(بَابُ سُجُودِ السَّهُو)
قال صاحبُ المشارِقِ 1: (السَّهوُ في الصَّلاةِ: النسيانُ فيها).
(يُشْرَعُ)، أي: يجبُ تارةً ويُسنُّ أُخرى على ما يأتي تفصيلُه، (لِزِيَادَةٍ) سهواً، (وَنَقْصٍ) سهواً، (وَشَكٍّ) في الجملةِ، (لَا فِي عَمْدٍ)؛ لقولِه عليه السلام: «إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ» 2، فعلَّق السجودَ على السَّهوِ.
(فِي) صلاةِ (الفَرْضِ، وَالنَّافِلَةِ) متعلقٌ بـ (يُشْرَعُ)، سِوى صلاةِ جنازةٍ، وسجودِ تلاوةٍ، وشكرٍ، وسهوٍ.
(فَمَتَى زَادَ فِعْلاً مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ: قِيَاماً) في محلِّ قعودٍ، (أَوْ قُعُوداً) في محلِّ قيامٍ، ولو قلَّ كجلسةِ الاستراحةِ، (أَوْ رُكُوعاً، أَوْ سُجُوداً عَمْداً؛ بَطَلَتْ) صلاتُه إجماعاً، قاله في الشرحِ 3، (وَ) إن فَعَله (سَهْواً يَسْجُدُ لَهُ)؛ لقولِه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثِ ابنِ مسعودٍ: «فَإِذَا زَادَ
الجزء: 1 - الصفحة: 287
الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رواه مسلم 4.
ولو نوى القَصْرَ فأتمَّ سهواً، ففرضُه الركعتان، ويَسجدُ للسَّهوِ استحباباً.
وإنْ قام فيها، أو سَجَد إكراماً لإنسانٍ؛ بطلت.
(وَإِنْ زَادَ رَكْعَةً)؛ كخامسةٍ في رباعيةٍ، أو رابعةٍ في مغربٍ، أو ثالثةٍ في فجرٍ، (فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا؛ سَجَدَ)؛ لما روى ابنُ مسعودٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى خَمْساً، فَلَمَّا انْفَتَلَ قَالُوا: إِنَّكَ صَلَّيْتَ خَمْساً، فَانْفَتَلَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ» متفقٌ عليه 5.
(وَإِنْ عَلِمَ) بالزيادةِ (فِيهَا)، أي: في الرَّكعةِ (جَلَسَ فِي الحَالِ) بغيرِ تكبيرٍ؛ لأنَّه لو لم يجلِسْ لزاد في الصَّلاةِ عمداً، وذلك يُبطلُها، (فَيَتَشَهَّدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ)؛ لأنَّه ركنٌ لم يأتِ به، (وَسَجَدَ) للسَّهوِ (وَسَلَّمَ)؛ لتكملَ صلاتَه، وإن كان قد تشهَّدَ سَجَد للسَّهوِ وسلَّم، وإن كان تشهَّدَ ولم يُصلِّ على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صلَّى عليه ثم سَجَد للسَّهوِ، ثم سلَّم.
وإنْ قام إلى ثالثةٍ نهاراً، وقد نوى ركعتين نفلاً؛ رَجَع إن شاء وسَجَد للسَّهوِ، وله أن يُتمَّها أربعاً، ولا يسجدُ، وهو أفضلُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 288
وإنْ كان ليلاً فكما لو قام إلى ثالثةٍ في الفجرِ، نصَّ عليه 6؛ لأنَّها صلاةٌ شُرِعت ركعتين أشبهت الفجرَ.
(وَإِنْ سَبَّحَ بِهِ ثِقَتَانِ)، أي: نبَّهاه بتسبيحٍ أو غيرِه، ويَلزمُهم تنبيهُهُ؛ لَزِمه الرجوعُ إليهما، سواءٌ سبَّحَا به إلى زيادةٍ أو نقصانٍ، وسواءٌ غَلَب على ظنِّه صوابُهما أو خطؤهما، والمرأةُ كالرَّجلِ.
(فَـ) إن (أَصَرَّ) على عدمِ الرُّجوعِ، (وَلَمْ يَجْزِمْ بِصَوَابِ نَفْسِهِ؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ)؛ لأنَّه تَرَك الواجبَ عمداً.
