(بَابُ الخِيارِ) وقبضِ المبيعِ والإقالةِ
الخيارُ: اسمُ مصدرِ اختار، أي: طَلَب خَيْرَ الأمرَيْن مِن الإمضاءِ والفسخِ.
(وَهُوَ) ثمانيةُ (أَقْسَامٌ):
(الأَوَّلُ: خِيَارُ المَجْلِسِ)، بكسرِ اللامِ: موضِعُ الجلوسِ، والمرادُ هنا مكانُ التبايعِ.
(يَثْبُتُ) خيارُ المجلسِ (فِي الَبيْعِ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ يرفعُه: «إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ» متفقٌ عليه 1.
لكن يُستثنى مِن البيعِ: الكتابةُ، وتولِّي طرَفَيْ العقدِ، وشراءُ مِن يَعتقُ عليه، أو اعترف بحريتِه قبلَ الشراءِ.
(وَ) كالبيعِ (الصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ)؛ كما لو أقرَّ بدَيْنٍ أو عَيْنٍ ثُمَّ صالحه عنه بعوضٍ، وقسمةُ التراضي، والهبةُ على عوضٍ؛ لأنَّها نوعٌ مِن البيعِ.
(وَ) كبيعٍ أيضاً (إِجَارَةٌ)؛ لأنَّها عَقْدُ معاوضةٍ أشْبَهَت البيعَ،
الجزء: 2 - الصفحة: 228
(وَ) كذا (الصَّرْفُ، وَالسَّلَمُ)؛ لتناولِ البيعِ لهما؛ (دُونَ سَائِرِ العُقُودِ)؛ كالمساقاةِ، والحوالةِ، والوقفِ، والرهنِ، والضمانِ.
(وَلكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ) ومَنْ في معناهما ممَّن تقدَّم (الخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عُرْفاً بِأَبْدَانِهِمَا) مِن مكانِ التبايعِ، فإنْ كانَا في مكانٍ واسعٍ كصحراءَ؛ فبِأَنْ يمشيَ أحدُهما مستدبِراً لصاحبِه خُطُواتٍ، وإنْ كانا في دارٍ كبيرةٍ ذاتِ مجالسَ وبيوتٍ؛ فبِأَنْ يُفارِقَه مِن بيتٍ إلى بيتٍ أو إلى نحوِ صُفَّةٍ، وإن كانا في دارٍ صغيرةٍ؛ فإذا صَعَد أحدُهما السَّطحِ أو خَرَج منها فقد افترقا، وإن كانا في سفينةٍ كبيرةٍ؛ فبِصعودِ أحدِهِما أعلاها إن كانا أسفلَ، أو بالعكسِ، وإن كانت صغيرةً؛ فبِخروجِ أحدِهِما منها.
ولو حَجَز بينَهما بحاجزٍ كحائطٍ، أو ناما؛ لم يُعَدَّ تفرُّقاً؛ لبقائِهما بأبدانِهما بمَحَلِّ العقدِ ولو طالت المدةُ.
(وَإِنْ نَفَيَاهُ)، أي: الخيارَ؛ بأنْ تبايَعا على أنْ لا خيارَ بينهما؛ لزِم بمجرَّدِ العقدِ.
(أَوْ أَسْقَطَاهُ)، أي: الخيارَ بعدَ العقدِ؛ (سَقَطَ)؛ لأنَّ الخيارَ حقٌ للعاقدِ، فسَقَط 2 بإسْقاطِه.
(وَإِنْ أسْقَطَهُ أحَدُهُمَا)، أي: أحدُ المتبايعَيْنِ، أو قال لصاحبه:
الجزء: 2 - الصفحة: 229
اختَرْ؛ سَقَط خيارَه، و (بَقِيَ خِيَارُ الآخَرِ 3؛ لأنَّه لم يَحصُلْ منه إسقاطٌ لخيارِه بخلافِ صاحبِه.
وتَحرمُ الفُرقةُ خَشْيَةَ الفسخِ.
وينقطِعُ الخيارُ بموتِ أحدِهِما، لا بجنونِه.
(وَإِذَا مَضَتْ مُدَّتُهُ)؛ بأنْ تفرَّقَا كما تقدَّم؛ (لَزِمَ البَيْعُ) بلا خلافٍ.
