القسمُ الثاني: صلحٌ على إنكارٍ، وقد ذَكَره بقولِه: (وَمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ فَسَكَتَ أَوْ أَنْكَرَ وَهَوَ يَجْهَلُهُ)، أي: يجهلُ ما ادُّعِيَ به عليه، (ثُمَّ صَالَحَ) عنه (بِمَالٍ) حالٍّ أو مؤجَّلٍ؛ (صَحَّ) الصلحُ؛ لعمومِ قولِه عليه السلامُ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحاً حَرَّمَ حَلَالاً، أَوْ أَحَلَّ حَرَاماً» رواه أبو داودَ، والترمذي وقال: (حسنٌ صحيحٌ)، وصحَّحه الحاكمُ 1.
الجزء: 2 - الصفحة: 328
ومَن ادُّعِيَ عليه بوديعةٍ، أو تَفريطٍ فيها، أو قراضٍ 2، فأنكر وصالَحَ على مالٍ؛ فهو جائِزٌ، ذَكَره في الشَّرحِ وغيرِه 3.
(وَهُوَ)، أي: صلحُ الإنكارِ (لِلمُدَّعِي بَيْعٌ)؛ لأنَّه يَعتقِدُه عِوضاً عن مالِه، فلزِمَه حُكمُ اعتقادِه، (يَرُدُّ مَعِيبَهُ)، أي: معيبَ ما أَخَذه مِن العِوضِ، (وَيَفْسَخُ الصُّلْحَ)؛ كما لو اشترى شيئاً فَوَجَده مَعيباً، (وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) العِوضُ إن كان شِقْصاً (بِشُفْعَةٍ)؛ لأنَّه بيعٌ.
وإن صالحه 4 ببعضِ عَينِ المدَّعَى به فهو فيه كمُنكرٍ.
(وَ) الصلحُ (لِلآخَرِ) المنكِرِ (إِبْرَاءٌ)؛ لأنَّه دَفَع المالَ افتداءً ليمينِه، وإزالةَ الضَّررِ عنه، لا عِوضاً عن حقٍّ يَعتقِدُه، (فَلَا رَدَّ) لما صالَحَ عنه بعيبٍ يجِدُه فيه، (وَلَا شُفْعَةَ) فيه؛ لاعتقادِهِ أنَّه ليس بعِوضٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 329
(وَإِنْ كَذَبَ أَحَدُهُمَا) في دعواه أو إنكارِه، وعَلِمَ بكذبِ نفسِه؛ (لَمْ يَصِحَّ) الصلحُ (فِي حَقِّهِ بَاطِناً)؛ لأنَّه عالمٌ بالحقِّ، قادرٌ على إيصالِه لمستحقِّه، غيرُ مُعتقدٍ أنَّه محقٌّ، (وَمَا أَخَذَهُ حَرَامٌ) عليه؛ لأنَّه أكْلٌ للمالِ بالباطلِ.
وإن صالَحَ عن المنكِرِ أجنبيٌّ بغيرِ إذنِه؛ صحَّ، ولم يَرجِعْ عليه.
ويصحُّ الصلحُ عن قصاصٍ، وسُكنى دارٍ، وعيبٍ، بقليلٍ وكثيرٍ.
(وَلَا يَصِحُّ) الصلحُ (بِعِوَضٍ عَنْ حَدِّ سَرِقَةٍ، وَقَذْفٍ) أو غيرِهِما؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يَؤولُ إليه، (وَلَا) عن (حَقِّ شُفْعَةٍ) أو خيارٍ؛ لأنهما لم يُشرَعا لاستفادةِ مالٍ، وإنما شُرِعَ الخيارُ للنَّظرِ في الأحظِّ، والشفعةُ لإزالةِ الضَّررِ بالشَّركةِ، (وَ) لا عن (تَرْكِ شَهَادَةٍ) بحقٍّ أو باطلٍ.
(وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ) إذا صالَحَ عنها؛ لرِضاه بتَركِها، ويَردُّ 5 العوضَ، (وَ) كذا حُكمُ (الحَدِّ) والخيارِ.
وإن صالحه على أنْ يُجْرِيَ على أرضِه أو سطحِه ماءً مَعلوماً؛ صحَّ؛ لدعاءِ الحاجةِ إليه، فإن كان بعوضٍ مع بقاءِ ملكِه فإجارةٌ، وإلا فبيعٌ، ولا يُشترطُ في الإجارةِ هنا بيانُ المدَّةِ؛ للحاجةِ.
ويجوزُ شراءُ ممرٍّ في ملكِه، وموضِعٍ 6 في حائِطٍ يَجعلُه باباً،
الجزء: 2 - الصفحة: 330
وبَقعةٍ يحفِرُها بِئراً، وعلوِّ بيتٍ يَبني عليه بُنياناً مَوصوفاً، ويصحُّ فِعلُه صُلحاً أبداً، وإجارةً مدةً معلومةً.
