(فَصْلٌ فِي تَصَرُّفَاتِ المَرِيضِ) بعطيةٍ أو نحوِها
(مَنْ مَرَضُهُ غَيْرُ مَخُوفٍ؛ كَوَجَعِ ضِرْسٍ، وَعَيْنٍ، وَصُدَاعٍ)، أي: وَجَعِ رأسٍ (يَسِيرٍ؛ فَتَصَرُّفُهُ لَازِمٌ؛ كَـ) تصرُّفِ (الصَّحِيحِ، وَلَوْ) صار مَخوفاً و (مَاتَ مِنْهُ)؛ اعتباراً بحالِ العطيةِ؛ لأنَّه إذ ذاك في حُكمِ الصحيحِ.
(وَإِنْ كَانَ) المرضُ الذي اتَّصل به الموتُ (مَخُوفاً؛ كَبِرْسَامٍ 2، وهو: بخارٌ يَرتقِي إلى الرأسِ ويؤثِّرُ في الدِّماغِ، فَيَخْتَلُّ عَقْلُ صاحبِهِ،1
الجزء: 2 - الصفحة: 496
(وَذَاتِ الجَنْبِ): قُروحٌ 3 بباطنِ الجنبِ، (وَوَجَعِ قَلْبٍ)، ورئةٍ ولا تَسْكُنُ حَركتُها، (وَدَوَامِ قِيَامٍ)، وهو: المبطونُ الذي أصابَهُ الإسهالُ ولا يُمكِنُهُ إمساكُهُ، (وَ) دوامِ (رُعَافٍ)؛ لأنَّه يُصفِّي الدَّمَ فَتَذهبُ القوَّةُ، (وَأَوَّلِ فَالِجٍ)، وهو: داءٌ مَعروفٌ يُرْخِي بعضَ البدنِ، (وَآخِرِ سِلٍّ) بكسرِ السينِ، (وَالحُمَّى المُطْبِقَةِ، وَ) حمَّى (الرِّبْعِ 4، وَمَا قَالَ 5 طَبِيبانِ مُسْلِمَانِ عَدْلَانِ: إِنَّهُ مَخُوفٌ)؛ فعطاياه كوصيةٍ؛ لقولِهِ عليه السلام: «إِنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ؛ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» رواه ابنُ ماجه 6.
الجزء: 2 - الصفحة: 497
(وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ)، أو كان بينَ الصفَّيْنِ عندَ التحامِ حربٍ 7، وكلٌّ مِن الطائفتين مكافِئةٌ للأُخرى، أو كان مِن المقهورةِ، أو كان في لُجَّةِ البحرِ عندَ هَيَجانِهِ، أو قُدِّم أو حُبِسَ لقتلٍ، (وَمَنْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ) حتى تَنجوَ؛ (لَا يَلْزَمُ تَبَرُّعُهُ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ، وَلَا بِمَا فَوْقَ الثُّلُثِ)، ولو لأجنبيٍّ؛ (إِلَّا بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ لَهَا إِنْ مَاتَ مِنْهُ 8؛ كوصيةٍ؛ لما 9 تقدَّم؛ لأنَّ توقُّعُ التلفِ مِن أولئكَ كتوقُّعِ المريضِ.
(وَإِنْ عُوفِيَ) مِن ذلك (فَكَصَحِيحٍ) في نفوذِ عطاياه كلِّها؛ لعدمِ المانعِ.
(وَمَنِ امْتَدَّ مَرَضُهُ بِجُذَامٍ، أَوْ سِلٍّ) في ابتدائِهِ، (أَوْ فَالِجٍ) في انتهائِهِ، (وَلَمْ يَقْطَعْهُ بِفِرَاشٍ؛ فَـ) عطاياه (مِنْ كُلِّ مَالِهِ)؛ لأنَّه لا يُخَافُ تعجيلُ الموتِ منه؛ كالهرمِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 498
(وَالعَكْسُ)؛ بأن لَزِمَ الفراشَ؛ (بِالعَكْسِ)، فعطاياه كوصيتِه؛ لأنَّه مريضٌ صاحبُ فِراشٍ يُخْشَى منه التلفُ.
(وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدَ مَوْتِهِ)؛ لأنَّه وقتُ لُزومِ الوصايا واستحقاقِها، وثبوتِ وِلايةِ قبولِها وردِّها، فإن ضاق ثُلثُهُ عن العطيةِ والوصيةِ؛ قُدِّمت العطيةُ؛ لأنَّها لازمةٌ.
ونماءُ العَطيةِ مِن القبولِ إلى الموتِ تَبَعٌ لها.
ومعاوَضَةُ المريضِ بثمنِ المثلِ مِن رأسِ المالِ، والمحاباةُ كعطيةٍ.
(وَ) تُفارِقُ العطيةُ الوصيةَ في أربعةِ أشياءَ:
أحدُها: أنه (يُسَوَّى بَيْنَ المُتَقَدِّمِ وَالمُتَأَخِّرِ فِي الوَصِيَّةِ)؛ لأنَّها تبرُّعٌ بعدَ الموتِ يُوجَدُ دفعةً واحِدَةً، (وَيُبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ فِي العَطِيَّةِ)؛ لوقوعِها لازمةً.
(وَ) الثاني: أنه (لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهَا)، أي: في العطيةِ بعدَ قَبضِها 10؛ لأنَّها تَقعُ لازمةً في حقِّ المُعْطِي، وتَنتقِلُ إلى المعطَى في الحياةِ ولو كَثُرت، وإنما مُنِعَ مِن التبرُّعِ بالزائِدِ على الثُّلثِ لحقِّ الورثةِ، بخلافِ الوصيةِ، فإنه يَملِكُ الرجوعُ فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 499
(وَ) الثالثُ: أن العطيةَ (يُعْتَبَرُ القَبُولُ لَهَا عِنْدَ وُجُودِهَا)؛ لأنَّها تمليكٌ في الحالِ، بخلافِ الوصيةِ، فإنها تَمليكٌ بعدَ الموتِ، فاعْتُبِر عندَ وجودِهِ.
(وَ) الرابعُ: أنَّ العطيةَ (يَثْبُتُ المِلْكُ) فيها (إِذاً)، أي: عندَ قَبولِها؛ كالهبةِ، لكن يَكونُ مُراعىً؛ لأنَّا لا نَعلَمُ هل هو مَرضُ الموتِ أو لا؟ ولا نَعلَمُ هل يَستفيدُ مالاً أو يَتْلَفُ شيءٌ مِن مالِهِ؟ فتوقَّفْنا لنَعلَمَ عاقبةَ أمرِهِ، فإذا خَرَجت مِن الثُّلثِ تبَيَّنَّا أنَّ الملكَ كان ثابتاً مِن حينِهِ، وإلا فبِقَدْرِهِ.
(وَالوَصِيَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ)، فلا تُمْلَكُ قبلَ الموتِ؛ لأنَّها تمليكٌ بعدَه فلا تَتقدَّمُهُ.
وإذا مَلَك المريضُ مَن يَعتِقُ عليه بهبةٍ، أو وصيةٍ، أو أقرَّ أنَّه أعتقَ ابنَ عمِّه في صحَّتِهِ؛ عَتَقَا مِن رأسِ المالِ، ووَرِثَا؛ لأنَّه حُرٌّ حينَ موتِ مورِّثِهِ لا مانِعَ به، ولا يكونُ عِتقُهُم وصيةً.
ولو دَبَّر ابنَ عمِّه؛ عَتَق ولم يَرِثْ، وإنْ قال: أنت حُرٌّ آخِرَ حياتي؛ عَتَق ووَرِثَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 500