القسمُ (الثَّانِي) مِن أقسامِ الخيارِ: خيارُ الشَّرطِ، بـ (أَنْ يَشْتَرِطَاهُ)، أي: يَشترطَ المتعاقدان الخيارَ (فِي) صُلْبِ (العَقْدِ)، أو بعدَه في مدَّةِ خِيارِ المجلسِ أو الشَّرطِ، (مُدَّةً مَعْلُومَةً وَلَو طَوِيلَةً)؛ لقولِه عليه السلامُ: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 4.
الجزء: 2 - الصفحة: 230
ولا يصحُّ اشتراطُه بعدَ لزومِ العَقْدِ، ولا إلى أجلٍ مجهولٍ، ولا في عَقْدٍ حيلةً ليَربحَ في قرضٍ؛ فيحرمُ، ولا يصحُّ البيعُ.
(وَابتِدَاؤُهَا)، أي: ابتداءُ مدَّةِ الخيارِ (مِنَ العَقْدِ) إن شَرَط في العقدِ، وإلا فمِنْ حينِ اشْتَرَط.
(وَإِذَا مَضَتْ مُدَّتُهُ)، أي: مدَّةُ الخيارِ ولم يَفسخْ؛ لزِم البيعُ، (أَوْ قَطَعَاهُ)، أي: قَطَع المتعاقدان الخيارَ (بَطَلَ)، ولزِم البيعُ، كما لو لم يَشترطاه.
(وَيَثْبُتُ) خيارُ الشَّرطِ (فِي البَيْعِ، وَالصُّلْحِ)، والقسمةِ، والهبةِ (بِمَعْنَاهُ)، أي: بمعنى البيعِ؛ كالصُّلحِ بعوضٍ عن عَيْنٍ أو دَيْنٍ مقرٍّ به، وقِسمةِ التراضي، وهبةِ الثَّوابِ؛ لأنَّها أنواعٌ مِن البيعِ، (وَ) في (الإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ)؛ كخياطةِ ثوبٍ، (أَوْ) في إجارةٍ (عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِي العَقْدَ)؛ كسنةِ ثلاثٍ في سنةِ اثنين 5 إذا شَرَطَه مدَّةً تَنقضي قبلَ
الجزء: 2 - الصفحة: 231
دخولِ سنةِ ثلاثٍ، فإن وَلِيَت المدَّةُ العقدَ كشهرٍ مِن الآن؛ لم يصحَّ شرطُ الخيارِ؛ لئلا يؤدِّي إلى فواتِ بعضِ المنافعِ المعقودِ عليها، أو استيفائها في مدَّةِ الخيارِ، وكلاهُما غيرُ جائزٍ.
ولا يَثبتُ خيارُ الشَّرطِ في غيرِ ما ذُكر؛ كصرفٍ، وسَلَمٍ، وضمانٍ، وكفالةٍ.
ويصحُّ شَرْطُه للمتعاقدَيْن ولو وكيلَيْن، (وَإِنْ شَرَطَاهُ لأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِه صَحَّ) الشرطُ، وثَبَت 6 له الخيارُ وحدَه؛ لأنَّ الحقَّ لهما، فكيفما تراضيَا به جاز.
(وَ) إن شرطَاه (إِلَى الغَدِ، أَوْ اللَّيْلِ) صحَّ، و (يَسْقُطُ بِأوَّلِهِ)، أي: أولِ الغَدِ أو اللَّيلِ؛ لأنَّ (إِلَى) لانتهاءِ الغايةِ، فلا يَدخُلُ ما بعدَها فيما قبلَها، وإلى صلاةٍ؛ يَسقطُ بدخولِ وقتِها.
(وَ) يجوزُ (لِمَنْ لَهُ الخِيَارُ الفَسْخُ وَلَوْ مَعَ غَيْبَةِ) صاحبِه (الآخَرِ، وَ) مع (سَخَطِهِ)؛ كالطلاقِ.
(وَالمِلْكُ) في المبيعِ (مُدَّةَ الخِيَارَيْنِ)، أي: خيارِ الشرطِ وخيارِ المجلسِ (لِلمُشْتَرِي)، سواءٌ كان الخيارُ لهما أو لأحدِهما؛ لقولِه عليه السلامُ: «مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ
الجزء: 2 - الصفحة: 232
المُبْتَاعَ» رواه مسلمٌ 7، فجَعَل المالَ للمبتاعِ باشتراطِه، وهو عامٌّ في كلِّ بيعٍ، فَشَمِل بيعَ الخيارِ.
