كتاب قسم الفيء والغنيمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
هذا الفرس الذي لا غناء فيه، ففي تعلق السهم بإحضاره قولان: أحدهما - أنه لا يتعلق به استحقاق سهم؛ من جهة أنه لا غَناء فيه، فكان كالجنس الذي لا يتهيأ لمقاصد القتال من البغال والحمر وغيرها.
والقول الثاني - أنه يتعلق به استحقاق السهم؛ نظراً إلى الجنس؛ فإن اتباع آحاد الأفراس في الجند العظيم عسر، فالوجه الاكتفاء بالجنس، وحسم باب النظر في التفاصيل، وهذا بمثابة إيجاب الزكاة في الجَرْبى المراض من الماشية، مع علمنا بأن الشرع (1 لم يعلق الزكاة 1) إلا بالجنس المُرْفق 2 والمقدار التام.
ثم من أوجب السهم نظراً إلى الجنس، اشترط أن يكون الفرس بحيث يتأتى ركوبه، حتى (3 لو أحضر مهراً لا يركب أو فرساً لا يتأتى ركوبه 3)، فلا يجوز أن يكون في مثل هذا خلاف؛ فإن متعلّق إثبات السهم [أن] 4 استحقاق السهم لا يتوقف على مصادمة الكفار، بل الوقوف في الصف كافٍ في الاستحقاق؛ من جهة أن المصطفّين وزرُ المقاتلين كرّاً وفرَّاً، فمن كان على فرسٍ في الصف أرعب بموقفه، ولا يطّلع العدو على صفة فرسه، وشرْطُ هذا أن يكون مركوباً 5.
7751 - ولو نفق الفرس قبل القتال، لم يستحق صاحبه إلاَّ سهمَ راجل؛ فإنه لم يلق القتال إلا راجلاً، ولا فرق بين أن يكون نَفَقُ 6 الفرس بعد دخول دار الحرب، أو قبل دخولها، خلافاً لأبي حنيفة 7، فإنه قال: إذا دخل بفرسه دار الحرب ونفق،13
استحق سهم الفرس، وإن لم يلق عليه قتالاً، وإن قامت الحرب، [والفرس] 1 مركوب قائم، ثم نفق قبل انجلاء الحرب، فالحاصل ثلاثة أقوال: أحدها - أنه لا يستحق سهم الفرس، حتى ينجلي القتالُ والفرسُ قائم، فإنّ الاستحقاق يستقر بانكشاف الحرب وانجلائها، فإذا تقدّر 2 نفوق الفرس قبل تحقق سبب الاستحقاق، لم يُستحق بسبب الفرس شيء.
والقول الثاني - أن صاحب الفرس يستحق سهم الفرس؛ لأنه لقي القتال عليه، وحصل الإرعاب منه في انتصاب الحرب.
والقول الثالث - أنه إن نفق قبل حيازة المغنم، فلا سهم بسبب الفرس، وإن نفق بعد حيازة المغنم، وقبل انجلاء الحرب، استحق صاحبه سهم الفرس، وسنوضح هذا الأصل، إن شاء الله عز وجل - عند ذكرنا المددَ إذا لحقوا بهم متى يشاركون في المغنم، ومتى لا يشاركون فيه.
ولم يفصل أصحابنا بين أن يكون سبب الهلاك 3 جراحة أصابتها في الحرب [وبين] 4 أن يكون نفوقها لا بسبب القتال.
ولو مات الغازي في أثناء الحرب قبل انكشافها، فقد قطع الأئمة أقوالهم، بأنه لا يثبت له استحقاق في المغنم؛ حتى يقال: يخلفه الورثة فيه.
وهذا يعضد أحد الأقوال في نفوق الدابة.
والمقدار الذي ذكر الأصحاب في الفرق أن الغازي إذا مات قبل انكشاف الحرب، فلا مستحق يُعزى إليه حقُّ المغنم، وإذا مات الفرس وقد أحضره صاحبه وأرعب به، [فلئن] 5 نفق الفرس، فمن يستحق بسببه قائم، وهذا الفرق فيه غموض [وبُعد] 6.
7752 - ومما يتعلق بذلك أن الغازي لو مرض في أثناء القتال، قال الأصحاب: إن كان ذلك المرض بحيث لا يمنعه من القثال، فلا كلام، وهو من أهل القتال، واستحقاق المغنم.
وإن كان ذلك المرض يمنعه من القتال، نُظر: فإن كان [ممّا] 1 يرجى زواله، فلا مبالاة به، وإن كان ذلك المرض مزمناً لازماً، بحيث لا يرجى زواله، ففي استحقاق السهم قولان: أحدهما - أنه لا يستحقه، لخروجه عن وصف المستحقين قبل انكشاف القتال، فصار كما لو مات في أثناء القتال.
والقول الثاني - أنه يستحق لبقائه، ويتصور إضافة استحقاقٍ إليه.
وهذان القولان -قبل أن ننعطف على هذه التفاصيل بالتتبع- يضاهيان القولين في نفوق الدابة؛ فإن نفوقها مع بقاء [صاحبها] 2 وإمكان إضافة الاستحقاق إليه (3 بمثابة سقوط قوّته مع إمكان إضافة الملك والاستحقاق إليه 3) فلا فرق، ومأخذ الخلاف في المسألتين متقارب.
وذكر بعض أئمتنا في سبب ثبوت السهم للمريض الذي زَمِنَ أن رأيه منتفع به، بأن يراجَع ويستشار، فلم يسقط الانتفاع به بالكلية، وهؤلاء ربما يترددون فيه إذا جُنّ، فمنهم من يجعل الجنون كالموت في إسقاط السهم قولاً واحداً.
ومنهم من أجرى القولين في طريان الجنون؛ لأن المجنون لا يمتنع إضافة الملك إليه، وهذا المسلك أفقه؛ فإن الرأي المجرد لو كان معتمداً في الباب، لوجب إثبات السهم للذي شهد القتال مريضاً، وبقي كذلك إلى الانجلاء، وليس الأمر كذلك.
فهذا ما ذكره الأصحاب.
7753 - وفي بعض هذه الفصول تأمل على الناظر.
أما ما ذكره الأصحاب من أن المرض إذا كان يرجى زواله، فما المراد بهذا؟
ليعلم المسترشد أن المراد برجاء الزوال توقُّع زواله في أثناء القتال، قبل انكشافه،3
وتقدير الكلام أن نفرض زوال ما اعترض، حتى يقدّرَ كأنه لم يكن، وما أراد الأصحاب توقعَ الزوال بعد انقضاء القتال، حتى لو كان ذلك المرض بحيث لا يتوقع زواله إلا بعد أيامٍ مثلاً، فهو في حكم المرض المزمن.
