(بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ) في الصَّومِ، (وَحُكْمُ القَضَاءِ)، أي: قضاء الصوم
(يُكْرَهُ) لصائمٍ (جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ)؛ للخروجِ مِن خلافِ مَن قال بفطرِه.
(وَيَحْرُمُ) على الصائمِ (بَلْعُ النُّخَامَةِ)، سواءٌ كانت مِن جَوْفِه أو صَدْرِه أو دِمَاغِه، (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ)، أي: لا بالريقِ، (إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ)؛ لأنَّها مِن غيرِ الفمِ.
وكذلك إذا تنجَّسَ فمُه بدمٍ أو قيءٍ ونحوِه فبلَعه وإنْ قلَّ؛ لإمكانِ التحرُّزِ منه.
وإنْ أخرج مِن فمِه حصاةً، أو درهماً، أو خيطاً ثم أعاده؛ فإن كَثُر ما عليه أفطَر، وإلا فلا.
ولو أخرَجَ لسانَه ثُمَّ أعاده؛ لم يُفْطِر بما عليه ولو كثُر؛ لأنَّه لم يَنفصِل عن محلِّه.
ويفطرُ بريقٍ أخرجه إلى ما بين شَفَتَيْه ثُمَّ بَلَعه.
(وَيُكْرَهُ ذَوْقُ طَعَامٍ بِلَا حَاجِةٍ)، قال المجدُ: (المنصوصُ عنه: أنه لا بأس به لحاجةٍ ومصلحةٍ) 1،
الجزء: 2 - الصفحة: 30
وحكاه هو والبخاري عن ابنِ عباسٍ 2.
(وَ) يُكْره (مَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ)، وهو الذي كلَّما مضَغَه صَلُبَ وقوي؛ لأنَّه يجلبُ الغمَّ 3، ويجمعُ الريقَ، ويورِثُ العطشَ.
(وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهَمَا)، أي: طَعْمَ الطعامِ والعلكِ (فِي حَلْقِهِ؛ أَفْطَرَ)؛ لأنه أوصَلَه إلى جوفِه.
(ويَحْرُمُ) مَضْغُ (العِلْكِ المُتَحَلِّلِ) مطلقاً إجماعاً، قاله في المبدعِ 4، (إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ) وإلا فلا، هذا معنى ما ذكره في المقنعِ 5، والمغني 6، والشرحِ 7؛ لأنَّ المُحرَّمَ إدخالُ ذلك إلى جوفِه ولم يوجَدْ.
وقال في الإنصافِ: (والصحيحُ مِنَ المذهبِ: أنَّه يَحرمُ مَضْغُ ذلك ولو لم يَبتلِع ريقَه، وجزم به الأكثرُ) انتهى 8، وجزم به في
الجزء: 2 - الصفحة: 31
الإقناعِ 9، والمنتهى 10.
ويُكرَه أنْ يدَعَ بَقَايَا الطَّعامِ بين أسنانِه، وشَمُّ ما لا يُؤمَنُ أن يجذِبَه نَفَسٌ؛ كسحيقِ مسكٍ.
(وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ) ودواعي الوطءِ (لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ)؛ «لأَنَّهُ عليه السلام نَهَى عَنْهَا شَابًّا، وَرَخَّصَ لِشَيْخٍ» رواه أبو داودَ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ 11،
الجزء: 2 - الصفحة: 32
ورواه سعيدٌ عن أبي هريرةَ 12، وأبي الدرداءِ 13، وكذا عن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ صحيحٍ 14، «وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ لما كَانَ مَالِكاً لإِرْبِهِ» 15، وغيرُ ذي الشَهوةِ في معناه.
وتَحرمُ 16 إنْ ظَنَّ إنزالاً.
الجزء: 2 - الصفحة: 33
(وَيَجِبُ) مطلقاً (اجْتِنَابُ كَذِبٍ، وَغِيبَةٍ)، ونميمةٍ، (وشَتْمٍ)، ونحوِه؛ لقولِه عليه السلامُ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رواه أحمدُ، والبخاري، وأبو داودَ وغيرُهم 17.
قال أحمدُ: (ينبغي للصائمِ أن يَتعاهدَ صومَه من لسانِه، ولا يماري، ويصونَ صومَه، كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجدِ، وقالوا: نَحفظُ صومَنا ولا نغتابُ أحداً، ولا يَعملُ عملاً يَجرحُ به صومَه) 18.
(وسُنَّ 19 له كثرةُ قراءةٍ، وذكرٍ، وصدقةٍ، وكفُّ لسانِهِ عمَّا يُكرَه.