(وَلَهُ)، أي: للمشتري (نَماؤُهُ)، أي: نماءُ المبيعِ (المُنْفَصِلُ) كالثمرةِ، (وَكَسْبُهُ) في مدةِ الخيارين، ولو فسخَاهُ بعدُ؛ لأنَّه نماءُ ملْكِه الدَّاخلِ في ضمانِه؛ لحديثِ: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»، صحَّحه الترمذي 8.
الجزء: 2 - الصفحة: 233
وأما النماءُ المتَّصِلُ كالسِّمَنِ؛ فإنه يتبَعُ العَيْنَ مع الفسخِ؛ لتعذُّرِ انفصالِه.
(وَيَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا فِي المَبِيعِ، وَ) لا في (عِوَضِهِ المُعَيَّنِ فِيهَا)، أي: في مدَّةِ الخيارين (بَغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ)، فلا يَتصرفُ المشتري في المبيعِ بغيرِ إذنِ البائِعِ إلا معه، كأن آجَره له، ولا يتصرفُ البائعُ في الثمنِ المعيَّنِ زمنَ الخيارين إلا بإذنِ المشتري أو معه، كأن استأجر منه به عيناً.
هذا إن كان التصرفُ (بِغَيْرِ تَجْرِبَةِ المَبِيْعِ)، فإن تصرَّف لتجربتِه؛ كركوبِ دابةٍ 9 لينظُرَ سيرَها، وحَلْبِ دابةٍ ليعلمَ قَدْرَ لبنِها؛ لم يَبطلْ خيارَه؛ لأنَّ ذلك هو المقصودُ مِن الخيارِ؛ كاستخدامِ الرقيقِ.
(إِلَّا عِتْقَ المُشْتَرِي) لمبيعٍ زَمَنَ الخيارِ، فيَنفذُ مع الحرمةِ، ويَسقطُ خيارُ البائعِ حينئذ.
(وَتَصَرُّفُ المُشْترِي) في المبيعِ بشرطِ الخيارِ له زمنَه، بنحوِ وقفٍ، أو بيعٍ، أو هبةٍ، أو لمسٍ لشهوةٍ؛ (فَسْخٌ لِخِيَارِهِ) وإمضاءٍ للبيعِ؛ لأنه دليلُ الرِّضا به، بخلافِ تَجربةِ المبيعِ واستخدامِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 234
وتصرُّفُ البائعِ في المبيعِ إذا كان الخيارُ له وحدَه ليس فسخاً للبيعِ.
ويَبطُلُ خيارُهُما مُطلقاً بتَلَفِ مبيعٍ بعدَ قبضٍ، وبإتلافِ مشترٍ إيَّاه مطلقاً.
(وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا)، أي: مِن البائعِ والمشتري بشرطِ الخيارِ؛ (بَطَلَ خِيَارُهُ)، فلا يورَثُ إنْ لم يَكُن طالبَ به قبلَ موتِه؛ كالشفعةِ وحدِّ القذفِ.
(الثَّالِثُ) مِن أقسامِ الخيارِ: خيارُ الغَبْنِ 10 (إِذَا غُبِنَ فِي المَبِيْعِ غَبْناً يَخْرُجُ عَنِ العَادَةِ)؛ لأنَّه لم يَردْ الشرعُ بتحديدِه، فرُجِع فيه إلى العرفِ، وله ثلاثُ صورٍ:
إحداها 11: تلقِّي الرُّكبان؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا تَلَقُّوا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا أَتَى السُّوقَ فَهُوَ بِالخِيَارِ» رواه مسلمٌ 12.
(وَ) الثانيةُ المشارُ إليها بقولِه: (بِزِيَادَةِ النَّاجِشِ) الذي لا يُريدُ شراءً، ولو بلا مُواطأةٍ، ومنه: أُعْطِيتُ كذا وهو كاذِبٌ؛ لتغريرِه المشتري.
الجزء: 2 - الصفحة: 235
الثالثةُ ذكرها بقولِه: (وَالمُسْتَرْسِلِ)، وهو مَن جَهِل القيمةَ ولا يُحسِنُ يماكِسُ، مِن: استرسل، إذا اطمأنَّ واستأنَسَ، فإذا غُبِن ثَبَت له الخيارُ، ولا أرشَ مع إمساكٍ 13.
