(بَابُ الذَّكَاةِ)
يُقالُ: ذكَّى الشاةَ ونحوَها تذكِيَةً، أي: ذَبَحها، فهي: ذبْحُ أو نحرُ الحيوانِ المأكولِ البرِّي بِقَطْعِ حُلقُومِه ومَريئِه، أو عَقْرُ مُمتنِعٍ.
و(لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ الحَيَوَانِ المَقْدُورِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ)؛ لأنَّ غيرَ المذكَّى ميتةٌ، وقال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: 3]، (إِلَّا الجَرَادَ، وَالسَّمَكَ، وَكُلَّ مَا لَا يَعِيشُ إِلاَّ فِي المَاءِ)، فيَحِلُّ بدونِ ذكاةٍ؛ لِحِلِّ مَيْتَتِه؛ لحديثِ ابنِ عمرَ يَرفعُهُ: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا المَيْتَتَانِ 1: الحُوتُ وَالجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالكَبِدُ وَالطُّحَالُ» رواه أحمدُ وغيرُه 2.
الجزء: 3 - الصفحة: 435
وما يَعيشُ في البرِّ والبحرِ؛ كالسلحفاةِ، وكلبِ الماءِ لا يَحِلُّ إلا بالذَّكاةِ.
وحَرُمَ بَلْعُ سمكٍ حيًّا، وكُرِهَ شَيُّهُ حيًّا، لا جرادٍ؛ لأنَّه لا دمَ له.
(وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ):
أحدُها: (أَهْلِيَّةُ المُذَكِّي؛ بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلاً)، فلا يُباحُ ما ذكَّاهُ مجنونٌ، أو سكرانُ، أو طفلٌ لم يُميِّزْ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منه قَصدُ التذكيةِ، (مُسْلِماً) كان (أَوْ كِتَابِيًّا) أبواه كتابِيان؛ لقولِه تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [المائدة: 5]، قال البخاريُّ: قال ابنُ عباسٍ: «طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ» 3، (وَ) لَوْ كان المذكِّي مميِّزاً، أو
الجزء: 3 - الصفحة: 436
(مُرَاهِقاً، أَوِ امْرَأَةً، أَوْ أَقْلَفَ) لم يُختَنْ 4، ولو بلا عُذرٍ، (أَوْ أَعْمَى)، أو حائِضاً، أو جُنُباً.
(وَلَا تُبَاحُ ذَكَاةُ سَكْرَانَ، وَمَجْنُونٍ)؛ لما تقدَّم، (وَ) لا ذكاةُ (وَثَنِيٍّ، وَمَجُوسِيٍّ، وَمُرْتَدٍّ)؛ لمفهومِ قولِه تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [المائدة: 5].
الشرطُ (الثَّانِي: الآلَةُ، فَتُبَاحُ الذَّكَاةُ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ) يَنهَرُ الدَّمَ بحَدِّه، (وَلَوْ) كان (مَغْصُوباً؛ مِنْ حَدِيدٍ وَحَجَرٍ وَقَصَبٍ وَغَيْرِهِ)؛ كخشبٍ له حَدٌّ، وذهبٌ، وفضةٌ، وعَظْمٌ، (إِلاَّ السِّنَّ والظُّفُرَ)؛ لقولِه عليه السلام: «وَمَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» متفقٌ عليه 5.
الشرطُ (الثَّالِثُ: قَطْعُ الحُلْقُومِ) وهو مَجرَى النَّفَسِ، (وَ) قُطعُ (المَرِيءِ) -بالمدِّ- وهو مَجرى الطعامِ والشرابِ.
ولا يُشترَطُ إبانتُهما، ولا قَطْعُ الودَجَيْن.
ولا يضُرُّ رَفعُ يدِ الذابحِ إن أتَمَّ الذكاةَ على الفورِ.
6
الجزء: 3 - الصفحة: 437
والسنَّةُ نَحرُ إبلٍ بطَعْنٍ بمحدَّدٍ في لَبَّتِها، وذَبحُ غيرِها.
