(بَابُ اللُّقَطَةِ)
بضمِّ اللامِ وفتحِ القافِ، ويُقالُ: لُقاطةٌ، بضمِّ اللامِ، ولَقَطةٌ، بفتحِ اللامِ والقافِ.
(وَهِيَ: مَالٌ، أَوْ مُخْتَصٌّ ضَلَّ عَنْ رَبِّهِ)، قال بعضُهم: وهي مختصةٌ بغيرِ الحيوانِ، ويُسمى ضالةً.
(وَ) يُعتبَرُ فيما يجبُ تَعريفُهُ: أن (تَتْبَعَهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ)، بأن يَهتمُّوا في طَلَبِه، (فَأَمَّا 1 الرَّغِيفُ، وَالسَّوْطُ) وهو الذي يُضرَبُ به، وفي شرحِ المُهذَّبِ: (هو فوقَ القضيبِ ودونَ العصا) 2، (وَنَحْوُهُمَا)؛ كشِسْعِ النَّعلِ 3؛ (فَيُمْلَكُ) بالالتقاطِ (بِلَا تَعْرِيفٍ)، ويُباحُ الانتفاعُ به؛ لما روى جابرٌ قال: «رَخَّصَ النَبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي العَصَا وَالسَّوْطُ وَالحَبْلُ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» رواه أبو داودَ 4، وكذا
الجزء: 2 - الصفحة: 459
التَّمرةُ، والخِرقةُ 5، وما لا خَطَر له، ولا يَلزَمُه دَفعُ بَدَلِه.
(وَمَا امْتَنَعَ مِنْ سَبُعٍ صَغِيرٍ)؛ كذئبٍ، ويَرِدُ الماءَ؛ (كَثَوْرٍ وَجَمَلٍ وَنَحْوِهِمَا)؛ كالبغالِ، والحميرِ، والظباءِ، والطيورِ، والفهودِ، ويُقالُ لها: الضَّوالُّ، والهَوامِي، والهَوامِلُ 6؛ (حَرُمَ أَخْذُهُ)؛ لقولِه عليه السلام لما سُئل عن ضالَّةِ الإبلِ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا، وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» متفقٌ عليه 7، وقال عمرُ: «مَنْ أَخَذَ الضَّالَّةَ فَهُوَ ضَالٌ» 8، أي: مخطئٌ،
الجزء: 2 - الصفحة: 460
فإن 9 أَخَذها ضَمِنها، وكذا نحو حَجرِ طاحونٍ، وخشبٍ كبيرٍ.
(وَلَهُ الْتِقَاطُ غَيْرِ ذَلِكَ)، أي: غير ما تقدَّم مِن الضَّوالِّ ونحوِها، (مِنْ حَيَوانٍ)؛ كغنمٍ وفُصلانٍ وعَجاجِيلَ وأفلاءٍ 10، (وَغَيْرِهِ)، كأثمانٍ، ومتاعٍ، (إِنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ)، وقَوِيَ على تعريفِها؛ لحديثِ زيدِ بنِ خالدٍ الجهني قال: سُئل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن لُقطةِ الذَّهبِ والوَرِقِ، فقال: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَك، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْماً مِنَ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيْهِ»، وسألَه عن الشاةِ، فقال: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَك، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» متفقٌ عليه مُختصَراً 11، والأفضلُ تَرْكُها، رُوي عن ابنِ عباسٍ 12، وابنِ عمرَ 13.
الجزء: 2 - الصفحة: 461
(وَإِلَّا) يَأمَنُ نفسَهُ عليها؛ (فَهُوَ كَغَاصِبٍ)، فليس له أخذُها؛ لما فيه مِن تضييعِ مالِ غيرِهِ، ويَضمَنُها إن تَلِفَت، فَرَّط أو لم يُفرِّط، ولا يَملِكُها وإن عَرَّفها.
ومَن أَخَذها ثم رَدَّها إلى موضِعِها، أو فَرَّط فيها؛ ضَمِنها.
ويُخيَّرُ في الشاةِ ونحوِها بينَ ذبحِها وعليه القيمةُ، أو بيعِها ويَحفظُ ثمنَها، أو يُنفِقُ عليها مِن مالِهِ بنيَّةِ الرُّجوعِ.