والغَبنُ محرمٌ، وخيارُه على التراخي.
(الرَّابِعُ) مِن أقسامِ الخيارِ: (خِيَارُ التَّدْلِيسِ)، مِن الدُّلْسَةِ: وهي الظلمةُ، فيَثبتُ بما يَزيدُ به الثمنُ؛ (كَتَسْوِيدِ شَعْرِ الجَارِيَةِ، وَتَجْعِيدهِ)، أي: جَعْلِه جعداً، وهو ضدُّ السَّبِطِ، (وَجمْعِ مَاءِ الرَّحَى)، أي: الماءِ الذي تَدورُ به الرَّحى، (وَإِرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا) للبيعِ؛ لأنَّه إذا أرسلَه بعدَ حَبْسِه اشتدَّ دورانُ الرَّحى حين ذلك، فيَظنُّ المشتري أنَّ ذلك عادتَها فيَزيدُ في الثمنِ، فإذا تَبيَّن له التدليسُ ثَبَت له الخيارُ.
وكذا تَصْرِيةُ اللَّبنِ في ضرعِ بهيمةِ الأنعامِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ يرفعُه: «لَا تُصَرُّوا 14 الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ
الجزء: 2 - الصفحة: 236
بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا 15، إِنْ 16 شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ» متفقٌ عليه 17.
وخيارُ التدليسِ على التراخي، إلا المصراةَ فيُخيَّرُ ثلاثةُ أيامِ منذُ عَلِم بين إمساكٍ بلا أرشٍ وردٍّ مع صاعِ تمرٍ سليمٍ إنْ حَلَبها، فإن عَدِم التمرَ فقيمتُه، ويُقبلُ ردُّ اللبنِ بحالِه.
(الخَامِسُ) مِن أقسامِ الخيارِ: (خِيَارُ العَيْبِ) وما بمعناه، (وَهُوَ)، أي: العيبُ: (مَا يُنقِصُ قِيمَةَ المَبِيع) عادةً، فما عدَّه التجارُ في عُرفِهم مُنقِصاً أُنيط الحكمُ به، وما لا فلا.
والعيبُ (كَمَرَضِهِ)، على جميعِ حالاتِه في جميعِ الحيواناتِ، (وَفَقْدِ عُضْوٍ) كإصبعٍ، (وَ 18 سِنٍّ، أَوْ زِيادَتِهِمَا، وَزِنَا الرَّقِيقِ) إذا بَلَغ عشراً مِن عبدٍ أو أمةٍ، (وَسَرِقَتِهِ)، وشُرْبِه مُسْكراً، (وَإِبَاقِهِ، وَبَوْلِهِ فِي الفِرَاشِ)، وكونِه أعسرَ لا يَعملُ بيمينِهِ عَمَلَها المعتادَ، وعدمِ
الجزء: 2 - الصفحة: 237
ختانِ ذكرِ كبيرٍ، وعَثْرةِ مركوبٍ، وحَرَنِه 19 ونحوِه، وبَخَرٍ 20، وحَوَلٍ، وخَرَسٍ، وطَرَشٍ، وكَلَفٍ 21، وقَرَعٍ، وحملِ أَمَةٍ، وطولِ مدَّةِ نقلِ ما في دارٍ مبيعةٍ عُرفاً، وكَونِها يَنزِلُها الجندُ، لا سقوطُ آياتٍ يسيرةٍ بمصحفٍ ونحوِه، ولا حُمَّى وصداعٍ يَسيرين، ولا ثُيوبةٍ، أو كُفرٍ، أو عدمِ حيضٍ، ولا معرفةِ غناءٍ.
(فَإِذَا عَلِمَ المُشْتَرِي العَيْبَ بَعْدَ) العقدِ (أَمْسَكَهُ بَأَرْشِهِ) إنْ شاء؛ لأنَّ المتبايعين تراضَيَا على أنَّ العوضَ في مقابلةِ المبيعِ، فكلُّ جزءٍ منه يُقابِلُه جزءٌ مِن الثمنِ، ومع العيبِ فات جزءٌ مِن المبيعِ، فله الرجوعُ ببدلِه، وهو الأرشُ.