(وَذَكَاةُ مَا عُجِزَ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ، وَالنَّعَمِ المُتَوَحِّشَةِ، وَ) النَّعمِ (الوَاقِعَةِ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا؛ بِجَرْحِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ بَدَنِهِ)، رُوي عن عليٍّ 7، وابنِ مسعودٍ 8،
وابنِ عمرَ 9، وابنِ عباسٍ 10،
الجزء: 3 - الصفحة: 438
وعائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ 11، (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ فِي المَاءِ وَنَحْوِهِ) مما يَقتُلُه لو انفَرَد، (فَلَا يُبَاحُ) أكلُهُ؛ لحصولِ قَتلِه بمبيحٍ وحاظرٍ، فغُلِّبَ جانبُ الحظرِ.
وما ذُبِحَ مِن قفَاه ولو عَمداً إن أتَتْ الآلةُ على محلِّ ذَبحِه وفيه حياةٌ مُستقرِّة؛ حَلَّ، وإلا فلا، ولو أبان رأسَه حَلَّ مطلقاً.
والنَّطيحةُ ونحوُها إن ذكَّاها وحياتُها تُمْكِنُ زيادتُها على حَركةِ مذبوحٍ؛ حلَّت، والاحتياطُ مع تحرُّكٍ ولو بيدٍ أو رجلٍ.
وما قُطِعَ حُلقُومُهُ، أو أُبينَتْ حَشْوَتُهُ 12؛ فوجودُ حياتِه كعدَمِها.
و13 الشرطُ (الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ) الذابحُ (عِنْدَ) حَرَكَةِ يدِه بـ (الذَّبْحِ: بِاسْمِ اللهِ)؛ لقولِه تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ
الجزء: 3 - الصفحة: 439
لَفِسْقٌ) [الأنعام: 121]، (لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا)؛ كقولِه: باسم الخالقِ، ونحوِه؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ يَنصرِفُ إلى بسمِ اللهِ.
وتجزئُ بغيرِ عربيَّةٍ ولو أَحْسَنَها.
(فَإِنْ تَرَكَهَا)، أي: التسميةَ (سَهْواً؛ أُبِيحَتْ) الذبيحةُ؛ لقولِه عليه السلام: «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ، إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ» رواه سعيدٌ 14،
(لَا) إن تَرَك التَّسميةَ (عَمْداً)، ولو جَهلاً، فلا تَحِلُّ
الجزء: 3 - الصفحة: 440
الذبيحةُ؛ لما تقدَّم 15.
ومَن بدَا له ذَبحُ غيرِ ما سَمَّى عليه؛ أعاد التسميةَ.
ويُسنُّ مع التَّسميةِ التكبيرُ، لا الصلاةُ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومَن ذَكَر مع اسمِ اللهِ اسمَ 16 غيرِه؛ حَرُمَ، ولم يحلَّ المذبوحُ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ)؛ لحديثِ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَليُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رواه الشافعي وغيرُه 17.
(وَ) يُكرَه أيضاً (أَنْ يُحِدَّهَا)، أي: الآلةَ (وَالحَيَوَانُ يُبْصِرُهُ)؛
الجزء: 3 - الصفحة: 441
لقولِ ابنِ عمرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ، وَأَنْ تُوَارَى عَنِ البَهَائِمِ» رواه أحمدُ وغيرُه 18.
(وَ) يُكرَه أيضاً (أَنْ يُوَجِّهَهُ)؛ أي: الحيوانَ (إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ)؛ لأنَّ السُّنةَ تَوجيهُهُ إلى القبلةِ، على شِقِّهِ الأيسرِ، والرِّفقُ به، والحَملُ على الآلةِ بقوَّةٍ.
(وَ) يُكرَه أيضاً (أَنْ يَكْسِرَ عُنُقَهُ)، أي: عُنُقَ ما ذَبَح، (أَوْ يَسْلُخَهُ 19 قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ)، أي: قبلَ زهوقِ 20 نفسِه؛ لحديثِ أبي
الجزء: 3 - الصفحة: 442
هريرةَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُدَيْلَ بنَ وَرْقَاءَ الخُزَاعِي عَلَى جَمَلٍ أَوْرَق يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنَى بِكَلِمَاتٍ، مِنْهَا: لَا تَعْجَلُوا الأَنْفُسَ قَبْلَ أَنْ تَزْهَقَ» رواه الدارقطني 21.
وإن ذَبَح كتابيٌّ ما يحرُمُ عليه؛ حَلَّ لنا إن ذَكَر اسمَ اللهِ عليه.
وذكاةُ جنينٍ مُباحِ 22 بذكاةِ أُمِّه إن خَرَج ميتاً أو مُتحَرِّكاً كمذبوحٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 443