(كِتَابُ النِّكَاحِ)
هو لغةً: الوَطءُ والجمعُ بينَ الشَّيئينِ، وقد يُطلقُ على العقدِ، وإذا قالوا: نَكَح فلانةً أو بنتَ فلانٍ؛ أرادوا تَزوجَّها وعَقَد عليها، وإذا قالوا: نَكَح امرأتَه؛ لم يُريدوا إلا المجامَعَةَ.
وشرعاً: عقدٌ يُعتبَرُ فيه لفظُ: إنكاحٍ، أو تزويجٍ في الجملةِ.
والمعقودُ عليه: منفعةُ الاستمتاعِ.
(وَهُوَ سُنَّةٌ) لذي شهوةٍ لا يَخافُ زناً مِن رجلٍ وامرأةٍ؛ لقولِهِ عليه السلامُ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» رواه الجماعةُ 1.
ويُباحُ لمن لا شَهوةَ له؛ كالعِنِّينِ 2، والكبيرِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 75
(وَفِعْلُهُ مَعَ الشَّهْوَةِ أَفْضَلُ مِنْ نَوَافِلِ العِبَادَةِ 3؛ لاشتمالِه على مصالحَ كثيرةٍ؛ كتَحصينِ فرجِه وفرجِ زوجتِه، والقيامِ بها 4، وتحصيلِ النَّسل، وتكثيرِ الأُمَّةِ، وتحقيقِ مُباهاةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغيرِ ذلك.
ومَن لا شهوةَ له نوافلُ العبادةِ 5 أفضلُ له.
(وَيَجِبُ) النكاحُ (عَلَى مَنْ يَخَافُ زِنًا بِتَرْكِهِ) ولو ظَنًّا، مِن رجلٍ وامرأةٍ؛ لأنَّه طريقُ إعفافِ نفسِه وصونِها عن الحرامِ، ولا فرقَ بين القادِرِ على الإنفاقِ والعاجزِ عنه، ولا يَكتفِي بمرَّةٍ بل يكونُ في مجموعِ العمرِ.
ويَحرمُ بدارِ حربٍ إلا لضرورةٍ فيُباحُ لغيرِ أسيرٍ.
(وَيُسَنُّ نِكَاحُ):
(وَاحِدَةٍ)؛ لأن الزِّيادةَ عليها تعريضٌ للمُحرَّمِ، قال الله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) [النساء: 129].
(دَيِّنَةٍ)؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعاً: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ
الجزء: 3 - الصفحة: 76
يَدَاكَ» متفقٌ عليه 6.
(أَجْنَبِيَّةٍ)؛ لأنَّ ولدَها يكونُ أنْجَبَ، ولأنَّه لا يَأمنُ الطَّلاقَ فيُفضِي مع القرابةِ إلى قطيعةِ
الرَّحمِ.
(بِكْرٍ)؛ لقولِه عليه السلامُ لجابرٍ: «فَهَلَّا بِكْراً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك» متفقٌ عليه.
(وَلُودٍ)، أي: مِن نساءٍ يُعْرَفْنَ بكثرَةِ الأولادِ؛ لحديثِ أنسٍ يرفعُه: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه سعيدٌ 7.
(بِلَا أُمٍّ)؛ لأنَّها ربَّما أفسدَتْها عليه.
ويُسنُّ أن يَتخيَّرَ الجميلةَ؛ لأنَّه أغضُّ لبصرِه.
(وَ) يُباحُ (لَهُ)، أي: لمن أراد خِطبةَ امرأةٍ وغَلَب على ظنِّه إجابتُهُ (نَظَرُ مَا يَظْهَرُ غَالِباً)؛ كوجهٍ، ورقبةٍ، ويدٍ، وقدَمٍ؛ لقولِه عليه السلامُ: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُم امْرَأَةً فَقَدرَ أَنْ يَرَى مِنْهَا بَعْضَ مَا يَدْعُوهُ
الجزء: 3 - الصفحة: 77
إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيِفْعَلْ» رواه أحمدُ وأبو داودَ 8،
(مِرَاراً)، أي: يُكَرِّرُ النَّظرَ، (بِلَا خَلْوَةٍ) إن أَمِنَ ثورانَ الشَّهوةِ، ولا يحتاجُ إلى إذنِها.
