الروض المربع بشرح زاد المستنقع مختصر المقنع
الجزء: 1 - الصفحة: 1
الروض المربع بشرح زاد المستنقع مختصر المقنع
للعلامة منصور بن يونس البهوتي (ت: 1051 هـ)
قوبل على نسخة مقروءة على المؤلف وخمس نسخ أخرى
تحقيق أ. د خالد بن علي المشيقح د. عبد العزيز بن عدنان العيدان د. أنس بن عادل اليتامى
المجلد الأول من أول الكتاب إلى نهاية كتاب الزكاة
الجزء: 1 - الصفحة: 3
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
إنَّ الحمدَ للهِ نَحمدُ ونَستعينُه ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفسِنا ومِن سَيئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادي له، ونَشهدُ ألا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأن محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصَحبِه وسلَّم تَسليماً كَثيراً.
أمَّا بعدُ:
فإنَّ أشرفَ العلومِ وأَعلاها قَدْراً: العلمُ المتعلِّقُ باللهِ تَبارَكَ وتعالى، إذْ الشيءُ يَشرُفُ بشرفِ مُتعلَّقِه، وإذا كان الله تعالى هو أعظمُ المعارِفِ سُبحانه فلا رَيْبَ أنَّ العلمَ الموصِلَ إليه هو أشرفُ العلومِ، ولذا تَنافَسَ الأولياءُ العارفون بالله في تحصيلِ هذا العلمِ والصبرِ على المتاعبِ المحتفَّةِ به، كلُّ ذلك لشرفِ هذا العلمِ في قلوبِهِم، وعظيمِ قَدْرِه في شَريعَتِهِم وعُقولِهِم.
ومِن ذلك: العلمُ الذي يُعرِّفُ العبدَ بمحابِّ اللهِ ومَراضيه، ومَكروهاتِه ومَساخِطَه، ليَتوصَّلَ إلى نَيلِ محبةِ معبودِه بفعلِ ما يحبُّ وتركِ ما يَكرهُ، وهو العلمُ الموسومُ عند العلماءِ بعلمِ الفقهِ.
وقد اجتهدَ العلماءُ منذُ قرونٍ متطاولةٍ بتذييلِه لطالبيه، وتسهيلِه على راغبيه، حتى انتظمَ لهذه الأمة مِن بعدِ القرنِ الثالثِ الهجري
الجزء: 1 - الصفحة: 5
أربعةُ مذاهبَ كان لها الصيتُ الذائِعُ في الأقطارِ، واجتمع عليها طُلَّابُ الفقهِ مِن جميعِ الأمصارِ، وتَعارَفَ الناسُ على أنَّ مَن أراد مَعرفةَ الأحكامِ الفقهيةِ فإنَّه يَحسُنُ به أن يَنتظِمَ أولاً في واحِدٍ تلك المذاهبِ الفقهيةِ المعروفةِ، التي قام أصحابُها بنظمِ مسائلِ الفقهِ في كتبٍ وأبوابٍ وفصولٍ، ووضعوا للاستدلالِ أصولَه وللاستنباطِ قَواعِدَه، وضَمُّوا النِّظيرَ إلى نظيرِه، وذَكروا الحكمَ بدليلِه، وصار لكلِّ مذهبٍ مِن هذه المذاهبِ كُتبٌ نفيسةٌ، منها الموسَّعُ ومنها المختصَرُ، ولكلِّ كتابٍ منها مَشرَبُه وطريقتُهُ، والله يُبارِكُ لمن يَشاءُ مِن عِبادِه فيما يُؤلِّفُ وفيما يُعلِّمُ وفيها يَعمَلُ.
وإنِّ مِن هؤلاء الأعلامِ العلماءِ، والمؤلفين الفقهاءِ: العلَّامةُ مَنصورُ بنُ يونسَ البَهُوتي رحمه الله، مُحقِّقُ مَذهَبِ الحنابلةِ عندَ المتأخرين بلا مُنازِعٍ، وعُمدَةُ الفقهاءِ العارفين بلا مدافِعٍ، رَحمَهُ اللهُ رحمةً واسعةً.
