(بَابُ) ذِكْرِ (دُخُولِ مَكَّةَ)، وما يتعلقُ بِه من الطوافِ والسَّعيِ
(يُسَنُّ) دخُولُ مكةَ (مِنْ أعْلَاهَا)، والخروجُ مِن أسفلِها.
(وَ) يُسنُّ دخُولُ (المَسْجِدِ) الحرامِ (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ)؛ لما روى مسلمٌ وغيرُه عن جابرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ثُمَّ دَخل» 1.
الجزء: 2 - الصفحة: 114
ويُسنُّ أنْ يقولَ عند دخولِه: بسْمِ اللهِ، وباللهِ، ومِن اللهِ، وإلى اللهِ، اللهم افتح لي أبوابَ فضلِكَ، ذكره في أسبابِ الهدايةِ 2. (فَإِذَا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ)؛ لفعلِه عليه السلام، رواه الشافعي عن ابنِ جريجٍ 3، (وَقَالَ مَا وَرَدَ)، ومنه: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، ومِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَعْظِيماً وَتَشْرِيفاً وتَكْرِيماً ومَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيماً وتَشْرِيفاً وتَكْرِيماً ومَهَابَةً وبِرًّا، الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ كَثِيراً
الجزء: 2 - الصفحة: 115
كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وعِزِّ جَلَالِهِ، والحَمْدُ للهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلاً، والحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، وَاعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» 4، يرفعُ بذلك صوتَه.
(ثُمَّ يَطُوفُ مُضْطَبِعاً) في كلِّ أسبوعِه استحباباً؛ إن لم يَكُن حاملَ معذورٍ بردائِه، والاضطباعُ: أنْ يجعلَ وسَطَ ردائِه تحتَ عاتقِه الأيمنِ، وطرفيه على عاتقِه الأيسرِ، وإذا فرغ مِن الطوافِ أزال الاضطباعَ.
(يَبْتَدِئُ المُعْتَمِرُ بِطَوَافِ العُمْرَةِ)؛ لأنَّ الطوافَ تحيَّةُ المسجدِ الحرامِ، فاستُحِبَّت 5 البداءةُ به، ولفعلِه عليه السلامُ 6، (وَ) يطوفُ (القَارِنُ وَالمُفْرِدُ لِلقُدُومِ)، وهو الورودُ.
(فَيُحَاذِي الحَجَرَ الأَسْوَدَ بِكُلِّهِ)، أي: بكلِّ بدَنِه، فيكونُ مبدأُ طوافِه؛ لأنَّه عليه السلامُ كان يَبْتَدئ به 7، (وَيَسْتَلِمُهُ)، أي: يمسحُ الحجرَ
الجزء: 2 - الصفحة: 116
بيدِه اليمنى، وفي الحديثِ: «أَنَّهُ نَزَلَ مِنَ الجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» رواه الترمذي وصحَّحه 8، (وَيُقَبِّلُهُ)؛ لما روى عمرُ: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استقبل الحَجَرَ ووضع شَفَتَيْهِ عليه يَبكي طويلاً، ثم التفت فإذا بعمرَ بنِ الخطابِ يَبكي، فقال: «يَا عُمَرُ هَهُنَا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ» رواه ابنُ ماجه 9،
الجزء: 2 - الصفحة: 117
نَقَل الأثرمُ: (ويسجدُ عليه) 10، وفَعَله ابنُ عمرَ 11،
الجزء: 2 - الصفحة: 118
وابنُ عباسٍ 12. (فَإِنْ شَقَّ) استلامُه وتقبيلُه لم يزاحِم، واستلمَه بيدِه و (قَبَّلَ يَدَهُ)؛ لما روى مسلمٌ عن ابنِ عباسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَهُ 13 وَقَبَّلَ يَدَهُ» 14، (فَإِنْ شَقَّ) استلمه بشيءٍ وقبَّلَه؛ روي عن ابنِ عباسٍ 15، فإن شَقَّ (اللَّمْسُ أَشَارَ إِليْهِ)، أي: إلى الحجرِ بيدِه أو بشيءٍ، ولا يقبِّلُه؛ لما روى البخاري عن ابنِ عباسٍ قال: «طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَتَى الحَجَرَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّر» 16. (وَيَقُولُ) مُسْتقبِلَ الحجرِ بوجهِه كلَّما استلمَه (مَا وَرَدَ)، ومنه:
الجزء: 2 - الصفحة: 119
«بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَاناً بِكَ، وَتَصْدِيقاً بِكِتَابِك، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ السائبِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ» 17. (وَيَجْعَلُ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ)؛ لأنَّه عليه السلامُ طاف كذلِك، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» 18. (وَيَطُوفُ سَبْعاً، يَرْمُلُ 19 الأفُقِي)، أي: المُحرِمُ مِن بعيدٍ مِن
الجزء: 2 - الصفحة: 120
مكةَ (فِي هَذَا الطَّوَافِ) فقط إن طاف ماشياً، فيُسرعُ المشيَ ويُقاربُ الخُطَا (ثَلَاثاً)، أي: في ثلاثةِ أشواطٍ، (ثُمَّ) بعد أن يرمُلَ الثلاثةَ أشواطٍ (يَمْشِي أَرْبَعاً) مِن غير رَمَلٍ؛ لفعلِه عليه السلام 20.
