(بَابُ فُرُوضِ الوُضُوءِ وصِفَتِهِ)
الفَرضُ لغةً يقالُ لمعانٍ، أصلُها: الحَزُّ والقَطعُ.
وشرعاً: ما أُثيبَ فاعلُه وعوقب تاركُه.
والوُضوءُ: استعمالُ ماءٍ طَهورٍ، في الأعضاءِ الأربعةِ، على صفةٍ مخصوصةٍ.
وكان فرضُه مع فرضِ الصَّلاةِ، كما رواه ابنُ ماجه 1،
الجزء: 1 - الصفحة: 116
ذكره في المبدعِ 2.
(فُرُوضُهُ سِتَّةٌ):
أحدُها: (غَسْلُ الوَجْهِ)؛ لقولِه تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: 6]، (وَالفَمُ وَالأَنْفُ مِنْهُ)، أي: مِن الوجهِ؛ لدخولِهما في حَدِّه، فلا تَسقطُ المضمضةُ ولا الاستنشاقُ في وضوءٍ ولا غُسْلٍ، لا عمداً ولا سهواً 3.
(وَ) الثاني: (غَسْلُ اليَدَيْنِ) مع المرفقين؛ لقولِه تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: 6].
(وَ) الثالثُ: (مَسْحُ الرَّأْسِ) كلِّه، (وَمِنْهُ الأَذُنَانِ 4؛ لقولِه تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) [المائدة: 6]، وقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» رواه ابنُ ماجه 5.
الجزء: 1 - الصفحة: 117
(وَ) الرابعُ: (غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ) مع الكعبين؛ لقولِه تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: 6].
(وَ) الخامسُ: (التَّرتِيبُ) على ما ذَكَر اللهُ تعالى؛ لأنَّ اللهَ تعالى أدخَلَ الممسوحَ بينَ المغسولاتِ، ولا نَعلمُ لهذا فائدةً غيرَ التَّرتيبِ، والآيةُ سِيقَت لبيانِ الواجبِ، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَتَّب الوضوءَ وقال: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ» 6، فلو بَدأ بشيءٍ مِن
الجزء: 1 - الصفحة: 119
الأعضاءِ قبلَ غَسْلِ الوجهِ لم يُحْسَبْ له.
وإن 7 تَوضَّأ مُنَكَّساً أربعَ مرَّات؛ صحَّ وضوؤه إنْ قَرُب الزمَنُ، ولو غَسَلها جميعاً دفعةً واحدةً؛ لم يُحْسَبْ له غيرُ الوجهِ.
وإنِ انغمس ناوياً في ماءٍ وخَرَج مرتَّباً؛ أجزأه، وإلا فلا.
(وَ) السادسُ: (المُوَالاةُ)؛ لأنَّه «صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي وَ 8 فِي ظَهْرِ قَدَمِه لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرهم لم يُصِبْها المَاءُ؛ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الوُضُوء» رواه أحمدُ وغيرُه 9.
الجزء: 1 - الصفحة: 120
(وَهِيَ)، أي: الموالاةُ: (أَلَّا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَى يَنْشِفَ الذِي قَبْلَهُ) بزمنٍ معتدلٍ، أو قَدْرِه مِن غيرِه، ولا يَضُرُّ إنْ جَفَّ لاشتغالٍ بسنَّةٍ؛ كتخليلٍ، وإسباغٍ، أو 10 إزالةِ وسوسةٍ أو وسخٍ، ويضُرُّ لاشتغالٍ 11 بتحصيلِ ماءٍ، أو إسرافٍ، أو نجاسةٍ أو وسخٍ لغيرِ طهارةٍ.
وسببُ وجوبِ الوضوءِ: الحدثُ، ويَحُلُّ 12 جميعَ البدنِ؛ كجنابةٍ.
(وَالنيَّةُ) لغةً: القصدُ، ومحلُّها القلبُ، فلا يضُرُّ سبْقُ لسانِه بغيرِ قصدِه، ويُخلِصُها للهِ تعالى، (شَرْطٌ) هو لغةً: العلامةُ، واصطلاحاً: ما يَلزمُ مِن عدمِه العدمُ، ولا يلزمُ مِن وجودِه وجودٌ ولا عدمٌ لذاتِه، (لِطَهَارَةِ لحَدَثِ 13 كُلِّهَا)؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 14،
الجزء: 1 - الصفحة: 121
فلا يصحُّ وضوءٌ وغُسلٌ وتيمُّم - ولو مستحباتٍ- إلا بها.
(فَيَنْوِي رَفْعَ الحَدَثِ، أَوْ) يقصدُ (الطَّهَارَةَ لِمَا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا)، أي: بالطَّهارةِ؛ كالصَّلاةِ، والطوافِ، ومسِّ المصحفِ؛ لأنَّ ذلك يَستلزِمُ رفعَ الحدثِ.
