(بَابُ مَقَادِيرِ دِيَاتِ النَّفْسِ)
المقاديرُ: جمعُ مِقدارٍ، وهو: مَبلَغُ الشيءِ وقَدرُه.
(دِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ مِائَةُ بَعِيرٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالٍ ذَهَباً، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِضَّةً، أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ)؛ لحديثِ أبي داودَ عن جابرٍ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الإِبِلِ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ» رواه أبو داودَ 1، وعن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ: «أَنَّ رَجُلاً قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ» 2،
وفي كتابِ عمرو بنِ
الجزء: 3 - الصفحة: 346
حَزمٍ: «وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ» 3.
الجزء: 3 - الصفحة: 347
(هذِهِ) الخمسُ المذكوراتُ (أُصُولُ الدِّيَةِ) دونَ غيرِها، (فأيَّهَا أَحْضَرَ مَنْ تَلْزَمُهُ) الدِّيةُ؛ (لَزِمَ الوَلِيَّ قَبُولُهُ)، سواءٌ كان وليُّ الجنايةِ مِن أهلِ ذلك النوعِ أو لم يَكُن؛ لأنَّه أتى بالأصلِ في قضاءِ الواجبِ عليه.
ثم تارةً تُغلَّظُ الدِّيةُ وتارةً لا تُغلَّظُ 4، (فَـ) تُغلَّظُ (فِي قَتْلِ العَمْدِ وَشِبْهِهِ)، فيؤخَذُ (خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً 5.
ولا تَغليظَ في غيرِ إبلٍ.
(وَ) تكونُ الدِّيةُ (فِي الخَطَأِ) مُخفَّفةً، (تَجِبُ 6 أَخْمَاساً؛ ثَمَانُونَ مِنَ الأَرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ)، أي: عشرون بنتَ مخاضٍ، وعشرون بنتَ لبونٍ، وعشرون حِقَّةً، وعشرون جذعةً، (وَعِشْرُونَ مِنْ بَنِي مَخَاضٍ)، هذا قولُ ابنِ مسعودٍ 7.
الجزء: 3 - الصفحة: 349
وكذا حُكْمُ الأطرافِ.
وتُؤخَذُ 8 مِن بقرٍ مُسِنَّاتٌ وأَتْبِعَةٌ، ومِن غنمٍ ثَنايَا وأَجْذِعَةٌ نِصفين.
(وَلَا تُعْتَبرُ القِيمَةُ في ذلِكَ)، أي: أن تَبلُغَ قِيمةُ الإبلِ، أو البقرِ، أو الشِّياهِ 9 دِيَةَ نَقْدٍ؛ لإطلاقِ الحديثِ السابقِ، (بَلْ) تُعتبَرُ فيها (السَّلَامَةُ) مِن العيوبِ؛ لأنَّ الإطلاقَ يَقتضي السلامةَ.
(وَدِيَةُ) الحُرِّ (الكِتَابِيِّ) الذِّميِّ، أو المعاهَدِ، أو المستأمِن 10؛ (نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ)؛ لحديثِ عمرو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِأَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الكِتَابِ نِصْفُ عَقْلِ
الجزء: 3 - الصفحة: 350
المُسْلِمِينَ» رواه أحمدُ 11، وكذا جِراحُه.
(وَدِيَةُ المَجُوسِيِّ) الذِّميِّ، أو المعاهَدِ، أو المستأمِن، (وَ) ديةُ (الوَثَنِيِّ) المعاهَدِ، أو المستأمِن؛ (ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ)؛ كسائرِ المشركين، رُوي عن عمرَ 12،
وعثمانَ 13، وابنِ مسعودٍ 14.
الجزء: 3 - الصفحة: 351
وجِراحُه بالنِّسبةِ.
(وَنِسَاؤُهُمْ)، أي: نساءُ أهلِ الكتابِ، والمجوسِ، وعَبَدَةِ الأوثانِ، وسائرِ المشركين (عَلَى النِّصْفِ) مِن دِيَةِ ذُكْرَانِهم، (كَـ) دِيَةِ نساءِ (المُسْلِمِينَ)؛ لما في كتابِ عمرو بنِ حَزمٍ: «دِيَةُ المَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ» 15.
ويَستوي الذَّكرُ والأُنثى فيما يوجِبُ دونَ ثُلُثِ الدِّيةِ؛ لحديثِ
الجزء: 3 - الصفحة: 352
عمرو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعاً: «عَقْلُ المَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» أخرجه النسائي 16.
