(بَابُ الشُّرُوطِ فِي البَيْعِ)
والشَّرطُ هنا: إلزامُ أحَدِ المتعاقدَيْن الآخرَ بسببِ العقدِ ما له فيه منفعةٌ.
ومحَلُّ المعتبرِ منها: صُلبُ العقدِ.
وهي ضربان:
ذَكَر الأولَ منهما بقولِه: (مِنْها صَحِيحٌ)، وهو ما وافَقَ مقتضَى العقدِ، وهو ثلاثةُ أنواعٍ:
أحدُها: شرطُ مقتضَى البيعِ؛ كالتَّقابضِ، وحُلولِ الثَّمنِ، فلا يؤثِّرُ فيه؛ لأنَّه بيانٌ وتأكيدٌ لمقتضَى العقدِ، فلذلك أسقطَه المصنِّفُ.
الثاني: شرطُ ما كان مِن مصلحةِ العقدِ؛ (كَالرَّهنِ) المعيَّنِ، أو الضامنِ المعيَّنِ، (وَ) كـ (تَأجِيلِ ثَمَنٍ) أو بعضِه إلى مدَّةٍ معلومةٍ، (وَ) كشرطِ صفةٍ في المبيعِ؛ كـ (كَوْنِ العَبْدِ كَاتِباً، أَوْ خَصِيًّا، أَوْ مُسْلِماً)، أو خيَّاطاً مثلاً، (وَالأَمَةِ بِكْراً)، أو تحيضُ، والدَّابةِ هِمْلَاجَةً 1، والفهدِ أو نحوِه صَيُوداً؛ فيصحُّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 220
فإنْ وفَى 2 بالشرطِ وإلا فلصاحبِه الفسخُ، أو أَرْشُ فَقْدِ الصِّفَةِ، وإن تعذَّر ردٌّ تعيَّنَ أرشٌ.
وإن شَرَط صفةً فبَان أعلَا منها؛ فلا خيارَ.
(وَ) الثالثُ: شرطُ بائعٍ نفعاً معلوماً في مبيعٍ، غيرَ وطءٍ ودواعيه، (نَحْوَ أَنْ يَشْتَرِطَ البَائِعُ سُكْنَى الدَّارِ) أو نحوِها (شَهْراً، وَ 3 حُمْلَانَ 4 البَعِيرِ) - أو نحوِه - المبيعِ 5 (إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ)؛ لما روى جابرٌ: «أنَّهُ بَاعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَلاً، وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ» متفقٌ عليه 6، واحتجَّ في التعليقِ والانتصارِ وغيرِهما: «بِشِرَاءِ عُثْمَانَ مِنْ صُهَيْبٍ أَرْضاً، وَشَرَطَ وَقْفَهَا عَلَيْهِ وَعَلَى عَقِبِهِ» 7 ذكره في المبدعِ 8، ومقتضاه صحَّةَ الشرطِ المذكورِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 221
ولبائعٍ إجارةُ وإعارةُ ما استثنَى، وإن تعذَّر انتفاعُه بسببِ مشترٍ فعليه أجرةُ المثلِ له.
(أَوْ شَرَطَ المُشْتَرِي عَلَى البَائِعِ) نفعاً معلوماً في مبيعٍ؛ كـ (حَمْلِ الحَطَبِ) المبيعِ إلى موضعٍ معلومٍ، (أَوْ تَكْسِيْرِهِ، أَوْ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ) المبيعِ، (أَوْ تَفْصِيلِهُ) إذا بيَّن نوعَ الخياطةِ أو التفصيلِ، واحتجَّ أحمدُ لذلك 9 بما رَوى 10: «أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ 11 اشْتَرَى مِنْ نَبَطِيٍّ جُرْزَةَ حَطَبٍ، وَشَارَطَهُ عَلَى حَمْلِهَا» 12، ولأنَّه بيعٌ وإجارةٌ، فالبائعُ كالأجيرِ.
وإن تراضيا على أخذِ أجرتِه ولو بلا عذرٍ؛ جاز.
(وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ) مِن غيرِ النَّوعَيْن الأَوَّلَيْنِ؛ كحَمْلِ حَطَبٍ وتكسيرِه، وخياطةِ ثوبٍ وتفصيلِه؛ (بَطَلَ البَيْعُ)؛ لما روى أبو داودَ والترمذي عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو 13، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ»، قال الترمذي: (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) 14.