ولا يُسَنُّ رَمَلٌ 21 لحامِلِ معذورٍ، ونساءٍ، ومُحْرِمٍ مِن مكةَ أو قربِها.
ولا يُقضى الرَّمَلُ إنْ فات في الثلاثةِ الأولِ.
والرَّمَلُ أَوْلَى مِن الدنوِّ مِن البيتِ.
ولا يُسَنُّ رَمَلٌ ولا اضطِبَاعٌ في غيرِ هذا الطوافِ.
(وَ) يُسَنُّ أن (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ وَالرُّكْنَ اليَمَانِيَّ كُلَّ مَرَّةٍ) عندَ محاذاتِهما؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ وَالحَجَرَ فِي طَوَافِهِ»، قال نافعٌ: (وكان ابنُ عمرَ يفعلُه)، رواه أبو داودُ 22.
الجزء: 2 - الصفحة: 121
فإن شَقَّ استلامُهُما أشار إليهما، لا الشَّاميَّ: وهو أولُ ركنٍ يَمُرُّ به، ولا الغربيَّ: وهو ما يليه.
ويقولُ بين الركنِ اليمانيِّ والحجرِ الأسودِ: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201]، وفي بقيَّةِ طوافِه: اللهمَّ اجعله حجًّا مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، ربِّ اغفر وارحم، واهدني السبيلَ الأقومَ، وتَجاوَزْ عما تعلمُ، وأنت الأعزُّ الأكرمُ، وتُسَنُّ القراءةُ فيه.
(وَمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنَ الطَّوافِ) ولو يسيراً مِنْ شَوْطٍ مِنْ السبعةِ؛ لم يَصحَّ؛ لأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاف كاملاً، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» 23.
(أَوْ لَمْ يَنْوِهِ)، أي: يَنْوِ الطوافَ؛ لم يَصحَّ؛ لأنَّه عبادةٌ أشبهَ الصلاةَ، ولحديثِ: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 24.
(أَوْ) لم يَنْوِ (نُسُكَهُ)، بأن أحرم مطلقاً، وطاف قبلَ أن يَصرفَ إحرامَه لنسكٍ معينٍ؛ لم يَصحَّ طوافَه.
الجزء: 2 - الصفحة: 122
(أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان)، بفتحِ الذالِ، وهو ما فَضَلَ عن جدارِ الكعبةِ؛ لم يَصحَّ طوافُه؛ لأنَّه مِن البيتِ، فإذا لم يَطُف به لم يطف بالبيتِ جميعِه.
(أَوْ) طاف على (جِدَارِ الحِجْرِ)، بكسرِ الحاءِ المهملةِ؛ لم يصحَّ طوافُه؛ لأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ مِنْ وراءِ الحِجْرِ والشاذَروَانِ، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» 25.
(أَوْ) طاف وهو (عُرْيَانٌ، أَوْ نَجِسٌ)، أو مُحْدِثٌ؛ (لَمْ يَصِحَّ) طوافُه؛ لقولِه عليه السلام: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» رواه الترمذي والأثرمُ عن ابنِ عباسٍ 26.
ويُسَنُّ فِعْلُ بَاقِي المناسكِ كلِّها على طهارةٍ.
وإن طاف المُحْرِمُ لابِسَ مخيطٍ؛ صحَّ وفدَى.
(ثُمَّ) إذا تمَّ 27 طوافُه (يُصَلِّي رَكْعَتَينِ) نفلاً، يقرأُ فيهما بـ «الكافرينَ»، و «الإخلاصِ» بعد «الفاتحةِ»، وتُجزِئُ مكتوبةٌ عنهما.
وحيثُ رَكَعَهُما جاز، والأفضلُ كونُهُما (خَلْفَ المَقَامِ)؛ لقولِه تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة: 125].
الجزء: 2 - الصفحة: 123