(وَهُوَ)، أي: الأرشُ: (قِسْطُ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصِّحَّةِ وَالعَيْبِ)، فيُقوَّمُ المبيعُ صحيحاً ثم مَعيباً، ويؤخذُ قِسْطُ ما بينهما مِن الثمنِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 238
فإن قُوِّمَ صحيحاً بعشرةٍ ومعيباً بثمانيةٍ، رَجَع بخُمُسِ الثَّمنِ قليلاً كان أو كثيراً.
وإن أفضَى أخْذُ الأَرشِ إلى ربا؛ كشراءِ حُلي فضةٍ بزنَتِه دراهمَ؛ أمْسَكَ مجاناً إن شاء، (أَوْ رَدَّهُ وَأخَذَ الثَّمَنَ) المدفوعَ للبائعِ.
وكذا لو أُبرِئ المشتري مِن الثَّمنِ أو وُهِب له، ثم فَسَخ البيعَ لعيبٍ أو غيرِه؛ رَجَع بالثَّمنِ على البائعِ.
وإن عَلِم المشتري قبلَ العقدِ بعيبِ المبيعِ، أو حَدَث العيبُ بعدَ العقدِ؛ فلا خيارَ له، إلا في مكيلٍ ونحوِه تعيَّبَ قبلَ قَبْضِه.
(وَإِنْ تَلِفَ المَبِيعُ) المعيبُ، (أَوْ أَعْتَقَ العَبْدَ)، أو لم يَعلمْ عيبَه حتى صَبَغ الثَّوبَ، أو نَسَج، أو وَهَب المبيعَ، أو باعَه أو بعضَه؛ (تَعَيَّنَ الأَرْشُ)؛ لتعذُّرِ الرَّدِّ، وعدمِ وجودِ الرِّضا به ناقِصاً.
وإنْ دلَّس البائعُ؛ بأن عَلِم العيبَ وكَتَمه عن المشتري، فمات المبيعُ أو أبَق؛ ذَهَب على البائعِ؛ لأنَّه غرَّه، وردَّ للمشتري ما أَخَذ.
(وَإِنْ اشْتَرى مَا لَمْ يُعْلَمْ عَيْبُهُ بِدُونِ كَسْرِهِ؛ كَجَوْزِ هِنْدٍ، وَبَيْضِ نَعَامٍ، فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِداً؛ فَأمسَكَهُ فَلَهُ أَرْشُهُ، وَإِنْ رَدَّهُ رَدَّ أَرْشَ كَسْرِهِ) الذي تَبْقَى له معه قيمةٌ، وأَخَذ ثمنَه؛ لأنَّ عَقْدَ البيعِ يَقتضي السلامةَ، ويَتعيَّنُ أرشٌ مع كَسْرٍ لا تَبقى معه قيمةٌ.
(وَإِنْ كَانَ) المبيعُ (كَبَيْضِ دَجَاجٍ) فكَسَرَه فوَجَده فاسِداً؛ (رَجَعَ
الجزء: 2 - الصفحة: 239
بِكُلِّ الثَّمَنِ)؛ لأنَّا تبيَّنا فسادَ العقدِ مِن أصلِه؛ لكونِه وَقَع على ما لا نَفْعَ فيه، وليس عليه ردُّ فاسِدِ ذلك إلى بائعِه؛ لعدمِ الفائدةِ فيه.
(وَخِيَارُ عَيْبٍ مُتَرَاخٍ)؛ لأنَّه لدَفْعِ ضررٍ متحقَّقٍ، فلم يَبْطُلْ بالتأخيرِ، (مَا لَمْ يُوْجَدْ دَلِيلُ الرِّضَا)؛ كتصرفٍ فيه بإجارةٍ أو إعارةٍ أو نحوِهما عالماً بعَيْبِه، واستعمالِه لغيرِ تجربةٍ.
(وَلَا يَفْتَقِرُ) الفسخُ للعيبِ (إِلَى حُكْمٍ، وَلَا رِضاً، وَلَا حُضُورِ صَاحِبِهِ)، أي: البائعِ؛ كالطَّلاقِ.
ولمشترٍ مع غيرِه معيباً أو بشرطِ خيارٍ؛ الفسخُ في نصيبِه، ولو رضِيَ الآخرُ.
