقَاطُهُ)؛ لما يحصُلُ فيه مِن النُّهْبةِ والتَّزاحُمِ، وأخذُه على هذا الوجهِ فيه دناءةٌ وسُخْفٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 143
(وَمَنْ أَخَذَهُ)، أي: أخَذَ شيئاً مِن النِّثارِ، (أَوْ وَقَعَ فِي حَجْرِهِ) منه شيءٌ؛ (فَـ) هو (لَهُ)، قَصَد تملُّكَه أوْ لا؛ لأنَّه قد حازَه، ومالِكُهُ قَصَد تمليكَه لمن حازَه.
(وَيُسَنُّ إِعْلَانُ النِّكَاحِ)؛ لقولِه عليه السلام: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» 18، وفي لفظٍ: «أَظْهِرُوا النِّكَاحَ» رواه ابنُ ماجه 19.
(وَ) يُسنُّ (الدُّفُّ 20، أي: الضَّربُ به إذا كان لا حِلَقَ به
الجزء: 3 - الصفحة: 144
ولا صُنُوجَ، (فِيهِ)، أي: في النكاحِ (لِلنِّسَاءِ)، وكذا خِتانٌ، وقُدومُ غائبٍ، وولادةٌ، وإمْلاكٌ؛ لقولِه عليه السلام: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ: الصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ» رواه النسائي 21. وتَحرُمُ كلُّ مَلْهاةٍ سوى الدُّف؛ كمِزمارٍ، وطُنبُورٍ، وجَنْكٍ، وعودٍ، قال في المستوعِبِ والترغيبِ: (سواءٌ استُعمِل لحزنٍ أو سرورٍ) 22.
الجزء: 3 - الصفحة: 145
تَتِمَّةٌ
فِي جُمَلٍ مِنْ آدابِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ
تُسنُّ التَّسميةُ جَهراً على أكلٍ وشربٍ، والحمدُ إذا فَرَغ، وأكلُه مما يليه بيمينِه بثلاثِ أصابِعَ، وتخليلُ ما عَلِقَ بأسنانِه، ومسحُ الصَّحْفَةِ، وأكلُ ما تناثَرَ، وغَضُّ طَرْفِه عن جليسِه، وشربُه ثلاثاً مَصًّا، ويَتنفَّسُ خارَجَ الإناءِ.
وكُرِهَ شُربُه مِن فَمِ سِقَاءٍ، وفي أثناءِ طعامٍ بلا عادةٍ 23، وإذا شَرِبَ ناوَلَه الأيمنَ.
ويُسنُّ غَسْلُ يديه قبلَ طعامٍ 24، مُتقدِّماً به ربُّه، وبعدَه متأخِّراً به ربُّه.
وكُرِهَ ردُّ شيءٍ مِن فمِه إلى الإناءِ، وأكلُه حارًّا، أو مِن وسَطِ الصَّحْفَةِ أو أعلاها، وفِعْلُه ما يَستقذِرُه مِن غيرِه، ومَدْحُ طعامِه وتقويمُه، وعَيْبُ الطعامِ، وقرانُه في تمرٍ مُطلقاً، وأن يَفْجأَ 25 قوماً عندَ وَضعِ طعامِهم تعمُّداً، وأكلُه كثيراً بحيثُ يؤذيه، أو قليلاً بحيثُ يضُرُّه.
الجزء: 3 - الصفحة: 146