(كِتَابُ الجَنَائِزِ)
بفتحِ الجيمِ: جمعُ جنازةٍ - بالكسرِ، والفتحُ لغةٌ -: اسمٌ للميتِ أو 1 للنَعْشِ عليه ميتٌ، فإنْ لم يكنْ عليه ميتٌ فلا يُقالُ: نَعشٌ ولا جنازةٌ، بل سريرٌ، قاله الجوهري 2.
واشتقاقُه مِنْ جَنَزَ: إذا سَتَرَ.
وذكره هنا؛ لأنَّ أهمَّ ما يُفعل بالميتِ الصلاةُ.
ويُسنُّ الإكثارُ من ذِكرِ الموتِ، والاستعدادُ له؛ لقولِه عليه السلام: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَاتِ» 3،
هو بالذال المعجمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 451
ويُكرهُ الأَنينُ، وتمنِّي الموتَ.
ويُباحُ التداوي بمباحٍ، وترْكهُ أفضلُ، (ويحرُمُ بمُحرَّمٍ مأكولٍ وغيرِه مِنْ صَوتِ مَلْهَاةٍ وغيرِه، ويجوز بِبَوْلِ إبلٍ فقط)، قاله في المبدع 4.
ويُكره أنْ يستَطِبَّ مسلمٌ ذميًّا لغيرِ ضرورةٍ، وأنْ يأخذَ مِنه 5 دواءً لم يُبَيِّن مفرداتِه المباحةَ.
و(تُسَنُّ عِيَادَةُ المَرِيضِ)، والسؤالُ عن حالِه؛ للأخبار 6، ويُغِبُّ بها، وتكون بُكرةً أو عشياً، ويأخذُ بيدِه ويقولُ: «لَا بَأْسَ، طَهُوراً 7 إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى»؛ لفعلِه عليه السلام 8، ويُنَفِّسَ له في أجلِه؛ لخبرٍ رواه ابن ماجه عن أبي سعيد 9، فإنَّ ذلك لا يرُدُّ شيئاً،
الجزء: 1 - الصفحة: 452
ويدعو له بما ورَد.
(وَ) يُسنُّ (تَذْكِيرُهُ التَّوْبَةَ)؛ لأنَّها واجبةٌ على كلِّ حالٍ، وهو أحوجُ إليها مِنْ غيرِه، (وَالْوَصِيَّةَ)؛ لقوله عليه السلام: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» متفق عليه عن ابن عمر 10.
(وَإِذَا نُزِلَ بِهِ)، أي: نَزَل به الملَكُ لقبضِ روحِه (سُنَّ):
(تَعَاهُدُ) أرفَقِ أهلِه وأتقاهُم لِرَبِّه (بَلُّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى شَفَتَيْهِ) 11؛ لأنَّ ذلك يُطْفِئُ ما نَزَل به مِنَ الشدَّةِ، ويُسهِّلُ عليه النَّطقَ بالشهادةِ.
(وَلَقَّنَهُ 12 إِلهَ إِلَّا اللهُ)؛ لقوله عليه السلام: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» رواه مسلم عن أبي سعيد 13، (مَرَّةً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ)؛ لئلَّا
الجزء: 1 - الصفحة: 453
يُضْجِرَهُ، (إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ، فَيُعِيدُ تَلْقِينَهُ)؛ ليكونَ آخرُ كلامِه: لا إله إلا الله، ويكونُ (بِرِفْقٍ)، أي: بلطفٍ ومداراةٍ؛ لأنَّه مطلوبُ في كلِّ موضعٍ، فهنا أَوْلَى.
(وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ) سورةَ («يَس»)؛ لقوله عليه السلام: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ سُورَةَ يَس» رواه أبو داود 14،
ولأنَّه يُسهِّلُ خروجَ الرُّوحِ، ويقرأُ عنده أيضاً الفاتحةَ.
