(وَ) صلاةُ (الجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ) إجماعاً، حكاه ابنُ المنذرِ 4.123
الجزء: 1 - الصفحة: 404
(يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ جَهْراً)؛ لفعلِه عليه السلامُ، (فِي) الرَّكعةِ (الأُولَى بِـ «الجُمُعَةِ») بعدَ الفاتحةِ، (وَفِي) الرَّكعةِ (الثَّانِيَةِ بِـ «المُنَافِقِينَ»)؛ «لأَنَّهُ عليه السلام كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا» رواه مسلمٌ عن ابنِ عباسٍ 5. وأن يقرأٌ في فجرِها في الأُولَى «ألم السجدة»، وفي الثانيةِ «هل أتى»؛ «لأَنَّهُ عليه السلام كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا» متفقٌ عليه مِن حديثِ أبي هريرةَ 6. (وَتَحْرُمُ إِقَامَتُهَا)، أي: الجمعةِ، وكذا العيدُ (فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنَ 7 البَلَدِ)؛ لأنَّه عليه السلامُ وأصحابَه لم يُقيموها في أكثرَ مِن موضِعٍ واحدٍ، (إِلَّا لِحَاجَةٍ)؛ كسَعَةِ البلدِ وتَباعدِ أقطارِه، أو بُعْدِ الجامِعِ، أو ضيقِه، أو خوفِ فتنةٍ، فيجوزُ التعدُّدُ بحسبِها 8 فقط؛ لأنَّها تُفعلُ في الأمصارِ العظيمةِ في مواضِعَ مِن غيرِ نكيرٍ، فكان إجماعاً، ذكره في المبدعِ 9.
الجزء: 1 - الصفحة: 405
(فَإِنْ فَعَلُوا)، أي: صلُّوها في موضعين، أو أكثرَ بلا حاجةٍ؛ (فَالصَّحِيحَةُ مَا بَاشَرَهَا الإِمَامُ، أَوْ أَذِنَ فِيهَا) ولو تأخرت، وسواءٌ قلنا: إذنُه شرطٌ أوْ لَا، إذ في تصحيحِ غيرِها افتياتٌ عليه، وتفويتٌ لجمعتِه.
(فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي إِذْنٍ أَوْ عَدَمِهِ؛ فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ)؛ لأنَّ الاستغناءَ حَصَل بالأُولَى، فأُنيطَ الحُكمُ بها، ويُعتبَرُ السَّبقُ بالإحرامِ.
(وَإِنْ وَقَعَتَا مَعاً) ولا مزيَّةَ لإحداهما؛ بطلَتَا؛ لأنَّه لا يُمكِنُ تَصحيحهما ولا تَصحيحُ إحداهما، فإن أمكن إعادتُها جمعةً فعلوا، وإلَّا صلَّوها ظهراً.
(أَوْ جُهِلَتِ الأُولَى) منهما؛ (بَطَلَتَا)، ويصلُّون ظهراً؛ لاحتمالِ سَبْقِ إحداهما، فتصحُّ، فلا 10 تُعادُ، وكذا لو أقيمت في المصرِ جُمعاتٌ وجُهِلَ كيف وقعت.
وإذا وَافق العيدُ يومَ الجمعةِ سَقَطَت عمَّن حضرَه مع الإمامِ؛ كمريضٍ، دونَ الإمامِ، فإن اجتمع معه العددُ المعتبرُ أقامها، وإلَّا صلَّى ظهراً، وكذا العيدُ بها إذا عَزموا على فِعلِها سَقَط.
(وَأَقَلُّ السُّنَّةِ) الراتبةِ (بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ)؛ «لأَنَّهُ عليه السلام كَانَ
الجزء: 1 - الصفحة: 406
يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» متفقٌ عليه مِن حديثِ ابنِ عمرَ 11.
(وَأَكْثَرُهَا سِتُّ) ركعاتٍ؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ» رواه أبو داودَ 12.
ويصلِّيها مكانَه، بخلافِ سائرِ السُّننِ فبِبَيْتِه.
ويُسنُّ فَصْلٌ بين فرضٍ وسنَّتِه 13 بكلامٍ أو انتقالٍ مِن موضعِه.
ولا سنَّةَ لها قبلَها، أي: راتبةٌ، قال عبدُ اللهِ: (رأيت أبي يصلِّي في المسجدِ إذا أذَّن المؤذِّن ركعاتٍ).
(وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ) لها في يومِها؛ لخبرِ عائشةِ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» 14، وعن جماعٍ وعندَ مضيٍّ أفضلُ،
الجزء: 1 - الصفحة: 407
(وَتَقَدَّمَ)، فيه نظر 15.
(وَ) يُسنُّ (تَنَظُّفٌ وتَطَيُّبٌ 16؛ لما روى البخاري عن أبي سعيدٍ مرفوعاً: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ، وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا 17 يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ؛ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» 18.
(وَ) أنْ (يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ)؛ لورودِه في بعضِ الألفاظِ، وأفضلُها البياضُ، ويَعتَمَّ ويَرتدي.
(وَ) أنْ (يُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِياً)؛ لقولِه عليه السلامُ: «وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ» 19، ويكونُ بسكينةٍ ووقارٍ، بعدَ طلوعِ الفجرِ الثاني.