فإنْ نوى طهارةً، أو وضوءاً وأطلق 15، أو غَسَل أعضاءَه ليُزِيلَ عنها النجاسةَ، أو ليُعلِّمَ غيرَه، أو للتبرُّدِ 16؛ لم يُجْزِئْه.
وإنْ نوَى صلاةً معينةً لا غيرَها؛ ارتفع مُطلقاً.
وينوي مَنْ حَدَثُه دائمٌ استباحةَ الصلاةِ، ويَرتفعُ حَدَثُه، ولا يَحتاجُ إلى تعيينِ النيةِ للفرضِ، فلو نوى رفعَ الحدثِ لم يَرتفعْ 17 في الأقْيَسِ، قاله في المبدعِ 18.
ويُستحبُّ نُطْقُه بالنيةِ سرًّا.
الجزء: 1 - الصفحة: 122
تَتِمَّةٌ:
يُشترطُ لوضوءٍ وغسلٍ أيضاً: إسلامٌ، وعقلٌ، وتمييزٌ، وطَهوريَّةُ ماءٍ، وإباحتُه، وإزالةُ ما يَمنعُ وصولَه، وانقطاعُ موجِبٍ.
ولوضوءٍ: فراغُ استنجاءٍ أو استجمارٍ، ودخولُ وقتٍ على مَنْ حدثُه دائمٌ لفَرْضِه.
(فَإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهارَةُ؛ كَقِرَاءَةِ) قرآنٍ، وذِكرٍ، وأذانٍ، ونومٍ، وغضبٍ، ارتفع حدثُه.
(أَوْ) نوى (تَجْدِيدَاً مَسْنُوناً)، بأنْ صلَّى بالوضوءِ الذي قبلَه (نَاسِياً حَدَثَهُ؛ ارْتَفَعَ) حدَثُه؛ لأنَّه نوى طهارةً شرعيةً.
(وَإِنْ نَوَى) مَنْ عليه جنابةٌ (غُسْلاً مَسْنُوناً)؛ كغُسلِ الجمعةِ، قال في الوجيزِ: (ناسياً) 19؛ (أَجْزَأَ عَنْ وَاجِبٍ)، كما مرَّ فيمن نوى التجديدَ، (وَكَذَا عَكْسُهُ)، أي: إن نَوى واجباً أجزأَ عن المسنونِ، وإنْ نواهُما حصَلَا، والأفضلُ أن يَغتسلَ للواجبِ ثم للمسنونِ كاملاً.
(وَإِنْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ) متنوعةٌ ولو متفرقةً، (تُوجِبُ وُضوءاً أَوْ غُسْلاً، فَنَوْى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا)، لا على أنْ لا يَرتفعَ غيرُه؛ (ارْتَفَعَ سَائِرُها)، أي: باقيها؛ لأنَّ الأحداثَ تتداخَلُ، فإذا ارتفع البعضُ
الجزء: 1 - الصفحة: 123
ارتفع الكلُّ.
(وَيَجِبُ الإِتْيَانُ بِهَا)، أي: بالنيةِ (عِنْدَ أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارةِ، وَهُوَ التَّسْمِيَةُ)، فلو فَعَل شيئاً مِن الواجباتِ قبلَ النيةِ؛ لم يُعْتَدَّ به، ويجوزُ تقديمُها بزمنٍ يسيرٍ كالصلاةِ، ولا يُبْطِلُها عملٌ يسيرٌ.
(وَتُسَنُّ) النيةُ (عِنْدَ أوَّلِ مَسْنُونَاتِهَا)، أي: مسنوناتِ الطهارةِ؛ كغَسلِ اليدين في أولِ الوضوءِ، (إِنْ وُجِدَ قَبْلَ وَاجِبٍ)، أي: قبلَ التسميةِ.
(وَ) يُسنُّ (اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا)، أي: تذَكُّر النيةِ (فِي جَمِيعِهَا)، أي: جميعِ الطَّهارةِ، لتكونَ أفعالُه مقرونةً بالنيةِ.
(وَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا)، أي: حُكْمِ النيةِ، بأن لا يَنويَ قطعَها حتى يُتِمَّ الطهارةَ، فإن عَزَبَتْ عن خاطِرِه لم يؤثّرْ.
وإن شكَّ في النيةِ في أثناءِ طهارتِه؛ استأنَفَها، إلا أنْ يكونَ وَهماً كالوسواسِ، فلا يَلتفتُ إليه، ولا يضُرُّ إبطالُها بعدَ فراغِه، ولا شكُّه بَعدَه.
