(كِتَابُ الرَّضَاعِ
1
وهو لغةً: مَصُّ اللَّبنِ مِن الثَّدْي.
وشرعاً: مَصُّ مَن دونَ الحَولَين لبناً ثَابَ عن حَمْلٍ، أو شُربُهُ ونحوُه.
(يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)؛ لحديثِ عائشةَ مرفوعاً: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ» رواه الجماعةُ 2.
الجزء: 3 - الصفحة: 279
(وَالمُحَرِّمُ) مِن الرَّضاعِ (خَمْسُ رَضَعَاتٍ)؛ لحديثِ عائشةَ، قالت: «أُنْزِلَ فِي القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ، وَصَارَ إلَى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ» رواه مسلمٌ 3. وتُحَرِّمُ الخمسُ إذا كانت (فِي الحَوْلَيْنِ)؛ لقولِه تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: 233]، ولقولِه عليه السلام: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ»، قال الترمذيُّ: (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) 4.
الجزء: 3 - الصفحة: 280
ومتى امتَصَّ ثمَّ قطَعَهُ لتَنَفُّسٍ أو انتقالٍ إلى ثديٍ آخرَ ونحوِه؛ فرضْعَةٌ، فإن عاد ولو قريباً، فثِنتان.
(وَالسَّعُوطُ) في أنفٍ، (وَالوَجُورُ) في فمٍ؛ مُحَرِّمٌ كرضاعٍ.
(وَلَبَنُ) المرأةِ (المَيْتَةِ) كلبنِ الحيَّةِ، (وَ) لبنُ (المَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ 5، أَوْ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) كالموطوءةِ بنكاحٍ صحيحٍ، (أَوْ بَاطِلٍ)، أي: لبنُ الموطوءةِ بنكاحٍ باطلٍ إجماعاً، (أَوْ بِزِناً؛ مُحَرِّمٌ)، لكن يكونُ مُرتضِعٌ ابناً لها مِن الرضاعِ فقط في الأخيرتين؛ لأنَّه لمَّا لم تَثبُتْ الأُبوَّةُ مِن النسبِ لم يَثبُتْ ما هو فَرعُها.
(وَعَكْسُهُ)، أي: عكسُ اللَّبنِ المذكورِ لبنُ (البَهِيمَةِ، وَ) لبنُ (غَيْرِ حُبْلَى، وَلَا مَوْطُوءَةٍ)، فلا يُحَرِّمُ، فلو ارتَضَعَ طِفلٌ وطِفلةٌ مِن بهيمةٍ، أو رجلٍ، أو خُنثى 6 مُشْكِلٍ، أو ممَّن لم تَحمِلْ؛ لم يصيرا أخَوَين.
(فَمَتَى أَرْضَعَتِ امْرَأَةٌ طِفْلاً) دونَ الحَولَين؛ (صَارَ) المرتَضِعُ (وَلَدَهَا فِي) تحريمِ (النِّكَاحِ، وَ) إباحةِ (النَّظَرِ، وَالخَلْوَةِ، وَ) في (المَحْرَمِيَّةِ)، دونَ وجوبِ النفقةِ، والعقلِ، والولايةِ، وغيرِها.
الجزء: 3 - الصفحة: 281
(وَ) صار المرتَضِعُ أيضاً فيما تقدَّم فقط (وَلَدَ مَنْ نُسِبَ لَبَنُهَا إِلَيْهِ بِحَمْلٍ)، أي: بسببِ حملِها منه، ولو بتحمُّلِها ماءَه، (أَوْ وَطْءٍ) بنكاحٍ، أو شبهةٍ، بخلافِ مَن وطِئَ بزنا؛ لأنَّ ولدَها لا يُنسَبُ إليه فالمرتَضِعُ كذلك.
(وَ) صارت (مَحَارِمُهُ 7)، أي: محارِمُ الواطئِ اللاحِقِ به النسبُ؛ كآبائِه، وأمهاتِه، وأجدادِه، وجدَّاتِه، وإخوتِه، وأخواتِه، وأولادِهم، وأعمامِه، وعماتِه، وأخوالِه، وخالاتِه؛ (مَحَارِمَهُ)، أي: محارمَ المرتَضِعِ، (وَ) صارت (مَحَارِمُها)، أي: محارمُ المُرضِعَةِ 8؛ كآبائها، وأخواتِها 9، وأعمامِها، ونحوِهم؛ (مَحَارِمَهُ)، أي: محارِمَ المرتَضِعِ، (دُونَ أَبَوَيْهِ، وَأُصُولِهِمَا، وَفُرُوعِهِمَا)، فلا تَنتشِرُ الحُرمَةُ 10 لأولئك، (فَتُبَاحُ المُرْضِعَةُ لأَبِي المُرْتَضِعِ وَأَخِيهِ مِنَ النَّسَبِ، وَ) تُباحُ (أُمُّهُ وَأُخْتُهُ مِنَ النَّسَبِ لأَبِيهِ وَأَخِيهِ) مِن رضاعٍ إجماعاً؛ كما يَحلُّ لأخيه مِن أبيه أختُه مِن أُمِّه.
