(بَابُ مَا يُوجِبُ القِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) مِن الأَطْرافِ والجِراحِ.
(مَنْ أُقِيدَ بِأَحَدٍ فِي النَّفْسِ) لوجودِ الشروطِ السابقة؛ (أُقيدَ بِهِ في الطَّرَفِ وَالجِرَاحِ)؛ لقولِه تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) الآية [المائدة: 45]، (وَمَنْ لَا) يُقَادُ بأحدٍ في النفسِ؛ كالمسلمِ بالكافرِ، والحرِّ بالعبدِّ، والأبِ بولدِه، (فَلَا) يُقادُ به في طرَفٍ ولا جِراحٍ؛ لعدمِ المكافأةِ.
(وَلَا يَجِبُ إِلاَّ بِمَا يُوجِبُ القَوَدَ فِي النَّفْسِ).
(وَهَوَ)، أي: القِصاصُ فيما دونَ النَّفْسِ (نَوْعَانِ):
(أَحَدُهُمَا: فِي الطَّرَفِ، فَتُؤْخَذُ العَيْنُ) بالعينِ، (وَالأَنْفُ) بالأنفِ 1، (وَالسِّنُّ) بالسِّنِّ، (وَالجَفْنُ 2 بالجفنِ، (وَالشَّفَةُ) بالشفةِ؛ العُليا بالعُليا والسُّفلى بالسُّفلى، (وَاليَدُ) باليدِ؛ اليُمنى باليُمنى واليُسرى باليُسرى، (وَالرِّجْلُ) بالرجلِ كذلك، (وَالإِصْبَعُ) بأصبعٍ تُماثِلُها في مَوضِعِها، (وَالكَفُّ) بالكفِّ المماثلةِ، (وَالمِرْفَقُ)
الجزء: 3 - الصفحة: 335
بمثلِه، (وَالذَّكَرُ، وَالخُصْيَةُ، وَالأَلْيَةُ، وَالشُّفْرُ 3 - بضمِّ الشِّينِ، وهو: أحدُ اللَّحمَينِ المحيطَينِ بالرَّحمِ 4 كإحاطةِ الشَّفتَينِ على الفمِ-، (كُلُّ واحدٍ مِنْ ذلِكَ بِمِثْلِهِ)؛ للآيةِ السابقةِ.
(وَلِلقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ شُرُوطٌ) ثلاثةٌ:
(الأَوَّلُ: الأَمْنُ مِنَ الحَيْفِ 5، وهو شرطٌ لجوازِ الاستيفاءِ، ويُشترَطُ لوجوبِه إمكانُ الاستيفاءِ بلا حَيفٍ؛ (بِأَنْ يَكُونَ القَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ)، يعني: إلى حَدٍّ؛ (كَمَارِنِ الأَنْفِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ) دونَ القصبةِ، فلا قصاصَ في جائفةٍ، ولا كسْرَ عَظْمٍ غير سِنٍّ، ولا في بعَضِ ساعدٍ ونحوِه، ويُقْتَصُّ مِنْ مَنْكِبٍ ما لم يخَفْ جائفةً.
الشرطُ (الثَّانِي: المُمَاثَلَةُ فِي الاسْمِ وَالمَوْضِعِ، فَلَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ) مِن يدٍ ورجلٍ وعينٍ وأذنٍ ونحوِها (بِيَسَارٍ، وَلَا يَسَارٌ بِيَمِينٍ، وَلَا) يُؤخَذُ (خِنْصِرٌ بِبِنْصِرٍ، وَلَا) عكسُه؛ لعدمِ المساواةِ في الاسمِ، ولا يُؤخَذُ (أَصْلِيٌّ بِزَائِدٍ، وَعَكْسُهُ)، فلا يُؤخَذُ زائدٌ بأصليٍّ؛ لعدمِ
الجزء: 3 - الصفحة: 336
المساواةِ في المكانِ والمنفعةِ، (وَلَوْ تَرَاضَيَا) على أَخذِ أصليٍّ بزائدٍ، أو عكسِه؛ (لَمْ يَجُزْ) أَخذُهُ به؛ لعدمِ المُقاصَّةِ.
ويؤخذُ زائدٌ بمثلِه موضعاً وخِلْقَةً.
الشرطُ (الثَّالِثُ: اسْتِوَاؤُهُمَا)، أي: استواءُ الطرَفَينِ؛ المجنِي عليه والمقتَصِّ منه (فِي الصِّحَّةِ وَالكَمَالِ، فَلا تُؤْخَذُ) يدٌ أو رِجلٌ (صَحِيحَةٌ بِـ) يدٍ أو رجلٍ (شَلَّاءَ 6، وَلَا) يدٌ أو رِجلٌ (كَامِلَةُ الأَصَابِعِ) أو الأظافيرِ 7 (بِنَاقِصَتِـ) ـهِمَا، (وَلَا) تُؤخَذُ (عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِـ) عينٍ (قَائِمَةٍ)، وهي التي بياضُها وسوادُها صافِيان غيرَ أنَّ صاحبَها لا يُبصِرُ بها، قاله الأزهري 8، ولا لسانٌ ناطِقٌ بأخرسَ، ولو تراضَيَا؛ لنقصِ ذلك.
(وَيُؤْخَذُ عَكْسُهُ)؛ فتُؤخَذُ الشَّلاءُ، وناقِصةُ الأصابعِ، والعينُ القائمةُ بالصحيحةِ، (وَلَا أَرْشَ)؛ لأنَّ المعيبَ مِن ذلك كالصحيحِ في الخِلْقَةِ، وإنما نَقَص في الصِّفةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 337
وتُؤخَذُ أذُنُ سميعٍ بأذنِ أصمَّ شَلَّاءَ (1)، ومارِنُ الأشمِّ الصحيحُ بمَارِنِ الأَخْشَمِ الذي لا يَجِدُ رائحةَ شيءٍ؛ لأنَّ ذلك لعلَّةٍ في الدِّماغِ.