ويُباحُ نظَرُ ذلك ورأسٍ وساقٍ مِن أمَةٍ وذاتِ محرمٍ، ولعبدٍ نَظَرُ ذلك مِن مولاتِه.
ولشاهدٍ ومُعامِلٍ نظرُ وجهِ مشهودٍ عليها ومَن تُعامِلُه وكفَّيْها لحاجةٍ.
ولطبيبٍ ونحوِه نظرٌ ولمْسٌ دَعَت إليه حاجةٌ.
ولامرأةٍ نظرٌ مِن امرأةٍ ورجلٍ إلى ما عدا ما بين سُرَّةٍ وركبةٍ.
ويحرمُ خَلوةُ ذكَرٍ غيرِ مَحْرَمٍ بامرأةٍ.
(وَيَحْرُمُ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ)؛ كقولِه: أُريد أن أتزوَّجَكِ؛
الجزء: 3 - الصفحة: 78
لمفهومِ قولِه تعالى: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) [البقرة: 235]، وسواءٌ 9 المعتدَّةُ (مِنْ وَفَاةٍ، وَالمُبَانَةُ) حالَ الحياةِ (دُونَ التَّعْرِيضِ)، فيباحُ لما تقدَّم.
ويحرمُ التَّعريضُ كالتصريحِ لرجعيةٍ.
(وَيُبَاحَانِ لِمَنْ أَبَانَهَا بِدُونِ الثَّلَاثَةِ 10؛ لأنَّه يُباحُ له نكاحُها في عِدَّتِها؛ (كَرَجْعِيَّةٍ)؛ فإنَّ له رجعتَها في عدَّتِها.
(وَيَحْرُمَانِ)، أي: التَّصريحُ والتَّعريضُ (مِنْهَا عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا)، فيحرمُ على الرجعيَّةِ أن تُجيبَ مَن خَطَبَها في عدَّتِها تَصريحاً أو تَعريضاً.
وأما البائنُ فيُباحُ لها إذا خُطِبت في عِدَّتِها التَّعريضُ دونَ التصريحِ.
(وَالتَّعْرِيضُ: إِنِّي فِي مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَتُجِيبُهُ) إذا كانت بائِناً: (مَا يُرْغَبُ عَنْكَ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كقولِه: لا تُفَوِّتِيني بنفسِكِ، وقولِها: إنْ قُضِيَ شيءٌ كان.
(فَإِنْ أَجَابَ وَلِيُّ مُجْبَرَةٍ) -ولو تَعريضاً- لمسلمٍ، (أَوْ أَجَابَتْ غَيْرُ المُجْبَرَةِ لِمُسْلِمٍ؛ حَرُمَ عَلَى غَيْرِهِ خِطْبَتُهَا) بلا إذنِهِ؛ لحديثِ أبي
الجزء: 3 - الصفحة: 79
هريرةَ مرفوعاً: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ» رواه البخاري والنسائي 11، (وَإِنْ رُدَّ) الخاطبُ الأوَّلُ، (أَوْ أَذِنَ)، أو تَرَك، أو
استأذَن الثاني الأوَّلَ فَسَكَت، (أَوْ جُهِلَ الحَالُ)؛ بأنْ لم يعلَمْ الثَّاني إجابةَ الأوَّلَ؛ (جَازَ) للثاني أنِ يَخطُبَ.
(وَيُسَنُّ العَقْدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ مَسَاءً)؛ لأنَّ 12 فيه ساعةَ الإجابةِ.
ويُسنُّ بالمسجدِ 13، ذَكَره ابنُ القيمِ 14.
ويُسنُّ أنْ يخطبَ قبلَه (بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ)، وهي: «إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» 15.
الجزء: 3 - الصفحة: 80
ويُسنُّ أن يُقالَ 16 لمتزوِّجِ: «بَارَكَ اللهُ لَكُمَا وَعَلَيْكُمَا، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ» 17. فإذا زُفَّتْ إليه قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا
الجزء: 3 - الصفحة: 81
عَلَيْهِ (1)، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ» (2).