الجزء: 3 - الصفحة: 282
(وَمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُهَا)؛ كأُمِّه، وجدَّتِه، وأُختِه، (فَأَرْضَعَتْ طِفْلَةً؛ حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) أبداً، (وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا مِنْهُ إِنْ كَانَتْ زَوْجَةً) له؛ لما تقدَّم مِن أنَّه يحرُمُ مِن الرضاعِ ما يحرُمُ مِن النسبِ 11.
ومَن أرضَعَ خَمْسُ أمهاتِ أولادِه بِلَبَنِهِ زوجةً له صُغرى؛ حَرُمَتْ عليه؛ لثبوتِ الأبُوَّةِ، دونَ أمَّهاتِ أولادِه؛ لعدمِ ثبوتِ الأُمومةِ.
(وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَفْسدتْ نِكاحَ نَفْسِها بِـ) سببِ (رَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَا مَهْرَ لَهَا)؛ لمجيءِ الفُرقةِ مِن جِهتِها.
(وَكَذَا إِنْ كَانَتْ) الزوجةُ (طِفْلَةً فَدَبَّتْ 12 فَرَضَعَتْ مِنْ) أُمٍّ أو أُخْتٍ له (نَائِمَةٍ)؛ انفسخَ نكاحُها ولا مهرَ لها؛ لأنَّه لا فِعلَ للزوجِ في الفسخِ.
(وَ) إن أفسَدَت نكاحَ نفسِها (بَعْدَ الدُّخُولِ)؛ فـ (مَهْرُهَا بِحَالِهِ)؛ لاستقرارِ المهرِ بالدُّخولِ.
(وَإِنْ أَفْسَدَهُ)، أي: نكاحَها (غَيْرُهَا؛ فَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ المُسَمَّى قَبْلَهُ)، أي: قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّه لا فِعلَ لها في الفسخِ، (وَ) لها (جَميعُهُ بَعْدَهُ)، أي: بعدَ الدخولِ؛ لاستقرارِه به، (وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ بِهِ)، أي: بما غَرِمه مِن نصفٍ أو كُلٍّ (عَلَى المُفْسِدِ)؛ لأنَّه
الجزء: 3 - الصفحة: 283
أغْرَمَه، فإن تعدَّدَ المفسِدُ وُزِّعَ الغُرْمُ على الرضعاتِ المحَرِّمةِ.
(وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ أُخْتِي لِرَضَاعٍ؛ بَطَلَ النِّكَاحُ) حُكْماً؛ لأنَّه أقرَّ بما يوجِبُ فسخَ النكاحِ بينهما؛ فلَزِمَه ذلك، (فَإِنْ كَانَ) إقرارُه (قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَدَّقَتْهُ) أنَّها أُختُه؛ (فَلَا مَهْرَ) لها؛ لأنَّهما اتفقا على أنَّ النكاحَ باطلٌ مِن أصلِه، (وَإِنْ أَكْذَبَتْهُ) في قولِه إنَّها أُختُه قبلَ الدخولِ؛
(فَلَهَا نِصْفُهُ)، أي: نصف المسمَّى؛ لأنَّ قولَه غيرُ مَقبولٍ عليها في إسقاطِ حقِّها، (وَيَجِبُ) المهرُ (كُلُّهُ) إذا كان إقرارُه بذلك (بَعْدَهُ)، أي: بعدَ الدُّخولِ ولو صدَّقَتْهُ ما لم تَكُن مَكَّنَتْ مِن نفسِها مطاوِعَةً.
(وَإِنْ قَالَتْ هِيَ ذلِكَ)، أي: قالت: زوجُها أخوها مِن الرضاع (وَأَكْذَبَهَا؛ فَهِيَ زَوْجَتُهُ حُكْماً)، أي: ظاهِراً؛ لأنَّ قولَها لا يُقبَلُ عليه في فسخِ النكاحِ؛ لأنَّه حقُّه، وأما باطناً فإن كانت صادقةً؛ فلا نكاحَ، وإلا فهي زوجتُهُ أيضاً.
(وَإِذَا شُكَّ فِي الرَّضَاعِ، أَوْ) شُكَّ في (كَمَالِهِ)، أي: كونِه خمسَ رَضعاتٍ، (أَوْ شَكَّتِ المُرْضِعَةُ) في ذلك (وَلَا بَيِّنَةَ؛ فَلَا تَحْرِيمَ)؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الرضاعِ المُحَرِّمِ.
وإن شَهِدَتْ به مَرضِيَّةٌ ثَبَت.
وكُرِهَ استِرضَاعُ فاجرةٍ، وسيئةِ الخُلُقِ، وجَذْماءَ، وبَرْصاءَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 284