(بَابُ صَلَاةِ الكُسُوفِ)
يُقالُ: كسفت، بفتحِ الكافِ وضمِها، ومثلُه: خسفت 1، وهو ذهابُ ضوءِ الشَّمسِ، أو القمرِ 2، أو بعضِه.
وفعلُها ثابتٌ بالسنةِ المشهورةِ، واستنبطها بعضَهم مِن قولِه تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) [فصلت: 37].
(تُسَنُّ) صلاةُ الكسوفِ (جَمَاعَةً)، وفي جامعٍ أفضلُ؛ لقولِ عائشةَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَسْجِدِ فَقَامَ وَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ» متفقٌ عليه 3، (وَفُرَادَى) كسائرِ النَّوافلِ، (إِذَا كَسَفَ أَحَدُ النَّيِّرَيْنِ): الشمسِ والقمرِ.
ووقتُها: مِن ابتدائِه إلى التَّجَلِّي، ولا تُقضى؛ كاستسقاءٍ وتحيةِ مسجدٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 433
فيُصلي (رَكْعَتَيْنِ)، ويُسنُّ الغُسلُ لها، (يَقْرَأُ فِي الأُولَى 4 جَهْراً)، ولو في كسوفِ الشَّمسِ، (بَعْدَ الفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً) مِن غيرِ تعيينٍ، (ثُمَّ يَرْكَعُ) رُكوعاً (طَوِيلاً) مِن غيرِ تقديرٍ، (ثُمَّ يَرْفَعُ) رأسُه (وَيُسَمِّعُ)، أي: يقولُ: (سمِع اللهُ لمن حمِده) في رفعِه، (وَيُحَمِّدُ)، أي: يقولُ: (ربنا ولك الحمدُ) بعدَ اعتدالِه؛ كغيرِها، (ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ وَسُورَةً طَوِيلَةً دُونَ الأُولَى، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ) الركوعَ، (وَهُوَ دُونَ الأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ) فيُسمِّعُ ويُحمِّدُ كما تقدَّم، ولا يُطيلُ، (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ)، ولا يُطيلُ الجلوسَ بينَ السَّجدتين، (ثُمَّ يُصَلِّي) الركعةَ (الثَّانِيَةَ كَـ) الركعةِ (الأُولَى، لَكِنْ دُونَهَا فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُ) فيها، (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ)؛ لفعلِه عليه السلامُ، كما رُوي عنه ذلك مِن طُرقٍ بعضُها في الصحيحين 5. ولا يُشرعُ لها خُطبةٌ؛ لأنَّه عليه السلامُ أَمَرَ بها دونَ الخُطبةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 434
ولا تُعادُ إن فَرَغَت قبلَ التجلِّي، بل يدعو ويَذكرُ، كما لو كان وقتَ نهيٍ.
(فَإِنْ تَجَلَّى الكُسُوفُ فِيهَا)، أي: الصلاةِ؛ (أَتَمَّهَا خَفِيفَةً)؛ لقولِه عليه السلامُ: «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» متفقٌ عليه مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ 6.
(وَإِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ) الشمسُ، أو طَلَع الفجرُ (وَالقَمَرُ خَاسِفٌ)؛ لم يُصلِّ؛ لأنَّه ذَهَبَ وقتُ الانتفاعِ بهما، ويَعملُ بالأصلِ في بقائِه وذهابِه.
(أَوْ كَانَتْ آيَةٌ عَدَا 7 الزَّلْزَلَةِ؛ لَمْ يُصَلِّ)؛ لعدمِ نقلِه عنه وعن أصحابِه صلى الله عليه وسلم، مع أنه وُجِد في زمانِهم انشقاقُ القمرِ، وهبوبُ الرِّياحِ، والصواعِقُ، وأما الزَّلزلةُ - وهي رَجفةُ الأرضِ واضطرابُها وعدمُ سكونِها - فيُصلَّى لها إن دامت؛ لفعلِ ابنِ عباسٍ، رواه سعيدٌ، والبيهقي 8، وروَى الشافعي عن عليٍّ نحوِه، وقال: (لو ثَبَت هذا الحديثُ لقلنا به) 9.
الجزء: 1 - الصفحة: 435
(وَإِنْ أَتَى) مُصلِّي الكسوفِ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ، أَوْ أَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ؛ جَازَ)؛ روى مسلمٌ مِن حديثِ جابرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» 10، ومِن حديثِ ابنِ
الجزء: 1 - الصفحة: 436
عباسٍ: «صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» 11، وروى أبو داودَ عن أُبي بنِ كعبٍ: «أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ رُكُوعَاتٍ وَسَجْدَتَيْنِ» 12، واتفقت الرواياتُ على أنَّ عددَ الركوعِ في الركعتين سواءٌ، قال النووي: (وبكلِّ نوعٍ قال بعضُ الصَّحابةِ) 13.
الجزء: 1 - الصفحة: 437
وما بعدَ الأَوَّل سنةٌ لا تُدركُ به الرَّكعةُ.
ويَصحُّ فِعلُها كنافلةٍ.
وتُقَدَّم جنازةٌ على كسوفٍ، وعلى جمعةٍ وعيدٍ أُمِنَ فَواتُهُما 14، وتُقدَّم تراويحُ على كسوفٍ إن تعذَّرَ فِعلُهما.
ويُتَصَوَّرُ كسوفُ الشّمسِ والقمرِ في كلِّ وقتٍ، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، فإن وَقَعَ بِعَرفةَ صلَّى، ثم دَفَع.
الجزء: 1 - الصفحة: 438