وإنِّ اللهَ جلَّ في عُلاه لا يَزالُ يُبارِكُ في علومِ الشيخِ مَنصورٍ البهوتي مِن خِلالِ ما كَتَبه من كُتُبٍ مباركةٍ، حتى صار جملةٌ مِن متأخري الحنابلةِ يُعوِّلون علىها في معرفةِ المذهبِ ودليلِه، ولا نَحسَبُ ذلك إلا بإخلاصٍ لامَسَ قلبَه، وجدٍّ واجتهادٍ فاقَ به كثيراً ممن أتى بعدَه أو كان قبلَه، ولا نُزكي على اللهِ أحداً، واللهُ لا يُضيعُ أجرَ مَن أحسنَ عَملاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 6
وإنَّ مِن أدقِّ كُتبِه تحقيقاً، أجملِها تحريراً، وأعمقِها عِلماً، وأعلاها شَأناً، وأوسَعِها انتشاراً كتابَه الممتعَ: (الرَّوْضُ المُرْبِعُ شَرْحُ زَادِ المُسْتَقْنِعِ مُخْتَصَرِ المُقْنِعِ)، الذي شَرَح فيه كتابَ العلَّامةِ مُوسَى الحَجَّاوِي (زاد المستقنع) شَرحاً مزجياً، بَيَّن فيه حقائقَه، وأوضحَ مَعانيه وأَجلى دقائقه، وضَمَّ إليه قيوداً يَتعينُ التنبيهُ عليها، وزاد فيه فوائدَ يحتاجُ طالبُ فقهِ الحنابلةِ إليها، وجَمَّله بنصوصِ الوحيين تدليلاً، وبالأقيسةِ والمقاصدِ الشرعيةِ تَعليلاً، فَغَدا هذا الشرحُ روضةً مِن الرياضِ النَّاضرةِ، ومُمتِعاً للعيونِ النَّاظرةِ، حتى ذاع صيته في الآفاقِ، واعتَلَى مَن اعتنى به منابرَ العلمِ وَفَاق، بل صار مَدارُ عِنايةِ كثيرٍ مِن أهلِ العلمِ هذا الكتابِ، وحَطُّوا عندَه الرواحِلَ والرِّكابَ، وأوصوا به مَن بعدَهم مِن الطُّلَّابِ.
قال العلَّامةُ عبدُ الرحمنِ السِّعدي رحمه الله في مقدمةِ كتابِه المختاراتِ الجليةِ: (ورأيتُ شَرحَ مختصَرِ المقنعِ للشيخِ منصور البهوتي أكثرها استعمالاً، وأنفعُها للطلبةِ في هذه الأوقاتِ).
ويقولُ الشيخُ عبدُ الرحمنِ بنُ قاسمٍ رحمه الله تعالى في مقدمةِ حاشيتِه على الروضِ: (فإن زادَ المستقنع وشرحَه قد رَغِب فيهما طُلَّابُ العلمِ غايةَ الرَّغَبِ، واجتهدوا في الأخذِ بهما أشدَّ اجتهادٍ وطَلَب، لكونِهِما مختصَرَين لَطيفَين، ومنتخَبَين شَريفَين، حاوِيَين جُلَّ المهماتِ، فائِقَينِ أكثرَ المطولاتِ والمختصراتِ، بحيثُ إنه يحصُلُ منهما الحظُّ للمبتديِ والفصلُ للمنتهيِ).
الجزء: 1 - الصفحة: 7
وإن مِن أنواعِ العنايةِ بهذا الكتابِ: تحقيقُ نَصِّه تحقيقاً عِلمياً، لتَعظُمَ فائدةُ قارئيه، وتَكثُرَ استفادةُ دارسيه.
فقُمنا بخدمةِ هذا الكتابِ -مُستعينين بالمولى، مُعترفين بالضَّعفِ إلا به- وذلك بالعنايةِ بخمسةِ أمورٍ:
الأولُ: جمعُ نُسخِه الخطِّيةِ ومقارنَتُها واختيارُ أعلاها جَودةً وحُسناً، وفْقَ الأُسُسِ المتبعةِ في تحقيقِ كُتبِ أهلِ العلمِ، فكانت النسخة التي اعتمدناها أصلاً في التحقيق: نسخة مقروءة على المؤلف رحمه الله، وأَضَفْنا إليها خمسَ نُسخٍ أخرى عاليةَ الجودةِ كما ستراه في وَصفِ النسخِ الخطيةِ.
الثاني: تخريجُ الأحاديثِ والآثارِ تخريجاً يُعنى بمعرفةِ مصدرِ الحديثِ والأثرِ، وكلامِ المحققين حولَه مِن حيثُ التصحيحُ والتضعيفُ، وبيانُ العللِ وأجوبتِها، بصورةٍ وافيةٍ مختصرةٍ.
الثالثُ: ضَبطُ جميعِ كلماتِ المتنِ وغالبِ كلماتِ الشرحِ بالشَّكلِ صَرْفاً وإعراباً، وتوضيحُ ما يحتاجُ مِن المفرداتِ إلى توضيحٍ، مِن خلالِ مصادرِ اللغةِ العربيةِ المعتمدةِ.
الرابعُ: العنايةُ ببدايةِ الفقراتِ ونهايتِها بحيثُ يُربطُ بين أركانِ الجملةِ الواحدةِ دونَ الفصلِ بينها، مع العنايةِ بعلاماتِ الترقيمِ التي تُبرِزُ المرادَ وتُسهِّلُ على القارئ فَهمَ الكتابِ.
الخامسُ: مراعاةُ التحشيةِ، حيثُ جعلنا هوامِشَ الكتابِ صالحةً للتحشيةِ وكتابةِ الفوائدِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 8
فحَقَّقْناه -فيما نَظُنُّ- تحقيقاً عِلميًّا، مُوافقاً للمرادِ، شافِياً للفؤادِ، فما كان فيه مِن صوابٍ فمِن اللهِ وحدَه، وما كان مِن خَطأ فمنَّا ومِن الشيطانِ، ونَرجو مِن اللهِ العفوَ والغفرانَ، ومِن القارئ النُّصحُ والبيانُ.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين
المحققون
7/ 5/ 1438 هـ
الجزء: 1 - الصفحة: 9