وإن جَزَم بصوابِ نفسِه لم يَلزمْه الرُّجوعُ إليهما؛ لأنَّ قولَهما إنّما يُفيدُ الظَّنَّ، واليقينُ مقدَّمٌ عليه.
وإن اختلف عليه مَن يُنبَّهُه سَقَط قولُهم.
ويَرجعُ مُنفردٌ إلى ثقتين.
(وَ) بطلت (صَلَاةُ مَنْ تَبِعَهُ)، أي: تَبِعَ إماماً أبى أن يَرجِعَ حيثُ يَلزمُه الرُّجوعُ، (عَالِماً، لَا) مَن تَبِعَه (جَاهِلاً أَوْ نَاسِياً)؛ للعذرِ 7، ولا مَن فارقَه؛ لجوازِ المفارقةِ للعذرِ، ويسلِّمُ لنفسِه.
الجزء: 1 - الصفحة: 289
ولا يعتَدُّ مسبوقٌ بالركعةِ الزائدةِ إذا 8 تابَعَه فيها جاهِلاً.
(وَعَمَلٌ) في الصَّلاةِ متوالٍ، (مُسْتَكْثَرٌ عَادَةً، مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ)؛ كالمشي، واللُّبْسِ، ولفِّ العمامةِ؛ (يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ، وَسَهْوُهُ)، وجهلُه، إن لم تَكُن 9 ضرورةٌ، وتقدَّم 10.
(وَلَا يُشْرَعُ لِيَسِيرِهِ)، أي: يسيرِ عملٍ من غيرِ جنسِها؛ (سُجُودٌ)، ولو سهواً.
ويُكره العملُ اليسيرُ مِن غيرِ جنسِها فيها.
ولا تَبطلُ بعملِ قلبٍ، وإطالةِ نظرٍ إلى شيءٍ، وتقدَّم 11.
(وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلاةُ (بِيَسِيرِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، سَهْواً) أو جهلاً؛ لعمومِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» 12.
الجزء: 1 - الصفحة: 290
وعُلم منه: أنَّ الصَّلاةَ تَبطلُ بالكثيرِ عُرفاً منهما كغيرِهما.
(وَلَا) يَبطلُ (نَفْلٌ بِيَسِيرِ شُرْبٍ عَمْداً)؛ لما رُوي أنَّ ابنَ الزُّبيرِ شَرِب في التَّطوعِ 13، ولأنَّ مَدَّ النَّفلِ وإطالتَه مستحبةٌ، فيُحتاجُ معه إلى جُرعةِ ماءٍ لدفعِ العطشِ، فسومِحَ فيه كالجلوسِ.
وظاهرُه: أنه يَبطلُ بيسيرِ الأكلِ عمداً، وأنَّ الفرضَ يَبطُلُ بيسيرِ الأكلِ والشُّربِ عمداً.
الجزء: 1 - الصفحة: 291
وبَلْعُ ذَوْبِ سُكَّرٍ ونحوِه بفمٍ كأكلٍ 14.
ولا تَبطُلُ بِبلْعِ ما بين أسنانِه بلا مضغٍ، قال في الإقناعِ 15: (إنْ جرَى به ريقٌ 16)، وفي التَّنقيحِ والمنتهى 17: (ولو لم يَجرِ به 18 ريقٌ).
(وَإنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ كَقِرَاءَةٍ فِي سُجُودٍ) وركوعٍ (وَقُعُودٍ، وَتَشَهُّدٍ فِي قِيَامٍ، وَقِرَاءَةِ سُورَةٍ فِي) الركعتين (الأَخِيرَتَيْنِ) مِن رُباعيةٍ، أو في الثالثةِ مِن مغربٍ؛ (لَمْ تَبْطُلْ) بتعمدِه؛ لأنَّه مشروعٌ في الصَّلاةِ في الجملةِ، (وَلَمْ يَجِبْ لَهُ)، أي: لسهوِه (سُجُودٌ، بَلْ يُشْرَعُ)، أي: يسنُّ كسائرِ ما لا يُبطِلُ عمدُه الصَّلاةَ.
(وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا)، أي: إتمامِ 19 صلاتِه (عَمْداً؛ بَطَلَتْ)؛ لأنَّه تكلَّم فيها قبلَ إتمامِها.
