(بَابُ الغُسْلِ)
بضمِّ الغينِ: الاغتسالُ، أي: استعمالُ الماءِ في جميعِ بدنِه، على وجهٍ مخصوصٍ.
وبالفتحِ: الماءُ، أو الفعلُ، وبالكسرِ: ما يُغْسَلُ به الرأسُ، مِن خطْمِيٍّ 1 وغيرِه 2.
(وَمُوجِبُهُ) ستةُ أشياءِ:
أحدُها: (خُرُوجُ المَنِيِّ) مِن مَخرجِه (دَفْقاً بِلَذَّةٍ، لَا) إنْ خرَج
الجزء: 1 - الصفحة: 147
(بِدُونِهِمَا مِنْ غَيْرِ نَائِمٍ) ونحوِه، فلو خَرَج مِن يقظانٍ لغيرِ ذلك، كبَرْدٍ ونحوِه مِن غيرِ شهوةٍ؛ لم يجبْ به غُسلٌ؛ لحديثِ عليٍّ يرفعُه: «إِذَا فَضَخْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَاضِخاً فَلَا تَغْتَسِلْ» رواه أحمدُ 3، والفَضْخُ: هو خُروجُه بالغَلَبةِ، قاله إبراهيمُ الحربي، فعلى هذا يكون نَجِساً وليس بمذي، قاله في الرعايةِ.
وإنْ خَرَج المنيُّ مِن غيرِ مخرَجِه، كما لو انكسَر صُلْبه فخرج منه؛ لم يَجب الغُسل، وحُكمه كالنَّجاسةِ المعتادةِ.
وإنْ أفاقَ نائمٌ أو نحوُه يُمْكِنُ بلوغُه، فوَجد بَللاً؛ فإن تحقَّق أنَّه مَنيٌّ اغتسل فقط، ولو لم يَذكُر احتِلاماً، وإن لم يَتحقَّقه منيًّا: فإن سبَقَ نومَه مُلاعبةٌ، أو نَظَرٌ، أو فِكْرٌ أو نحوُه، أو كان به إِبْرِدَةٌ 4؛ لم يجبْ غُسلٌ، وإلا اغتسل، وطَهَّرَ ما أصابَه احتياطاً.
(وَإِنْ انْتَقَلَ) المنيُّ (وَلَمْ يَخْرُجْ؛ اغْتَسَلَ لَهُ)؛ لأنَّ الماء قد باعَدَ
الجزء: 1 - الصفحة: 148
محَلَّه، فصَدَق عليه اسم الجُنبِ، ويحصُلُ به البلوغُ ونحوُه مما يترتَّبُ على خروجِه.
(فَإِنْ خَرَجَ) المنيُّ (بَعْدَهُ)، أي: بعد غُسلِه لانتقالِه؛ (لَمْ يُعِدْهُ)؛ لأنَّه منيٌّ واحدٌ، فلا يوجبُ غُسْلَين.
(وَ) الثاني: (تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ)، أو قَدْرِها إن فُقدت، وإن لم يُنزِلْ، (فِي فَرْجٍ أَصْليٍّ، قُبُلاً كَانَ أَوْ دُبُراً)، وإن لم يَجِد حرارةً.
فإن أَوْلَج الخُنثى المُشكِلُ حَشَفتِه في فرجٍ أصليٍّ ولم يُنزِلْ، أو أَوْلَج غير الخُنثى ذَكَره في قُبُلِ الخُنثى؛ فلا غُسلَ على واحدٍ منهما إلا أن يُنزلَ.
ولا غُسلُ إذا مسَّ الختانُ الختانَ مِن غيرِ إيلاجِ، ولا بإيلاجِ بعضِ الحَشَفةِ.
(وَلَوْ) كان الفرْجُ (مَنْ بَهِيمَةٍ، أو مَيْتٍ)، أو نائمٍ، أو مجنونٍ، أو صغيرٍ يجامَعُ مثلُه، وكذا لو استَدْخَلت ذَكَر نائمٍ، أو صغيرٍ ونحوِه.
(وَ) الثالثُ: (إِسْلامُ كَافِرٍ)، أصليًّا كان أو مرتداً، ولو مُمَيِّزاً، أو لم يوجدْ في كفرِه ما يوجِبُه؛ لأنَّ «قَيْسَ بنَ عَاصِمٍ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رواه أحمدُ، والترمذي وحسَّنه 5.
الجزء: 1 - الصفحة: 149
ويُستحبُ له إلقاءُ شَعْرِه، قال أحمدُ: (ويَغْسلُ ثيابِه) 6.
(وَ) الرابعُ: (مَوْتُ) غيرِ شهيدِ معركةٍ، ومقتولٍ ظلماً، ويأتي 7.
(وَ) الخامسُ: (حَيْضٌ، وَ) السادسُ: (نِفَاسٌ)، (ولا خلافَ في وجوبِ الغُسلِ بهما)، قاله في المغني 8، فيجبُ بالخُروجِ، والانقطاعُ شرطٌ، (لَا وِلَادَةٌ عَارِيَةٌ عَنْ دمٍ)، فلا غُسلَ بها، والولدُ طاهرٌ.