(وَيُوَجِّهُهُ إِلَى القِبْلَةِ)؛ لقوله عليه السلام عن البيتِ الحرامِ: «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً» رواه أبو داود 15، وعلى جنْبِهِ الأيمنِ أفضلُ إنْ كان
الجزء: 1 - الصفحة: 454
المكانُ واسعاً، وإلا فعلى ظهرِه مستلقياً ورِجلاه إلى القبلةِ، ويرفعُ رأسَهُ قليلاً ليصيرَ وجهُه إلى القبلةِ.
(فَإِذَا مَاتَ سُنَّ):
(تَغْمِيضُهُ)؛ لأنه عليه السلام أَغْمَضَ أبا سلمةَ، وقال: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» رواه مسلم 16، ويقولُ: بِسمِ اللهِ، وعلى وفاةِ رسولِ اللهِ، ويُغْمِضُ ذاتَ مَحْرَمٍ وتُغْمِضُه.
وكُره مِن حائضٍ وجنبٍ، وأنْ يَقرَباه.
ويُغْمِضُ 17 الأنثى مثلُها أو صبِيٌّ.
(وَشَدُّ لَحْيَيْهِ)؛ لئلَّا يدخلَه الهوامُّ.
(وَتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ)؛ ليَسهُلَ تغسيلُه، فيَرُدَّ ذراعَيْه إلى عَضُدَيْهْ، ثم يَرُدُّهُما إلى جَنْبِه ثم يَرُدُّهُما، ويرُدُّ ساقَيْه إلى فَخِذَيْهِ، وهما إلى بطنِه ثم يَرُدُّهُما، ويكونُ ذلك عَقِبَ موتِه قَبْل قسوتِها، فإنْ شقَّ ذلك تَرَكَه.
(وَخَلْعُ ثِيَابِهِ)؛ لئلَّا يَحْمَى جسدُه فيُسرِعَ إليه الفسادُ.
(وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ)؛ لما روتْ عائشةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ
الجزء: 1 - الصفحة: 455
سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ 18» متفق عليه 19، وينْبَغي أنْ يَعْطِفَ فاضلَ الثوبِ عند رأسِه ورِجليْهِ؛ لئلَّا يَرتفعَ بالرِّيحَ.
(وَوَضْعُ حَدِيدَةٍ) أو نحوِها (عَلَى بَطْنِهِ)؛ لقولِ أنسٍ: «ضَعُوا عَلَى بَطْنِهِ شَيْئاً مِنْ حَدِيدٍ» 20، و 21 لئلَّا يَنْتفخَ بطنُه.
(وَوَضْعُهُ عَلَى سَرِيرِ غُسْلِهِ)؛ لأنَّه يُبعدُ عن الهوامِ، (مُتَوَجِّهاً) إلى القبلةِ على جنبِه الأيمنِ، (مُنْحَدِراً نَحْوَ رِجْلَيْهِ)، أي: يكونُ رأسُه أعْلَى مِنْ رِجْلَيْه؛ ليَنْصَبَّ عنه الماءُ وما يخرُجُ منه.
(وَإِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ إِنْ مَاتَ غَيْرَ فَجْأَةٍ)؛ لقولِه عليه السلام: «لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» رواه أبو داود 22.
الجزء: 1 - الصفحة: 456
ولا بأسَ أن ينْتظرَ به من يحضُرُه مِنْ وَلِيِّه وغيرِه إنْ كان قريباً ولم يُخْشَ 23 أو يشقَّ على الحاضرين.
فإنْ ماتَ فجأةً، أو شُكَّ في موتِه؛ انْتُظِرَ به حتى يُعلمَ موتُه بانخسافِ صُدْغَيْهِ 24، ومَيْلِ أنفِه، وانفصالِ كفَّيْهِ، واسترخاءِ رِجْلَيْهِ.
(وَإِنْفَاذُ وَصِيَّتِهِ)؛ لما فيه مِنْ تعجيلِ الأجرِ.
(وَيَجِبُ) الإسراعُ (فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ)، سواءٌ كان للهِ تعالى أو لآدميٍّ؛ لما روى الشافعي، وأحمد، والترمذي وحسَّنه عن أبي هريرةَ مرفوعاً: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» 25.
ولا بأسَ بتقبيلِه والنظرِ إليه، ولو بعدَ تكفينِه.
الجزء: 1 - الصفحة: 457