(بَابُ الجعَالَةِ)
بتثليثِ الجيمِ، قاله ابنُ مالكٍ 1، قال ابنُ فارسٍ: (الجعلُ، والجعالةُ، والجعيلةُ: ما يُعطاه الإنسانُ على أمرٍ يَفعلُهُ) 2.
(وَهِيَ) اصطلاحاً: (أَنْ يَجْعَلَ) جائِزُ التصرُّفِ (شَيْئاً) مُتموَّلاً (مَعْلُوماً، لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ عَمَلاً مَعْلُوماً)؛ كردِّ عبدِهِ مِن محلِّ كذا، أو بناءِ حائطِ كذا، (أَوْ) عَمَلاً (مَجْهُولاً مُدَّةً مَعْلُومَةً)؛ كشهرِ كذا، (أَوْ) مدَّةً (مَجْهُولَةً).
فلا يُشترَطُ العِلمُ بالعملِ ولا المدةِ، ويجوزُ الجمعُ بينهما هنا، بخلافِ الإجارةِ، ولا تَعيينُ العامِلِ؛ للحاجةِ.
ويَقومُ العملُ مَقامَ القبولِ؛ لأنَّه يَدُلُّ عليه؛ كالوكالةِ.
ودليلُها: قولُه تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) [يوسف: 72]، وحديثُ اللَّديغِ 3.
الجزء: 2 - الصفحة: 455
والعملُ الذي يُؤخَذُ الجُعلُ عليه؛ (كَرَدِّ عَبْدٍ، وَلُقَطَةٍ)، فإن كانت في يدِهِ فَجَعَل له 4 مالِكُها جُعلاً ليَرُدَّها؛ لم يُبحْ له أخذُهُ، (وَ) كـ (خِيَاطَةٍ 5، وَبِنَاءِ حَائِطٍ)، وسائرِ ما يُستأجَرُ عليه مِن الأعمالِ، (فَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِقَوْلِهِ)، أي: بقولِ صاحبِ العملِ: مَن فَعَل كذا فله كذا؛ (اسْتَحَقَّهُ)؛ لأنَّ العقدَ استقرَّ بتمامِ العملِ.
(وَالجَمَاعَةُ) إذا عَمِلُوه (يَقْتَسِمُونَهُ) بالسويَّةِ؛ لأنَّهم اشتركوا في العملِ الذي يَستحِقُّ به العِوضُ، فاشتركوا فيه.
(وَ) إن بَلَغه الجُعلُ (فِي أَثْنَائِهِ)، أي: أثناءِ العملِ؛ (يَأْخُذُ قِسْطَ تَمَامِهِ)؛ لأنَّ ما فَعَله قبلَ بلوغِ الخبرِ غيرُ مأذونٍ فيه، فلم يَستحِقَّ به عِوضاً، وإن لم يَبلُغْهُ إلا بعدَ العملِ؛ لم يَستحِقَّ شيئاً لذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 456
(وَ) الجَعالةُ عقدٌ جائِزٌ، (لِكُلٍّ) منهما (فَسْخُهَا)؛ كالمضاربةِ.
(فَـ) متى كان الفَسخُ (مِنَ العَامِلِ) قبلَ تمامِ العملِ؛ فإنَّه (لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئاً)؛ لأنَّه أسْقَطَ حقَّ نفسِه، حيثُ لم يأتِ بما شُرِط عليه.
(وَ) إن كان الفسخُ (مِنَ الجَاعِلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ) في العملِ؛ فـ (لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ) مِثلِ (عَمَلِهِ)؛ لأنَّه عَمَله بعوضٍ لم يُسَلَّمْ له، وقبلَ الشروعِ في العملِ لا شيءَ للعامِلِ.
وإن زاد أو نَقَص قبلَ الشروعِ في الجُعلِ؛ جاز؛ لأنَّها عقدٌ جائزٌ.
(وَمَعَ الاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهِ)، أي: أصلِ الجُعلِ، (أَوْ قَدْرِهِ؛ يُقْبَلُ قَوْلُ الجَاعِلِ)؛ لأنَّه منكِرٌ، والأصلُ براءةُ ذمَّتِهِ.
(وَمَنْ رَدَّ لُقَطَةً، أَوْ ضَالَّةً، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلاً بِغَيْرِ جُعْلٍ) ولا إذنٍ؛ (لَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضاً)؛ لأنَّه بَذَل مَنفعتَهُ مِن غيرِ عِوضٍ، فلم يَستحِقَّهُ؛ ولئلا يَلزَمَ الإنسانَ ما لم يَلتزِمْهُ، (إِلَّا) في تخليصِ متاعِ غيرِهِ مِن هلكةٍ، فله أُجرةُ المثلِ؛ تَرغيباً، وإلا (دِينَاراً أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَماً عَنْ رَدِّ الآبِقِ)، مِن المصرِ أو خارِجَه، رُوي عن عمرَ 6، وعليٍّ 7،
الجزء: 2 - الصفحة: 457
وابنِ مسعودٍ 8؛ لقولِ ابنِ أبي مُليكةَ، وعمرو بنِ دينارٍ: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِي رَدِّ الآبِقِ إِذَا جَاءَ بِهِ خَارِجاً مِنَ الحَرَمِ دِينَاراً» 9.
(وَيَرْجِعُ) رادُّ الآبقِ (بِنَفَقَتِهِ أَيْضاً)؛ لأنَّه مأذونٌ في الإنفاقِ شَرعاً؛ لحُرمةِ النفسِ، ومحلُّه إن لم ينوِ التبرُّعَ، ولو هَرَب منه في الطريقِ، وإن مات السيِّدُ رَجَع في تَرِكَتِهِ.
وعُلِمَ منه: جوازُ أخذِ الآبقِ لمن وَجَده، وهو أمانةٌ بيدِهِ، ومَن ادَّعاه فصدَّقَه العبدُ؛ أخذَهُ، فإن لم يجد سيدَهُ دَفَعه إلى الإمامِ أو نائبِهِ؛ ليَحفَظَهُ لصاحبِهِ، وله بَيعُهُ لمصلحةٍ، ولا يَملِكُهُ مُلتقِطُه بالتعريفِ؛ كضوالِّ الإبلِ، وإن باعه ففاسِدٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 458