ومما يجب الاعتناء به أن من حضر الوقعة وبه 1 مرض يمنعه من القتال، فزَمِن مثلاً، فلا سهم له، ولكنه يستحق الرضخ، ولو كان به مرض لا يمتنع عليه معه ركوب الفرس، والوقوفُ في الصف، ولكن لا يتأتى منه مباشرة القتال، فلا سهم له، وذلك أنا وإن كنا نسهم لمن يقف في الصف ولا يقاتل، فيشترط أن يكون بحيث يتأتى منه القتال لو مست الحاجة إليه، وإنما يكتفى بالوقوف في الصف؛ لأن ترتيب القتال يقتضي ذلك؛ فإن جملة الجند لا يتأتى منهم بأجمعهم الاشتغال بالقتال دفعة واحدة، ولكنا نشترط ما ذكرناه من إمكان القتال عند مسيس الحاجة، فلو دام -من أول القتال إلى آخره- المرضُ الذي وصفناه، فلا سهم، والواجب الرضخ.
ولو كان من أهل القتال، فطرأ المرض الذي يرجى زواله -على ما فسرنا ذلك- فإن اتفق زوال ذلك المرض فذاك، وإن اتفق دوامه إلى انجلاء القتال، ففي هذا تردد ظاهر، يجوز أن يقال: إنه بمثابة المرض المزمن، ويجوز أن يقال: ليس هو بمثابته، وهو كالطارىء الزائل.
وهذا يلتفت على تردد الأصحاب في أن من مرض مرضاً مرجو الزوال، وامتنع عليه الاستواء على الدابة، فليس له أن يستأجر من يحج عنه، وإنما يستأجر [ذو العَضب] 2 الذي لا يرجى زواله، فلو استأجر المريض مرضاً مرجو الزوال من يحج، فحج عنه الأجير، ثم تمادى المرض وأفضى إلى الموت، ففي وقوع الحج عن المستأجِر قولان.
هذا ضبط القول في الأمراض [التي تعرض] 3 وتزول أو لا تزول.
فرع:
7754 - إذا كان مع الرجل فرسه، ولكنه نزل ليقاتل راجلاً عند مسيس الحاجة إليه، والفرس مقود موجود بالقرب من صاحبه، ومهما مست حاجته إليه
ركبه، فإذا كان كذلك، استحق سهم الفرس، لأنه مُرصَد معتد معه، فصار كما لو كان راكبه، هذا إذا كان الفرس بحضرته.
فأما إذا نزل الفرسان ليقاتلوا مترجلين في مضيق ثم درجوا فيه موغلين في القتال، وبعدوا عن الخيل، فهل يستحقون سهام الأفراس؟ حكى شيخي رضي الله عنه في ذلك وجهين: أحدهما - أنهم لا يستحقون؛ فإنهم [دخلوا] 1 القتال من غير خيل، ولم يكن الخيل بالقرب منهم، حتى يفرض منهم ركوبها إذا مست الحاجة إلى الركوب.
والوجه الثاني - أنهم يستحقون سهام الأفراس؛ فإنهم أحضروها الوقعة، والتزموا مؤنها، وهي موجودة، وما بعّدوها عن أنفسهم إلا لتولّجهم في المضيق الذي لا تنسلك الخيل فيه، وقد يرجعون على أدراجهم، فالخيل على هذه الصفة تعد عدة في المعترك 2.
هذا منتهى القول في الخيل وما يلحقها من التغايير.
7755 - فإذا تبين الغرض في ذلك، فإنا نذكر بعد هذا تفصيل القول في كيفية القسمة، فنقول: الغرض قسمة أربعة أخماس الغنيمة، فإن رأينا أخذ الرضخ من رأس الغنيمة، فليؤخذ المقدار الذي يفي بالأرضاخ، ثم الإمام لا يسوي بين مستحقي الإرضاخ مع التفاوت في الغَناء والأقدار، ولكنه يفاوت بينهم باجتهاده، وهي قريبة الشبه من الحكومات في أروش الجراحات، وهي مفوضة إلى اجتهاد الولاة، فالأمر في الرضخ على هذا الوجه يجري، ولا يظهر أثر الخلاف في أن الغنيمة 3 هل تخمس [أم] 4 لا؟ في أقدار الأرضاخ؛ فإنها سواء أخذت قبل التخميس أو بعدها، فالقاضي يقلّل ويكثِّر باجتهاده.
وإنما يظهر الأثر في الخمس، فإن أفرزنا الخمس أوّلاً، كثر
قدره، ووفر مبلغه، وإن أخذنا الرضخ أولاً، انتقص الخمس.
وإن فرعنا على الأصح، وهو أن الأرضاخ تؤخذ من أربعة أخماس الغنيمة، (1 فهذا ممّا نقصده الآن، فنقول أولاً: إن لم يكن في المعسكر أحد ممن يستحق الإرضاخ، فإنا نقسم أربعة أخماس الغنيمة 1) بعد إخراج أسلاب القتلى على الغانمين، وننظر إلى الغانمين، فإن كانوا رجّالة، قسم المغنم عليهم بالسوية، وكذلك إن كانوا فرساناً لا يشوبهم راجل، قسمت الغنيمة عليهم بالسوية، ولا يظهر التفاوت، ولا فرق بين الوقوف في الصفوف وبين الذين يصلون 2 بنار القتال.
ولو كان الغانمون رجالة وفرساناً، فنقول: للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم، والسبيل أن نضبط عدد الرجالة والفرسان، ونعتمد عدد الرجالة، ونضعّف 3 عدد الفرسان، فنعد كل فارس ثلاثة من الرجالة، ونقسم أربعة أخماس الغنيمة على منتهى العدد الخارج، ثم نصرف إلى كل راجل سهماً من السهام [المعدّة] 4 عنده، وإلى كل فارس ثلاثة أسهم، فإذا كان الجندُ ألفَ راجل، وألفَ فارس، فأربعة أخماس الغنيمة تقسم على أربعة آلاف سهم، على القاعدة التي ذكرناها.
هذا إذا لم يكن ثمَّ أصحابُ رضخ، فإن كان مع أصحاب السهام أصحاب رضخ، وقلنا: أرضاخهم تقع بعد التخميس من أربعة أخماس الغنيمة، فالوجه أن يضبط القاسم مبلغَ أربعة الأخماس، ويتأمل عدد [أصحاب] 5 السهام، ثم يرى رأيه في أصحاب الرضخ، وينهي اجتهاده نهايته في أقصى ما يراه لبعضهم، وفي أدنى ما يراه لبعضهم وأوسطهم، ويحط الرضخ الأعلى عن سهمٍ، ويثبت مقداره بالاجتهاد، ويثبت الأدنى والأوسط وينسبهما إلى الرضخ الأعلى، [ثم ينظر إلى كم ينتهي مبلغ الأرضاخ التي تعدّ للقسمة] 6 على عدد أصحاب السّهْمانِ، فيزيد ذلك المبلغ على1
العدد الذي كان يبتنى عليه القسمة بين أصحاب السهام لو انفردوا، فتعتدل القسمة على هذا النسق، وذلك بأن يكون أصحاب السهام ألفاً من الرجالة، وألفاً من الفرسان، فأعداد السهام أربعة آلاف، ثم لما نظر في أصحاب الرضخ اجتهاداً كانوا ثلاثمائة مثلاً، وكان المبلغ الذي أخرجه لهم بالاجتهاد مائة وخمسين، فيضم هذا العدد إلى أربعة آلاف، ويقسم أربعة أخماس الغنيمة من هذا المبلغ كله، ويحط منه ما يحتاج إليه الرضخ، ويقسمه على اجتهاده بينهم، ثم يقسم السهام الباقية على أصحاب السهام.
