(بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَحْكَامِهَا)
الذِّمَّةُ لغةً: العهدُ، والضمانُ، والأمانُ.
ومعنى عَقدِ الذِّمةِ: إقرارُ بعضِ الكفارِ على كفرِهم بشرطِ: بَذْلِ الجزيةِ، والتزامِ أحكامِ الملةِ.
والأصلُ فيه: قولُه تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29].
(لَا يُعْقَدُ)، أي: لا يَصحُّ عَقْدُ الذِّمةِ (لِغَيْرِ المَجُوسِ)؛ لأنَّه يُروى أنَّه كان لهم كتابٌ فَرُفِعَ، فصار لهم بذلك شُبهةٌ، و «لأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَر» رواه البخاري عن عبدِالرحمنِ بنِ عوفٍ 1، (وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ) اليهودِ والنصارى على اختلافِ طوائِفِهم، (وَمَنْ تَبِعَهُمْ) فتَدَيَّنَ بدينِهم 2 بأَحَدِ الدِينَيْنِ؛ كالسَّامِرَةِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 185
والفِرِنجِ 3،
والصابِئين؛ لعمومِ قولِه تعالى: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [آل عمران: 186].
(وَلَا يَعْقِدُهَا)، أي: لا يصحُّ عقدُ الذمةِ (إِلَّا) مِنْ (إِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ)؛ لأنَّه عقدٌ مؤبدٌ فلا يُفْتَاتُ على الإمامِ فيه.
ويجبُ إذا اجتمعت شروطُه.
(وَلَا جِزْيَةَ)، وهي مالٌ يُؤخذُ منهم على وَجْهِ الصَّغارِ كلَّ عامٍ بَدَلاً عن قَتْلِهم وإقامتِهم بدارِنا، (عَلَى صَبَيٍّ، وَلَا امْرَأَةٍ 4، ومجنونٍ، وزمنٍ، وأعمى، وشيخٍ فانٍ، وخُنثى مُشْكِلٍ، (وَلَا عَبْدٍ، وَلَا فَقِيرٍ يَعْجِزُ عَنْهَا).
وتجبُ على عتيقٍ ولو لمسلمٍ.
(وَمَن صَارَ أَهْلاً لَهَا)، أي: للجزيةِ (أُخِذَتْ مِنْهُ فِي آخِرِ الحَوْلِ) بالحساب 5.
الجزء: 2 - الصفحة: 186
(وَمَتَى بَذَلُوا الوَاجِبَ عَلَيْهِمْ) مِن الجِزيةِ؛ (وَجَبَ قَبُولُهُ) منهم، (وَحَرُمُ قِتَالُهُمْ) وأَخْذُ مالِهم، ووَجَب دَفْعُ مَن قَصَدَهم بأذى ما لم يكونوا بدارِ حَرْبٍ.
ومَنْ أَسْلم بعدَ الحولِ سَقَطت عنه.
(وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أَخْذِهَا)، أي: أخذِ الجزيةِ، (وَيُطَالُ وُقُوفُهُمْ، وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ) وجوباً؛ لقولِه تعالى: (وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29]، ولا يُقْبَلُ إرسالُها.