(بَابُ حَدِّ الزِّنَا
1
وهو: فِعلُ الفاحشةِ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ.
(إِذَا زَنَا) المكلَّفُ (المُحْصَنُ؛ رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ)؛ لقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفِعلِه 2.
ولا يُجلَدُ قبلَه 3، ولا يُنفَى.
(والمُحْصَنُ: مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ المُسْلِمَةَ، أَوْ الذِّمِّيَّةَ)، أو المستأمِنَةَ (فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ) في قُبُلِها، (وَهُمَا)، أي: الزوجان (بَالِغَانِ، عَاقِلَانِ، حُرَّانِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا)، أي: مِن هذه الشروطِ المذكورةِ (فِي أَحَدِهِمَا)، أي: أحدِ الزوجين؛ (فَلا إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا).
ويَثبُتُ إحصانُه بقولِه: وطِئْتُها، ونحوُهُ، لا بوَلَدِه منها مع إنكارِ وطْئِهِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 385
(وَإِذَا زَنَى) المكلَّفُ (الحُرُّ غَيْرُ المُحْصَنِ؛ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ)؛ لقولِه تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2]، (وَغُرِّبَ) أيضاً مع الجلدِ (عَاماً)؛ لما روى الترمذيُّ عن ابنِ عمرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ» 4.
(وَلَوْ) كان المجلودُ (امْرَأَةً)؛ فتُغَرَّبُ مع مَحْرَمٍ، وعليها أجرتُهُ، فإن تعَذَّر المحرَمُ فَوَحدَها إلى مسافةِ القصرِ.
ويُغَرَّبُ غريبٌ إلى غيرِ وطنِهِ.
(وَ) إذا زنى (الرَّقِيقُ) جُلِدَ (خَمْسِينَ جَلْدَةً)؛ لقولِهِ تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: 25]،
الجزء: 3 - الصفحة: 386
والعذابُ 5 المذكورُ في القرآنِ مائةُ جلدةٍ لا غيرَ، (وَلا يُغَرَّبُ) الرقيقُ؛ لأنَّ التَّغريبَ إضرارٌ بسيِّدِه.
ويُجلَدُ ويُغرَّبُ مُبعَّضٌ بحسابِه.
(وَحَدُّ لُوطِيٍّ) فاعِلاً كان أو مَفعولاً 6 (كَزَانٍ)، فإن كان مُحصَناً فحدُّه الرَّجمُ، وإلا جُلِدَ مائةً وغُرِّبَ عاماً، ومملوكُه كغيرِه.
ودُبُرُ أجنبيَّةٍ كلواطٍ.
(وَلَا يَجِبُ الحَدُّ) للزِّنا (إِلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ):
(أَحَدُهَا: تَغْيِيبُ حَشَفَتِهِ الأَصْلِيَّةِ كُلِّهَا)، أو قَدْرِها لعَدَمٍ، (فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ أَصْلِيَّيْنِ مِنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ)، فلا يُحَدُّ مَن قَبَّل، أو باشَر دونَ الفَرْجِ، ولا مَن غيَّب بعضَ الحشَفَةِ، ولا مَن غَيَّب الحشفةَ الزائدةَ، أو غَيَّبَ الأصليَّةَ في زائدٍ أو ميتٍ أو في بهيمةٍ، بل يُعَزَّرُ وتُقتَلُ البهيمةُ.
وإنما يُحَدُّ الزاني إذا كان الوطءُ المذكورُ (حَرَاماً مَحْضاً)، أي: خالِياً عن الشُّبهةِ، وهو معنى قولِه:
الشرطُ (الثَّانِي: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ)؛ لقولِه عليهِ السلامُ: «ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» 7.
الجزء: 3 - الصفحة: 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مرفوعاً بهذا اللفظ)، وقال ابن كثير: (لم أر هذا الحديث بهذا اللفظ)، وبنحو ذلك قال ابن حزم، والزيلعي، وغيرهم.
وقد أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (68/ 191)، قصة طويلة عن عمر بن عبد العزيز، قال في آخرها: (فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ادرءوا الحدود بالشبهة)، وهذا مع إرساله قال فيه السخاوي: (قال شيخنا -يعني: ابن حجر-: وفي سنده من لا يعرف).
