(وَتَصَرُّفَاتُ الغَاصِبِ الحُكْمِيَّةُ)،
أي: التي لها حُكمٌ مِن صحةٍ وفسادٍ؛ كالحجِّ والطهارةِ ونحوِهِما، والبيعِ والإجارةِ والنكاحِ ونحوِها؛ (بَاطِلَةٌ)؛ لعدمِ إذنِ المالكِ.
وإن اتَّجر بالمغصوبِ؛ فالربحُ لمالكِهِ.
(وَالقَوْلُ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ) قولُ الغاصبِ؛ لأنَّه غارِمٌ، (أَوْ قَدْرِهِ)، أي: قدرِ المغصوبِ، (أَوْ صِفَتِهِ)؛ بأن قال: غصَبْتَنِي عبداً كاتِباً، وقال الغاصبُ: لم يَكُن كاتباً؛ فـ 1 (قَوْلُهُ) أي: قولُ الغاصبِ؛ لما تقدَّم.
(وَ) القولُ (فِي رَدِّهِ أَوْ تَعَيُّبِهِ 2؛ بأن قال الغاصبُ: كانت فيه أصبعٌ زائدةٌ أو نحوُها، وأنكره مالكُهُ 3؛ (قَوْلُ 4 رَبِّهِ)؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الردِّ والعيبِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 421
وإن شاهدت البيِّنةُ المغصوبَ معيباً، وقال الغاصِبُ: كان مَعيباً وقتَ غصبِهِ، وقال المالكُ: تعيَّب عندَك؛ قُدِّم قولُ الغاصبِ؛ لأنَّه غارمٌ.
(وَإِنْ جَهِلَ) غاصبٌ 5 (رَبَّهُ)، أي: ربَّ المغصوبِ؛ سلَّمه إلى الحاكمِ فبَرِئَ مِن عُهدتِهِ، ويَلزَمُه تَسلُّمُه، أو (تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ مَضْمُوناً)، أي: بنيَّة ضمانه إن جاء ربُّه، فإذا تصدَّق به كان ثوابُهُ لربِّهِ، وسَقَط عنه إثمُ الغصبِ.
وكذا حُكمُ رهنٍ ووديعةٍ ونحوِهِا إذا جَهِلَ ربَّها.
وليس لمن هي عندَه أخْذُ شيءٍ مِنها ولو كان فقيراً.
(وَمَنْ أَتْلَفَ) لغيرِهِ مالاً (مُحْتَرَماً) بغيرِ إذنِ ربِّه ضَمِنه؛ لأنَّه فوَّتَه عليه، (أَوْ فَتَحَ قَفَصاً) عن طائرٍ فَطَارَ؛ ضَمِنه، (أَوْ) فَتَح (بَاباً) فَضَاع ما كان مُغلقاً عليه بسببِهِ، (أَوْ حَلَّ وِكَاءَ) زِقٍّ 6 مائعٍ أو جامدٍ فأذابتْهُ الشمسُ، أو ألْقَتْهُ ريحٌ 7 فاندَفَقَ؛ ضَمِنَه، (أَوْ) حَلَّ (رِبَاطاً) عن 8 فرسٍ، (أَوْ) حلَّ (قَيْداً) عن مقيَّدٍ (فَذَهَبَ مَا فِيهِ، أَوْ أَتْلَفَ) ما فيه (شَيْئاً، وَنَحْوَهُ)، أي: نحوَ ما ذكرَ؛ (ضَمِنَهُ)؛ لأنَّه تَلِف
الجزء: 2 - الصفحة: 422
بسببِ فعلِهِ.
(وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ فَعَثَرَ 9 بِهِ إِنْسَانٌ)، أو أتلفت شيئاً؛ (ضَمِنَ)؛ لتعدِّيه بالرَّبطِ، ومثلُه لو تَرَك في الطريقِ طِيناً، أو خَشَبةً، أو حَجراً، أو كيسَ دراهمٍ، أو أسندَ خشبةً إلى حائطٍ، (كَـ) ما يَضمَنُ مُقْتَنِي (الكَلْبِ العَقُورِ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ بِإِذْنِهِ، أَوْ عَقَرَهُ خَارِجَ مَنْزِلِهِ)؛ لأنَّه مُتعدٍّ باقتنائِهِ، فإن دَخَل منزله بغيرِ إذنِهِ لم يَضمَنْهُ؛ لأنَّه مُتعدٍّ بالدخولِ.
وإن أتلَفَ العقورُ شيئاً بغيرِ العَقْرِ، كما لو وَلَغ أو بال في إناءِ إنسانٍ؛ فلا ضَمانَ؛ لأنَّ هذا لا يَختصُّ بالعقورِ.