ولو كان في أصحاب الرضخ فارس، فكيف الوجه في اعتبار حصته 1؟ أنحطها من سهم راجل؟ أم نحطها من ثلاثة أسهم لفارسٍ هو من أهل السهام؟ (2 الرأي أن نعتبره بفارس من أهل السهام 2)، ونجعل كأنه ثلاثة من أصحاب الرضخ، ونقدر له ثلاثة مبالغ، ونحط كل مبلغ عن سهم من السهام المعدَّلة عندنا.
هذا هو الوجه لا غير، وقد وضح ما أردناه من كيفية تعديل القسمة.
فصل
قال: "ولو كان لرجل أجير يريد الجهاد ... إلى آخره" 3.
7756 - الوجه أن نذكر المسائل في هذا النوع مرسلةً، ونوضّح في كل مسألة ما قيل فيها، ثم نذكر عند نجازها ضابطاً لها.
فالمسألة الأولى في الأجير: فإذا استأجر الغازي من يخدمه أو يسوس دابتَه، أو يضرب أخبيته، ويقوم بما تمس إليه حاجته استئجاراً صحيحاً، فالظاهر الذي أجراه الأصحاب أنه [إن] 4 لم يقاتل كما 5 حضر الوقعة، لم يستحق السهم.
وإن قاتل،2
ففي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يستحق السهم مع الأجرة، أما الأجرة، فلعمله لمستأجِره، وأما السهم فلقتاله، وهو من أهل استحقاق السهم، ثم إنما يستحق الأجرة إذا لم يعطل من العمل الموظف عليه شيئاً، وذلك بأن يقع القتال في فترة من أعماله كان لا يحتاج إلى العمل فيها.
وإن عطّل عملَه في مقدارٍ من الزمان، يستحق السهمَ لقتاله، وسقطت الأجرةُ على مقابلة تعطيله الأعمال المستحقة عليه، إذا كانت الإجارة تعتمد المدّة.
وهكذا ينتظم تصويرها.
والقول الثاني - أن الأجير لا يستحق السهم؛ لأنه لم يقصد الجهاد في خروجه وحضوره، وأيضاً فإنه [مستحَقُّ] 1 المنافع بالإجارة، فكان كالعبد، والعبد لا يستحق السهم، ولا يستحقه مولاه بسببه.
والقول الثالث - أن الأجير يخير بين الأجرة وبين السهم؛ لأنه متردّدٌ بين حالة المجاهدين وحالة الأجراء، [إن أترك] 2 الأجرة، تحقق أنه مجاهد فليستحق السهم، وإن استمسك بالأجرة، فلا سهم له، وتوجيه ذلك بيّن.
7757 - ثم إذا شرطنا في استحقاق السهم إسقاط الأجرة، فحاصل ما ذكره الأصحاب في إسقاط 3 مقدار الأجرة ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يكفيه [أن يسقط] 4 ساعة القتال، فإذا فعل ذلك، استحق السهم.
والثاني - أنه لا يستحق السهم [ما] 5 لم يسقط أصل الأجرة من يوم خروجه إلى منتهى القتال؛ فإنه بذلك يصرف خرجته إلى جهة الجهاد، ولا يكفي حط أجرة ساعة القتال.
والوجه الثالث - أنه يحط أجرته من وقت دخول دار الحرب.
وهذا بعيد عن
قواعدنا؛ فإنا لا نعتبر دار الحرب، ولا نعلّق بها حكماً في أصول المذهب.
فهذا ظاهر ما ذكره الأصحاب في الأجير الذي استأجره الغازي على عملٍ من أعماله التي يحتاج إليه.
وقول إسقاط الأجرة فيه تأمل؛ [فإنا إذا كنا] 1 لا نُبعد الجمع بين استحقاق السهم والأجرة، [فمقتضى] 2 ذلك أن يعمل ويقاتل.
فإن قال قائل: هو في وقت قتاله [لا يتفرغ] 3 إلى ما يعمل لمستأجِره، فيترك عمله ويقبل على القتال بدله، وإذا ترك عمله، استحال أن يستحق الأجرة بكمالها.
قلنا: هذا تضيّق في التصوير، لا معنى له؛ فإن الأجير لا يعمل [دائباً والمكافحة] 4 في القتال لا تدوم أيضاً، فيمكن فرض القتال في فترات [لو] 5 ترك الأجير العمل [فيها] 6 لجاز له، ولما أثر بترك العمل في الأجرة.
وأما قولنا: لا يدوم القتال، فهو حق؛ فإن البطلَ الكرّار ربَّما لا يحتاج في جميع مدّة القتال إلا إلى [ضربات] 7 تجري مجرى الفُرص ينتهزها، وليس من الحزم في القتال أن يأتي بها إلا كذلك، وأوقاتها تلطف، وأزْمانُها تخفّ، وليس المعنىُّ بقولنا: قاتلَ الأجيرُ أن يدأب ضرباً، وطعناً، وانغماساً في العدو.
وإذا تبين المراد، اندفع بمجرد التصوير السؤال.
وإن حكمنا بأنه لا بد من إسقاط الأجرة بجملتها إن أراد السهم، فالمراد منه أن نهضته إن كانت مقصورة على جلب الأجرة، لم يقصد الجهاد؛ فإن أراد أن يصرف نهضته إلى جهة [الغزو] 8 فيسقط حقه الأول، حتى يُقدَّر كأنه لم يخرج لمّا خرج إلا غازياً.
ومن قال: لا يلزمه (1 أن يسقط 1) أكثر من أجرة ساعة القتال، فهذا فيه أدنى تأمل؛ [فإنا] 2 إن صورنا لطفاً في أوقات القتال، فلا يقابل شيءٌ من الأجرة وقتَ القتال، فلا معنى لإسقاط الأجرة.
وإن صورنا القتال ممتدّاً في زمان يقابَل بالأجرة، فإذا اشتغل فيه بالقتال وترك العمل، سقطت الأجرة من غير إسقاط، ولم يبق لاسقاط الأجرة معنى، [وآل] 3 النظر إلى أن الأجير الذي استحق المستأجِر عملَه هل له أن يترك العمل المستحَق عليه ويشتغل بالقتال، فينبغي أن [يتأنَّق] 4 الفقيه في [توجيه] 5 هذا الوجه.
والسبيل فيه أن نقول: إذا قاتل في أوقات لطيفة، وهو واقف في معظم الأوقات في الصف موقف المقاتلين، وهو في ذلك يعمل لمستأجره، وقد يكون عمله مراقبةَ الرجل أو رياضةَ [دابةٍ] 6 هو راكبها، فيتصور الإتيان بالأعَمال مع تصوير القتال وينبني على ذلك أنه يستحق 7 الأجرة؛ لأنه لم يخلّ بها، فإن أراد السهم على الوجه الذي نفرعّ عليه، فينبغي أن نسقط أجرته في مدة المعركة؛ فإنه [وإن] 8 لم يكن مباشراً للقتال في جميع المدة، [فهو] 9 في حكم المقاتل إذا قاتل في بعض المدّة، فقد اجتمع القتال وتوفية الأعمال، والتخير بين إسقاط أجرةٍ وجبت وبين طلب الأجرة وترك السهم.