وما يُخشَى فَسادُه له بيعُه وحِفظُ ثمنِهِ، أو أكلُهُ بقيمتِهِ، أو تجفيفِ ما يُمكِنُ تَجفيفُهُ.
(وَيُعَرِّفُ الجَمِيعَ) وجوباً؛ لحديثِ زيدٍ السابِقِ، نَهاراً (فِي مَجَامِعِ النَّاسِ)؛ كالأسواقِ، وأبوابِ المساجِدِ في أوقاتِ الصَّلواتِ؛ لأنَّ المقصودَ إشاعةُ ذِكرِها وإظهارُها؛ ليَظهَرَ عليها صاحبُها، (غَيْرَ المَساجِدِ)، فلا تُعرَّفُ فيها، (حَوْلاً) كامِلاً، رُوي عن عمرَ 14،
الجزء: 2 - الصفحة: 462
وعليٍّ 15، وابنِ عباسٍ 16، عَقِب الالتقاطِ؛ لأنَّ صاحِبَها يَطلُبُها إذاً، كلَّ يومٍ أُسبوعاً، ثم عُرفاً.
وأُجرةُ المنادي على الملتَقِطِ.
(وَيَمْلِكُهُ بَعْدَهُ)، أي: بعدَ التَّعريفِ، (حُكْماً)، أي: مِن غيرِ اختيارٍ؛ كالميراثِ، غَنيًّا كان أو فَقيراً؛ لعمومِ ما سَبَق، ولا يَملِكُها بدونِ تعريفٍ، (لَكِنْ لَا يَتَصَرَّفُ فِيها قَبْلَ مَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا)، أي: حتى يَعرِفَ وعاءَها، ووكاءَها، وقدرَها، وجِنسَها، وصِفتَها، ويُستحبُّ ذلك عندَ وُجدانِها، والإشهادُ عليها، (فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهَا فَوَصَفَهَا؛ لَزِمَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ) بلا بينةٍ ولا يمينٍ، وإن لم يَغلِبْ على ظنِّهِ صِدقُهُ؛ لحديثِ زيدٍ، وفيه: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا، وَعَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا؛ فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» رواه مسلمٌ 17.
الجزء: 2 - الصفحة: 463
ويَضمَنُ تَلَفَها ونَقصَها بعدَ الحولِ مُطلقاً، لا قبلَه إن لم يُفرِّط.
(وَالسَّفِيهُ وَالصَّبِيُّ يُعَرِّفُ لُقَطَتَهُمَا وَلِيُّهُمَا)؛ لقيامِهِ مَقامَهما، ويَلزَمُه 18 أخذُها مِنهما، فإن تَرَكها في يدِهِما فَتَلِفَت؛ ضَمِنها، فإن لم تُعرَف؛ فهي لهما.
وإن وَجَدها عَبدٌ عَدلٌ فلسيدِهِ أخذُها منه وتَركُها معه ليُعرِّفَها، فإنْ لم يَأمَن سَيِّدَه عليها؛ سَتَرها عنه وسلَّمَها للحاكمِ، ثم يَدفَعُها إلى سيِّدِه بشرطِ الضمانِ.
والمكاتَبُ كالحرِّ.
ومَن بعضُه حرٌّ فهي بينه وبينَ سيِّدِهِ.
(وَمَنْ تَرَكَ حَيَوَاناً) لا عَبداً أو مَتاعاً (بِفَلَاةٍ لانْقِطَاعِهِ، أَوْ عَجْزِ رَبِّهِ عَنْهُ؛ مَلَكَهُ آخِذُهُ)، بخلافِ عبدٍ ومتاعٍ.
وكذا ما يُلقى في البحرِ خَوفاً مِن غرقٍ؛ فيَملِكُه آخِذُهُ.
وإن انكسرت سَفينةٌ، فاستخرَجَه قومٌ؛ فهو لربِّه، وعليه أُجرةُ المثلِ.
(وَمَنْ أُخِذَ نَعْلُهُ وَنَحْوُهُ) مِن متاعِهِ، (وَوَجَدَ مَوْضِعَهُ غَيْرَهُ؛ فَلُقَطَةٌ)، ويَأخُذُ حقَّه مِنه بعدَ تَعريفِهِ.
وإذا وَجَد عَنبرةً على الساحِلِ؛ فهي له.
الجزء: 2 - الصفحة: 464