وسُنَّ (لِمَنْ شُتِمَ قَوْلُهُ) جهراً: (إِنِّي صَائِمٌ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» 20.
(وَ) سُنَّ (تَأخِيرُ سُحُورٍ 21 إن لم يَخشَ طلوعَ فجرٍ ثانٍ؛ لقولِ
الجزء: 2 - الصفحة: 34
زيدِ بنِ ثابتٍ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ ، قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» متفقٌ عليه 22.
وكُره جماعٌ مع شكٍّ في طلوعِ فجرٍ، لا سُحورٌ.
(وَ) سُنَّ (تَعْجِيلُ فِطْرٍ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» متفقٌ عليه 23، والمرادُ إذا تحقَّقَ غروب الشمسِ، وله الفطرُ بغلبةِ الظنِ.
وتَحصلُ فضيلتُه 24 بشربٍ، وكمالُها بأكلٍ، ويكونُ (عَلَى رُطَبٍ)؛ لحديثِ أنسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ 25 تَمَرَاتٍ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» رواه أبو داودَ، والترمذي وقال: (حسنٌ غريبٌ) 26، (فَإِنْ عُدِمَ) الرطبُ (فَتَمْرٌ، فَإِنْ عُدِمَ فَـ) على (مَاءٍ)؛ لما تقدَّم.
الجزء: 2 - الصفحة: 35
(وَقَوْلُ مَا وَرَدَ) عندَ فطرِه ومنه: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» 27. (وَيُسْتَحَبُّ القَضَاءُ)، أي: قضاءُ رمضانَ فوراً، (مُتَتَابِعاً)؛ لأنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 36
القضاءَ يَحكي الأداءَ، وسواءٌ أفطر بسببٍ محرَّمٍ أَوْ لا، وإن لم يَقضِ على الفورِ وجب العزمُ عليه.
(وَلَا يَجُوزُ) تأخيرُ قضائِه (إِلَى رَمَضانٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ)؛ لقولِ عائشةَ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، لِمَكَان رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» متفقٌ عليه 28، فلا يجوزُ التَّطَوُّعُ قَبْلَه ولا يَصِح.
(فَإِنْ فَعَلَ)، أي: أخَّرَه بلا عذرٍ حَرُم عليه، وحينئذ (فَعَلَيْهِ مَعَ القَضَاءِ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يومٍ) ما يُجزئُ في كفارةٍ، رواه سعيدٌ بإسنادٍ جيِّدٍ عن ابنِ عباسٍ 29، والدارقطني بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرةَ 30، وإن كان لعذرٍ فلا شيء عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 37
(وَإِنْ مَاتَ) بعد أن أخَّره لعذرٍ فلا شيء، ولغيرِ عذرٍ أُطعِمَ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ، كما تقدَّم، (وَلَوْ بَعْدَ رَمَضَانٍ آخَرَ)؛ لأنَّه بإخراجِ كفارةٍ واحدةٍ زال تفريطُه.
والإطعامُ مِن رأسِ مالِه، أوصى به أوْ لا.
وإنْ مات وعليه صَوْمُ كفارةٍ؛ أُطْعِم عنه كصومِ متعةٍ.
ولا يُقْضَى عنه ما وجب بأصلِ الشرعِ مِن صلاةٍ وصومٍ.
(وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ) نذرٍ 31، (أَوْ اعْتِكَافُ) نذرٍ (أَوْ صَلَاةُ نَذْرٍ؛ اسْتُحِبَّ لِوَلِيِّهِ قَضَاؤُهُ)؛ لما في الصحيحين: أنَّ امرأةً جاءت إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: إنَّ أُمِّي ماتت وعليها صومُ نذرٍ، أفأصومُ عنها؟ قال: «نَعَمْ» 32، ولأنَّ النِّيابةَ تدخلُ في العبادةِ بحسبِ خِفَّتِها، وهو أخفُّ حُكْماً مِنَ الواجبِ بأصلِ الشرعِ.
والوليُّ هو الوارثُ، فإن صام غيرَه جازَ مطلقاً؛ لأنَّه تبرعٌ.
وإنْ خلَّفَ تَرِكةً وَجَب الفعلُ، فيفعلُه الوليُّ، أو يدفعُ إلى مَنْ
الجزء: 2 - الصفحة: 38
يفعلُه عنه.
ويدفعُ في الصومِ عن كلِّ يومٍ طعامَ مسكينٍ.
وهذا كلُّه فيمن أمْكَنَه صومُ ما نذَرَه فلم يَصُمْه، فلو أمكنه بعضُه قُضِيَ ذلك البعضُ فقط.
والعمرةُ 33 في ذلك كالحجِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 39