(وَمَنْ لَزِمَهُ الغُسْلُ) لشيءٍ مما تقدَّم (حَرُمَ عَلَيْهِ) الصلاةُ، والطوافُ، ومسُّ المصحفِ، و (قِرَاءَةُ القُرْآنِ)، أي: قراءةُ آيةٍ
الجزء: 1 - الصفحة: 150
فصاعِداً، وله قَوْلُ ما وافَق قرآناً إنْ لم يَقصِدْه؛ كالبسملةِ، والحمدلةِ ونحوِهما؛ كالذِّكرِ، وله تهجِّيه، والتفكُّرُ فيه، وتحريكُ شفتيه به ما لم يُبَيِّنْ الحروفَ، وقراءةُ بعضِ آيةٍ ما لم تَطُلْ، ولا يُمنَعُ مِن قراءتِه مُتنجِسُ الفمِ، ويُمنَعُ الكافرُ مِن قراءتِه، ولو رُجِي إسلامُه.
(وَيَعْبُرُ المَسْجِدَ)، أي: يدخلُه؛ لقولِه تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: 43]، أي: طريقٍ، (لِحَاجَةٍ) وغيرِها على الصحيحِ، كما مشى عليه في الإقناعِ 9، وكونُه طريقاً قصيراً حاجةٌ، وكَرِه أحمدُ اتخاذَه طريقاً 10.
ومُصلَّى العيدِ مسجدٌ، لا مُصلى الجنائزِ.
(وَلَا) يجوزُ أنْ (يَلْبَثُ فِيهِ)، أي: في المسجدِ مَن عليه غُسلٌ (بِغَيْرِ وُضُوءٍ)، فإن توضَّأ جاز له اللُّبثُ فيه.
ويُمنعُ منه مجنونٌ، وسكرانُ، ومَن عليه نجاسةٌ تَتَعَدَّى.
ويُباحُ به وضوءٌ وغُسلٌ إن لم يُؤذِ بهما، وإذا كان الماءُ في المسجدِ، جاز دخولُه بلا تيمُّم، وإن أراد اللُّبثَ فيه للاغتسالِ؛ تيمَّم، وإن تعذَّر الماءُ واحتاج للُّبْثِ؛ جاز بلا تيمُّم.
الجزء: 1 - الصفحة: 151
(وَمَنْ غَسَّلَ مَيْتاً) مسلماً أو كافراً؛ سُنَّ له الغُسلُ؛ لأمرِ أبي هريرةَ رَضِيَ الله عَنْهُ بذلك، رواه أحمدُ وغيرُه 11،
(أَوْ أَفَاقَ مِنْ جُنُونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، بِلَا حُلُمٍ 12، أي: إنزالٍ؛ (سُنَّ لَهُ الغُسْلُ)؛ لـ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ مِنَ الإِغْمَاءِ» متفقٌ عليه 13، والجنونُ في معناه، بل أَوْلى.
وتأتي بقيةُ الأغسالِ المستحبةِ في أبوابِ ما تُستحبُّ له 14.
الجزء: 1 - الصفحة: 152
ويَتيمَّمُ للكُلِّ، ولما يُسنُّ له وضوءٌ لعذرٍ.
(وَ) صفةُ (الغُسْلِ الكَامِلِ)، أي: المشتمِلُ على الواجباتِ والسُّننِ:
(أَنْ يَنْوِيَ) رفْعَ الحدثِ، أو استباحةَ الصلاةِ أو نحوِها.
(ثُمَّ يُسَمِّيَ)، وهي هنا كوضوءٍ، تجبُ مع الذِّكرِ، وتسقُطُ مع السهوِ.
(وَيَغْسِلَ يَديْهِ ثَلَاثاً) كما في الوضوءِ، وهو هنا آكدُ؛ لرفعِ الحدثِ عنهما بذلك.
(وَ) يغسِلُ (مَا لَوَّثَهُ) مِن أذى، (وَيَتَوَضَّأَ) كاملاً.
(ويَحْثِيَ) الماءَ (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثاً تُرَوِّيهِ)، أي: يُرَوِّي في كلِّ مرَّةٍ أصولَ شعرِه؛ لحديثِ عائشةَ: «كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثاً، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يُخَلِّلُ شَعَرَهُ بِيَدِيهِ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ روَّى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ المَاءَ عَلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» متفقٌ عليه 15.
(ويَعُمَّ بَدَنَهُ غَسْلاً)، فلا يُجزِئُ المَسْحُ، (ثَلَاثاً)، حتى ما يَظهرُ مِن فَرْجِ امرأةٍ عندَ قُعودٍ لحاجةٍ، وباطنِ شعرٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 153
وتنقُضُه لحيضٍ ونفاسٍ 16.