(وَإِنْ حَصَلَ غُصْنُ شَجَرَتِهِ فِي هَوَاءِ غَيْرِهِ) الخاصِّ به أو المشتَرَكِ، (أَوْ) حَصَل غُصنُ شَجرتِه في (قَرَارِهِ)، أي: قرارِ غيرِه الخاصِّ أو المشتركِ، أي: في أرضِه، وطالَبَه بإزالةِ ذلك؛ (أَزَالَهُ) وجوباً، إما بقَطْعِه أو لَيِّهِ إلى ناحيةٍ أخرى، (فَإِنْ أَبَى) مالِكُ الغُصنِ إزالتَه (لَوَاهُ) مالِكُ الهواءِ (إِنْ أمْكَنَ، وَإِلَّا) يُمكِنُ (فَلَهُ قَطْعُهُ)؛ لأنَّه إخْلاءُ ملكِه الواجبِ إخلاؤُهُ، ولا يَفتقِرُ إلى حاكِمٍ، ولا يُجبرُ المالكُ على الإزالةِ؛ لأنَّه ليس مِن فعلِه.
وإن أتلَفَه مالِكُ الهواءِ مع إمكانِ لَيِّه؛ ضَمِنه.
وإن صالحه على بقاءِ الغُصنِ بعوضٍ؛ لم يجزْ.
وإن اتَّفقا على أن الثمرةَ بينهما ونحوَه؛ صحَّ جائزاً.
وكذا حُكمُ عِرْقِ شجرةٍ حَصَل في أرضِ غيرِه.
(وَيَجُوزُ فِي الدَّرْبِ النَّافِذِ فَتْحُ الأَبْوَابِ لِلاسْتِطْرَاقِ)؛ لأنَّه لم يَتعيَّنْ له مالِكٌ، ولا ضررَ فيه على المجتازِينَ.
و(لَا) يجوزُ (إِخْرَاجُ رَوْشَنٍ 7 على أطرافِ خشبٍ أو نحوِه
الجزء: 2 - الصفحة: 331
مدفونةٍ في الحائطِ، (وَ) لا إخراجُ (سَابَاطٍ)، وهو: المستَوفي للطريقِ كلِّه على جِدارَين، (وَ) لا إخراجُ (دَكَّةٍ)، بفتحِ الدالِ، وهي: الدُّكانُ 8 والمِصْطَبَّةُ 9 - بكسرِ الميمِ -، (وَ) لا إخراجُ (مِيزَابٍ 10، ولو لم يَضرَّ بالمارةِ، إلا أن يأذنَ إمامٌ أو نائِبُه، ولا ضررَ؛ لأنَّه نائبُ المسلمين، فَجَرى مجرَى إذنِهم.
(وَلَا يَفْعَلُ ذلِكَ)، أي: لا يُخرجُ رَوشناً، ولا سَاباطاً، ولا دَكةً، ولا مِيزاباً (فِي مِلْكِ جَارٍ، وَدَرْبٍ 11 مُشْتَرَكٍ) غيرِ نافِذٍ (بِلَا إِذْنِ المُسْتَحِقِّ)، أي: الجارِ أو أهلِ الدَّربِ؛ لأنَّ المنعَ لحقِّ المستحقِّ؛ فإذا رَضِيَ بإسقاطِه جاز.
الجزء: 2 - الصفحة: 332
ويجوزُ نقلُ بابٍ في دربٍ غيرِ نافذٍ إلى أَوَّلِه بلا ضررٍ، لا إلى داخِلٍ إن لم يإذن مَن فوقَه، ويكونُ إعارةً.
وحَرُمَ أن يُحدِثَ بملكِه ما يضرُّ بجارِه؛ كحمَّامٍ ورَحَىً وتنُّورٍ، وله منعُه، كدَقٍّ وَسقْيٍ يَتعدَّى.
وحَرُمَ أن يتصرَّفَ في جدارِ جارٍ أو مُشتركٍ بفَتْحِ طاقٍ أو ضَرْبِ وَتَدٍ ونحوِه إلَّا بإذنِه.
(وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُ خُشُبَه 12 عَلَى حَائِطِ جَارِهِ) أو حائِطٍ مُشتركٍ (إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ)، فيجوزُ (إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّسْقِيفُ إِلَّا بِهِ)، ولا ضررَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ يرفعُه: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خُشُبَه 13 عَلَى جِدَارِهِ»، ثم يقولُ أبو هريرةَ: (ما لي أراكم عنها مُعرِضِين،
الجزء: 2 - الصفحة: 333
واللهِ لأرمينَّ بها بين أكتافِكُم) متفقٌ عليه 14.