وجاء معناه مرفوعاً وموقوفاً عن جماعة من الصحابة، فمن المرفوع:
حديث عائشة رضي الله عنها: رواه الترمذي (1424)، والحاكم (8163)، من طريق يزيد بن زياد الدمشقي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعاً: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة».
قال الحاكم: (حديث صحيح الإسناد)، وتعقبه الذهبي، قال الترمذي: (سألت محمداً -يعني: البخاري- عن هذا الحديث , فقال: يزيد بن زياد الدمشقي منكر الحديث ذاهب)، وضعفه الترمذي، وقال النسائي: (متروك الحديث) كما في الميزان.
قال الترمذي (ورواه وكيع، عن يزيد بن زياد نحوه، ولم يرفعه، ورواية وكيع أصح)، وهو من طريق يزيد بن زياد الدمشقي أيضاً، قال الألباني: (ضعيف مرفوعاً وموقوفاً, فإن مداره على يزيد بن زياد الدمشقي، وهو متروك).
حديث علي رضي الله عنه: رواه الدارقطني (3098)، والبيهقي (17059)، من طريق مختار التمار, عن أبي مطر, عن علي مرفوعاً: «ادرءوا الحدود».
وضعفه البيهقي، قال الألباني: (علته مختار التمار، وهو ضعيف كما فى التقريب, وهو المختار بن نافع, قال البخارى: منكر الحديث).
حديث أبي هريرة رضي الله عنه: رواه ابن ماجه (2545)، من طريق إبراهيم بن الفضل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة مرفوعاً: «ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعاً».
وضعفه البوصيري، وابن حجر، والألباني، قال البوصيري: (إبراهيم بن =
الجزء: 3 - الصفحة: 388
(فَلَا يُحَدُّ بِوَطْءِ أَمَةٍ لَهُ فِيهَا شِرْكٌ)، أو مُحَرَّمةٍ برَضاعٍ ونحوِه، (أَوْ لِوَلَدِهِ) فيها شِرْكٌ، (أَوْ وَطِئَ امْرَأَةً) في منزلِه (ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ) ظَنَّها (سُرِّيَّتَهُ)؛ فلا حدَّ، (أَوْ) وطِئَ امرأةً (فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، أَوْ) وَطئ امرأةً في (نِكَاحٍ) مختلَفٍ فيه؛ كمتعةٍ، أو بلا وليٍّ ونحوِه، (أَوْ) وَطئ أمةً في (مُلْكٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ) بعد قبضِه؛ كشراءِ فضوليٍّ ولو قبلَ الإجازةِ، (وَنَحْوِهِ)، أي: نحوِ ما ذُكِر؛ كجهلِ تحريمِ الزِّنا مِن قريبِ عهدٍ بإسلامٍ، أو ناشئٍ بباديةٍ 8 بعيدةٍ، (أَوْ أُكْرِهَتِ المَرْأَةُ) المزنيُّ بها (عَلَى الزِّنَا)؛ فلا حدَّ، وكذا مَلُوطٍ به = الفضل المخزومي ضعفه أحمد، وابن معين، والبخاري، والنسائي، والأزدي).
ومن الموقوف: عن عمر رضي الله عنه: رواه عبدالرزاق (13641)، من طريق الأعمش، عن إبراهيم، أن عمر بن الخطاب قال: «ادرءوا الحدود ما استطعتم».
وأعله ابن حزم بالانقطاع بين إبراهيم وعمر، قال أبو علي العكلي: (ومراسيل إبراهيم عندهم صحاح)، وكذا قال ابن تيمية.
عن ابن مسعود رضي الله عنه: رواه البيهقي (17064)، من طريق عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: «ادرءوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم».
قال البيهقي: (وأصح الروايات فيه عن الصحابة رواية عاصم, عن أبي وائل, عن عبد الله بن مسعود من قوله)، وحسنه ابن حجر، وصححه الألباني.
