(كِتَابُ الجِنَايَاتِ)
جمعُ جنايةٍ، وهي لغةً: التَّعدِّي على بدنٍ، أو مالٍ، أو عرضٍ.
واصطلاحاً: التَّعدِّي على البَدَنِ بما يوجِبُ قِصاصاً أو مالاً.
ومَن قَتَل مُسلماً عمداً عدواناً فَسَق، وأمرُهُ إلى اللهِ، إن شاء عذَّبَه وإن شاء غَفَر له، وتوبتُهُ مَقبولةٌ.
(وَهِيَ)، أي: الجنايةُ ثلاثةُ أضرُبٍ:
(عَمْدٌ 1 يَخْتَصُّ القَوَدُ بِهِ)، والقَوَدُ: قَتلُ القاتِل بمَن قَتَلَهُ، (بِشَرْطِ القَصْدِ)، أي: أن يَقصِدَ الجاني الجنايةَ.
(وَ) الضربُ الثاني: (شِبْهُ عَمْدٍ).
(وَ) الثالثُ: (خَطَأٌ)، رُوي ذلك عن عمرَ، وعليٍّ رَضِيَ الله عَنْهُمَا 2.
الجزء: 3 - الصفحة: 313
(فَـ) القتلُ (العَمْدُ: أَنْ يَقْصِدَ مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيًّا مَعْصُوماً فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ)، فلا قِصاصَ إن لم يَقصِدْ قَتلَهُ، ولا إن قَصَده بما لا يَقتُلُ غالباً.
وللعمدِ تِسعُ صُوَرٍ:
إحداها: ما ذَكَره بقولِه: (مِثْلُ أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ)، أي: نُفوذٌ (فِي البَدَنِ)؛ كسكِّينٍ، وشوكةٍ، ولو بِغَرْزِهِ بإبرةٍ ونحوِها، ولو لم يُدَاوِ مجروحٌ قادرٌ جُرحَهُ.
الثانيةُ: أن يَقتُلَهُ بمُثَقَّلٍ، كما أشار بقولِه: (أَوْ يَضْرِبَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ وَنَحْوِهِ)؛ كلُتٍّ 3، وسَنْدَانٍ 4
الجزء: 3 - الصفحة: 314
ولو في غيرِ مَقْتَلٍ 5، فإن كان الحجرُ صغيراً فليس بعَمْدٍ إلا إن كان في مَقتَلٍ، أو حالِ ضعفِ قوةٍ مِن مرضٍ، أو صِغَرٍ، أو كِبَرٍ، أو حَرٍّ، أو بَرْدٍ، ونحوِه، أو يُعِيدُه به، (أَوْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطاً) أو سَقفاً ونحوَهما 6، (أَوْ يُلْقِيَهُ مِنْ شَاهِقٍ) فيموتُ.
الثالثةُ: أن يُلقِيَه بجُحْرِ أسدٍ أو نحوِه، أو مَكتُوفاً بحَضْرَتِه، أو في مَضيقٍ بحَضْرَةِ حيَّةٍ، أو يُنهِشَه كلباً أو حيَّةً، أو يُلسِعَه عَقرباً مِن القَواتِلِ غالباً.
الرابعةُ: ما أشار إليه بقولِه: (أَوْ) يُلقِيَهُ (فِي نَارٍ، أَوْ مَاءٍ يُغْرِقُهُ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُمَا)؛ لعجزِه أو كثرتِهما، فإن أمْكَنَهُ فهَدَرٌ.
الخامسةُ: ذَكَرها بقولِه: (أَوْ يَخْنِقَهُ) بحَبْلٍ أو غيرِه، أو يَسُدَّ فمَه وأنفَه، أو يَعصِرَ خُصْيَتَيْهِ زَمَناً يموتُ في مثلِه.