وعماد هذا الفصل أن من جاء مجاهداً وجرّد قصده في الغزو، فلو وقف في الصف، ولم يقاتل، لكفاه ذلك في استحقاق السهم، لا خلاف فيه، ومن لم يتجرد1
قصده في الجهاد، فمجرد الوقوف من غير قتال، هو الذي فيه الكلام، والذي ذكره الأصحاب في تقسيم حال الأجير، حيث قالوا: "إن لم يقاتل، لم يستحق السهم".
أرادوا إذا وقف في المعركة، ولم يتعاط قتالاً، فخرج من ذلك أن الوقوف قتالٌ في حق من جرّد قصدَه، وليس هو قتالاً في حق الأجير على موجب هذه الطريقة، وسنذكر ترتيباً يخالف ذلك في آخر الفصل، إن شاء الله تعالى.
وإن تعاطى القتال، ففيه الأقوال، كما قدمناه.
7758 - ولو حضر البقعة تاجراً، فالذي ذكره بعض الأصحاب في الترتيب أنه إن قاتل، استحق السهم، وإن وقف في الصف ولم يقاتل، ففي استحقاق السهم قولان، والتجارة أضعف من الإجارة؛ فإنها ليست من الأشغال الشاغلة، ويتأتى الجمع بينها [وبين غيرها من الأشغال، وأيضاً؛ فإن التاجر لا يُستَحقُّ عليه] 1 عملٌ سوى القتال بسبب اشتغاله بالتجارة، وإبرامه عزمه عليها، والأجير كالعبد؛ من جهة أنه مستحَقُّ المنفعة، فاقتضى هذا الافتراقُ قلبَ الترتيب وإجراءه على مقتضى ما ذكرناه في الأجير، فإنا قلنا: إن الأجير إن لم يقاتل، لم يستحق السهم، وإن قاتل، ففي استحقاقه الخلاف المقدم، ونقول في التاجر: إن قاتل استحق، وإن وقف ولم يقاتل، ففي المسألة قولان.
7759 - ولو كان في أيدي الكفار أسير من المسلمين، فأفلت ذلك الأسير من ربطهم وتحيز إلينا، فالذي أجراه الأصحاب أنه إن قاتل، استحق السهم، وإن وقف في صف المسلمين، ولم يقاتل، ففي المسألة قولان، على الترتيب الذي ذكرناه في التاجر، ووجه التشبيه أنه يليق بحال الأسير إذا أفلت أن يقصد مقاتلة الكفار، والاشتفاء منهم، وليس يتحقق فيه ما ذكرناه في الأجير من كونه مستغرق المنفعة مستحَق العمل، فرأى الأصحاب تشبيه الأسير بالتاجر في الترتيب.
7760 - ومما ذكره الأصحاب أن الإمام إذا استأجر من سهم المصالح أجيراً للقتال،
فقد أطلق الأصحاب أن ذلك جائز، ثم قالوا: إذا [حضر وقاتل] 1، فهل يستحق السهمَ؟ فعلى طريقين: من أصحابنا من قطع بأنه لا يستحق السهم، لأن عينَ قتاله مقابلٌ بالأجرة، فيستحيل أن يقابله استحقاقُ السهم، وليس كالمستأجَر على الخدمة والسياسة 2؛ فإنه [إن] 3 قاتَل، فليس [قتالُه مقابلاً] 4 بالأجرة قصداً.
ومن أصحابنا من جعل المستأجَر على القتال بمثابة المستأجر على الخدمة والسياسة، وجعل المسألة في استحقاق السهم على الأقوال التي ذكرناها.
ويخرج من هذا الترتيب أن سبب المستأجر على القتال أقوى من سبب المستأجر على [غير] 5 القتال من الأعمال، والاستئجار على الأعمال أقوى من التجارة، وإفلات الأسير.
فهذا ترتيب جماهير الأصحاب.
7761 - فإن [اعترض] 6 على الفقيه إشكال في استئجار الإمام طائفةً على الجهاد، فلا ينبغي أن يستبعد ذلك على شرط الضبط بالمدّة، فإن فروض الكفايات يجوز الاستئجار على معظمها، كحمل الجنائز [وحفر] 7 القبور، وما في معناها، [وسنجمع] 8 في ذلك قولاً ضابطاً في أول كتاب الصداق، إن شاء الله عز وجل.
والذي يجب الاعتناء به في تصوير الإجارة إعلام العمل، وهذا [قد] 9 يغمض مع ذكر المدّة؛ لأنّ غوائل القتال وما تمس الحاجة إليه لا ينضبط.
هذا فيه بعض
النظر، ويمكن فرض بذل العوض 1 في معرض الجعالة، حتى تكون المعاملة أقبل للجهالة، فهذا مجموع ما أبهمه الأصحاب وأرسلوه من المسائل، مع مزيد شرح في التنبيه على المراتب.
7762 - وذكر الشيخ أبو بكر في خاتمة هذا الفصل ما يشفي الغليل، وقال: كل مسألة قلنا فيها: إن لم يقاتل، لم يستحق السهمَ، وإن قاتل، فعلى أقوال، فمن أصحابنا من قال: إذا قلنا: يستحق المقاتل، ففي الواقف قولان.
وكل مسألة قلنا فيها: إن قاتل، استحق، وإن وقف، فعلى خلاف، فمن أصحابنا من قال فيها: وإن قاتل فهل يستحق السهم؟ فعلى قولين.
فيخرج من مجموع كلام الأصحاب في الإجارة والتجارة وإفلات الأسير واستئجار الإمام على عين القتال أقوال: أحدها - أن هؤلاء يستحقون إذا وقفوا وشهدوا المعركة وإن لم يقاتلوا.
والثاني - أنهم لا يستحقون السهم وإن قاتلوا.
والثالث - أنهم يستحقون السهم إن قاتلوا، ولا يستحقون بالوقوف المجرد.
والرابع - أن 2 التاجر يستحق والأجير لا يستحق.
والخامس - أنه يفصل بين أن يُسقط الأجرة أو لا يُسقطها، كما تفصل.
[وينشأ] 3 قولٌ آخر [من] 4 الفرق بين المستأجر على القتال وبين المستأجر لشغل آخر، وهذا كما أشرنا إليه في الترتيب المشهور من قوة بعض الأسباب وضعف بعضها.
وإذا رأينا في الأجير أن يُسقط الأجرة، فلا شيء في حق التاجر يُسقطه، وقد ينقدح على بُعد أن يُشترط تصميمه على العزم على ترك التجارة، وهذا ضعيفٌ، لا اتجاه له.
قال الشيخ أبو بكر: كأن الأقوالَ في هذه [المسائل] 1 ناشئة 2 من الخلاف في أن [القصد] 3 والنية هل تعتبر في الجهاد؟ ففيه خلاف: من أصحابنا من لا يعتبر القصدَ في الجهاد، وعلى هذا لا يبعد أن يسهم لهؤلاء، قاتلوا أو وقفوا ولم يقاتلوا.