ينظر: العلل الكبير ص 228، المحلى 7/ 104، الاستذكار 8/ 13، تحفة الطالب ص 192، نصب الراية 3/ 333، مصباح الزجاجة 3/ 103، موافقة الخُبْر الخَبَر لابن حجر 1/ 442، التلخيص الحبير 4/ 160، المقاصد الحسنة 74، الإرواء 7/ 343.
الجزء: 3 - الصفحة: 389
أُكْرِه بإلجاءٍ، أو تهديدٍ 9، أو منْعِ طعامٍ أو شرابٍ، مع اضطرارٍ 10 فيهما 11.
الشرطُ (الثَّالِثُ: ثُبُوتُ الزِّنَا، وَلَا يَثْبُتُ) الزنا (إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ):
(أَحَدُهُما: أَنْ يُقِرَّ بِهِ)، أي: بالزنا مكلَّفٌ ولو قِنًّا (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ)؛ لحديثِ ماعِزٍ 12، وسواءٌ كانت الأربعُ (فِي مَجْلِسٍ، أَوْ مَجَالِسَ).
(وَ) يُعتبَر أن (يُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الوَطْءِ)، فلا تَكفي الكنايةُ؛ لأنَّها تحتَمِلُ ما لا يوجِبُ الحدَّ، وذلك شُبهةٌ تَدرأُ الحدَّ.
(وَ) يُعتبَرُ أن (لَا يَنْزِعَ)، أي: يَرجِعَ (عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الحَدُّ)، فلو رَجَع عن إقرارِه، أو هَرَب؛ كُفَّ عنه.
ولو شَهِدَ أربعةٌ على إقرارِه به أربعاً فأنكرَ، أو صدَّقَهم دونَ أربعٍ؛ فلا حَدَّ عليه ولا عليهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 390
الأمرُ (الثَّانِي) مما يَثبُتُ به الزنا: (أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِزِنَا وَاحِدٍ يَصِفُونَهُ)، فيقولون: رأيْنَا ذَكَرَهُ في فَرْجِها كالمِرْوَدِ في المُكْحَلَةِ والرِّشَاءِ في البئرِ؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا أقَرَّ عنده ماعزٌ، قال له: «أَنِكْتَهَا لا تُكَنِّي؟ »، قال: نعم، قال: «كَمَا يَغِيبُ المِرْوَدُ فِي المُكْحُلَةِ، وَالرِّشَاءُ فِي البِئْرِ؟ »، قال: نعم 13. وإذا اعتُبِر التَّصريحُ في الإقرارِ فالشهادةُ أوْلَى، (أَرْبَعَةٌ) فاعلُ (يَشْهَد)؛ لقولِه تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) [النور: 4].
ويُعتبَرُ أن يكونوا (مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ)، أي: في الزنا؛ بأن يكونوا رجالاً، عُدُولاً، ليس فيهم مَن به مانِعٌ مِن عَمَى أو زوجيِّةٍ،
الجزء: 3 - الصفحة: 391
(سَوَاءٌ أَتَوْا الحَاكِمَ جُمْلَةً أَوْ مُتَفَرِّقِينَ)، فإن شهِدُوا في مجلسَيْنِ فأكثرَ، أو لم يُكمِلْ بعضُهُم الشهادةَ، أو قامَ به مانعٌ؛ حُدُّوا للقذفِ؛ كما لو عَيَّن اثنان يوماً أو بلداً أو زاويةً مِن بيتٍ كبيرٍ، وآخَران آخَرَ.
(وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لا زَوْجَ لَهَا وَلا سَيِّدَ؛ لَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ ذلِكَ) الحملِ، ولا يجبُ أن تُسْأَلَ؛ لأنَّ في سؤالِها عن ذلك إشاعةَ الفاحشةِ، وذلك مَنهيٌّ عنه.
وإن سُئِلت وادَّعَت أنَّها أُكرهت، أو وُطِئت بشبهةٍ، أو لم 14 تَعترِفْ بالزِّنا أربعاً؛ لم تُحَدَّ؛ لأنَّ الحدَّ يُدرَأُ بالشُّبهةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 392