(فَصلٌ) في المحجورِ عليه لحظِّهِ
(وَيُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ وَالمَجْنُونِ لِحَظِّهِمْ)؛ إذ المصلحةُ تعودُ عليهم، بخلافِ المفلسِ.
والحجرُ عليهم عامٌّ في ذِممِهِم ومالِهِم، ولا يَحتاجُ لحاكمٍ، فلا يصحُّ تصرُّفُهُم قبلَ الإذنِ.
(وَمَنْ أَعْطَاهُمْ مَالَهُ بَيْعَاً، أَوْ قَرْضَاً)، أو وديعةً ونحوَها؛ (رَجَعَ
الجزء: 2 - الصفحة: 343
بِعَيْنِهِ) إنْ بَقِيَ؛ لأنَّه مالُه، (وَإِنْ) تلِف في أيديِهِم، أو (أَتْلَفُوهُ؛ لَمْ يَضْمَنُوا)؛ لأنَّه سَلَّطهم عليه برضاه، عَلِمَ بالحجرِ أوْ لَا؛ لتفريطِه.
(وَيَلْزَمُهُمْ أَرْشُ الجِنَايَةِ) إنْ جنوا؛ لأنَّه لا تَفريطَ مِن المجني عليه، والإتلافُ يَستوي فيه الأهلُ وغيرُه.
(وَ) يَلزَمُهم أيضاً (ضَمَانُ مَالِ مَنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهِمْ)؛ لأنَّه لا تَفريطَ مِن المالِكِ، والإتلافُ يَستوي فيه الأهلُ وغيرُه.
(وَإِنْ تَمَّ لِصَغِيرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) حُكِمَ ببلوغِه؛ لما روى ابنُ عمرَ قال: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي» متفقٌ عليه 1.
(أَوْ نَبَتَ حَوْلَ قُبُلِهِ شَعْرٌ خَشِنٌ) حُكِمَ ببلوغِه؛ لأنَّ سعدَ بنَ معاذٍ لما حَكَم في بني قريظةَ بقَتْلِهِم وسَبْيِ ذراريهم أَمَر أن يُكشفَ عن مؤتزرِهِم، فَمَن أنْبَتَ فهو مِن المقاتلِةِ، ومَن لم يُنبِتْ فهو مِن الذُّريةِ، وبَلَغ ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» متفقٌ عليه 2.
الجزء: 2 - الصفحة: 344
(أَوْ أَنَزَلَ) حُكِمَ ببلوغِه؛ لقولِه تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا) [النور: 59].
(أَوْ عَقَلَ مَجْنُونٌ وَرَشَدَا)، أي: مَن بَلَغ وعَقَل، (أَوْ رَشَدَ سَفِيهٌ؛ زَالَ حَجْرُهُمْ)؛ لزوالِ عِلَّتِه، قال تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: 6]، (بِلَا قَضَاءٍ) حاكمٍ؛ لأنَّه ثَبَت بغيرِ حُكمِه، فزال؛ لزوالِ مُوجِبِه بغيرِ حُكمِه.
(وَتَزِيدُ الجَارِيَةُ) على الذَّكَرِ (فِي البُلُوغِ بِالحَيْضِ)؛ لقولِه عليه السلامُ:
الجزء: 2 - الصفحة: 345
«لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رواه الترمذي وحسَّنه 3.
(وَإِنْ حَمَلَتْ) الجاريةُ (حُكِمَ بِبُلُوغِهَا) عندَ الحملِ؛ لأنَّه دليلُ إنزالِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى أجرى العادةَ بخلقِ الولدِ مِن مائِهِما، فإذا وَلَدت حُكِمَ ببلوغِها مِن ستةِ أشهرٍ؛ لأنَّه اليقينُ.
(وَلَا يَنْفَكُّ) الحجرُ عنهم (قَبْلَ شُرُوطِهِ) السابقةِ بحالٍ، ولو صار شَيخاً.
الجزء: 2 - الصفحة: 346
(وَالرُّشْدُ: الصَّلَاحُ فِي المَالِ)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ في قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) [النساء: 6]، أي: صلاحاً في أموالهم 4، فعلى هذا يُدفَعُ إليه مالُه، وإن كان مُفسداً لدِينِه.
ويُؤنَسُ رُشدُه (بِأَنْ يَتَصَرَّفَ مِرَاراً فَلَا يُغْبَنُ) غَبناً فاحِشاً (غَالِباً، وَلَا يَبْذُلُ مَالَهُ فِي حَرامٍ)؛ كخمرٍ وآلاتِ لهوٍ، (أَوْ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ)؛ كغناءٍ ونِفْطٍ 5؛ لأنَّ مَن صَرَف مالَه في ذلك عُدَّ سَفيهاً.
(وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ)، أي: إلى الصغيرِ (حَتَّى يُخْتَبَرَ)؛ ليُعلمَ رُشْدُه
الجزء: 2 - الصفحة: 347
(قَبْلَ بُلُوغِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ)؛ لقولِه تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) الآية [النساء: 6]، والاختبارُ يَختصُّ بالمراهِقِ الذي يَعرِفُ المعاملةَ والمصلحةَ.
(وَوَلِيُّهُم)، أي: وليُّ السفيهِ الذي بَلَغ سَفيهاً واستمرَّ، والصغيرِ، والمجنونِ، (حَالَ الحَجْرِ: الأَبُ) الرشيدُ العدلُ، ولو ظاهِراً؛ لكمالِ شَفقتِه، (ثُمَّ وَصِيُّهُ)؛ لأنَّه نائبُه، ولو بِجُعْلٍ وثَمَّ متبرِّعٌ، (ثُمَّ الحَاكِمُ)؛ لأنَّ الولايةَ انقطعت مِن جهةِ الأبِ، فتعيَّنَت للحاكمِ.