ومن أصحابنا من اعتبر القصدَ في الجهاد، فعلى هذا تنفصل الأقوال كما تقدم ذكرها.
فهذا مجموع القول في هذه المسائل تأصيلاً وتفصيلاً.
ثم حيث قلنا: (4 إنه يستحق السهم، فلا كلام، وحيث قلنا 4): لا يستحق السهم، فهل يستحق الرضخ، فعلى وجهين حكاهما الشيخ أبو علي والعراقيون، أنه يستحق الرضخ، ولا ينحط [عن] 5 الأطفال والمرضى في حكم المغنم، وهذا ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: لا يستحق الرضخ، فإن المعنى الذي أسقط السهم يتضمن إسقاط حقه بالكلية من المغنم، وهذا وإن كان له وجه، فالمذهب ما تقدم من استحقاق الرضخ.
فرع:
7763 - إذا استأجر واحدٌ من المسلمين غازياً حتى يجاهد عنه، فالاستئجار باطل؛ فإن الجهاد مما لا يجري النيابة فيه، فلو اندفع 6 المستأجر على الغزو، ووفّى ما شرط عليه من العمل، فلا شك أنه لا يستحق الأجرة، فإن العمل لم يقع عن المستأجِر، وهل يستحق السهم؟ فعلى قولين ذكرهما الأصحاب، وقربوهما من القولين في أن المستأجَر على الحج إذا نوى [الحج عن] 7 مستأجِره، وكان الأجير4
صرورةً، فالحج يقع عن الأجير، وفي نفي استحقاق الأجرة اتفاقٌ بين الأصحاب، فلا أجرة، ولو صح الاستئجار على الحج، فأحرم الأجير عن مستأجِره على الصحة، ثم صرف الحجةَ إلى نفسه ظاناً أنها تنصرف إليه، وقضى المناسك على هذا القصد، ففي استحقاق الأجرة قولان، فجعل الأصحاب استحقاق السهم مع فساد الإجارة على خلافٍ، ولا شك أن هذا التردد يترتب على أن الإجارة على الجهاد، ولو صحت [من] 1 الإمام، فهل يستحق المجاهد السهمَ مع استحقاق الأجرة؟ وفيه الخلاف المقدم.
فإن قلنا: إنه يستحق الأجرة والسهمَ، فإن لم يستحق الأجرة لفساد الإجارة، فلأن يستحق السهم أولى، وإن قلنا: المستأجر على الصحة إذا استحق الأجرة لا يستحق السهم، فالمستأجر على الفساد إذا لم يستحق الأجرة، فهل يستحق السهم؟ وفيه الخلاف الذي ذكرناه.
والمذهب أنه يستحق.
7764 - ومما يتعلق بأطراف الكلام في ذلك أن الواحد من المسلمين إذا استأجر من يغزو، ولم يقصد وقوع الغزو عنه، وإنما قصد إقامة هذا الشعار وتحصيلَ هذا الخير وصرف عائدته إلى الإسلام، ففي جواز الاستئجار من آحاد المسلمين وجهان 2 مبنيان على جواز الاستئجار على الأذان من آحاد المسلمين، وكل ذلك يأتي مستقصىً، إن شاء الله عز وجل - في أول الصداق.
فرع:
7765 - قال صاحب التلخيص: إذا كان في أيدي الكفار أسير من المسلمين، فلما قاتلناهم، وانكشف القتال وانحازت كل فئة، قال: "فلو أفلت أسيرٌ بعد ذلك، فهل يستحق السهمَ؟ فعلى قولين" 3. فصوّر إفلات الأسير بعد انقضاء القتال، وهذا مأخوذ عليه عند جماهير الأصحاب؛ فإن التردد فيه إذا أفلت
والحرب قائمة، فأما إذا أفلت وقد أحرز المسلمون المغانم 1 فتخيل الخلاف في استحقاق السهم بعد ذلك بعيدٌ.
ثم إن تكلفنا وجهاً لما قاله صاحب التلخيص، فلعل السبيل فيه أن يفرض الأسير في الصف، وهو في أيدي الكفار، وينتهز منهم الغرة، فلعل صاحب التلخيص جعل كونه في الصف -إذا أفلت في العاقبة- وقوفَ قتالٍ، وهذا على بعده يُحْوج إلى فرض كونه مطلقاً غيرَ مربوط، ويحوج أيضاً إلى تصوير اتصاله بنا على قرب من انجلاء القتال، فلو بعد وتخلل اليوم أو أكثر، فلا يجوز تقدير الخلاف فيه.
والوجه القطع بتخطئة صاحب التلخيص؛ فإن السير لا غَناء فيه، ولا وقْع لوقوفه.
7766 - ولو أسلم واحدٌ من الكفار، واتصل بنا قبل انجلاء القتال، فسبيله كسبيل الغزاة، [حتى] 2 يستحق السهم بالوقوف وإن لم يقاتل، فإنه يغلب على حاله وقد ترك دينه قصدَ الذبّ عن دين الله تعالى وليس كالأسير منا [يفلت؛ فإنه] 3 يغلب عليه قصد الفوز والنجاة، وهذا يضعف قصده في القتال، والله أعلم 4.
فصل 1
قال: "ولو جاءهم مدد قبل انقضاء الحرب ... إلى آخره" 2.
7767 - إذا قاتل المسلمون وأحرزوا غنائم، وانجلى القتال، وانكشف الأعداء، ثم لحق بعد ذلك مددٌ لجند الإسلام، فمذهبنا أن المدد اللاحق بعد انجلاء القتال لا يشارك الجندَ فيما أحرزوه من المغانم.
وقال أبو حنيفة 3: "إن لحقوا والجند بعدُ في دار الحرب يشتركون في المغنم، ولو تعلق جند الإسلام بدار الإسلام، ثم لحقهم مددٌ؛ فإنهم لا يشركونهم".
فعندنا التعويل على الإحراز، ولا التفات إلى الدار.
وهذا الفصل يتطرق إليه ضربٌ من الانتشار المحوج إلى الضبط، فالوجه نقل ما ذكره الأصحاب، ثم الاعتناء بتمهيد الأصل ورعاية الضبط، فنقول:
ما يحصل في [يد] 4 الجند المجتمع من المغانم مشترك بينهم، لا يختصّ آخذ الأموال بها، وفيه سببان: أحدهما - أن ما يأخذه الآخذون إنما يقرون على أخذه لقتال المقاتلين، أو لوقوف المصطفِّين، فالأَخْذ وإن حصل من بعضهم، فهو مضاف إلى كلهم.
والمعنى الثاني - أنا لو خصصنا الأموال بآخذها، لكان ذلك خرماً لسبيل السياسة، فكأن الأموال على حالةٍ مطلوبُ الخلق، فإذا حصل العلم لرجال القتال بأن المال لآخذه، لابتدروا الأموال، وتركوا القتال، ثم قد يكون ذلك سبباً لظفرة الكفار، [ومن أدنى آثار] 5 ركوبهم علينا أن يستردوا ما أخذناه، وربما يضعون السيف في
المسلمين، فاقتضت مصلحة القتال أن تكون الأموال فوضى 1.