(وَإِنْ كَانَ) السلامُ (سَهْوَاً، ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيباً؛ أَتَّمَّهَا) وإن انحرف عن القبلةِ، أو خَرَج من المسجدِ، (وَسَجَدَ) للسَّهوِ؛ لقصةِ ذي
الجزء: 1 - الصفحة: 292
اليدين 20، لكن إن لم يَذكرْ حتى قام؛ فعليه أنْ يجلسَ لينهضَ إلى الإتيانِ بما بقِيَ عليه عن جلوسٍ؛ لأنَّ هذا القيامَ واجبٌ للصَّلاةِ، فلزِمه الإتيانُ به مع النيَّةِ، وإنْ كان أحدث استأنَفَها.
(فَإِنْ طَالَ الفَصْلُ) عُرفاً بَطَلت؛ لتعذُّرِ البناءِ إذًا.
(أَوْ تَكَلَّمَ) في هذه الحالةِ (لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا)؛ كقولِه: يا غلامُ اسقني؛ (بَطَلَتْ) صلاتُه؛ لقولِه عليه السلامُ: «إِنَّ صَلَاتَنا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الآدَمِيِّينَ» رواه مسلم 21، وقال أبو داودَ: مكانَ «لَا يَصْلُحُ»: «لَا يَحِلُّ» 22، (كَكَلَامِهِ فِي صُلْبِهَا)، أي: في صلبِ الصَّلاةِ، فتَبطلُ به؛ للحديثِ المذكورِ، سواءٌ كان إماماً أو غيرَه، وسواءٌ كان الكلامُ عمداً أو سهواً أو جهلاً، طائعاً أو مكرهاً، أو وَجَب كتحذيرِ 23 ضريرٍ ونحوِه، وسواءٌ كان لمصلحتِها أوْ لَا، والصَّلاةُ فرضاً أو نفلاً.
(وَ) إن تكلَّم مَن سلَّم ناسياً (لِمَصْلَحَتِهَا)؛ فإن كَثُر بطَلت، و (إِنْ كَانَ يَسِيراً لَمْ تَبْطُلْ)، قال الموفَّقُ: (هذا أَوْلى) 24، وصحَّحه في
الجزء: 1 - الصفحة: 293
الشَّرحِ 25؛ لأنَّ النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمرَ وذا اليدين تكلَّموا وبنَوا على صلاتِهم 26. وقدَّم في التَّنقيحِ، وتَبِعه في المنتهى: تَبطلُ مُطلقاً 27. ولا بأس بالسَّلامِ على المصلِّي، ويَردُّه بالإشارةِ، فإنْ ردَّه بالكلامِ بطلت، ويردُّه بعدَها استحباباً؛ لردِّه عليه السلام على ابنِ مسعودٍ بعدَ السَّلامِ 28.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
ولو صافح إنساناً يُريدُ السَّلامَ عليه؛ لم تَبطُلْ.
(وَقَهْقَهَةٌ)، وهي ضحكةٌ معروفةٌ؛ (كَكَلَامٍ)، فإن قال: قهْ قهْ، فالأظهرُ: أنَّها تَبطُل به وإن لم يَبِن حرفان، ذكره في المغني 29، وقدَّمه الأكثرُ، قاله في المبدعِ 30.
ولا تَفسدُ بالتَّبسُّمِ.
(وَإِنْ نَفَخَ) فبان حرفان؛ بَطَلت، (أَوْ انْتَحَبَ)، بأن رَفَع صوتَه بالبكاءِ (مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى) فبان حرفان؛ بَطَلت؛ لأنَّه مِن جنسِ كلامِ الآدميين، لكن إذا غَلَب صاحبَه 31 لم يَضرَّه؛ لكونِه 32 غيرَ داخِلٍ في 33 وُسْعِه، وكذا إن كان مِن خَشيةِ اللهِ.
(أَوْ تَنَحْنَحَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَبَانَ حَرْفَانِ؛ بَطَلَتْ)، فإن كانت 34 لحاجةٍ لم تَبطلْ؛ لما روى أحمدُ وابنُ ماجه عن عليٍّ قال: «كَانَ لِي مَدْخَلَانِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذا دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي يَتَنَحْنَحُ لِي» 35،
الجزء: 1 - الصفحة: 295
وللنسائي معناه (1). وإن غَلَبه سُعالٌ، أو عُطاسٌ، أو تَثاؤبٌ ونحوُه؛ لم يَضرُّه ولو بان حرفان.