(بَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِ)
بفتحِ الميمِ والواوِ، (وَهِيَ) مُشتقةٌ مِن الموتِ، وهو عدمُ الحياةِ.
واصطلاحاً: (الأَرْضُ المُنْفَكَّةُ عَنِ الاخْتِصَاصَاتِ وَمِلْكِ مَعْصُومٍ)، بخلافِ الطرقِ، والأفنيةِ، ومسيلِ المياهِ، والمُحتَطَباتِ ونحوِها، وما جَرى عليه ملكُ مَعصومٍ بشراءٍ أو عطيَّةٍ أو غيرِهِما، فلا يُملَكُ شيءٌ مِن ذلك بالإحياءِ.
(فَمَنْ أَحْيَاهَا)، أي: الأرضَ المواتَ؛ (مَلَكَهَا)؛ لحديثِ جابرٍ يرفعُهُ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» رواه أحمدُ، والترمذي وصحَّحه 1، وعن عائشةَ مثلُهُ، رواه مالكٌ وأبو داودَ 2،
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: (هو مسندٌ صحيحٌ، مُتلقى بالقبولِ، عندَ فقهاءِ المدينةِ وغيرِهِم) 3،
الجزء: 2 - الصفحة: 446
(مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) ذِمي، مُكلفٍ وغيرِهِ؛ لعمومِ ما تقدَّم، لكن على الذمِّي خَرَاجُ ما أحيا مِن مَواتِ عَنوةٍ، (بِإِذْنِ الإِمَامِ) في الإحياءِ (وَعَدَمِهِ)؛ لعمومِ الحديثِ، ولأنَّها عينٌ مباحةٌ، فلا يَفتقِرُ ملكُها إلى إذنٍ، (فِي دَارِ الإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا)، فجميعُ البلادِ سواءٌ في ذلك.
(وَالعَنْوَةُ)؛ كأرضِ مِصرَ والشامِ والعراقِ (كَغَيْرِهَا) مما أسلم أهلُهُ عليه 4، أو صُولِحُوا عليه، إلَّا ما أحياه مسلمٌ مِن أرضِ كفارٍ صُولِحُوا على أنَّها لهم ولنا الخَراجُ.
(وَيُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ مَا قَرُبَ مِنْ عَامِرٍ إِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصْلَحَتِهِ)؛ لعمومِ ما تقدَّم، وانتفاءِ المانعِ، فإن تعلَّق بمصالِحِهِ؛ كمقبرته ومَلقى كُناستِهِ ونحوِهِما 5؛ لم يَملِكْ.
وكذا مَواتُ الحَرَمِ وعَرفاتٍ لا يُملَكُ بإحياءٍ.
وإذا وَقَع في الطريقِ وقتَ الإحياءِ نزاعٌ؛ فلها سَبعةُ أذرعٍ، ولا تُغيَّرُ بعدَ وَضْعِها.
ولا يُملَكُ مَعدِنٌ ظاهرٌ؛ كملحٍ وكُحلٍ وجِصٍّ بإحياءٍ، وليس للإمامِ إقطاعُهُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 447
وما نَضَبَ عنه الماءُ مِن الجزائِرِ لم يُحْيَ بالبناءِ؛ لأنَّه يَردُّ الماءَ إلى الجانِبِ الآخَرِ، فيَضرُّ بأهلِهِ، ويُنتفَعُ به بنحوِ زرعٍ.
(وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتاً)؛ بأن أدار حولَهُ حائِطاً مَنيعاً بما جَرَت العادةُ به؛ فقد أحياه، سواءٌ أرادَها للبناءِ أو غيرِهِ؛ لقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» رواه أحمدُ وأبو داودَ عن جابرٍ 6، (أَوْ حَفَرَ بِئْراً فَوَصَلَ إِلَى المَاءِ)؛ فقد أحياه، (أَوْ أَجْرَاهُ)، أي: الماءَ (إِلَيْهِ)، أي: المواتِ، (مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ حَبَسَهُ)، أي: الماءَ (عَنْهُ)، أي: عن المَواتِ إذا كان لا يُزرَعُ معه (لِيُزْرَعَ؛ فَقَدْ أَحْيَاهُ)؛ لأنَّ نَفعَ الأرضِ بذلك أكثرُ مِن الحائطِ.
ولا إحياءَ بحَرثٍ وزَرعٍ.
(وَيَمْلِكُ) المحيي (حَرِيمَ البِئْرِ العَادِيَّةِ) - بتشديدِ الياءِ، أي: القديمةُ، مَنسوبة إلى عادٍ، ولم يُرِدْ عادًا بعينِها-؛ (خَمْسِينَ ذِرَاعاً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ)، إذا كانت انطمَّتْ وذَهَب ماؤها فجدَّد حَفرَها
الجزء: 2 - الصفحة: 448
وعمارَتَها، أو انقطع ماؤها فاستخرَجَهُ، (وَحَرِيمَ البَدِيَّةِ) المحدَثةِ (نِصْفَهَا)؛ خمسةٌ وعشرون ذِراعاً؛ لما روى أبو عبيدٍ في الأموالِ عن سعيدِ بنِ المسيّبِ قال: «السُّنَةُ فِي حَرِيمِ القَلِيبِ العَادِي خَمْسُونَ ذِرَاعاً، وَالبَدِيِّ 7 خَمْسَةَ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً» 8، وروى الخلَّالُ والدارقطني نحوَهُ مَرفوعاً 9. وحَريمُ شجرةٍ: قَدرُ مدِّ أغصانِها، وحريمُ دارٍ مِن مواتٍ حَولها
الجزء: 2 - الصفحة: 449
مَطرَحُ تُرابٍ، وكُناسةٍ، وثلجٍ، وماءِ مِيزابٍ.