(وَصِفَةُ الوُضُوءِ) الكاملِ، أي: كيفيتُه: (أَنْ يَنْوِيَ، ثُمَّ يُسَمِّيَ) وتقدَّمَا، (وَيَغْسِلَ كَفَّيهِ ثَلَاثاً) تنظيفاً لهما، فيُكرِّر غَسْلَهما عندَ الاستيقاظِ مِن النومِ وفي أوَّلِه، (ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ) ثلاثاً ثلاثاً، بيمينِه، ومِن غَرْفةٍ أفضلُ، ويستَنْثِر بيسارِه، (وَيَغْسِلَ وَجْهَهُ)
الجزء: 1 - الصفحة: 124
ثلاثاً، وحدُّهُ: (مِنْ مَنَابِتِ شَعرِ الرَّأْسِ) المُعتادِ غالباً، (إِلى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ 20 والذَّقَنِ 21 طُولاً)، مع ما استرسل مِن اللحيةِ، (وَمِنَ الأُذُنِ إِلَى الأُذُنِ عَرْضاً)؛ لأنَّ ذلك تحصُلُ به المواجَهةُ، والأُذنان ليسا 22 مِن الوجهِ، بل البَياضُ الذي بين العِذارِ 23 والأذنِ منه.
(وَ) يَغسلُ (مَا فِيهِ)، أي: في الوجهِ (مِنْ شَعرٍ خَفِيفٍ) يصِفُ البشَرةَ؛ كعِذارٍ، وعَارِضٍ 24، وأَهْدابِ عيْنٍ، وشاربٍ، وعَنْفَقَةٍ 25؛ لأنَّها مِن الوجهِ، لا صُدْغٍ 26، وتَحْذِيفٍ: وهو الشعرُ بعدَ انتهاءِ العِذارِ والنَّزَعَةِ، ولا النَّزَعَتان: وهما ما انحَسَر عنه الشعرُ مِن
الجزء: 1 - الصفحة: 125
الرأسِ مُتَصاعِداً مِن جانبيه، فهي مِن الرأسِ.
ولا يَغسلُ داخلَ عينيه، ولو مِن نجاسةٍ، ولو أمِن الضَّررَ.
(وَ) يَغسلُ الشعرَ (الظَّاهِرَ) مِن (الكَثِيفِ، مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْهُ)، ويُخَلِّلُ باطنَه وتقدَّم 27، (ثُمَّ) يَغسلُ (يَدَيْهِ مَعَ المِرْفَقَيْنِ) وأظفارِه ثلاثاً، ولا يضرُّ وسَخٌ يسيرٌ تحتَ ظفرٍ ونحوِه، ويَغسلُ ما نَبَت بمَحَلِّ الفرضِ مِن إصبعٍ أو يدٍ زائدةٍ، (ثُمَّ يَمْسَحَ كلَّ رَأْسِهِ) بالماءِ (مَعَ الأُذُنَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً)، فيُمِرُّ يديه مِن مُقَدَّمِ رأسِه إلى قفاه، ثم يَرُدُّهما إلى الموضِعِ الذي بدأ منه، ثم يُدخِلُ سبَّابتيْهِ في صِماخي 28 أُذُنيه، ويَمسحُ بإبهاميه ظاهرَهما، ويُجزئُ كيف مَسَح، (ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ) ثلاثاً (مَعَ الكَعْبَيْنِ)، أي: العظمين الناتِئَين في أسفلِ الساقِ مِن جانِبَي القدمِ.
(وَيَغْسِلُ الأَقْطَعُ بَقِيَّةَ المَفْرُوضِ)؛ لحديثِ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» متفقٌ عليه 29، (فَإِنْ قُطِعَ مِنْ المَفْصِلِ 30،
الجزء: 1 - الصفحة: 126
أي: مَفْصِل المرفقِ؛ (غَسَلَ رَأْسَ العَضُدِ مِنْهُ)، وكذا الأقطعُ مِن مَفْصِل كعبٍ يَغسلُ طَرف ساقٍ.
(ثُمَّ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ)، بعدَ فراغِه، (وَيَقُولَ مَا وَرَد)، ومنه: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» 31.
(وَتُبَاحُ مَعُونَتُهُ)، أي: معونةُ المتوضئِ، وسُنَّ كونُه عن يسارِه، كإناءٍ ضيقِ الرأسِ، وإلا فعَنْ يمينِه.
(وَ) يُباحُ له (تَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ) مِن ماءِ الوضوءِ.
ومَن وضَّأَه غيرُه ونواه هو؛ صحَّ إن لم يَكُن المُوَضِّئ مكرَهاً بغيرِ حقٍّ، وكذا الغسلُ والتيمُّمُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 127