الجزء: 2 - الصفحة: 222
والضربُ الثاني مِن الشروطِ أشار إليه بقولِه: (وَمِنْهَا فَاسِدٌ): وهو ما يُنافي مقتضَى العقدِ، وهو ثلاثةُ أنواعٍ: أحدُها: (يُبْطِلُ العَقْدَ) مِن أصلِه؛ (كَاشْتِرَاطِ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ عَقْداً آخَرَ؛ كَسَلَفٍ)، أي: سَلَمٍ، (وَقَرْضٍ، وَبَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَصَرْفٍ) للثَّمنِ أو غيرِه، وشركةٍ، وهو بيعتان في بيعةٍ المنهيُّ عنه، قاله أحمدُ 15. الثاني: ما يصحُّ معه البيعُ، وقد ذكره بقولِه: (وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَليْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ 16 المَبِيعُ وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ) شَرَط أنْ (لَا يَبِيْعَ) المبيعَ، (وَلَا يَهَبَـ) ـهُ، (وَلَا يُعْتِقَـ) ـهُ، (أَوْ) شَرَط (إِنْ عَتَقَ فَالوَلَاءُ لَهُ)، أي: للبائعِ، (أَوْ) شَرَط البائعُ على المشتري (أَنْ يَفْعَلَ
الجزء: 2 - الصفحة: 223
ذَلِكَ)، أي: أن يبيعَ المبيعَ، أو يهبَه ونحوَه؛ (بَطَلَ الشَّرْطُ وَحْدَهُ)؛ لقولِه عليه السلام: «مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» متفقٌ عليه 17، والبيعُ صحيحٌ؛ لأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثِ بَريرةَ أَبْطَل الشَّرطَ ولم يُبطِلْ العقدَ.
(إِلَّا إِذَا شَرَطَ) البائعُ (العِتْقَ) على المشتري فيصحُّ الشرطُ أيضاً، ويُجبَرُ المشتري على العتقِ إنْ أبَاهُ، والولاءُ له، فإن أصرَّ أعْتَقَه حاكمٌ.
وكذا شرطُ رهنٍ فاسدٍ؛ كخمرٍ، ومجهولٍ، وخيارٍ أو أجلٍ مجهولَيْن، ونحوِ ذلك؛ فيصحُّ البيعُ، ويَفسُدُ الشرطُ.
(وَ) إن قال البائع: (بِعْتُكَ) كذا بكذا (عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثِ) ليالٍ مثلاً، أو على أن ترهَنَنِيهِ 18 بثمنِه (وَإِلَّا) تَفعلُ ذلك (فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا)، وقَبِلَ المشتري؛ (صَحَّ) البيعُ والتعليقُ، كما لو شَرَط الخيارَ، ويَنفسِخُ إن لم يَفعلْ.
(وَ) الثالثُ: ما لا يَنعقِدُ معه بيعٌ؛ نحوُ (بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ) إنْ (رَضِي زَيْدٌ) بِكذا، وكذا تعليقُ القَبولِ، (أَوْ يَقُولَ) الراهنُ (لِلمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ) في محلِّه 19 (وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ، لَا يَصِحُّ
الجزء: 2 - الصفحة: 224
البَيْعُ)؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا يَغْلَقُ 20 21 الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» رواه الأثرمُ 22، وفسَّره أحمدُ بذلك 23. وكذا كلُّ بيعٍ عُلِّقَ على شرطٍ مستقبلٍ غيرِ: إن شاء الله، وغيرِ بيعِ العربونِ 24؛ بأن يَدفعَ بعدَ العقدِ شيئاً، ويقولُ: إنْ أخَذْتُ المبيعَ
الجزء: 2 - الصفحة: 225
أتممتُ الثمنَ، وإلا فهو لك، فيصحُّ؛ لفِعْلِ عمرَ رضي اللهُ عنه 25، والمدفوعُ للبائعِ إن لم يَتمَّ البيعُ، والإجارةُ مثلُه.
(وَإِنْ بَاعَهُ) شيئاً (وَشَرَطَ البَرَاءَةَ 26 مِنْ كُلِّ عَيْبٍ مَجْهُولٍ)، أو مِن عيبِ كذا إن كان؛ (لَمْ يَبْرَأْ) البائعُ، فإن وَجَد المشتري بالمبيعِ عيباً فله الخيارُ؛ لأنَّه إنَّما يَثبتُ بعدَ البيعِ، فلا يَسقُطُ بإسقاطِه قبلَه.
وإن سَمَّى العيبَ، أو أبرأه بعدَ العقدِ؛ برِئَ.
(وَإِنْ بَاعَهُ دَاراً) أو نحوَها مما يُذْرَعُ (عَلَى أَنَّها عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَبَانَتْ أَكْثَرَ) مِن عَشَرةٍ، (أَوْ أَقَلَّ) منها؛ (صَحَّ) البيعُ، والزيادةُ للبائعِ، والنقصُ عليه، (وَلِمِنْ جَهِلَهُ)، أي: الحالَ مِن زيادةٍ أو نقصٍ، (وَفَاتَ غَرَضُهُ الخِيَارُ)؛ فلكلٍّ منهما الفسخُ ما لم يُعْطِ البائعُ الزيادةَ للمشتري مجاناً في المسألةِ الأُولَى، أو يَرضَ المشتري بأَخْذِه بكلِّ الثمنِ في الثانيةِ؛ لعدمِ فواتِ الغرضِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 226
وإنْ تراضيَا على المعاوَضَةِ عن الزيادةِ أو النقصِ؛ جاز، ولا يُجبَرُ أحدُهُما على ذلك.
وإنْ كان المبيعُ نحوَ صُبْرَةٍ على أنها عشرةُ أَقْفِزةٍ فبانت أقلَّ أو أكثرَ؛ صحَّ البيعُ، ولا خيارَ، والزيادةُ للبائعِ، والنقصُ عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 227