ولا حَريمَ لدارٍ مَحفوفةٍ بملكٍ، ويَتصرَّفُ كلٌّ منهم 10 بحسبِ العادةِ.
ومَن تَحجَّر مَواتاً؛ بأنْ أدار حولَهُ أحجاراً ونحوَها؛ لم يَملِكْهُ وهو أحقُّ به، ووارِثُه مِن بعدِهِ، وليس له بيعُهُ.
(وَلِلإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ)؛ «لأَنَّهُ عليه السلام أَقْطَعَ بِلَالَ بنَ الحَارِثِ العَقِيقَ» 11،
(وَلَا يَمْلِكُهُ) بالإقطاعِ، بل هو أحقُّ مِن غيرِهِ،
الجزء: 2 - الصفحة: 450
فإذا أحياه مَلَكه.
وللإمامِ أيضاً إقطاعُ غيرِ مَواتٍ تَمليكاً وانتفاعاً للمصلحةِ.
(وَ) له (إِقْطَاعُ الجُلُوسِ) للبيعِ والشراءِ (فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ)، ورحبةِ مسجدٍ غيرِ مَحوطةٍ، (مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ)؛ لأنَّه ليس للإمامِ أن يَأذَنَ فيما لا مَصلحةَ فيه، فَضْلاً عمَّا فيه مَضرةٌ.
(وَيَكُونُ) المقطَع 12 (أَحَقَّ بِجُلُوسِهَا)، ولا يَزولُ حقَّه بنقلِ مَتاعِهِ منها؛ لأنَّه قد استحقَّ بإقطاعِ الإمامِ، وله التَّظليلُ على نفسِهِ بما ليس ببناءٍ بلا ضررٍ، ويُسمى هذا: إقطاعَ إرفاقٍ.
(وَمِنْ غَيْرِ إِقْطَاعٍ) للطرقِ الواسعةِ والرحبةِ غيرِ المَحوطةِ الحقُّ (لِمَنْ سَبَقَ بِالجُلُوسِ مَا بَقِيَ قُمَاشُهُ 13 فِيهَا وَإِنْ طَالَ)، جَزَم به في الوجيزِ 14؛ لأنَّه سَبَق إلى ما لم 15 يَسبِقْ إليه مُسلِمٌ، فلم يَمنَعْ، فإذا
الجزء: 2 - الصفحة: 451
نَقَل مَتاعَهَ كان لغيرِهِ الجلوسُ.
وفي المنتهى وغيرِهِ: (فإن أطالَه أُزيل) 16؛ لأنَّه يَصيرُ كالمالِكِ.
(وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ) فأكثرَ إليها وضاقَت؛ (اقْتَرَعَا)؛ لأنَّهما استويا في السَّبقِ والقرعةُ مميِّزةٌ.
ومَن سَبَق إلى مباحٍ؛ مِن صيدٍ، أو حطبٍ، أو معدنٍ، ونحوِهِ؛ فهو أحقُّ به، وإن سَبَق إليه اثنان قُسِم بينهما.
(وَلِمَنْ فِي أَعْلَى المَاءِ المُبَاحِ)، كماءِ مطرٍ (السَّقْيُ وَحَبْسُ المَاءِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ إِلَى مَنْ يَلِيهِ) فَيَفعَلُ كذلك، وهَلمَّ جرًّا، فإن لم يَفضُل عن الأوَّلِ أو مَن بَعدَه شيءٌ؛ فلا شيءَ للآخَرِ؛ لقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ» متفقٌ عليه 17، وذَكَر عبدُ الرَّزاقِ عن معمرٍ عن الزهري قال: نَظَرنا إلى قولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ» فكان ذلك إلى الكعبينِ.
18
الجزء: 2 - الصفحة: 452
فإن كان الماءُ مَملوكاً قُسِم بين الملَّاكِ بقدرِ النفقةِ والعملِ، وتَصرَّفَ كلُّ واحِدٍ في حِصَّتِه بما شاء.
(وَلِلإمَامِ دُونَ غَيْرِهِ حِمَى مَرْعىً)، أي: أن يَمنَعَ الناسَ مِن مَرعىً (لِدَوَابِّ المُسْلِمينَ) التي يَقومُ بحفظِها؛ كخيلِ الجهادِ والصدقةِ، (مَا لَمْ يَضُرَّهُمْ) بالتضييقِ عليهم؛ لما روى عمرُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَى النَّقِيعَ 19 لخَيْلِ المُسْلِمِينَ»، رواه أبو عبيدٍ 20.
الجزء: 2 - الصفحة: 453
وما حَماه النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس لأحدٍ نقضُه، وما حَماه غيرُه مِن الأئمةِ يجوزُ نَقضُهُ.
ولا يجوزُ لأحدٍ أن يَأخُذَ مِن أربابِ الدَّوابِّ عِوضاً عن مَرعَى مَواتٍ أو حِمَى؛ لأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَّكَ الناسَ فيه 21.
ومَن جَلَس في نحوِ جامعٍ لفتوى أو إقراءٍ؛ فهو أحقُّ بمكانِهِ ما دام فيه، أو غاب لعُذرٍ وعاد قَريباً.
ومَن سَبَق إلى رباطٍ، أو نَزَل فَقيهٌ بمدرسةٍ، أو صُوفيٌّ بخانَقَاهٍ 22؛ لم يَبطُلْ حقُّه بخروجِهِ منه لحاجَةٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 454