الروض المربع بشرح زاد المستنقع مختصر المقنع ط الركائز(بَابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ)

(وَهُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلَاحِ)، ولو عَصا أو حَجراً، (فِي الصَّحْرَاءِ، أَوِ البُنْيَانِ)، أو البحرِ، (فَيَغْصِبُونَهُمُ المَالَ) المحترمَ (مُجَاهَرَةً لَا سَرِقَةً).
ويُعتبَرُ ثبوتُه ببيِّنَةٍ، أو إقرارٍ مرَّتَيْن، والحرزُ، ونصابُ السرقةِ.
(فَمَنْ)، أي: أيُّ مكلَّفٍ مُلتزِمٍ، ولو أنثى أو رَقيقاً، (مِنْهُمْ)، أي: مِن قُطَّاعِ الطَّريقِ (قَتَلَ مُكَافِئاً) له (أَوْ غَيْرَهُ)، أي: غيرَ مُكافئٍ؛ (كَالوَلَدِ) يَقتُلُه أبوه 1، (وَ) كـ (العَبْدِ) يَقتُلُه الحرُّ، (وَ) كـ (الذِّمِّيِّ) يَقتُلُه المسلمُ، (وَأَخَذَ المَالَ) الذي قَتَلَه 2 لقَصْدِه؛ (قُتِلَ) وجوباً؛ لحقِّ اللهِ تعالى، ثمَّ غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه، (ثُمَّ صُلِبَ) قاتلُ مَن يُقَادُ به في غيرِ المحارَبَةِ (حَتَّى يَشْتَهِرَ) أمرُهُ، ولا يُقطَعُ مع ذلك.
(وَإِنْ قَتَلَ) المحارِبُ (وَلَمْ يَأْخُذِ المَالَ؛ قُتِلَ حَتْماً وَلَمْ يُصْلَبْ)؛ لأنَّه لم يُذكَرْ في خبرِ ابنِ عباسٍ الآتي 3.

(وَإِنْ جَنَوْا بِمَا يُوجِبُ قَوَداً فِي الطَّرَفِ)؛ كقطعِ يدٍ أو رجلٍ ونحوِها؛ (تَحَتَّمَ اسْتِيفَاؤُهُ)؛ كالنَّفسِ، صحَّحه في تَصحيحِ المُحرَّرِ، وجَزَم به في الوجيزِ 1، وقَدَّمه في الرِّعايتين وغيرِهما 2. وعنه: لا يَتحتَّمُ استيفاؤه، قال في الإنصافِ: (وهو المذهبُ) 3، وقَطَع به في المنتهى وغيرِه 4. (وَإِنْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِن المحارِبِين (مِنَ المَالِ قَدْرَ مَا يُقْطَعُ بِأَخْذِهِ السَّارِقُ) مِنْ مالٍ لا شُبْهَة له فيه، (وَلَمْ يَقْتُلُوا؛ قُطِعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ يَدُهُ اليُمْنَى وَرِجْلُهُ اليُسْرَى فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ) وجوباً، (وَحُسِمَتَا) بالزيتِ المَغْليِّ، (ثُمَّ خُلِّيَ) سبيلُه.
(فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا نَفْساً وَلَا مَالاً يَبْلُغُ نِصَابَ السَّرِقَةِ؛ نُفُوا، بِأَنْ يُشَرَّدُوا) مُتَفَرِّقين، (فَلَا يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ إِلى بَلَدٍ) حتى تَظهَرَ تَوبتُهُم، قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ) [المائدة: 33]، قال ابنُ عباسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: «إذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا المَالَ؛ قُتِلُوا وَصُلِبُوا، وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا المَالَ؛

قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا المَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا؛ قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالاً؛ نُفُوا مِنَ الأَرْضِ» رواه الشافعي 1. ولو قَتَل بعضُهم ثَبَت حُكْمُ القَتلِ في حقِّ جميعِهم، وإن قَتَل بعضٌ وأخَذَ المالَ بعضٌ؛ تَحتَّمَ قتلُ الجميعِ وصَلبُهُم.
(وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ)، أي: المحارِبِين (قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ سَقَطَ عَنْهُ مَا كَانَ) واجباً (للهِ) تعالى (مِنْ نَفْيٍ، وَقَطْعِ) يدٍ ورجلٍ، (وَصَلْبٍ، وَتَحَتُّمِ قَتْلٍ)؛ لقولِه تعالى: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة: 34]، (وَأُخِذَ بِمَا للآدَمِيِّيِنَ مِنْ نَفْسٍ وَطَرَفٍ وَمَالٍ، إِلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا) مِن مُستَحِقِّها.
ومَن وَجَب عليه حَدُّ سرقةٍ أو زنا أو شربٍ 2 فتاب منه قبلَ ثُبُوتِه عند حاكمٍ؛ سَقَط، ولو قبلَ إصلاحِ عملٍ.

(وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ حُرْمَتِهِ)؛ كأُمِّه وبنتِه وأختِه وزوجتِه، (أَوْ مَالِهِ آدَمِيٌّ، أَوْ بَهِيمَةٌ؛ فَلَهُ)، أي: للمَصُولِ عليه (الدَّفْعُ عَنْ ذلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُهُ بِهِ)، فإذا اندَفَعَ بالأسهلِ حَرُمَ الأصعبُ؛ لعدمِ الحاجةِ إليه، (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ) الصائلُ (إِلَّا بِالقَتْلِ؛ فَلَهُ)، أي: للمصولِ عليه (ذَلِكَ)، أي: قتلُ الصائلِ، (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّه قَتَلَه لدَفعِ شرِّه، (وَإِنْ قُتِلَ) المصولُ عليه (فَهُوَ شَهِيدٌ)؛ لقولِه عليه السلام: «مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ؛ فَهُوَ شَهِيدٌ» رواه الخلَّالُ 1. (وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ) في غيرِ فتنةٍ؛ لقولِه تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195]، وكذا يَلزَمُهُ الدفعُ في غيرِ فتنةٍ عن نفسِ غيرِه، (وَ) عن (حُرْمَتِهِ)، وحُرمةِ غيرِه؛ لئلَّا تَذهَبَ الأنفُسُ، (دُونَ مَالِهِ)، فلا يَلزَمُه الدفعُ عنه، ولا حِفظُه عن الضَّياعِ والهلاكِ.

(وَمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَجُلٍ مُتَلَصِّصاً؛ فَحُكْمُهُ كَذلِكَ)، أي: يَدفَعُهُ بالأسهلِ فالأسهلِ، فإن أمَرَهُ بالخروجِ فخَرَجَ لم يَضرِبْهُ، وإلا فلَه ضَربُه بأسهلِ ما يَندفِعُ به، فإن خَرَج بالعصا لم يَضرِبْهُ بالحديدِ.
ومَن نَظَر في بيتِ غيرِه مِن خَصاصِ 1 بابٍ مُغلَقٍ ونحوِه، فَخَذَف عينَه 2 أو نحوَها فتَلِفَت؛ فهَدَرٌ، بخلافِ مُتسمِّعٍ قبلَ إنذارِه.

جارٍ التحميل