(بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ)
وفيه فضلٌ عظيمٌ؛ لحديثِ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، فَيَقُولُ الله تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» 1، وهذه الإضافةُ للتشريفِ والتعظيمِ.
(يُسَنُّ صِيَامُ) ثلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كلِّ شهرٍ، والأفضلُ أن يَجعلَها (أَيَّامِ) اللَّيالي (البِيضِ)؛ لما روى أبو ذرٍ: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» رواه الترمذي وحسَّنه 2، وسُمِّيت بِيضاً لابيضاضِ
الجزء: 2 - الصفحة: 40
ليلِها كلِّه بالقمرِ.
(وَ) يُسنُّ 3 صومُ (الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «هُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» رواه أحمدُ، والنسائي 4.
(وَ) صومُ 5 (سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ)؛ لحديثِ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» خرَّجه 6 مسلمٌ 7.
الجزء: 2 - الصفحة: 41
ويُستحبُّ تتابُعُها، وكونُها عقِبَ العيدِ؛ لما فيه مِن المسارعةِ إلى الخيرِ.
(وَ) صومُ (شَهْرِ المُحَرَّمِ)؛ لحديثِ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ» رواه مسلمٌ 8.
(وَآكَدُهُ العَاشِرُ، ثُمَّ التَّاسِعُ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالعَاشِرَ» 9، احتجَّ به أحمدُ، وقال: (إن اشتبه عليه 10 أوَّلُ الشَّهرِ صام ثلاثةَ أيامٍ؛ ليتيقَّنَ صومَهما) 11.
وصومُ عاشوراءَ كفارةُ سنةٍ، ويُسنُّ فيه التوسعةُ على العيالِ.
(وَ) صومُ (عَشْرِ 12 ذِي الحِجَّةِ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ»، قالوا: يا رسولَ
الجزء: 2 - الصفحة: 42
اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ ، قال: «وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلاً 13 خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رواه البخاري 14. (وَ) آكَدُهُ (يَوْمُ عَرَفَةَ لِغَيْرِ حَاجٍّ بِهَا)، وهو كفارةُ سنتين؛ لحديثِ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» 15. وقال في صيامِ يومِ عاشوراءَ: «إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» رواه مسلمٌ 16. ويَلِي يومَ عرفةَ في الآكدِيِّة يومُ التروية، وهو الثامنُ 17. (وَأَفْضَلُهُ)، أي: أفضلُ صومِ التطوُّعِ (صَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ)؛ لأمرِه عليه السلامُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو قال: «هُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ» متفقٌ عليه 18. وشرطُه: أن لا يُضْعِفَ البدنَ حتى يَعجِزَ عمَّا هو أفضلُ
الجزء: 2 - الصفحة: 43
من القيامِ بحقوقِ اللهِ تعالى وحقوقِ عبادِه اللازمةِ، وإلا فتَرْكُه أفضلُ.
(وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ) بالصومِ؛ لأنَّ فيه إحياءً لشعارِ 19 الجاهليةِ، فإن أفطر منه، أو صام معه غيرَه؛ زالت الكراهةُ.
(وَ) كُرِه إفرادُ يومِ (الجُمُعَةِ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ أَوْ بَعْدَهُ يَوْمٌ» متفقٌ عليه 20.
(وَ) إفرادُ يومِ (السَّبْتِ)؛ لحديثِ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» رواه أحمدُ 21.
الجزء: 2 - الصفحة: 44
وكُرِه صومُ يومِ النَّيْروزِ، والمِهْرَجانِ، وكلِّ عيدٍ للكفارِ، أو يومٍ يُفْرِدونه بالتَّعظيمِ.
(وَ) يومُ (الشَّكِّ)، وهو يومُ الثلاثين مِن شعبانَ إذا لم يكن غَيْمٌ ولا نحوُه؛ لقولِ عمارٍ: «مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رواه أبو داودَ، والترمذي وصحَّحه، والبخاري تعليقاً 22. = قال الأثرم: (جاء هذا الحديث بما خالف الأحاديث كلها)، ثم ذكر أحاديث صيام شعبان والمحرم وست من شوال وغيرها، وأن يوم السبت قد يكون فيها.
الثالثة: النسخ: وبه أعلَّه أبو داود.
الرابعة: الخطأ: فقال مالك: (هذا كذب)، وقال الأوزاعي: (ما زلت له كاتماً ثم رأيته انتشر)، وذكر الطحاوي عن الزهري أنه ضعَّفه، وقال أحمد: (يحيى بن سعيد يتقيه، أبى أن يحدثني به)، قال ابن القيم: (فهذا تضعيف للحديث)، ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام: أن الحديث شاذٌ أو منسوخ، وأن هذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم وأبي داود.
وأطال ابن الملقن والألباني الإجابة على ما أُعلَّ به الحديث من العلل ثم جزما بصحته.
ينظر: ناسخ الحديث ومنسوخه للأثرم ص 201، شرح معاني الآثار 2/ 80، تهذيب السنن 1/ 467، الفروع 5/ 105، البدر المنير 5/ 759، تنقيح التحقيق 3/ 342، التلخيص الحبير 2/ 468، الإرواء 4/ 118.
الجزء: 2 - الصفحة: 45
ويُكره الوِصالُ، وهو أنْ لا يفطرَ بين اليومين أو الأيامِ، ولا يُكره إلى السَّحَرِ، وتَرْكُه أَوْلَى.