وإذا نفذت طليعة من [كُثر] 2 الجند على الرسم المعتاد فيه، فإن أفادت هذه السرية المتقدمة شيئاً، لم يختصّوا به، بل يشركهم الجند فيه، إذا كانوا بحيث لا يتعدَّوْا الغوث منهم، وكذلك الجند إذا غنموا، فالسرية تشترك فيما أخذه الجند، والسبب فيه أن الغوث إذا كان لا يبعد، فالسرية المتقدمة مع كُثر الجند كالميمنة مع القلب، وهذا بيّن.
ولو نفذت سريتان من الجند، فأخذت كل واحدة صوباً، فهما من [كثر] 3 الجند على بُعد، لا يبعد معه الغوث، فكل سرية [تشرك] 4 الجندَ، والجند يَشْرك كلَّ واحدة من السريتين.
وهل تشرك إحدى السريتين الأخرى فيما أصابته؟ على وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنها تشرك الأخرى؛ فإنهما صادرتان عن جندٍ واحد والجمع بجملتهم متناصرون.
وهذا هو القياس الذي قطع به المراوزة.
والوجه الثاني - أن إحدى [السريتين] 5 لا تشرك الأخرى؛ فإنها ليست متهيئة لنصر الأخرى، وإنما تستنصر كل فئة بنصر الجند إذا مست الحاجة إلى النصرة، وهذا ضعيف.
والوجه الأول هو المذهب.
7768 - ووراء ما أرسله الأصحاب نظرٌ من وجهين: أحدهما - يشتمل على القول في تقريبٍ يصار إليه في معنى لحوق الغوث وتعذره، والفقيه قد يكتفي في مثل هذا بالرجوع إلى أهل الأمر، والتعويل على خبر ذوي الخبرة، وقد يختلف ذلك بتوعر
الطرق [وسهولتها] 1، ويختلف بعزة الماء [ووجوده] 2، إلى غير ذلك مما يقطع على المسافرين، ومما يقرب مسيرهم، ويسهل وصولهم، وهذا لا [بأس] 3 به على ما فيه من الإبهام، والمعتمد فيه أن السرايا وكُثر الجند إذا كانوا في مواقع يتأتى منهم التناصر والتظافر [كانوا] 4 بمثابة الجند الواحد في المعترك الواحد، وإذا تقاذفوا وتبادَوْا 5، وكان لا يتأتى من فريق منهم الاستنجاد، وكل [فرقة] 6 مستقلة بقوتها، راكبة إلى منتهى [يقطعها] 7 عن الطوائف الأخرى، فيثبت لكل فريق حكم الاستقلال.
ثم الذي يمكن ضبطه في ذلك أن تكون المسافة بحيث يتأتى الانتشار في مثلها مع مكالحة 8 العدو.
ولا يشترط أن يلحق الغوث في الحال، فإن ذلك لو فرض، لكانوا [معاً] 9 على صعيد واحد، ولكن إذا كان المستنجدون بحيث لو اشتغلوا بمطاردة العدو، وأرسلوا المستنجِدَ، للحقهم الغوث قبل أن [يُصطلموا] 10، فهذا هو المعنيُّ بالغوث.
وفيه دقيقة لا تخفى على أهل الحرب، هو أنه إذا كان بين يدي الجند، وبين السرية المبتعثة مسافة الغوث، كان الأعداء مرعوبين مذعورين بإمكان المدد، وذلك يفل من [عزمهم] 11، فيقع التواصل ناجزاً بهذا، والخوف على التقريب الذي ذكرناه.
وذهب بعض الأصحاب إلى مسلك آخر، عليه يدل كلام شيخنا أبي بكر، وها أنا واصفه، قال: إذا تجرر عسكر من صوب، وكانوا ينحون 1 وطراً، فرأى من يسوسهم أن يفرق سرايا في جهاتٍ حتى [يشتمل على] 2 أطراف القطر المأموم 3، ويكون مددهم سببَ تبدد جمهور الأعداء، وقد يروْن محاصرة قلاع على الممرّ وحفظ مراصد، ثم ينأَوْن ويبعدون، بحيث لا يلحقهم معه المدد لو تحامل عليهم العدو، ولكن صاحب الراية يفعل ذلك على وجهٍ يبعد معه تحامل جيش جرار على سرية، فإنهم يأتون من الجوانب، والراية تخفق على كُثر العسكر، [وهذا الضرب من الرأي] 4 يعصم السرايا من أن يُقصَدوا، والغرض قُطر واحد بنواحيه، فلا تعويل على الغوث، والحالة على ما وصفناها، فإذا فرض والحالة هذه إصابة مغانم من السرايا، ردّوها على الجند، وإذا أصاب الجند شيئاً [شرّكوا] 5 فيه السرايا؛ [فإنّ] 6 صَدَرَ 7 الجميع عن رأيٍ واحد، والغرض في التحقيق غزاةٌ [واحدة] 8. هذا مسلك اختاره المحققون.
7769 - وقال الشيخ أبو بكر: لو كان الإمام الذي منه الصدَرُ والوالي في بلدة، فسيّرا سرايا في جهاتٍ، فأصابوا مغانم، [ومعظم الجند هؤلاء مع صاحب الراية في البلدة] 9، فمن فيها لا يشركون السرايا فيما أصابها 10، وإن كانت مواقعهم في القتال غيرَ بعيدة عن غوث صاحب الراية في البلدة، واحتج هؤلاء بخبرين: أحدهما -
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة حنين، فبعث سرية إلى أَوْطاس ثم أشركهم [فيما] 1 أصاب بأوطاس، وبين حُنين وبين أَوْطاس مسيرة ليالٍ" 2، "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارّاً بالمدينة، والسرايا تبتعث في الجهات، ويختصون بما يغنمون لا يُشرِكون المقيمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يصيبون، قربت المسافة أو بعدت" 3.
فتحصّل مما قاله الأصحاب مسلكان مختلفان: أحدهما - النظر إلى إمكان لحوق الغوث على النفير الذي ذكرناه، ومعتمد هؤلاء وقوعُ الجند -وإن تفرقوا- موقع الجند الواحد المتناصر، وإن كانوا كذلك، اشتركوا اشتراك الجند الواحد.
وإن كانوا لا يتناصرون، فكلٌّ مستقل بقوته.
وكل هؤلاء يقولون في حديث حنين: كان تجهّزه صلى الله عليه وسلم في صوب حنين.
والخبر محمول على ذلك؛ فإن الحصار لم يقع قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حنين، وهؤلاء يقولون أيضاً: السرايا المنبعثة كانت [بمنأى] 4 عن غوث المقيمين بالمدينة، ويقولون: لو فرض وقوع
سرية بحيث يلحقهم غوث الجند المقيمين، فما يصيبونه [يشترك] 1 فيه المقيمون، ثم هؤلاء يسلمون أن هذا في الجند المتأهبين للخروج إذا بلغهم هائعة ومن عداهم، وإن قربوا إذا لم يكونوا متأهبين، فلا غوث منهم، وإن اشتغلوا بالتأهب يفوت الأمر وينزل بُعْد ذلك عن الحصول منزلة بعد المسافة هذا مسلك.