وحُكمُ أسدٍ، ونمرٍ، وذِئبٍ، وهِرٍّ تأكُلُ الطُّيورَ وتَقلِبَ القدورَ في العادةِ؛ حُكمُ كلبٍ عَقورٍ.
وله قَتل هرٍّ بأكلِ لحمٍ ونحوِهِ، والفواسِقِ.
وإن حَفَر في فنائِهِ بِئراً لنفسِهِ؛ ضَمِن ما تَلِف بها.
وإن حَفَرها لنفعِ المسلمين بلا ضَررٍ في سابلةٍ لم يَضمَنْ ما تَلِف بها؛ لأنَّه مُحسِنٌ.
وإن مال حائطُهُ ولم يَهدِمْهُ حتى أتلف شيئاً؛ لم يَضمَنْهُ؛ لأنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 423
المَيْلَ حادثٌ والسقوطُ بغيرِ فعلِهِ.
(وَمَا أَتْلَفَتْ البَهِيمَةُ مِنَ الزَّرْعِ) والشجرِ وغيرِهِما (لَيْلاً؛ ضَمِنَهُ صَاحِبُهَا، وَعَكْسُهُ النَّهَارُ)؛ لما روى مالكٌ عن الزهري عن حزامِ 10 بنِ سعدٍ: أن ناقةً للبراءِ دَخَلت حائطَ قومٍ فأفسدت، فقضى رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ عَلَى أَهْلِ الأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَمَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ» 11،
(إِلَّا أَنْ تُرْسَلَ) نَهاراً (بِقُرْبِ مَا تُتْلِفُهُ عَادَةً)؛ فَيَضمَنُ مُرسِلُها لتفريطِهِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 424
وإذا طَرَد دابةً مِن زَرعِه، لم يَضمَنْ إلا أن يُدخِلَها مزرعةَ غيرِهِ، فإن اتصلت المزارِعُ صَبَرَ ليَرجِعَ على ربِّها، ولو قَدَر أن يُخرِجَها وله مُنصرَفٌ غيرُ المزارِعِ فَتَرَكَها؛ فَهَدر.
(وَإِنْ كَانَتْ) البهيمةُ (بِيَدِ رَاكِبٍ أَوْ قَائِدٍ أَوْ سَائِقٍ؛ ضَمِنَ جِنَايَتَهَا بِمُقَدَّمِهَا)؛ كيَدِها وفمِها، (لَا) ما جَنَت (بِمُؤَخَّرِهَا)؛ كرجلِها؛ لما روى عن سعيدٍ مرفوعاً: «الرِّجْلُ جُبَارٌ» 12، وفي روايةِ أبي هريرةَ: «رِجْلُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ» 13، ولو كان السببُ مِن غيرِهِم؛ كنخسٍ وتنفيرٍ؛ ضَمِن فاعِلُه، فلو رَكَبها اثنان فالضمانُ على المتصرِّفِ مِنهما.
(وَبَاقِي جِنَايَتِهَا هَدَرٌ) إذا لم يَكُن يدُ أحدٍ عليها؛ لقولِهِ عليه السلامُ:
الجزء: 2 - الصفحة: 426
«العَجْمَاءِ جُبَارٌ» 14، أي: هَدَر، إلا الضَّاريةَ والجوارحَ وشِبهَهَا؛ (كَقَتْلِ الصَّائِلِ عَلَيْهِ) مِن آدميٍّ أو غيرِهِ إن لم يَندفِعْ إلا بالقتلِ، فإذا قَتَله لم يَضمَنْهُ؛ لأنَّ قَتْلَه بدَفْعٍ جائزٌ؛ لما فيه مِن صِيانةِ النفسِ.
(وَ) كـ (كَسْرِ مِزْمَارٍ) أو غيرِهِ مِن آلاتِ اللهوِ، (وَصَلِيبٍ، وَآنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَآنِيَةِ خَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَرَمَةٍ)؛ لما روى أحمدُ عن ابنِ عمرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مُدْيَةً 15، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَسْوَاقِ المَدِينَةِ وَفِيهَا زِقَاقُ الخَمْرِ قَدْ جُلِبَت مِنَ الشَّامِ، فَشُقَّتْ 16 بِحَضْرَتِهِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» 17.
ولا يَضمَنُ كتاباً فيه أحاديثُ رَدِيَّةٌ، ولا حُلياً مُحرَّماً على رجالٍ إذا لم يَصلُحْ للنساءِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 427