(وَيَحْرُمُ صَوْمُ) يومي (العِيدَيْنِ) إجماعاً 23؛ للنهي المتفقِ عليه (وَلَوْ فِي فَرْضٍ).
(وَ) يَحرمُ (صِيَامُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ)؛ لقولِه عليه السلام: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ» رواه مسلم 24، (إِلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ)، فيَصحُّ صومُ أيامِ التشريقِ لمن عَدِمَ الهَدْيَ؛ لقولِ ابنِ عمرَ وعائشةَ: = فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» (3/ 27). وأُعلَّ هذا الإسناد بأن أبا إسحاق قد رمي بالتدليس، وقد عنعنه، ويقوي ذلك أن أبا سعيد الأشج رواه في جزئه (ص 142) عن أبي خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق قال: حُدِّثت عن صلة، قال ابن حجر: (وللحديث مع ذلك علة خفية، ذكر الترمذي في العلل أن بعض الرواة قال فيه: عن أبي إسحاق، قال: حُدِّثت عن صلة، فذكره)، وبعنعنة أبي إسحاق ضعَّف الألباني هذه الطريق، وقواها بالمتابعات.
ثم قال ابن حجر: (وله متابع بإسناد حسن)، وهذه المتابعة رواها ابن أبي شيبة (9502)، عن عبد العزيز العمى، عن منصور، عن ربعي، عن عمار، ورواها أيضاً عبد الرزاق (7318)، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن رجل قال: كنا عند عمار، فذكره.
ينظر: البدر المنير 5/ 691، تغليق التعليق 3/ 141، الإرواء 4/ 125.
الجزء: 2 - الصفحة: 46
«لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الهَدْيَ» رواه البخاري 25.
(وَمَنْ دَخَلَ فِي فَرْضٍ مُوَسَّعٍ) مِنْ صومٍ أو غيرِه؛ (حَرُمَ قَطْعُهُ)، كالمضيَّقِ، فيَحْرُمُ خُروجُه مِن الفرضِ بلا عذرٍ؛ لأنَّ الخروجَ مِنْ عهدةِ الواجبِ متعيِّنٌ، ودخَلَت التَّوسِعةُ في وقتِه رِفقاً ومَظِنَّةً للحاجةِ، فإذا شرَع تعيَّنت المصلحةُ في إتمامِه.
(وَلَا يَلْزَمُ) الإتمامُ (فِي النَّفلِ)، مِن صومٍ وصلاةٍ ووضوءٍ وغيرِها؛ لقولِ عائشةَ: يا رسولَ اللهِ أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ، فقال: «أَرِنِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِماً»، فأكل.
رواه مسلمٌ وغيرُه 26، وزاد النسائي بإسنادٍ جيدٍ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» 27.
الجزء: 2 - الصفحة: 47
وكُرِه خروجُه منه بلا عذرٍ.
(وَلَا قَضَاءُ فَاسِدِهِ)، أي: لا يلزمُه قضاءُ ما فسد مِنَ النفلِ، إلا الحجَ والعمرةَ فيَجبُ إتمامُهما؛ لانعقادِ الإحرامِ لازِماً، فإن أفسدَهما، أو فسَدَا؛ لَزِمَه القضاءُ.
(وَتُرْجَى لَيْلَةُ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَخِيرِ 28 مِنْ رمضانَ؛ لقولِه عليه السلامُ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» متفقٌ عليه 29، وفي الصحيحين: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» 30، زاد أحمدُ: «وَمَا تَأَخَّرَ» 31،
وسمِّيت
الجزء: 2 - الصفحة: 48
بذلك لأنَّه يُقَدَّرُ فيها ما يكونُ في تلك السنةِ، أو لعِظَمِ قَدْرِها عند اللهِ، أو لأنَّ للطاعاتِ فيها قَدْراً عظيماً، وهي أفضلُ الليالي، وهي باقيةٌ لم تُرفَع؛ للأخبارِ.
(وَأَوْتَارُهُ آكَدُ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «اطْلُبُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ، أَوْ 32 سَبْعٍ بَقِينَ، أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» 33، (وَلَيْلَةُ سَبْعٍ
الجزء: 2 - الصفحة: 49
وَعِشْرِينَ أَبْلَغُ)، أي: أرجاها 34؛ لقولِ ابنِ عباسٍ 35، وأُبيِّ بنِ كعبٍ 36، وغيرِهما 37.
الجزء: 2 - الصفحة: 50
وحِكْمةُ إخفائِها ليجتهدوا في طلبِها.
(وَيَدْعُو فِيهَا)؛ لأنَّ الدَّعاءَ مستجابٌ فيها، (بِمَا وَرَدَ) عن عائشةَ قالت: يا رسولَ اللهِ إن وافقتُها فبِمَ أدعو؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رواه أحمدُ، وابنُ ماجه، وللترمذي معناه وصحَّحه 38،
ومعنى «العَفْوَ»: التركُ.
وللنسائي مِنْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعاً: «سَلُوا اللهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ وَالمُعَافَاةَ 39، فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْراً مِنْ مُعَافَاةٍ» 40،
الجزء: 2 - الصفحة: 51
فالشُّرُّ الماضي يزولُ بالعفْوِ، والحاضرُ بالعافيةِ، والمستقبلُ بالمعافاةِ؛ لتضمُّنِها دوامَ العافيةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 52