(بَابُ النَّذْرِ)
لغةً: الإيجابُ، يُقالُ: نَذَر دَمَ فلانٍ، أي: أوجب قَتلَه.
وشَرعاً: إلزامُ مُكلَّفٍ مختارٍ نفسَه للهِ تعالى شيئاً غيرَ محالٍ بكلِّ قولٍ يَدُلُّ عليه.
و(لَا يَصِحُّ) النذرُ (إِلَّا مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ) مختارٍ؛ لحديثِ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ 1» 2، (وَلَوْ) كان (كَافِراً) نَذَر عبادةً؛ لحديثِ عمرَ: إنِّي كنتُ نذَرْتُ في الجاهليَّةِ أن أعتكفَ ليلةً، فقال له النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» 3.
(والصَّحِيحُ مِنْهُ)، أي: مِن النذرِ (خَمْسَةُ أَقْسَامٍ):
(أَحَدُهَا): النذرُ (المُطْلَقُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئاً؛ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)؛ لما روى عقبةُ بنُ عامرٍ قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رواه ابنُ ماجه، والترمذي، وقال: (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ) 4.
الجزء: 3 - الصفحة: 464
(الثَّانِي: نَذْرُ اللِّجَاجِ وَالغَضَبِ، وَهو تَعْلِيقُ نَذرِهِ بِشَرْطٍ يَقْصِدُ المَنْعَ مِنْهُ)، أي: مِن الشَّرطِ المعلَّقِ عليه، (أَوِ الحَمْلَ عَلَيْهِ، أَوِ التَّصْدِيقَ، أَوِ التَّكْذِيبَ)؛ كقولِه: إن كلَّمتُك، أو إن لم أضرَبْك، أو إن لم يَكُن هذا الخبرُ صِدقاً أو كذباً فعليَّ الحجُّ أو العتقُ، ونحوُه، (فَيَتَخَيَّرُ 5 بَيْنَ فِعْلِهِ وبين كَفَّارَةِ 6 يَمِينٍ)؛ لحديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رواه سعيدٌ في سننِه 7.
الجزء: 3 - الصفحة: 465
(الثَّالِثُ: نَذْرُ المُبَاحِ؛ كَلُبْسِ ثَوْبِهِ، وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ)، فإن نَذَر ذلك (فَحُكْمُهُ كَـ) القسمِ (الثَّانِي)؛ يُخَيَّرُ بينَ فِعلِه وكِفارةِ يمينٍ.
(وَإِنْ نَذَرَ مَكْرُوهاً مِنْ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ 8؛ اسْتُحِبَّ) له (أَنْ يُكَفِّرَ) كفارةَ يمينٍ، (وَلَا يَفْعَلُهُ)؛ لأنَّ تَركَ المكروهِ أوْلَى مِن فِعلِه، وإن فَعَلَه فلا كفارةَ.
(الرَّابِعُ: نَذْرُ المَعْصِيَةِ؛ كَـ) نَذرِ (شُرْبِ خَمْرٍ، وَ) نَذرِ (صَوْمِ يَوْمِ الحَيْضِ، وَ) يومِ (النَّحْرِ)، وأيامِ التَّشريقِ؛ (فَلَا يَجُوزُ الوَفَاءُ بِهِ)؛ لقولَه عليه السلام: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» 9، (وَيُكَفِّرُ) مَن لم يَفعَلْهُ، رُوي هذا 10 عن ابنِ مسعودٍ 11،
الجزء: 3 - الصفحة: 466
وابنِ عباسٍ 12،
وعمرانَ بنِ حصينٍ، وسمرةَ بنِ جندبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ 13، ويَقضِي مَن نَذَر صوماً مِن ذلك، غيرَ يومِ حيضٍ.
