في أحكامِ الذِّمَّةِ
(وَيَلْزَمُ الإِمَامَ أَخْذُهُمْ)، أي: أخذُ أهلِ الذمةِ (بِحُكْمِ الإِسْلَامِ فِي) ضمانِ (النَّفْسِ، وَالمَالِ، وَالعِرْضِ، وَإِقَامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ) كالزِّنا، (دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ) كالخمرِ؛ لأنَّ عقدَ الذِّمةِ لا يصحُّ إلا بالتزامِ أحكامِ الإسلامِ كما تقدَّم، وروى ابنُ عمرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِيَهُودِيَّيْنِ قَدْ فَجَرَا بَعْدَ إِحْصَانِهِمَا فَرَجَمَهُمَا» 1.
الجزء: 2 - الصفحة: 187
(وَيَلْزَمُهُمُ التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِيْنَ) بالقبورِ؛ بأن لا يُدْفَنُوا في مقابِرِنا، والحُلَى بِحَذفِ مُقدَّمِ رؤوسِهم، لا كعادةِ الأشرافِ، ونحوِ شَدِّ زِنَّارٍ، ولدخولِ حمامِنا جُلجُلٌ 2، أو نحوُ خاتَمِ رَصاصٍ برقابِهم، (وَلَهُمْ رَكُوبُ غَيْرِ الخَيلِ 3 كالحميرِ (بِغَيْرِ سَرْجٍ)؛ فيَركبون (بِإِكَافٍ 4 وهو البَرذَعةُ؛ لما روى الخلَّالُ: «أنَّ عُمَرَ أَمَرَ بِجَزِّ نَوَاصِي أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَنْ يَشُدُّوا المَنَاطِقَ، وَأَنْ يَرْكَبُوا الأُكُفَ بِالعَرْضِ» 5. (وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُم فِي المَجَالِسِ، وَلَا القِيَامُ لَهُمْ، وَلَا بَدَاءَتُهُمْ بِالسَّلَامِ)، أو بـ: كيف أصبحت، أو أمسيت، أو حالك، ولا تَهنِئتَهم، وتَعزِيتَهم، وعَيادتَهم، وشهادةَ أعيادِهم؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعاً: «لَا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ
الجزء: 2 - الصفحة: 188
أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُم إلَى أَضْيَقِهَا»، قال الترمذي: (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) 6. (وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِحْدَاثِ كَنَائِسَ، وَبِيَعٍ)، ومجتَمعٍ لصلاةٍ في دارِنا، (وَ) مِن (بِنَاءِ مَا انْهَدَمَ مِنْهَا وَلَوْ ظُلْماً)؛ لما روى كَثيرُ بن مُرَّةَ قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقول: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُبْنَى الكَنِيسَةُ فِي الإِسْلَامِ، وَلَا يُجَدَّدُ مَا خَرِبَ مِنْهَا» 7.
الجزء: 2 - الصفحة: 189
(وَ) يُمنعون أيضاً (مِنْ تَعْلِيَةِ بُنْيَانٍ عَلَى مُسْلِمٍ) ولو رَضِيَ؛ لقولِه عليه السلامُ: «الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» 8، وسواءٌ لاصَقَه أَوْ لَا إذا كان يُعَدُّ جاراً له، فإن علَّا وجب نَقْضُه.
و(لَا) يُمنعون مِن (مُسَاوَاتِهِ)، أي: البُنيانِ (لَهُ)، أي: لبناءِ المسلمِ؛ لأنَّ ذلك لا يُفضي إلى العُلوِّ، وما مَلكوه عالياً مِن مسلمٍ لا يُنقَضُ، ولا يُعادُ عالياً لو انهدم.
الجزء: 2 - الصفحة: 190
(وَ) يُمنعون أيضاً (مِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ)، فإن فعلوا أتلفناهما، (وَ) مِن إظهارِ (نَاقُوسٍ وَجَهْرٍ بِكِتَابِهِمْ)، ورفعِ صوتٍ على ميتٍ، ومِن قراءةِ قرآنٍ، ومِن إظهارِ أكلٍ وشربٍ بنهارِ رمضانَ.
وإن صُولحوا في بلادِهِم على جزيةٍ أو خراجٍ؛ لم يُمنعوا شيئاً من ذلك.
وليس لكافرٍ دخولُ مسجدٍ ولو أَذِنَ له مسلمٌ.
وإنْ تحاكموا إلينا فلنا الحكمُ والتركُ 9، لقولِه تعالى: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) [المائدة: 42].
وإن اتَّجر إلينا حربيٌّ؛ أُخِذ منه العُشْرُ، وذميٌّ نصفُ العُشرِ؛ لفعلِ عمرَ رضي اللهُ عنه 10، مرةً في السَّنةِ فقط.
ولا تُعَشَّرُ أموالُ المسلمين.
(وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ)، بأن تنصَّر يهودي؛ (لَمْ يُقَرَّ)؛ لأنَّه انتقل إلى دينٍ باطلٍ قد أَقَرَّ ببطلانِه؛ أشبه المرتدَّ، (وَلَمْ يُقْبَلْ
الجزء: 2 - الصفحة: 191
مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ أَوْ دِينُهُ) الأولُ، فإنْ أباهما هُدِّدَ وحُبِس وضُرِب، قيل للإمامِ: أنقتُلُه؟ قال: (لا) (1).