السادسةُ: أشار إليها بقولِه: (أَوْ يَحْبِسَهُ وَيَمْنَعَهُ 7 الطَّعَامَ أَوِ الشَّرَابَ فَيَمُوتَ مِنْ ذلِكَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِيهَا غَالِباً)، بشرطِ تعَذُّرِ الطَّلبِ عليه، وإلا فَهَدَرٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 315
السابعةُ: ما أشار إليه 8 بقولِه: (أَوْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ) يَقتلُ غالباً.
الثامنةُ: المذكورةُ في قولِه: (أَوْ) يَقتلَهُ بـ (سُمٍّ)؛ بأن سَقاه سُمًّا لا يَعلَمُ به، أو يخلِطَهُ بطعامٍ ويُطعِمَه له، أو بطعامِ آكلِه فيأكُلَه جهلاً.
ومتى ادَّعى قاتِلٌ بسُمٍّ أو سِحرٍ عدمَ عِلمِه أنَّه قاتِلٌ؛ لم يُقبَلْ.
التاسعةُ: المشارُ إليها بقولِه: (أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنةٌ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ) مِن زناً، أو رِدَّةٍ لا تُقبَلُ معها التَّوبةُ، أو قَتلِ عَمدٍ، (ثُمَّ رَجَعُوا)، أي: الشُّهودُ بعدَ قَتلِه (وَقَالُوا: عَمَدْنَا قَتْلَهُ).
فيُقادُ بهذا كلِّه (وَنَحْوَ ذلِكَ)؛ لأنَّهم توَصَّلوا 9 إلى قتلِه بما يَقتلُ غالباً.
ويختَصُّ بالقِصاصِ مُباشرٌ للقَتْلِ عالِمٌ بأنَّه ظُلمٌ، ثم ولِيٌّ عالمٌ بذلك، فبيِّنةٌ وحاكمٌ عَلِموا ذلك.
(وَشِبْهُ العَمْدِ: أَنْ يَقْصِدَ جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِباً وَلَمْ يَجْرَحْهُ بِهَا؛ كَمَنْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصَا صَغِيرَةٍ) ونحوِها، (أَوْ لَكَزَهُ وَنَحْوَهُ) بيدِه، أو ألقاهُ في ماءٍ قليلٍ، أو صاحَ بعاقلٍ اغتَفَلَهُ، أو بصغيرٍ على سطحٍ فمات 10.
الجزء: 3 - الصفحة: 316
(وَ) قَتْلُ (الخَطَأِ: أَنْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، مِثْلُ أَنْ يَرْمِيَ صَيْداً، أَوْ) يَرمِيَ (غَرَضاً، أَوْ) يَرمِيَ (شَخْصاً) مُباحَ الدَّمِ؛ كحربيٍّ وزانٍ مُحصَنٍ (فَيُصِيبَ آدَميًّا) مَعصوماً (لَمْ يَقْصِدْهُ) بالقتلِ فيَقتُلَه.
وكذا لو أراد قَطعَ لَحْمٍ أو غيرِه مما له فِعلُه فسَقَطَت منه السِّكينُ على إنسانٍ فَقَتَله، (وَ) كذا (عَمْدُ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ)؛ لأنَّه لا قَصدَ لهما، فهما كالمكلَّفِ المخطئِ، فالكفارةُ في ذلك في مالِ القاتِلِ، والدِّيةُ على عاقِلَتِه كما يأتي 11.
ويُصَدَّقُ إن قال: كنتُ يومَ قَتَلْتُه 12 صغيراً أو مجنوناً وأمْكَن.
ومَن قَتَل بصَفِّ كُفارٍ مَن ظنَّهُ حربيًّا فبَان مُسلماً، أو رمَى كُفَّاراً تَتَرَّسوا بمسلمٍ وخِيفَ علينا إن لم نَرْمِهِم ولم يَقصِدْهُ، فَقَتَله؛ فعليه الكفارةُ فقط؛ لقولِه تعالى: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء: 92]، ولم يَذْكُر الدِّيَةَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 317