والمبيعُ بعدَ فسخٍ أمانةٌ بِيَدِ مشترٍ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا)، أي: البائعُ والمشتري في معيبٍ (عِنْدَ مَنْ حَدَثَ العَيْبُ) مع الاحتمالِ؛ (فَقَوْلُ مُشْتَرٍ مَعَ يَمِينِهِ) إنْ لم يَخرُجْ عن يدِه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ القبضِ في الجزءِ الفائتِ، فكان القولُ قولَ مَن ينفِيه، فيَحلِفُ أنَّه اشتراه وبه العيبُ، أو أنه ما حَدَث عندَه ويَردُّه.
(وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا)؛ كالأصبعِ الزائدةِ، والجُرحِ الطَّرِي الذي لا يَحتمِلُ أن يكونَ قبلَ العقدِ؛ (قُبِلَ) قولُ المشتري في المثالِ الأولِ، والبائعِ في المثالِ الثاني (بِلَا يَمِينٍ)؛ لعدمِ
الجزء: 2 - الصفحة: 240
الحاجةِ إليه.
ويُقبَلُ قولُ البائعِ 22: إنَّ المبيعَ المعيبَ 23 ليس المردودَ، إلا في خيارِ شرطٍ فقولُ مشترٍ، وقولُ قابضٍ في ثابتٍ في ذمَّةِ مِن ثَمنٍ وقرضٍ وسلمٍ ونحوِه إن لم يَخرجْ عن يدِه، وقولُ مشترٍ في عينِ ثمنٍ مُعَيِّنٍ بعقدٍ.
ومَن اشترى متاعاً فوَجَدَه خَيراً مما اشترى؛ فعليه ردُّه إلى بائعِه.
(السَّادِسُ) مِن أقسامِ الخيارِ: (خِيَارٌ فِي البَيْعِ بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ مَتَى بَانَ) الثمنُ (أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ) مما أخبره 24 به.
(وَيَثْبُتُ) في أنواعِه الأربعةِ:
(فِي التَّوْلِيَةِ): وهي البيعُ برأسِ المالِ.
(وَ) في (الشَّرِكَةِ): وهي بيعُ بعضِه بقسطِه مِن الثَّمنِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 241
وأشرَكْتُكَ؛ يَنصرِفُ إلى نصفِه.
(وَ) في (المُرَابَحَةِ): وهي بيعُه بثمنِه وربحٍ معلومٍ.
وإن قال: على أن أَرْبَح في كلِّ عشرةٍ درهماً؛ كُرِه.
(وَ) في (المُوَاضَعَةِ): وهي بيعُه برأسِ مالِه وخُسرانٍ معلومٍ.
(وَلَا بُدَّ فِي جَمِيعِهَا)، أي: الصورِ الأربعةِ (مِنْ مَعْرِفَةِ المُشْتَرِي) والبائعُ (رَأْسَ المَالِ)؛ لأنَّ ذلك شرطٌ لصحةِ البيعِ، فإن فات لم يَصحَّ.
وما ذَكَره مِن ثبوتِ الخيارِ في الصُّورِ الأربعة 25 تَبِعَ فيه المقنعَ 26، وهو روايةٌ.
والمذهبُ: أنَّه متى بان رأسُ المالِ أقلَّ حُطَّ الزائدُ، ويُحطُّ قِسطُه في مرابحةٍ، ويُنقِصُه في مواضعةٍ، ولا خيارَ للمشتري.
ولا تُقبَلُ دعوَى بائعٍ غلطاً في رأسِ المالِ بلا بينةٍ.
(وَإِنْ اشْتَرَى) السِّلعةَ (بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، أَوْ) اشترى (مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ)؛ كأبيه وابنِه وزوجتِه، (أَوْ) اشترى شيئاً (بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حَيلَةً)، أو محاباةً، أو لرغبةٍ تَخصُّه أو مَوسِمٍ فات، (أَوْ بَاعَ بَعْضَ
الجزء: 2 - الصفحة: 242
الصَّفْقَةِ بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ) الذي اشتراها به (وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ) للمشتري (فِي تَخْبِيرِهِ بِالثَّمَنِ؛ فَلِمُشْتَرٍ الخِيَارُ بَيْنَ الإِمْسَاكِ والرَّدِ)؛ كالتدليسِ.
والمذهبُ فيما إذا بَان الثمنُ مؤجلاً: أنَّه يؤجَّلُ على المشتري، ولا خيارَ؛ لزوالِ الضَّررِ، كما في الإقناعِ، والمنتهى 27.
