(يَجِبُ التَّعْدِيلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ بِقَدْرِ إِرْثِهِمْ)؛
للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين؛ اقتداءً بقسمةِ اللهِ تعالى، وقياساً لحالِ الحياةِ على حالِ الموتِ، قال عطاءٌ: (ما كانوا يَقسمون إلا على كتابِ اللهِ تعالى) 1.
وسائِرُ الأقاربِ في ذلك كالأولادِ.
(فَإِنْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ)؛ بأنْ أعطَاه فوق إرثِهِ، أو خصَّهُ (سَوَّى) وجوباً (بِرُجُوعٍ) حيثُ أمكن، (أَوْ زِيَادَةِ) المفضولِ ليساويَ الفاضِلَ، أو إعطاءٍ ليستووا؛ لقولِهِ عليه السلام: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» متفقٌ عليه مختصراً 2.
وتحرُمُ الشَّهادةُ على التخصيصِ أو التفضيلِ تحمُّلاً وأداءً 3 إن عَلِمَ، وكذا كلُّ عقدٍ فاسدٍ عندَه مختلَفٍ فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 490
(فَإِنْ مَاتَ) الواهبُ (قَبْلَهُ)، أي: قبلَ الرجوعِ أو الزيادةِ؛ (ثَبَتَ) للمُعْطَى، فليس لبقيَّةِ الورثةِ الرجوعُ، إلا أن يكونَ بمرضِ الموتِ، فيَقِفُ على إجازةِ الباقين.
(وَلَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ اللَّازِمَةِ)؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعاً: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» متفقٌ عليه 4، (إِلَّا الأَبَ) فله الرجوعُ، قَصَد التَّسويةَ أوْ لَا، مُسلماً كان أو كافِراً؛ لقولِهِ عليه السلام: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ العَطِيَّةَ فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلَّا الوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» رواه الخمسةُ، وصحَّحه الترمذي مِن حديثِ عمرَ وابنِ عباسٍ 5.
ولا يَمنَعُ الرُّجوعَ نقصُ العينِ، أو تلَفُ بعضِها، أو زيادةٌ منفصلةٌ، ويَمنَعُهُ زيادةٌ متصلةٌ، وبيعُه، وهِبتُه، ورَهنُه ما لم يَنفكَّ.
(وَلَهُ)، أي: لأبٍ حرٍّ (أَنْ يَأْخُذَ وَيَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَحْتَاجُهُ)؛ لحديثِ عائشةَ مَرفوعاً: «إنَّ أَطْيَبِ مَا أَكَلْتُمْ
الجزء: 2 - الصفحة: 491
مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» رواه سعيدٌ، والترمذي وحسَّنه 6، وسواءٌ كان الوالدُ محتاجاً أوْ لَا، وسواءٌ كان الولدُ كبيراً أو صغيراً، ذكراً أو أنثى.
الجزء: 2 - الصفحة: 492
وليس له أنْ يَتملَّكَ ما يَضرُّ بالولدِ، أو تَعلَّقت به حاجتُهُ، ولا ما يُعطيه وَلَداً آخَرَ، ولا في مرضِ موتِ أحدِهِما المخوفِ.
(فَإِنْ تَصَرَّفَ) والِدُه (فِي مَالِهِ) قبلَ تملُّكِهِ وقبضِهِ (وَلَوْ فِيمَا وَهَبَهُ لَهُ)، أي: لولدِهِ وأقبضه إياه (بِبَيْعٍ)، أو هِبةٍ، (أَوْ عِتْقٍ، أَوْ إِبْرَاءِ) غريمِ ولدِه مِن دَيْنِه؛ لم يصحَّ تصرُّفُه؛ لأنَّ ملكَ الولدِ على مالِ نفسِهِ تامٌّ يصحُّ تصرُّفُه فيه، ولو كان للغيرِ أو مُشترَكاً؛ لم يَجُزْ.
(أَوْ أَرَادَ أَخْذَهُ)، أي: أرادَ الوالدُ أَخْذَ ما وَهَبه لولدِهِ (قَبْلَ رُجُوعِهِ) في هِبتِهِ بالقولِ، كَرَجَعْتُ فيها، (أَوْ) أراد أخْذَ مالِ ولدِه قبلَ (تَمَلُّكِهِ بِقَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ وَقَبْضٍ مُعْتَبَرٍ؛ لَمْ يَصِحَّ) تصرُّفُهُ؛ لأنَّه لا يَملِكُهُ إلا بالقبضِ مع القولِ أو النيةِ، فلا يَنفُذُ تَصرُّفُهُ فيه قبلَ ذلك، (بَلْ بَعْدَهُ)، أي: بعدَ القبضِ المعتبرِ مع القولِ أو النيةِ؛ لصَيْرورتِهِ ملكاً له بذلك.
وإن وَطِئَ جاريةَ ابنِهِ فأَحْبَلها؛ صارت أُمَّ ولدٍ له، وولدُهُ حرٌّ، ولا حَدَّ ولا مَهْرَ عليه إن لم يَكُن الابنُ وَطِئَها.
(وَلَيْسَ لِلوَلَدِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ وَنَحْوِهِ)؛ كقيمةِ مُتْلَفٍ، وأَرْشِ جِنايةٍ؛ لما روى الخلَّالُ: أنَّ رجلاً جاء إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأَبِيه يقتَضِيه دَيْناً عليه، فقال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» 7.