(الخَامِسُ: نَذْرُ التَّبَرُّرِ مُطْلَقاً)، أي: غيرَ مُعلَّقٍ، (أَوْ مُعَلَّقاً؛ كَفِعْلِ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالحَجِّ، وَنَحْوِهِ)؛ كالعمرةِ، والصدقةِ، وعيادةِ المريضِ، فمثالُ المطلقِ: للهِ عليَّ أن أَصومَ أو أُصلِّيَ، ومثالُ المعلَّقِ: (كَقَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي، أَوْ سَلَّمَ مَالِيَ الغَائِبَ؛ فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا) مِن صلاةٍ أو صومٍ ونحوِه، (فَوُجِدَ الشَّرْطُ؛
الجزء: 3 - الصفحة: 467
لَزِمَهُ الوَفاءُ بِهِ)، أي: بنذرِه؛ لحديثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» رواه البخاري 14، (إِلَّا إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ) مَن يُسنُّ له؛ فيُجزِئُهُ قَدْرُ ثُلثِه ولا كفارةَ؛ لقولِه عليه السلام لأبي لبابةَ لمَّا نَذَرَ أن يَنخَلِع مِن مالِه صدقةً للهِ تعالى: «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُث» رواه أحمدُ 15، (أَوْ) نَذَر الصدقةَ
الجزء: 3 - الصفحة: 468
(بِمُسَمًّى مِنْهُ)، أي: مِن مالِه؛ كَأَلفٍ، (يَزِيدُ) ما سَمَّاه (عَلَى ثُلُثِ الكُلِّ؛ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ) أن يَتصدَّقَ 16 بـ (قَدْرِ الثُّلْثِ)، ولا كفارةَ عليه، جَزَم به في الوجيزِ وغيرِه 17. والمذهبُ: أنَّه يَلزَمُه الصَّدقةُ بما سَمَّاه، ولو زاد على الثُّلُثِ، كما في الإنصافِ 18، وقَطَع به في المنتهى وغيرِه 19. (وَفِيمَا عَدَاهَا)، أي: عدا المسألةِ المذكورةِ؛ بأن نَذَر الثُّلثَ فما دونَ؛ (يَلْزَمُهُ) الصدقةُ بـ (المُسَمَّى)؛ لعمومِ ما سَبَق مِن حديثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» 20. (وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ) مُعيَّنٍ كرجبٍ، أو مطلقٍ؛ (لَزِمَهُ التَّتَابُعُ)؛ لأنَّ إطلاقَ الشهرِ يَقتضي التتابُعَ، سواءُ صام شهراً بالهلالِ، أو ثلاثين يوماً بالعَدَدِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 469
(وَإِنْ نَذَرَ أَيَّاماً مَعْدُودَةً)؛ كعشرةِ أيامٍ، أو ثلاثين يوماً؛ (لَمْ يَلْزَمْهُ) التتابُعُ؛ لأنَّ الأيامَ لا دلالةَ لها على التتابُعِ، (إِلَّا بِشَرْطٍ)؛ بأن يقولَ: مُتتابعةً، (أَوْ نِيَّةِ) التتابُعِ.
ومَن نَذَر صومَ الدَّهرِ لَزِمَه، فإن أفطَرَ كَفَّر فقط بغيرِ صومٍ، ولا يَدخُلُ فيه رمضانُ، ولا يومُ نهيٍ، ويَقضِي فِطرَه برمضانَ، ويُصامُ لظهارٍ ونحوِه منه، ويُكفِّرُ مع صومِ ظهارٍ ونحوِه.
ومَن نَذَر صومَ يومِ الخميسِ ونحوِه فوافَقَ عِيداً، أو أيامَ تَشريقٍ؛ أفطَرَ وقَضى وكفَّر.
وإن نَذَر صلاةً وأطلق؛ فأقلُّه ركعتان قائماً لقادرٍ.
وإن نَذَر صوماً وأطلق، أو صَوم بعضِ يومٍ؛ لَزِمَه يومٌ بنيةٍ 21 مِن اللَّيلِ.
ولمن نَذَر صلاةً جالِساً أن يُصلِّيَها قائماً.
وإن نَذَر رَقبةً؛ فأقلُّ مجزئٍ في كفارة.
الجزء: 3 - الصفحة: 470