(وَيَدْلُكَهُ)، أي: يَدلكُ بدنَه بيديه؛ ليتيقَّنَ وصولَ الماءِ إلى مَغَابِنِه وجميعِ بدنِه، ويَتفقَّدُ أصولَ شعْرِه، وغَضَارِيفَ أُذُنَيه، وتحتَ حَلْقِه وإبِطَيه، وعُمْقَ سُرَّته، وبين إِلْيَتَيه، وطيَّ ركبتيه.
(وَيَتَيَامَنَ)؛ لـ «أَنَّهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ 17 فِي طُهُورِهِ» 18.
(ويَغْسِلَ قَدَمَيْهِ) ثانياً، (مَكَاناً آخَرَ).
ويَكفي الظنُّ في الإسباغِ، قال بعضهم 19: ويُحَرِّك خاتَمَه؛ ليتيقَّنَ وصولَ الماءِ.
(وَ) الغسلُ (المُجْزِئُ)، أي: الكافي:
(أَنْ يَنْوِيَ) كما تقدَّم.
(وَيُسَمِّيَ)، فيقول: بسمِ اللهِ.
(ويَعُمَّ بَدَنَهُ بِالغَسْلِ مَرَّةً)، أي: يغسِلُ ظاهرَ جميعِ بدنِه وما في حكمِه مِن غيرِ ضررٍ؛ كالفمِ، والأنفِ، والبشرةِ التي تحتَ الشعورِ ولو كثيفةً، وباطنِ الشعرِ، وظاهرِه مع مُسْتَرْسَلِه، وما تحتَ حَشَفةِ
الجزء: 1 - الصفحة: 154
أَقْلَف إن أَمْكَن شَمْرُها.
ويَرتفعُ حَدَثٌ قَبلَ زَوالِ حُكْمِ خَبَثٍ.
ويُستحبُ سِدْرٌ في غُسلِ كافرٍ أسلم، وحائضٍ، وأَخذُها مِسْكاً تجعلُه في قطنةٍ أو نحوِها، وتجعلُها في فرجِها، فإنْ لم تجد فطيباً، فإن لم تجد فطيناً.
(وَيَتَوَضَّأُ بِمُدٍّ) استحباباً، والمُدُّ: رِطلٌ وثُلُثٌ عراقي، ورِطلٌ وأُوقِيَّتان وسُبُعَا أوقيَّةٍ مصري، وثَلاثُ أَوَاقٍ وثلاثةُ أَسْباعِ أوقيَّةٍ دمشقيَّة، وأوقيَّتان وأَرْبَعةُ أَسْباعِ أوقيَّةٍ قُدسيةٍ.
(وَيَغْتَسِلُ بِصَاعٍ)، وهو أربعةُ أمدادٍ، وإن زاد جاز، لكن يُكره الإسرافُ ولو على نهرٍ جارٍ.
ويحرُمُ أن يغتسلَ عُرياناً بين الناسِ، وكُره خالياً في الماءِ.
(فَإِنْ أَسْبَغَ بأَقَلَّ) مما ذُكر في الوضوءِ أو الغسلِ؛ أجزأ.
والإسباغُ: تَعْميمُ العضوِ بالماءِ، بحيثُ يجري عليه، ولا يكونُ مسحاً.
(أَوْ نَوَى بِغُسْلِهِ الحَدَثَيْنِ)، أو الحدثَ وأطلقَ، أو الصلاةَ ونحوَها مما يحتاجُ لوُضوءٍ وغُسلٍ؛ (أَجْزَأَ) عن الحدثين، ولم يَلزمْه ترتيبٌ ولا موالاةٌ.
(ويُسَنُّ لِجُنُبٍ)، ولو أنثى، وحائضٌ ونفساءُ انقطع دمُهما،
الجزء: 1 - الصفحة: 155
(غَسْلُ فَرْجِهِ)؛ لإزالةِ ما عليه من الأذى، (وَالوُضُوءُ لِأَكْلٍ) وشرب؛ لقول عائشة: «رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» رواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ 20،
(وَنَوْمٍ)؛ لقولِ عائشةَ: «كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَه لِلصَّلاةِ» متفقٌ عليه 21.
ويُكره تَركُه لنومٍ فقط.
(وَ) يُسنُّ أيضاً غَسلُ فرجِه ووضوؤه (لِمُعَاوَدَةِ وَطْءٍ)؛ لحديثِ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ؛ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءاً»
الجزء: 1 - الصفحة: 156
رواه مسلمٌ وغيرُه 22، وزاد الحاكمُ: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلعَوْدِ» 23، والغُسْلُ أفضلُ.
وكَرِه الإمامُ أحمدَ 24 بناءُ الحمَّامِ، وبيعُه، وإجارتُه، وقال فيمن 25 بنى حماماً للنساءِ: (ليس بعدلٍ) 26.
ولرجلٍ 27 دخولُه بسترةٍ مع أمنِ الوقوعِ في محرَّمٍ، ويحرمُ على المرأةِ بلا عذرٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 157