الجزء: 2 - الصفحة: 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حديث عائشة، ومن حديث سمرة بن جندب، ومن حديث عمر بن الخطاب، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث ابن عمر)، وزاد الألباني ثلاثة غيرها:
الأول: حديث جابر: رواه ابن ماجه (2291)، من طريق يوسف بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عنه مرفوعاً.
وصححه ابن التركماني وابن القطان، ونقل عن البزار تصحيحه، وقال ابن الملقن: (هذا إسناد صحيح جليل)، وبنحوه قال البوصيري.
ورواه الشافعي في الرسالة (ص 467) عن ابن عيينة، وعبد الرزاق (16628) عن الثوري، كلاهما عن ابن المنكدر مرسلاً.
ورجح المرسل: الشافعي وأبو حاتم، وقال: (هذا خطأ، وليس هذا محفوظ عن جابر، رواه الثوري وابن عيينة عن ابن المنكدر: أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك، وهذا أشبه)، وقال البيهقي: (وقد رواه بعض الناس موصولاً بذكر جابر فيه، وهو خطأ)، وقال البزار: (إنما يعرف عن هشام عن ابن المنكدر مرسلاً)، وقال الدارقطني: (غريب من حديث يوسف، تفرد به عيسى بن يونس).
الثاني: حديث عائشة: رواه ابن حبان (410)، من طريق عبد الله بن كيسان عن عطاء، عنها مرفوعاً.
وصححه ابن حبان والبزار وعبد الحق، وقال ابن الملقن: (هو أصح طرقه الثمانية)، إلا أن ابن كيسان صدوق يخطيء كثيراً كما في التقريب.
وقال الدارقطني: (روي موصولاً ومرسلاً، والمرسل أصح).
الثالث: حديث سمرة: رواه البزار (4593)، والطبراني في الأوسط (7088)، والعقيلي (2/ 234)، من طريق أبي مالك - وسماه البزار: أبي إسماعيل - الجوداني، حدثنا جرير بن حازم، عن الحسن عنه مرفوعاً.
قال البزار: (رواه غير أبي إسماعيل، عن جرير، عن الحسن مرسلاً، ولا نعلم أسنده غير أبي إسماعيل)، وقال الطبرانى: (تفرد به أبو مالك)، وقال العقيلى: (هو منكر الحديث لا يتابع على شئ من حديثه).
الرابع: حديث عمر: رواه البزار (295) من طريق سعيد بن بشير، عن مطر الوراق، =
الجزء: 2 - الصفحة: 494
(إِلَّا بِنَفَقَتِهِ الوَاجِبَةِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ لَهُ مُطَالبَتَهُ بِهَا، وَحَبْسَهُ عَلَيْهَا)؛ لضرورةِ حفظِ النفسِ، وله الطلبُ بعينِ مالٍ له بِيَدِ أبيه.
فإنْ مات الابنُ فليس لورثتِهِ مطالبةُ الأبِ بدَيْنٍ ونحوِهِ؛ كمورِّثِهِم.
= عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عنه مرفوعاً.
وأعله ابن عدي في الكامل بسعيد بن بشير، قال في التقريب: (ضعيف).
الخامس: حديث ابن مسعود: رواه الطبراني (10019)، قال ابن حجر: (وفيه معاوية بن يحيى وهو ضعيف)، قال الزيلعي: (وأعله ابن عدي في الكامل بمعاوية بن يحيى، وضعفه تضعيفاً يسيراً).
وقال أبو حاتم: (إنما هو حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة بلفظ: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ابنه من كسبه)، قال ابن حجر: (فأخطأ فيه إسناداً ومتناً).
السادس: حديث ابن عمر: رواه أبو يعلى (5731)، قال الهيثمي: (رواه أبو يعلى، وفيه أبو حريز وثقه أبو زرعة، وأبو حاتم وابن حبان، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات).
قال العقيلي: (في الباب أحاديث، وفيها لين وبعضها أحسن من بعض)، وقال ابن حجر: (فمجموع طرقه لا تحطه عن القوة وجواز الاحتجاج به)، وصحح بعض طرقه غير من تقدم ذكرهم: ابن الجارود والصنعاني والألباني، وصححه ابن حزم وادعى نسخه.
ينظر: علل الحديث 4/ 251، الأفراد 2/ 394، علل الدارقطني 14/ 194، معرفة السنن 1/ 166، الكامل لابن عدي 4/ 421، المحلى 6/ 389، مجمع الزوائد 4/ 154، بيان الوهم 5/ 102، الجوهر النقي 7/ 481، تحفة المحتاج 2/ 377، خلاصة البدر المنير 2/ 203، التلخيص الحبير 3/ 401، فتح الباري 5/ 211، مصباح الزجاجة 3/ 37، نصب الراية 3/ 337، رسالة لطيفة في شرح حديث أنت ومالك لأبيك للصنعاني ص 31، الإرواء 3/ 323.
الجزء: 2 - الصفحة: 495
وإن مات الأبُ رَجَع الابنُ بدينِهِ في تركتِهِ.
والصدقةُ- وهي: ما قُصِد به ثوابَ الآخرةِ-، والهديةُ - وهي: ما قَصَد به إكراماً وتودُّداً ونحوَهُ- نوعان مِن الهبةِ، حُكمُهُما حُكمُها (1) فيما تقدَّم.
ووعاءُ هديةٍ كهي مع عُرْفٍ.