ومَن فُكَّ عنه الحجرُ فَسَفِهَ أُعِيد عليه، ولا يَنظُرُ في مالِه إلا الحاكمُ، كمَنْ جُنَّ بعدَ بلوغٍ ورشدٍ.
(وَلَا يَتَصَرَّفُ لأَحَدِهِمْ وَلِيُّهُ إِلَّا بِالأَحَظِّ)؛ لقولِه تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الأنعام: 152]، والسفيهُ والمجنونُ في معناه.
(وَيَتَّجِرُ) وليُّ المحجورِ عليه (لَهُ مَجَّاناً)، أي: إذا اتَّجر وليُّ اليتيمِ في مالِه كان الرِّبحُ كلُّه لليتيمِ؛ لأنَّه نماءُ مالِه، فلا يَستحِقُّهُ غيرُه إلا بعقدٍ، ولا يَعقِدُ الوليُّ لنفسِه.
(وَلَهُ دَفْعُ مَالِهِ) لمن يتَّجِرُ فيه (مُضَارَبةً بِجُزْءٍ) معلومٍ (مِنَ الرِّبْحِ) للعاملِ؛ لأنَّ عائشةَ أبضَعَتْ مالَ محمدِ بنِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ 6، ولأنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 348
الوليَ نائبٌ عنه فيما فيه مَصلحتُه.
وله البيعُ نَسَاءً، والقرضُ برهنٍ، وإيداعُه، وشراءُ العقارِ وبناؤه لمصلحةٍ، وشراءُ الأضحيةِ لموسرٍ، وتَركُهُ في المكتبِ بأُجرةٍ.
ولا يَبيعُ عقارَه إلا لضرورةٍ أو غبطةٍ.
(وَيَأْكُلُ الوَلِيُّ الفَقِيرُ مِنْ مَالِ مَوْلِيِّهِ)؛ لقولِه تعالى: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: 6]،
(الأَقَلَّ مِنْ كِفَايَتِهِ أَوْ أُجْرَتِهِ)، أي: أجرةِ عَملِه؛ لأنَّه يَستحِقُّ بالعملِ والحاجةِ جميعاً، فلم يَجزْ أن يأخُذَ إلا ما وُجِدَا فيه، (مَجَّاناً)، فلا يَلزَمُه عِوضُه إذا أيسر؛ لأنَّه عِوضٌ عن عَملِه، فهو فيه كالأجيرِ والمضارَبِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ الوَلِيِّ) بيمينِه، (وَالحَاكِمِ) بغيرِ يمينٍ، (بَعْدَ فَكِّ الحَجْرِ فِي النَّفَقَةِ) وقدرِها ما لم يخالِفْ عادةً وعرفاً.
ولو قال: أنفقتُ عليك منذُ سنتين، فقال: منذُ سنةٍ؛ قُدِّمَ قولُ الصبيِّ؛ لأنَّ الأصلَ موافقتُه 7.
(وَ) يُقبلُ قولُ الوليِّ أيضاً في وجودِ (الضَّرُورَةِ وَالغِبْطَةِ) إذا باع عقارَه وادَّعاهما ثم أنكرَهُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 349
(وَ) يُقبلُ قولُ الوليِّ أيضاً في (التَّلَفِ) وعدمِ التَّفريطِ؛ لأنَّه أمينٌ، والأصلُ براءتُه.
(وَ) يُقبلُ قولُه أيضاً في (دَفْعِ المَالِ) إليه بعدَ رشدِه؛ لأنَّه أمينٌ، وإن كان بجُعْلٍ لم يُقبَلْ قولُه في دفعِ المالِ؛ لأنَّه قَبَضه لنفعِه؛ كالمرتهنِ.
ولوليِّ مميِّزٍ وسيِّدِه أن يأذنَ له في التجارةِ، فينفَكُّ عنه الحجرُ في قَدْرِ ما أُذِنَ له فيه.
(وَمَا اسْتَدَانَ العَبْدُ لَزِمَ سيِّدَهُ) أداؤه (إِنْ أَذِنَ لَهُ) في استدانتِه ببيعٍ أو قرضٍ؛ لأنَّه غرَّ الناسَ بمعاملتِه، (وَإِلَّا) يَكُن استدانَ بإذنِ سيدِه، (فَـ) ما استدانَه (فِي رَقَبَتِهِ)؛ يُخيَّرُ سيدُه بينَ بيعِه، وفدائِه بالأقلِّ مِن قيمتِه أو دَيْنِه، ولو أعتقه، وإن كانت العينُ باقيةً رُدَّت لربِها؛ (كَاسْتِيدَاعِهِ)، أي: أَخْذِه وديعةً فَيُتلِفُها، (وَأَرْشِ جِنَايَتِهِ، وقِيمَةِ مُتْلَفٍ 8، فيتعلَّقُ ذلك كلُّه برقبتِه، ويخيَّرُ سيِّدُه كما تقدَّم.
ولا يَتبرَّعُ المأذونُ 9 بدراهِمَ ولا كِسوةٍ، بل بإهداءِ مأكولٍ، وإعارةِ دابةٍ، وعملِ دعوةٍ بلا إسرافٍ.
ولغيرِ المأذونِ له الصدقةُ مِن قُوتِه بنحوِ الرغيفٍ إذا لم يَضرَّه.
الجزء: 2 - الصفحة: 350
وللمرأةِ الصَّدَقةُ مِن بيتِ زوجِها بذلك، ما لم تَضطرِبْ العادةُ، أو يَكُن بخيلاً، أو تشكُّ 10 في رضاه.
الجزء: 2 - الصفحة: 351