(بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ العِظَامِ)
الشَّجُّ: القطعُ، ومنه: شجَجْتُ المفازةَ، أي: قَطعتُها.
(الشَّجَّةُ: الجُرْحُ فِي الرَّأْسِ وَالوَجْهِ خَاصَّةً)؛ سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تَقطَعُ الجِلدَ، فإن كان في غيرِهما 1 سُمِّيَ جُرْحاً لا شجَّةً.
(وَهِيَ)، أي: الشَّجَّةُ باعتبارِ تَسميتِها المنقولةِ عَن العربِ (عَشْرٌ) مُرَّتَّبةٌ:
أولُها: (الحَارِصَةُ) -بالحاءِ والصادِ المُهمَلَتَينِ- (الَّتِي تَحْرِصُ الجِلْدَ، أَيْ: تَشُقُّهُ قَلِيلاً وَلَا تُدْمِيهِ)، أي: لا يَسيلُ منه دمٌ، والحَرْصُ: الشَّقُّ، يُقالُ: حَرَص القَصَّارُ الثوبَ: إذا شَقَّه قليلاً، وتُسمَّى أيضاً: القاشِرةُ، والقِشرَةُ.
(ثُمَّ) يَليها (البَازِلَةُ الدَّامِيَةُ الدَّامِعَةُ) - بالعينِ المهملةِ-؛ لقِلَّةِ سَيَلان الدمِ منها؛ تَشبيهاً بخُرُوجِ الدَّمعِ مِن العينِ، (وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ).
(ثُمَّ) يَليها (البَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ)، أي: تَشُقُّه بعدَ الجلدِ، ومنه سُمِّيَ البُضْعُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 363
(ثُمَّ) يَليها (المُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الغَائِصَةُ فِي اللَّحْمِ)، ولذلك اشتُقَّت منه.
(ثُمَّ) يَليها (السِّمْحَاقُ، وَهِيَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ) تُسمَّى السِّمْحاقَ، سُمِّيَت الجراحةُ الواصلةُ إليها بها؛ لأنَّ هذه الجراحةَ تأخُذُ في اللَّحمِ كلِّه حتى تصِلَ إلى هذه القِشرَةِ.
(فَهذِهِ الخَمْسُ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا، بَلْ) فيها (حُكُومَةٌ)؛ لأنَّه لا توقيفَ فيها في الشرعِ، فكانت كجِراحاتِ بقِيَّةِ البدنِ.
(وَفِي المُوضِحَةِ، وَهِيَ مَا تُوضِحُ اللَّحْمَ) - هكذا في خَطِّه، والصوابُ: العَظْمَ-، (وَتُبْرِزُهُ)، عَطفُ تفسيرٍ على تُوضِحُهُ 2، ولو أبْرَزَتْهُ بقَدرِ إبرةٍ لمن يَنظُرُهُ: (خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ)؛ لحديثِ عمرو بنِ حَزْمٍ: «وَفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ» 3.
فإن عَمَّت رأساً ونزَلَت إلى وَجهٍ؛ فموضِحَتان.
(ثُمَّ) يَليها (الهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ العَظْمَ وَتَهْشِمُهُ)، أي: تَكسِرُهُ، (وَفِيهَا عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ)، رُوي عن زيدِ بنِ ثابتٍ 4، ولم يُعرَفْ
الجزء: 3 - الصفحة: 364
له مخالِفٌ في عَصرِه مِن الصحابةِ.
(ثُمَّ) يَليها (المُنَقِّلَةُ، وَهِيَ 5 مَا تُوضِحُ) العَظْمَ (وَتَهْشِمُـ) ـهُ (وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ)؛ لحديثِ عمرو بنِ حَزْمٍ.
(وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ المَأْمُومَةِ)، وهي التي تَصِلُ إلى جِلدَةِ الدِّماغِ، وتُسمَّى الآمَّةَ، وأُمَّ الدماغِ، (وَالدَّامِغَةِ) - بالغينِ المعجمةِ- التي تَخرِقُ الجِلدَةَ؛ (ثُلُثُ الدِّيَةِ)؛ لحديثِ عمرو بنِ حَزْمٍ: «فِي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» 6، والدَّامِغَةُ أبلغُ.
وإن هَشَمَه بمُثَقَّلٍ ولم يُوضِحْهُ، أو طَعَنَه في خدِّه فوَصَلَ إلى فَمِه؛ فحُكومةٌ، كما لو أدْخَلَ غيرُ زوجٍ أصبعَهُ فَرجَ 7 بِكرٍ.
(وَفِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ)؛ لما في كتابِ عمرو بنِ حَزْمٍ: «فِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» 8، (وَهِيَ)، أي: الجائفةُ (الَّتِي تَصِلُ إِلى بَاطِنِ الجَوْفِ)؛ كبطنٍ ولو لم تَخرِقْ مِعاءً، وظَهرٍ، وصَدرٍ، وحَلقٍ، ومَثانةٍ، وبينَ خُصيتين، ودُبُرٍ.
وإن أدخَلَ السَّهمَ مِن جانبٍ فخرَجَ مِن آخرَ؛ فجائفتان، رواه
الجزء: 3 - الصفحة: 365
سعيدُ بنُ المسيّبِ عن أبي بكرٍ 9.
ومَن وطِئَ زوجةً لا يوطَأُ مِثلُها فخَرَقَ ما بين مخرَجِ بولٍ ومنِيٍّ، أو ما بينَ السبيلَيْنِ؛ فعليه الدِّيةُ إن لم يَستَمسِكْ بولٌ، وإلا فثُلُثُها.
وإن كانت ممَّن يوطَأُ مِثلُها لمثلِه؛ فهَدَرٌ.
(وَ) يجبُ (فِي الضِّلَعِ 10 إذا جُبِرَ كما كان؛ بعيرٌ، (وَ) يجبُ في (كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ التَّرْقُوَتَيْنِ 11؛ بَعِيرٌ)؛ لما روى سعيدٌ عن عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «فِي الضِّلَعِ جَمَلٌ، وفِي التَّرْقُوَةُ جَمَلٌ» 12،
والتَّرقوةُ: العَظْمُ
الجزء: 3 - الصفحة: 366
المُستَديرُ حَولَ العُنقِ مِن النَّحرِ إلى الكَتِفِ، ولكلِّ إنسانٍ تَرقُوَتان.
وإن انْجَبَر الضِّلَعُ أو التَّرقُوَةُ غيرُ مُستَقِيمَينِ؛ فحُكومةٌ.
(وَ) يجبُ (فِي كَسْرِ الذِّرَاعِ - وَهُوَ السَّاعِدُ الجَامِعُ لِعَظْمَيِ الزِّنْدِ 13 وَالعَضُدِ-، وَ) في (الفَخِذِ، وَ) في (السَّاقِ)، والزَّندِ (إِذَا جُبِرَ ذلِكَ مُسْتَقِيماً؛ بَعِيرَانِ)؛ لما روى سعيدٌ عن عمرو بنِ شُعيبٍ 14: أنَّ عمرو بنَ العاصِ كَتَب إلى عمرَ في أحَدِ الزَّنْدَيْن إذا كُسِرَ، فكَتَبَ إليه عمرُ: «أَنَّ فِيهِ بَعِيرَيْنِ، وَإِذَا كُسِرَ الزَّنْدَانِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةٌ مِنَ الإِبِلِ» 15، ولم يَظهَرْ له مخالفٌ مِن الصحابةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 367
(وَمَا عَدَا ذلِكَ) المذكورَ (مِنَ الجِرَاحِ وَكَسْرِ العِظَامِ)؛ كخَرَزَةِ صُلْبٍ 16، وعُصْعُصٍ 17، وعانةٍ؛ (فَفِيهِ حُكُومَةٌ).
(وَالحُكُومَةُ: أَنْ يُقَوَّمَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ)، أي: الجنايةُ (بِهِ قَدْ بَرِئَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنَ القِيمَةِ فَلَهُ)، أي: للمجني عليه (مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ، كَأَنَّ)، أي: لو قَدَّرْنا أنَّ (قِيمَتَهُ)، أي: قيمةَ المجنيِّ عليه لو كان (عَبْداً سَلِيماً) مِن الجنايةِ (سِتُّونَ، وَقِيمَتَهُ بِالجِنَايَةِ خَمْسُونَ؛ فَفِيهِ)، أي: في جُرْحِه (سُدُسُ دِيَتِهِ)؛ لنَقصِه بالجنايةِ سُدُسُ قيمتِه، (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الحُكُومَةُ فِي مَحَلٍّ لَهُ مُقَدَّرٌ) مِن الشرعِ؛ (فَلَا 18 يُبْلَغُ بِهَا)، أي: بالحكومةِ (المُقَدَّرُ)؛ كشجَّةٍ دونَ الموضِحَةِ لا تَبلُغُ حُكومَتُها أرشَ الموضِحَةِ.
وإن لم تُنقِصْهُ الجنايةُ حالَ بُرْءٍ؛ قُوِّمَ حالَ جَريانِ دمٍ، فإن لم تُنقِصْه أيضاً، أو زادَتْه حُسْناً؛ فلا شيءَ فيها.
الجزء: 3 - الصفحة: 368