(بَابُ الرَّجْعَةِ
1
وهي: إعادةُ مُطلقةٍ غيرِ بائنٍ إلى ما كانت عليه بغيرٍ عقدٍ، قال ابنُ المنذرِ: (أجمع أهلُ العلمِ على أنَّ الحرَّ إذا طَلَّق دونَ الثلاثِ، والعبدَ دونَ الثِنتين؛ أنَّ لهما الرجعةَ في العدَّةِ) 2.
(مَنْ طَلَّقَ بِلَا عِوَضٍ زَوْجَةً) بنكاحٍ صحيحٍ (مَدْخُولاً بِهَا أَوْ مَخْلُوًّا بِهَا دُونَ مَا لَهُ مِنَ العَدَدِ)؛ بأن طَلَّق حُرٌّ دونَ ثلاثٍ، وعبدٌ دونَ ثِنتين؛ (فَلَهُ)، أي: للمُطلِّقِ حُرًّا كان أو عبداً، ولِوليِّه 3 إن كان مجنوناً (رَجْعَتُهَا) ما دامت (فِي عِدَّتِهَا وَلَوْ كَرِهَتْ)؛ لقولِه تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) [البقرة: 228].
وأما مَن طَلَّق في نكاحٍ فاسدٍ، أو بعوضٍ، أو خالَعَ 4، أو طَلَّق قبلَ الدُّخولِ والخلوةِ؛ فلا رجعةَ، بل يُعتبَرُ عقدٌ بشروطِه.
ومَن طَلَّق نهايةَ عدَدِه؛ لم تَحِلَّ له حتى تَنكِحَ زوجاً غيرَه،
الجزء: 3 - الصفحة: 229
وتقدَّم، ويأتي 5.
وتحصُلُ الرجعةُ (بِلَفْظِ: رَاجَعْتُ امْرَأَتِي، وَنَحْوِهِ)، كـ: ارتجعْتُها، ورَدَدْتُها، وأمسَكْتُها، وأَعَدْتُها.
و(لَا) تصحُّ الرجعةُ بلفظِ: (نَكَحْتُهَا، ونَحْوِهِ)؛ كـ: تزوَّجْتُها؛ لأنَّ ذلك كنايةٌ، والرجعةُ استباحةُ بُضْعٍ مقصودٍ، فلا تحصُلُ بالكنايةِ.
(وَيُسَنُّ الإِشْهَادُ) على الرَّجعةِ، وليس شَرطاً فيها؛ لأنَّها لا تَفتقِرُ إلى قَبولٍ فلم تَفتقِرْ إلى شهادةٍ، وجُملةُ ذلك: أنَّ الرَّجعةَ لا تَفتقِرُ إلى وليٍّ، ولا صَداقٍ، ولا رِضَا المرأةِ، ولا علمِها.
(وَهِيَ)، أي: الرَّجعيةُ 6 (زَوْجَةٌ) يملِكُ منها ما يملِكُهُ 7 مِمَّن لم يَطلِّقْها، و (لَهَا) ما للزوجاتِ مِن نفقةٍ، وكسوةٍ، ومسكنٍ، (وَعَلَيْهَا حُكْمُ الزَّوْجَاتِ) مِن لُزومِ مسكنٍ ونحوِه، (لَكِنْ لَا قَسْمَ لَهَا)، فيصحُّ أن تُطَلَّقَ، وتُلَاعَنَ، ويَلحَقُها ظهارُه وإيلاؤُه، ولها أن تَتشَرَّفَ له وتَتزَيَّنَ، وله 8 السفرُ والخلوةُ بها، ووطؤها.
(وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ أَيْضاً بِوَطْئِهَا) ولو لم يَنوِ به الرجعةَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 230
(وَلا تَصِحُّ مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ)؛ كـ: إذا جاء رأسُ الشهرِ فقد راجعتُكِ، أو كُلَّما طلَّقْتُك فقد راجعتُكِ، بخلافِ عكسِه فيَصِحُّ.
(فَإِذَا طَهَرَتْ) المطلَّقةُ رَجعيًّا (مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَلَمْ تَغْتَسِلْ؛ فَلَهُ رَجْعَتُهَا)، رُوي عن عمرَ 9، وعليٍّ 10،
الجزء: 3 - الصفحة: 231
وابنِ مسعودٍ 11 رَضِيَ الله عَنْهُمْ؛ لوجودِ أثَرِ الحيضِ المانعِ للزوجِ مِن الوطءِ، فإن اغتسلت مِن حيضَةٍ ثالثةٍ ولم يَكُن ارتجَعَها؛ لم تَحِلَّ له إلا بنكاحٍ جديدٍ.
وأما بقيَّةُ الأحكامِ مِن قَطْعِ الإرثِ، والطلاقِ، واللِّعانِ، والنفقةِ، وغيرِها؛ فتحصُلُ بانقطاعِ الدمِ.
(وَإِنْ 12 فَرَغَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ رَجْعَتِهَا؛ بَانَتْ وحَرُمَتْ قَبْلَ عَقْدٍ جَدِيدٍ) بوليٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ؛ لمفهومِ 13 قولِه تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) [البقرة: 228]، أي: في العِدَّةِ.
(وَمَنْ طَلَّقَ دُونَ مَا يَمْلِكُ)؛ بأن طَلَّق الحرُّ واحدةً أو ثِنتين، أو طَلَّق العبدُ واحدةً (ثُمَّ رَاجَعَ) المطلَّقةَ رجعيًّا؛ (أَوْ تَزَوَّجَ) البائنَ؛ (لَمْ يَمْلِكْ) مِن الطلاقِ (أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ) مِن عَدَد طلاقِه، (وَطِئَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ أَوْ لَا)؛ لأنَّ وطءَ الثاني لا يُحتاجُ إليه في الإحلالِ للزوجِ الأوَّلِ فلا يُغَيِّرُ حُكمَ الطلاقِ؛ كوطءِ السيِّدِ، بخلافِ المطلَّقةِ ثلاثاً إذا نَكَحَت 14 مَن أصابها ثمَّ فارقَها ثمَّ عادَت للأوَّل فإنِّها تعودُ على طلاقِ ثلاثٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 232