والمسلك الثاني - أن يشمّر قوم لصوب، ويبتُّوا أمرهم على ناحية، كما قدمنا وصفه، فالصادرون عن رأي واحد في حكم المتناصرين وإن كانوا لا يتناصرون، وعلى هذا الجندُ المقيمون في البلد ما بنَوْا أمرَهم على التشمر لأمدٍ يشاركهم السرايا فيه.
هذا منتهى كلام الأصحاب صريحاً وضمناً.
7770 - وتمام البيان أن المدد إذا وقعوا في 2 الجند في المعترك موقعاً لو شعر الجند بهم، لاستنجدوا بهم، ولكنهم لم يشعروا، ثم انجلى القتال، ثم لحقهم المدد، فالذي رأيت الأصحاب متفقين عليه أن المدد لا [يشركون] 3 الجند، وهذا يعتضد [بمسلك] 4 من لا يعتمد التناصر، ويعوّل على الصدَر 5 عن رأيٍ واحد؛ فإنه ليس بين الجند والمدد رأي جامع.
ومن يعتمد التناصر ينفصل عن هذا، ويقول: عدم شعور الجند بمكان المدد يحجزهم عن الاستمداد والاستنجاد، فكان ذلك بمثابة عسر الاستمداد.
وقد نجز الغرض، وضممنا فيه النشر جهدنا.
7771 - وفي بعض المصنفات وجه محكي عن القفال، أخّرته حتى لا يوثق به ولا يعدَّ من المذهب: حكى صاحب التقريب: أن القفال كان يقول: إذا انبعثت السرايا والجند بعدُ في دار الإسلام، لم يشركوا، وهذا غلط صريح، ولم ينقل أحد
من أصحاب القفال هذا عنه، فإنّ التعويل على الدار لا يوافق مذهب الشافعي بوجهٍ؛ فإنّ معوّل الشافعي على المعاني لا على الديار.
7772 - ولو لحق المدد والحرب بعدُ قائم، نُظر: فإن لم يحرز الجند المغنم حتى لحق المدد، فما يقع آخراً [ ... ] 1 بعد لحوقهم مشترك.
وإن كانوا أحرزوا مغانمهم، والحرب بعدُ [ناشبة] 2 والقوم مطاردون، فهل يُشرِك الجندُ المددَ فيما أثبتوا أيديهم عليه؟ فعلى قولين: أحدهما - أنهم لا يشركونهم؛ فإنهم لحقوا بعد إثباتهم الأيدي عليها، فأشبه ما لو لحقوا بعد انجلاء الحرب ..
والقول الثاني -وهو الأصح- إنهم يشركونهم؛ فإنّ تلك الأيدي لا [حكم] 3 لها، وهي مع قيام المطاردة ضعيفة، بل هي عرضة للاستدراج لو كان للكفار عَكْرَةٌ 4 على المسلمين.
7773 - ويتصل بهذا القولُ في القسمة، فنقول: إذا انكشف القتال، وتحاجز الفئتان، فقسمة الغنيمة جائزة، وإن كانت في دار الحرب، قال الشافعي: لو قلت: القسمة في دار الحرب أولى 5، لم أكن مبعداً؛ فإن ذلك أنفى للغُلول وأنقى للقلوب.
وإذا تبدّد المغنم، خف محمله.
7774 - ولو ثبتت الأيدي صورةً على مغانمَ والحربُ بعدُ قائمة، والمطاردة
دائمة، فلو اقتسموها، فالذي رأيت للأصحاب أن القسمة مردودة.
ولست أبعد تخريج صحتها على القولين في أن المدد اللاحق هل يشترك في هذه الأعيان الواقعة في أيدي الجند قبل لحوق المدد، وهذا لا بد من تخريجه على ذلك.
والله أعلم.
باب تفريق الخُمس
7775 - قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] قد قدمنا في صدر الكتاب أن الغنيمة مخموسة، وكذلك الفيء، ومقصود هذا الباب المعقود إيضاح مصارف خُمس الغنيمة وخُمس الفيء.
وقاعدة المذهب أنّ خمس الفيء وخمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم متساوية، سهم منها للمصالح العامة، وهو السهم الذي يُرصد للمصالح، وكان مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، فلما استأثر الله تعالى به صرف سهمه إلى المصالح.
وسهمٌ لذوي القُربى، وسهمٌ لليتامى، وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل.
وما ذكرناه تراجم، ونحن نذكر الآن الشرح والتفصيل.
7776 - فأول ما نذكر أن الشيخ أبا علي حكى في الشرح قولاً غريباً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انقلب إلى رحمة الله تعالى ورضوانه، ارتفع سهمه، وعادت مصارف الخُمس إلى أربعة أسهم: أحدها - لذوي القربى 1.
والثاني - لليتامى، والثالث - لأبناء السبيل، والرابع - للمساكين.
وهذا قول غريب لم أره إلا في طريق شيخنا أبي علي.
وذهب بعض العلماء إلى أن السهم الذي كان مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مصروف إلى خليفة الزمان؛ فإنه وزرُ المسلمين، [وهو] 2 الذي يقرب إلى القيام مقام المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم تصح عندي نسبة هذا إلى أحد من أصحابنا.
وفي بعض الطرق صيغةٌ مختلّة بهذا المعنى؛ فإنّ صاحب الطريقة قال: [ظاهر] 1 المذهب أن السهم الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصرف إلى خليفة الزمان، ثم ذكر مذهب السلف 2. وقوله ظاهر المذهب يشعر بخلافه، ولكنه إيهامٌ لا حاصل وراءه، فلا أصل لهذا الرمز، ولا للقول الغريب الذي حكاه الشيخ، ولا عوْد 3 إليهما.
وهذا قولنا في السهم الذي يعزى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
7777 - فأما سهم ذوي القربى، فإنه مصروف إلى بني هاشم، وبني المطلب.
ونعني الذي يكون من صلب بني هاشم وبني المطلب، وهم الذين ينتمون إلى هؤلاء بالآباء لا بالأمهات، فمن كانت أمه هاشمية ولم يكن أبوه هاشمياً، فليس من بني هاشم، وإنما الانتساب إلى الآباء وانتمائهم إلى الأجداد القديمة.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم من [صلبة] 4 بني هاشم، وبنو المطلب يقعون منه موقع بني عبد شمس [وبني] 5 نوفل.
ثم خصص رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المطلب، ولم يعط غيرهم، وقد قيل: إن عثمان 6 بن عفان جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبشمياً.
فقال: يا رسول الله إنا لا ننكر فضل بني هاشم لمكانك منهم، ولكن قرابتنا وقرابة بني المطلب واحدة، وقد أعطيتهم وحرمتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ بني المطلب لم يفارقونا في
جاهلية ولا إسلام، وشبك بين أصابعه" 1. فأبان أن سبب اختصاصهم دون الذين هم في درجتهم من القرابة، ما كان منهم من موافقة بني هاشم في الجاهلية والإسلام وهؤلاء هم الذين حرموا الصدقة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم سهمهم من خمس الغنيمة والفيء، ويقول: "إنّ الله قد أغناكم عن أوساخ أموال الناس بما أعطاكم" 2.