ودِيَةُ خُنثى مُشْكِلٍ نصفُ دِيةَ كلٍّ منهما.
(وَدِيَةُ قِنٍّ) ذَكراً كان أو أنثى، صَغيراً 17 أو كَبيراً، ولو مُدبَّراً أو مُكاتَباً؛ (قِيمَتُهُ)، عَمداً كان القتلُ أو خَطأً؛ لأنَّه مُتقوَّمٌ، فضُمِنَ بقيمتِه بالغةً ما بَلَغَت؛ كالفرسِ.
(وَفي جِرَاحِهِ)، أي: جِراحِ القِنِّ -إن قُدِّرَ مِن حُرٍّ- بقِسْطِه مِن قِيمتِه؛ ففي يدِه نصفُ قيمتِه؛ نَقَص بالجنايةِ أقلَّ مِن ذلك أو أكثرَ، وفِي أنفِه قيمتُه كاملةً، وإن قَطَع ذكرَه، ثم خَصاهُ؛ فقيمتُه لقَطْعِ ذكرِه، وقيمتُهُ مَقطوعَهُ، ومِلْكُ سيِّدِه باقٍ عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 353
وإن لم يُقَدَّرْ مِن حُرٍّ ضُمِنَ بـ (مَا نَقَصَهُ) بجنايتِه (بَعْدَ البُرْءِ)؛ أي: التِئامِ جُرحِه؛ كالجنايةِ على غيرِه مِن الحيواناتِ.
(وَيَجِبُ فِي الجَنِينِ) الحُرٍّ (ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى) إذا سَقَط مَيتاً بجنايةٍ على أُمِّه عمداً أو خطأً؛ (عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ غُرَّةً)، أي: عبداً أو أمةً قيمتُها خمسٌ مِن الإبلِ إن كان حُرًّا مسلماً.
(وَ) يجبُ في الجنينِ (عُشْرُ قِيمَتِهَا)، أي: قيمةِ أُمِّه (إِنْ كَانَ) الجنينُ (مَمْلُوكاً، وَتُقَدَّرُ الحُرَّةُ) الحاملُ برقيقٍ (أَمَةً)، ويؤخَذُ عُشْرُ قيمتِها يومَ جنايةٍ عليها نقداً.
وإن سَقَط حيًّا لوَقْتٍ يعيشُ لمثلِه؛ ففيه إذا مات ما فيه مولوداً.
وفي جنينِ دابَّةٍ ما نَقَص أُمَّه.
(وَإِنْ جَنَى رَقِيقٌ خَطَأً، أَوْ) جَنَى (عَمْداً لَا قَوَدَ فِيهِ)؛ كالجائفةِ، (أَوْ) جَنَى عمداً (فِيهِ قَوَدٌ وَاخْتِيرَ فِيهِ المَالُ، أَوْ أَتْلَفَ) رقيقٌ (مَالاً)، وكانت الجنايةُ والإتلافُ (بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ؛ تَعَلَّقَ) ما وَجَب بـ (ذلِكَ بِرَقَبَتِهِ)؛ لأنَّه موجِبُ جنايتِه، فوجَبَ أن يَتعلَّقَ 18 برقَبَتِه؛ كالقِصاصِ، (فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ) إن كان قَدْرَ قيمتِه فأقلَّ، وإن كان أكثرَ منها لم يَلزَمْهُ سِوى قيمتِه؛ حيثُ لم يَأذَنْهُ في الجنايةِ، (أَوْ يُسَلِّمَهُ) السيِّدُ (إِلَى وَلِيِّ الجِنَايَةِ فَيَمْلِكَهُ، أَوْ يَبِيعَهُ)
الجزء: 3 - الصفحة: 354
السيِّدُ (وَيَدْفَعَ ثَمَنَهُ) لوليِّ الجنايةِ إن استغرقَهُ أرشُ الجنايةِ، وإلا دَفَع منه بِقَدْرِه.
وإن كانت الجنايةُ بإذنِ السيِّدِ، أو أمَرَه؛ فَداه بأرْشِها كلِّه.
وإن جَنَى عمداً فعَفَا وليٌّ على رقبَتِه؛ لم يَملِكْهُ بغيرِ رضَى سيِّدِه، وإن جَنَى على عددٍ؛ زاحَم كلٌّ بحصَّتِه.
وشِراءُ وليِّ قَودٍ له عفوٌ عنه.
الجزء: 3 - الصفحة: 355