(بَابُ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ)
وهو: الدُّعاءُ بطلبِ السُّقيا على صفةٍ مخصوصةٍ، أي: الصلاةُ لأجلِ طلبِ السُّقيا على الوجهِ الآتي.
(إِذَا أجْدَبَتِ الأَرْضُ 1، أي: أَمْحَلت، والجَدْبُ: نقيضُ الخِصْبِ 2، (وَقَحَطَ 3، أي: احتبس (المَطَرُ)، وضرَّ ذلك، وكذا إذا ضرَّهُم غورُ 4 ماءِ عيونٍ أو أنهارٍ؛ (صَلَّوْا 5 جَمَاعَةً وَفُرَادَى)، وهي سنةٌ مؤكدةٌ؛ لقولِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 439
جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ» متفقٌ عليه 6.
والأفضلُ جماعةٌ، حتى بسَفَرٍ، ولو كان القحطُ في غيرِ أرضِهِم.
ولا استسقاءَ لانقطاعِ مطرٍ عن أرضٍ غيرِ مسكونةٍ ولا مسلوكةٍ؛ لعدمِ الضَّررِ.
(وَصِفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا، وَأَحْكَامِهَا كَـ) صلاةِ (عِيدٍ)؛ قال ابنُ عباسٍ: «سُنَّةُ الاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ العِيدَيْنِ» 7.
فتسنُّ في الصَّحراءِ، ويصلِّي ركعتين، يكبِّرُ في الأُولَى ستًّا زوائدَ، وفي الثانيةِ خمساً، مِن غيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، قال ابنُ عباسٍ: «صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي العِيد»، قال الترمذي:
الجزء: 1 - الصفحة: 440
(حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) 8، ويقرأُ في الأولى بـ «سبح»، وفي الثانيةِ بـ «الغاشية»، وتُفعلُ وقتَ صلاةِ العيدِ.
(وَإِذَا أَرَادَ الإِمَامُ الخُرُوجَ لَهَا 9 وَعَظَ النَّاسَ)، أي: ذَكَّرَهُم ما يُلينُ قُلوبَهم مِن الثَّوابِ والعقابِ، (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ المَعَاصِي، وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ) بردِّها إلى مستحِقِّيها؛ لأنَّ المعاصي سببُ القحطِ، والتقوى سببُ البركاتِ.
(وَ) أمرَهُم بـ (تَرْكِ التَّشَاحُنِ)، مِن الشَّحناءِ: وهي العداوةُ، لأنَّها تَحْمِلُ على المعصيةِ والبُهتِ، وتَمنعُ نزولَ الخيرِ؛ لقولِه عليه السلامُ: «خَرَجْتُ أُخْبِرُكُمْ 10 بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ» 11.
(وَ) أمرَهُم بـ (الصِّيَامِ)؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى نزولِ الغيثِ، ولحديثِ:
الجزء: 1 - الصفحة: 441
«دَعْوَةُ الصَّائِمِ لَا تُرَدُّ» 12.
(وَ) أمرَهُم بـ (الصَّدَقَةِ)؛ لأنَّها متضمنةٌ للرحمةِ.
(وَيَعِدُهُمْ)، أي: يُعَيِّن لهم (يَوْماً يَخْرُجُونَ فِيهِ)؛ ليتهيئوا 13 على الصفةِ المسنونةِ.
(وَيَتَنَظَّفُ) لها بالغُسلِ، وإزالةِ الروائحِ الكريهةِ، وتقليمِ الأظفارِ؛ لئلا يُؤذي.
(وَلَا يَتَطَيَّبُ)؛ لأنَّه يومُ استكانةٍ وخضوعٍ.
(وَيَخْرُجُ) الإمامُ كغيرِه (مُتَوَاضِعاً 14، مُتَخَشِّعاً 15، أي: خاضِعاً، (مُتَذَلِّلاً)، مِن الذلِّ: وهو الهوانُ، (مُتَضَرِّعاً)، أي:
الجزء: 1 - الصفحة: 442
مُستكيناً 16؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلاسْتِسْقَاءِ مُتَذَلِّلاً، مُتَوَاضِعاً، مُتَخَشِّعاً، مُتَضَرِّعاً»، قال الترمذي: (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) 17.
(وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ، وَالصَّلاحِ، وَالشُّيُوخُ)؛ لأنَّه أسرعُ لإجابَتِهِم، (وَالصِّبْيَانُ المُمَيِّزُونَ)؛ لأنَّهم لا ذنوبَ لهم.
وأُبيحَ خروجُ طفلٍ، وعجوزٍ، وبهيمةٍ، والتوسلُ بالصالحينَ.
(وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ مُنْفَرِدِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ) بمكانٍ؛ لقولِه تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال: 25]، (لَا) إن انفردوا (بِيَوْمٍ)؛ لئلا يَتَّفقَ نزولُ غيثٍ يومَ خروجِهِم وحدَهم فيكونُ أعظمَ لفتنتِهِم، وربما افتُتِنَ بهم غيرُهم؛ (لَمْ يُمْنَعُوا)، أي: أهلُ الذمةِ؛ لأنَّه خروجٌ لطلبِ الرِّزقِ.
(فَيُصَلِّي بِهِمْ) ركعتين كالعيدِ؛ لما تقدَّم، (ثُمَّ يَخْطُبُ) خطبةً (وَاحِدَةً)؛ لأنَّه لم يُنقَلْ أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَب بأكثرَ منها، ويخطبُ على منبرٍ، ويجلِسُ للاستراحةِ -ذكره الأكثرُ-؛ كالعيدِ في
الجزء: 1 - الصفحة: 443
الأحكامِ، والناسُ جلوسٌ، قاله في المبدعِ 18.
(يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ العِيدِ)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: «صَنَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الاسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي العِيدِ» 19.
(وَيُكْثِرُ فِيهَا الاسْتِغْفَارَ، وَقِرَاءَةَ الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِهِ)؛ كقولِه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ... ) الآياتِ [نوح: 10]، قال في المحرَّرِ والفروعِ: (يُكثِرُ 20 فيها الدُّعاءَ، والصلاةَ على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) 21؛ لأنَّ ذلك معونةٌ على الإجابةِ.
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) استحباباً في الدُّعاءِ؛ لقولِ أنسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاءِ، وَكَانَ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» متفقٌ عليه 22، وظهورُهُما نحوَ السَّماءِ؛ لحديثٍ رواه مسلمٌ 23.
(فَيَدْعُوَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ تأسِّياً به، (وَمِنْهُ) ما رواه ابنُ عمرَ: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا)، بوصلِ الهمزةِ وقطعِها، (غَيْثاً)، أي: مطراً،
الجزء: 1 - الصفحة: 444
(مُغِيثاً)، أي: مُنْقذاً من الشدَّةِ، يُقال: غاثه وأغاثه، (إِلَى آخِرِهِ)، أي: آخِرِ الدُّعاءِ، أي: «هَنِيئًا 24، مَرِيئًا 25، غَدقاً 26، مُجَلِّلاً 27، سَحًّا 28، عَامًّا 29، طَبَقاً 30، دَائِماً، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ القَانِطِينَ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إنَّ بِالعِبَادِ وَالبِلَادِ مِنْ اللَّأْوَاءِ 31 وَالجَهْدِ 32 وَالضَّنْكِ 33 مَا لَا نَشْكُوهُ إلَّا إِلَيْك، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ
الجزء: 1 - الصفحة: 445
ارْفَعْ عَنَّا الجُوعَ وَالجَهْدَ وَالعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ البَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إنَّكَ كُنْتَ غَفَّاراً، فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَاراً» 34. ويُسنُّ أنْ يَستقبِلَ القبلةَ في أثناءِ الخطبةِ، ويحوِّلَ رداءه فيَجعلَ
الجزء: 1 - الصفحة: 446
ما على 35 الأيمنِ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ، ويَفعلُ الناسُ كذلك، ويَتركونَه حتى يَنزعوه مع ثيابِهم.
ويدعو سرًّا فيقولُ: (اللهم إنَّك أمرتنا بدعائِك ووَعَدْتنا إجابتَك 36، وقد دعوناك كما أمَرْتَنا، فاستجِب لنا كما وعدتنا)، فإن سُقُوا وإلَّا عادُوا ثانياً وثالثاً.
(وَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ شَكَرُوا اللهَ، وَسَأَلُوهُ المَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ)، ولا يُصلُّون، إلا أن يكونوا تأهَّبُوا للخروجِ، فيصلُّونَها شكراً للهِ، ويسألوه 37 المزيدَ مِن فضلِه.
(وَيُنَادَى) لها: (الصَّلَاة جَامِعة)؛ كالكسوفِ والعيدِ، بخلافِ جنازةٍ وتراويحَ، والأولُ منصوبٌ على الإغراءِ، والثاني على الحالِ، وفي الرعايةِ: (برفعِهما ونصبِهما) 38.
(وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الإِمَامِ)؛ كالعيدين وغيرِهما.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ المَطَرِ، وَإِخْرَاجُ 39 رَحْلِهِ وَثِيَابِهِ لِيُصِيبَهَا)؛ لقولِ أنسٍ: أصابنا ونحنُ مع رسولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مطرٌ فَحَسَر
الجزء: 1 - الصفحة: 447
ثوبَه حتى أصابَه 40 مِن المطرِ، فقلنا: لم صَنَعْت هذا؟ قال: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» رواه مسلمٌ 41.
وذَكَر جماعةٌ: ويَتوضأُ، ويَغتسِلُ 42؛ لأنَّه روي أنَّه عليه السلام كان يقولُ إذا سال الوادي: «اخْرُجُوا بِنَا إِلَى الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ طُهْراً 43 فَنَتَطَهَّر بِهِ» 44.
وفي معناه: ابتداءُ زِيادةِ النِّيلِ ونحوِه.
(وَإِذَا زَادَتِ المِيَاهُ وَخِيفَ مِنْهَا، سُنَّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا)، أي: أنزِله حوالي المدينةِ في مواضِعِ النَّباتِ، (وَلَا عَلَيْنَا) في المدينةِ، ولا في غيرِها مِن المباني، (اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ): أي: الروابي الصِّغارِ، (وَالآكَامِ): بفتحِ الهمزةِ تَليها مَدَّةٌ، على وزنِ: آصالٍ، وبكسرِ الهمزةِ بغيرِ مَدٍّ على وزنِ: جبالٍ، قال مالك: (هي
الجزء: 1 - الصفحة: 448
الجبالُ الصِّغارُ) 45، (وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ)، أي: الأمكنةِ 46 المنخفضةِ، (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ)، أي: أصولِها؛ لأنَّه أنفعُ لها؛ لما في الصحيحِ: «أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ» 47، (رَبَّنَا لا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي: لا تُكلِّفْنا مِن الأعمالِ ما لا نُطيقُ، (الآيَةَ) 48: (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) 49 [البقرة: 286]. ويُستحبُّ أن يقولَ: «مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ»، ويحرمُ: «بِنَوْءِ كَذَا» 50، ويباحُ: (في نوءِ كذا)، وإضافةُ المطرِ إلى النِّوءِ دونَ اللهِ كُفْرٌ إجماعاً، قاله في المبدعِ 51 52.
الجزء: 1 - الصفحة: 449