(وَمَا يُزَادُ فِي ثَمَنٍ، أَو يُحَطُّ مِنْهُ)، أي: مِن الثَّمنِ (فِي مُدَّةِ خِيَارِ) مجلسٍ أو شرطٍ، (أَوْ يُؤخَذُ أَرْشاً لِعَيْبٍ، أَوْ) لـ (جِنَايَةٍ عَلَيْهِ)، أي: على المبيعِ ولو بعدَ لزومِ البيعِ؛ (يُلْحَقُ بِرَأْسِ مَالِهِ، وَ) يجبُ أن (يُخْبِرَ بِهِ)؛ كأصلِه.
وكذا ما يُزادُ في مبيعٍ، أو أجلٍ، أو خيارٍ، أو يُنقَصُ منه في مدةِ خيارٍ؛ فيُلحَقُ بعقدٍ.
(وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ)، أي: ما ذُكِر مِن زيادةٍ أو حطٍّ (بَعْدَ لُزُومِ البَيْعِ) بفواتِ الخيارين؛ (لَمْ يُلْحَقْ بِهِ)، أي: بالعقدِ، فلا يَلزمُ أن يُخبِرَ به، لا إن جنَى المبيعُ ففداه المشتري؛ لأنه لم يزِدْ به المبيعُ ذاتاً ولا قيمةً.
(وَإِنْ أَخْبَرَ بِالحَالِ)؛ بأن يقولَ: اشتريته بِكذا، أو زِدتُه أو نَقصتُه كذا ونحوُه؛ (فَحَسَنٌ)؛ لأنَّه أبلغُ في الصِّدقِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 243
ولا يَلزمُ الإخبارُ بأَخْذِ نماءٍ، واستخدامٍ، ووطءٍ إن لم يُنقِصْه.
وإن اشترى شيئاً بعشرةٍ مثلاً وعَمِلَ فيه صنعةً، أو دَفَع أُجْرَةَ كَيْلِه أو مخزنِه؛ أَخْبَر بالحالِ، ولا يجوزُ أن يَجمعَ ذلك ويقولُ 28: تحصَّلَ عليَّ بِكذا.
وما باعه اثنان مُرابحةً فَثَمنُه بحسبِ مُلْكَيْهِما، لا على رأسِ مالَيْهِما.
(السَّابِعُ) مِن أقسامِ الخيارِ: (خِيَارٌ) يثبتُ (لاِخْتَلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ) في الجملةِ، (فَإِذَا اخْتَلَفَا) هما، أو ورثتُهما، أو أحدُهما وورثةُ الآخرِ (فِي قَدْرِ الثَّمَنِ)؛ بأن قال بائعٌ: بِعْتُكَهُ بمائةٍ، وقال مشترٍ: بثمانين، ولا بينةَ لهما، أو تَعارضت بَيِّنتاهما؛ (تَحَالَفَا) ولو كانت السلعةُ تالفةً، (فَيَحْلِفُ بَائِعٌ أَوَّلاً: مَا بِعْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا بِعْتهُ بِكَذَا، ثُمَّ يَحْلِفُ المُشْتَرِي: مَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا)، وإنَّما بُدِئ بالنفي؛ لأنه الأصلُ في اليمينِ، (وَلِكُلٍّ) مِن المتبايعين بعدَ التَّحالُفِ (الفَسْخُ إِذَا لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُما بِقَوْلِ الآخَرِ)، وكذا إجارةٌ.
وإن رضِيَ أحدُهما بقولِ الآخرِ، أو حَلَف أحدُهما ونَكَل الآخرُ؛ أُقِرَّ العقدُ، (فَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ) التي فُسِخ البيعُ فيها بعدَ التَّحالُفِ (تَالِفَةً؛ رَجَعَا إِلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا).
الجزء: 2 - الصفحة: 244
ويُقْبَلُ قولُ المشتري فيها؛ لأنه غارِمٌ، وفي قَدْرِ المبيعْ.
(فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهَا)، أي: صفةِ السِّلعةِ التالفةِ، بأن قال البائِعُ: كان العبدُ كاتباً، وأنكره المشتري؛ (فَقَوْلُ مُشْتَرٍ)؛ لأنه غارِمٌ.
وإذا تحالفَا في الإجارةِ وفُسِخَت بعدَ فراغِ المدةِ فأُجرةُ المثلِ، وفي أثنائِها بالقسطِ.