(وَ) أن (يَدْنُوَ مِنَ الإِمَامِ) مستقبلَ القبلةِ؛ لقولِه عليه السلامُ: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 408
فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خطْوَةٍ 20 يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ، عَمَلُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وإسنادُه ثقاتٌ 21.
ويَشتغِلُ بالصَّلاةِ، والذِّكرِ، والقراءةِ.
(وَ) أنْ (يَقْرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فِي يَوْمِهَا)؛ لما روى البيهقي بإسنادٍ حسنٍ عن أبي سعيدٍ مرفوعاً: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ 22 الجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الجُمُعَتَيْنِ» 23.
الجزء: 1 - الصفحة: 409
(وَ) أنْ (يُكْثِرَ الدُّعَاءَ)؛ رجاءَ أن يصادِفَ ساعةَ الإجابةِ.
(وَ) أنْ (يُكْثِرَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ» رواه أبو داودَ وغيرُه 24، وكذا ليلتُها.
(وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ)؛ لما روى أحمدُ: أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو على المنبرِ- رأى رجلاً يَتخطَّى رقابَ النَّاسِ، فقال له: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» 25،
الجزء: 1 - الصفحة: 410
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ) المتخطِّي (الإِمَامَ 26 فلا يُكره؛ للحاجةِ، وأَلْحَق به في الغُنْيَةِ: المؤذنَ 27، (أَوْ) يكونَ التخطِّي (إِلَى فُرْجَةٍ) لا يصِلُ إليها إلا به، فيَتخطَّى؛ لأنَّهم أسقطوا حقَّ أنفسِهم بتأخُّرِهم.
(وَحَرُمَ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ)، ولو عبدَه أو ولدَه الكبيرَ (فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ» متفقٌ عليه 28، ولكن يقولُ: افسحوا، قاله في التلخيصِ 29، (إِلَّا) الصغيرَ، و (مَنْ قَدَّمَ صَاحِباً لَهُ فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ)، وكذا لو جَلَس لحفظِه بدونِ إذنِه، قال في الشَّرحِ: (لأنَّ النائِبَ يقومُ باختيارِه) 30، لكن إنْ جَلَسَ في مكانِ الإمامِ، أو طريقِ المارَّةِ، أو استقبل
الجزء: 1 - الصفحة: 411
المصلين في مكانٍ ضيقٍ؛ أُقِيم، قاله أبو المعالي 31.
وكُرِه إيثارُه غيرَه بمكانِه الفاضلِ، لا قَبولَه، وليس لغيرِ المؤْثَرِ سبقُه.
(وَحَرُمَ رَفْعُ مُصَلًّى مَفْرُوشٍ)؛ لأنَّه كالنائبِ عنه، (مَا لَمْ تَحْضُرِ الصَّلَاةُ) فيرفعُه؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له بنفسِه، ولا يصلِّي عليه.
(وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ قَرِيباً؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ 32 إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» رواه مسلمٌ 33، ولم يُقيِّدْه الأكثرُ بالعَوْدِ قريباً.
(وَمَنْ دَخَلَ) المسجدَ (وَالإِمَامُ يَخْطُبُ؛ لَمْ يَجْلِسْ) ولو كان وقتَ نَهيٍ (حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يُوجِزُ فِيهِمَا)؛ لقولِه عليه السلامُ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَقَدْ خَرَجَ الإِمَامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» متفقٌ عليه، زاد مسلمٌ: «وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» 34.
فإنْ جَلَس قام فأتى بهما ما لم يَطُلِ الفَصْلُ.
فتُسنُّ تحيةُ المسجدِ لمن دخلَه غيرَ وقتِ نهيٍ، إلا الخطيبَ،
الجزء: 1 - الصفحة: 412
وداخِلَه لصلاةِ عيدٍ، أو بعدَ شروعٍ في إقامةٍ، وقَيِّمَه، وداخِلَ المسجدِ الحرامِ؛ لأنَّ تحيَّتَه الطَّوافِ.
(وَلَا يَجُوزُ الكَلَامُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) إذا كان منه بحيثُ يَسمعُه؛ لقولِه تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) [الأعراف: 204] ولقولِه عليه السلامُ: «مَنْ قَالَ: صَهْ، فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رواه أحمدُ 35،
(إِلَّا لَهُ)، أي: للإمامِ، فلا يَحرمُ عليه الكلامُ، (أَوْ لِمَنْ يُكَلِّمُهُ) لمصلحةٍ؛ «لأَنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ سَائِلاً 36، وَكَلَّمَهُ هُوَ» 37.
ويجبُ لتحذيرِ ضريرٍ وغافلٍ عن هلكةٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 413
(وَيَجُوزُ) الكلامُ (قَبْلَ الخُطْبَةِ، وَبَعْدَهَا)، وإذا سَكَت بينَ الخطبتين، أو شَرَع في الدُّعاءِ.
وله الصَّلاةُ على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سَمِعها مِن الخطيبِ، وتُسنُّ سِرًّا؛ كدعاءٍ وتأمينٍ عليه، وحمدُه خفيةً إذا عَطَس، وردُّ سلامٍ، وتشميتُ عاطِسٍ.
وإشارةُ أخرسٍ إذا فُهِمت ككلامٍ، لا تسكيتُ مُتكلمٍ بإشارةٍ.
ويُكره العبثُ والشُّربُ حالَ الخطبةِ إن سَمِعها، وإلا جاز، نصَّ عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 414