(وَكَذَلِكَ) حائطُ (المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ)؛ كحائطِ نحوِ يتيمٍ، فيجوزُ لجارِه وَضْعُ خَشبِه عليه إذا لم يُمكِنْ تَسقيفٌ إلا به بلا ضَررٍ؛ لما تقدَّم.
(وَإِذَا انْهَدَمَ جِدَارُهُمَا) المشترَكُ، أو سقفُهُما، (أَوْ خِيفَ ضَرَرُهُ) بسقوطِه، (فَطَلَبَ أَحَدُهُما أَنْ يُعَمِّرَهُ الآخَرُ مَعَهُ؛ أُجْبِرَ عَلَيْهِ) إن امتنع؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» 15،
فإن أبَى أخَذَ حاكمٌ مِن مالِه وأنفق عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (2345)، والبيهقي (11384)، من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه عنه.
قال البيهقي: (تفرد به عثمان بن محمد)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي، ووهَّمهما الألباني، وذلك أن عثمان هذا لم يخرج له مسلم، وهو ضعيف كما في ميزان الاعتدال.
ورواه مالك (2758)، عن عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه مرفوعاً.
وهذا مرسل، وصوبه ابن عبد الهادي، وابن رجب، والألباني.
الرابع: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: رواه الدارقطني (4542)، من طريق ابن عطاء، عن أبيه عنه مرفوعاً.
ويعقوب بن عطاء ضعيف كما قال ابن رجب.
الخامس: حديث جابر رضي الله عنهما: رواه الطبراني في الأوسط (5193)، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عنه مرفوعاً.
وفيه عنعنة محمد بن إسحاق وهو مدلس، واستغرب ابن رجب الإسناد، وقد رواه أبو داود في المراسيل (407)، عن واسع مرسلاً، قال ابن رجب: (وهو أصح).
السادس: حديث عائشة: رواه الدارقطني (4539)، وفي إسناده الواقدي وهو متهم، ورواه الطبراني في الأوسط (268)، وفيه أحمد بن رشدين، قال ابن عدي: (كذبوه)، قال ابن رجب: (وخرَّجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضاً عن القاسم عن عائشة).
السابع: حديث ثعلبة رضي الله عنه: رواه الطبراني (1387)، وفيه إسحاق بن إبراهيم الصواف، قال في التقريب: (لين الحديث).
الثامن: حديث أبي لبابة رضي الله عنه: رواه أبو داود في المراسيل (407)، من طريق واسع بن حبان عنه.
قال ابن حجر: (وهو منقطع بين واسع ولبابة).
قال ابن حزم: (هذا خبر لا يصح؛ لأنه إنما جاء مرسلاً)، وقال ابن عبد البر: (ولا يستند من وجه صحيح)، وقال ابن رجب: (قال خالد بن سعد الأندلسي =
الجزء: 2 - الصفحة: 335
وإن بناه شَريكٌ شركةً بنيةِ رجوعٍ رَجَع.
(وَكَذَا النَّهْرُ 16، وَالدُّولَابُ 17، وَالقَنَاةُ 18 المشتركَةُ إذا احتاجت لعِمارةٍ، ولا يُمنَعُ شَريكٌ مِن عِمارةٍ، فإن فَعَل فالماءُ على الشَّركةِ.
وإن أعطى قومٌ قَناتَهُم أو نحوَها لمن يَعمُرُها وله منها جزءٌ معلومٌ؛ صحَّ.
= الحافظ: لم يصح حديث: «لا ضرر ولا ضرار» مسنداً).
قال ابن رجب: (وقد ذكر الشيخ رحمه الله - يعني: النووي - أن بعض طرقه تقوى ببعض، وهو كما قال)، ونقل عن ابن الصلاح أنه قال: (ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به، وقول أبي داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف)، وقال الألباني: (فهذه طرق كثيرة لهذا الحديث قد جاوزت العشر، وهى وإن كانت ضعيفة مفرداتها فإن كثيراً منها لم يشتد ضعفها، فإذا ضم بعضها إلى بعض تقوى الحديث بها وارتقى إلى درجة الصحيح إن شاء الله تعالى)، وذكر ابن رجب أن الإمام أحمد قد استدل به.
ينظر: المحلى 7/ 85، التمهيد 20/ 158، تنقيح التحقيق 5/ 68، جامع العلوم والحكم 2/ 206، مصباح الزجاجة 3/ 48، الإرواء 3/ 408.
الجزء: 2 - الصفحة: 336
ومَن له عُلوٌ لم يَلزَمُه عمارةُ سُفلِهِ إذا انهدم، بل يُجبرُ عليه مالِكُهُ، ويَلزَمُ الأعلى سُترةٌ تَمنَعُ مُشارفَةَ الأسفلِ، فإن استويا اشتركا.
الجزء: 2 - الصفحة: 337