(وَإِذَا فُسِخَ العَقْدُ) بعدَ التَّحالُفِ (انْفَسَخَ ظَاهِراً وَبَاطِناً) في حقِّ كلٍّ منهما؛ كالردِّ بالعيبِ.
(وَإِنْ 29 اخْتَلَفَا فِي أَجَلٍ)، بأن يقولَ المشتري: اشتريته بِكذا مُؤجَّلاً، وأنكره البائعُ، (أَوْ) اختلفا في (شَرْطٍ) صحيحٍ أو فاسدٍ؛ كرهنٍ، أو ضمينٍ، أو قَدْرِهِما؛ (فَقَوْلُ مَنْ يَنْفِيِهُ) بيمينِهِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ المَبِيعِ)؛ كبعتني هذا العبدَ، قال: بل هذه الجارِيَةَ؛ (تَحَالَفَا، وَبَطَلَ)، أي: فُسِخ (البَيْعُ)؛ كما لو اختلفا في الثَّمنِ.
وعنه: القولُ قولُ بائعٍ بيمينِه؛ لأنَّه كالغارِمِ، وهي المذهبُ،
الجزء: 2 - الصفحة: 245
وجَزَم بها في الإقناعِ، والمنتهى وغيرِهما 30.
وكذا لو اختلفا في قَدْرِ المبيعِ.
وإن سمَّيَا نَقْداً واختلفا في صفتِه؛ أُخِذ نَقْدُ البلدِ، ثم غالِبُه رواجاً، ثم الوَسَطُ إن استوت.
(وَإِنْ أَبَى كُلٌّ مِنْهُمَا تَسْلِيمَ مَا بِيَدِهِ) مِن المبيعِ والثَّمنِ (حَتَّى يَقْبِضَ العِوَضَ)؛ بأن قال البائعُ: لا أُسلِّمُ المبيعَ حتى أقبِضَ الثَّمنَ، وقال المشتري: لا أُسلِّمُ الثمنَ حتى أَتَسلَّمَ 31 المبيعَ، (وَالثَّمَنُ عَيْنٌ)، أي: معيَّنٌ؛ (نُصِبَ عَدْلٌ)، أي: نَصَبه 32 الحاكمُ، (يَقْبِضُ مِنْهُمَا) المبيعَ والثمنَ، (وَيُسَلِّمُ المَبِيْعَ) للمشتري، (ثُمَّ الثَّمَنَ) للبائعِ؛ لجريانِ عادةِ الناسِ بذلك.
(وَإِن كَانَ) الثمنُ (دَيْناً حَالًّا؛ أُجْبِرَ بَائِعٌ) على تسليمِ المبيعِ؛ لتعلُّقِ حقِّ المشتري بعينِه، (ثُمَّ) أُجبَر (مُشْتَرٍ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِي المَجْلِسِ)؛ لوجوبِ دَفْعِه عليه فوراً؛ لتمكنِه منه.
(وَإِنْ كَانَ) دَيْناً (غَائِباً فِي البَلَدِ)، أو فيما دونَ مسافةِ القصرِ؛ (حُجِرَ عَلَيْهِ)، أي: على المشتري (فِي المَبِيْعِ وَبَقِيَّةِ مَالِهِ حَتَّى يُحْضِرَهُ)؛ خوفاً مِن أن يَتصرفَ في مالِه تَصرفاً يضرُّ بالبائِعِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 246
(وَإِنْ كَانَ) المالُ (غَائِباً بَعِيداً) مسافةَ القصرِ، أو غَيَّبَهُ بمسافةِ القصرِ (عَنْها)، أي: عن البلدِ (وَالمُشْتَرِي مُعْسِرٌ)، يعني: أو ظَهَر أنَّ المشتَرِيَ معسرٌ؛ (فَلِبَائِعٍ الفَسْخُ)؛ لتعذُّرِ الثَّمنِ عليه، كما لو كان المشتري مُفلِساً، وكذا مُؤجَّرٌ بنقدٍ حالٍّ.
(وَيَثْبُتُ الخِيَارُ لِلخُلْفِ فِي الصِّفَةِ) إذا باعه شيئاً موصوفاً، (وَلِتَغَيُّرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ) العقدَ.
وبذلك تمَّت أقسامُ الخيارِ ثمانيةً.