ثم أجمع أئمتنا في الطرق أنهم يستحقون سهمهم، كانوا أغنياء أم فقراء، وهذا كما أن استحقاق الورثة للميراث لا يتخصص بالفقراء المحاويج، بل يستوي في استحقاقه الغني والمحتاج، كذلك هذا.
وكذلك أجمع الأصحاب على أن سهمهم مصروف إليهم على التفاوت بين الذكر والأنثى، فللذكر سهمان وللأنثى سهم، وهذا محتوم؛ فإن سبيله سبيل الميراث، وهذا السهم مصروف إليهم صرف التركة أو صرف باقيها 3 إلى الذكور والإناث من العصبة.
ولا يجوز تفضيل البعض إلا من جهة الذكورة والأنوثة كما نبهنا عليه، فأما التفضيل بسائر الفضائل والمناقب، فلا سبيل إليه.
فإن قيل: صح أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أعطى بعضهم مائة وسق وبعضهم أقل، وفاضل بينهم 1. قلنا: كان السبب أن بعضهم كان ذا أولاد بخلاف البعض، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه ونصيب أولاده 2.
هذا قولنا في سهم ذوي القربى، وإن كان ذلك يقتضي التوريث بالعصوبة، فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي سهم ذوي القربى الأجداد والأحفاد، فلا مزيد على ما صح النقل فيه.
7778 - فأما اليتامى، فهم يتامى المسلمين الذين لا آباء لهم، وأما المستحقون ما كانوا أطفالاً، إذ لا يُتْمَ بعد البلوغ.
ولا نفضّل في هذا الصنف ذكراً على أنثى.
واختلف أصحابنا في أنّا هل نشترط فقرهم؟ فمنهم من لم يشترط، وجعل الأيتام من المسلمين مستحقين لهذا السهم من الخمس، وإن كانوا أغنياء.
ومن أئمتنا من قال: إنهم يستحقون إذا احتاجوا، ولا يستخقون إذا استغنَوْا 3. وهذا القائل يزعم أن اليتم
يشعر بعدم الكافل، وإنما لسهم هذا لحاجة ناجزة.
ثم الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب اشتراك كافة يتامى المسلمين في الاستحقاق.
وانفرد القفال بأن قال: المراد يتامى المرتزقة 1 دون غيرهم، وهذا [ .... ] 2 ولم يُساعَد عليه.
7779 - وأما المساكين، فلا حاجة إلى وصفهم، وهم المساكين المذكورون في آية الصدقات، كما يأتي الكلام فيها، إن شاء الله تعالى.
7780 - وأما أبناء السبيل، فهم المسافرون، وسيأتي وصفهم في الصدقات، إن شاء الله تعالى.
وقد ذهب جماهير الأصحاب إلى [أنه] 3 تُشترط فيهم [الحاجة.
وحكى بعضهم] 4 وجهاً عن بعض الأصحاب أنا نصرف هذا السهم إلى كل من يَهُمّ بسفر، وإن لم تكن حاجة ماسة.
وهذا غريب جداً لا تعويل عليه.
والمعتبر عندنا في الباب أن كل من سمي في البابين 5، فلا يختلف وصفه فيهما، ومن جملة ذلك أبناء السبيل.
فأما الذين لا ذكر لهم في آية الصدقات، فأصحاب القرابة منهم، ولا تشترط
حاجتهم.
والمعتمد في ذلك الأخبار؛ فإنه صح في الأخبار "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي سهم القرابة للأغنياء كما كان يعطي الفقراء منهم" 1. فأما اليتامى، فلا ذكر لهم في الصدقات، وليس معنا فيهم ثبت من جهة الخبر، واسمهم مشير إلى الحاجة.
7781 - ومما يتعلق بمقصود الباب أن الذي دل عليه النص وصار إليه جمهور الأصحاب أنه يجب على الإمام أن يوصّل كل سهم من هذه السهام إلى جميع المستحقين في خِطة الإسلام، لا يغادر منهم أحداً، وذلك مما يتمكن الإمام منه بأن [ينصب] 2 في [كل] 3 قُطر أميناً موثوقاً ذا خبرة ويأمره بضبط أعداد المستحقين، واتخاذ جرائد وسجلات تحوي أنساب ذوي القربى، ويضبط اليتامى وغيرَهم من مستحقي السهام.
وإذا صدَرَ أمورُ الخِطة عن رأي واحد واتّسقت الطاعة وأمكنت الاستطاعة، فهذا هيّن.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أن الإمام لا يلزمه ذلك، ولكنه يأمر حتى يُصرف ما يتّفق من خمس الغنيمة في كل قطر إلى المستحقين من أهل ذلك القطر، حتى لا يحتاج إلى [جمع الجميع] 4 نقلاً 5، ثم يلزمه [تفريقها] 6 بعد جمعها.
وهذا الذي ذكروه فيه إبهام.
ونحن نقول إن عنى أبو إسحاق بهذا أن يكل الإمام أهل كل قطر إلى ما يتّفق في
ذلك القطر من فيء أو مغنم حتى إن لم يكن، فلا شيء لهم -وربما [تمرّ] 1 السنون على أهل كل قطر ولا يُصيبون فيه فيئاً ولا مغنماً، ومساق هذا يقتضي لا محالة أن يُحرم قومٌ ويعطَى قوم- فإن أراد هذا، فهو مخالفُ لما عليه معظم الأصحاب والنصِّ.
وإن أراد بذلك أن للإمام ألا ينقل الأخماس من الأقطار ويُقرَّ في كل قطر المقدارَ الذي يليق بأهل ذلك القطر، فهذا قريب لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، على ما شرط أنه إن خلا قطرٌ، لم يُحرم أهله، ويبعث إليهم حظهم من حيث يستصوب.
7782 - فإن قيل: أليس من يؤدي الزكاة لو أراد أن يقتصر من كل صنف على ثلاثة، كان له ذلك؟ قلنا: نعم، ولكن آحاد الناس لو تكفلوا فضّ [صدقاتهم] 2 على المستحقين في خِطة الإسلام، وما في أيديهم يقلّ على سبيل الانبساط على كافة المستحقين [ويتعذر عليهم] 3 الإمكان لو أرادوه، ولا يقبل كلُّ مقدار بسطاً، فحسمنا هذا الباب.
أما الإمام، فإنه ينظر لأهل الإسلام نظر الشخص الواحد [لذويه] 4 المعدودين، حتى لو ضاع واحدٌ، [تداعى] 5 ذلك إلى انتسابه إلى التقصير في الضبط، فإذا كان يجب عليه أن يرعى آحادهم، فسبيل رعايتهم أن يبسط كل سهم على جميع مستحقيه، إذا كان يقبل الانبساط عليهم، ولو جُمع الزكوات عند الإمام، تعيّن عليه أن يرعى في الزكاة ما يرعاه في خمس الفيء والغنيمة.
ولكن يعترض في الزكاة قول منع النقل؛ فإن كان الإمام يرى النقل، فإنه يلتزم في جميع الزكوات إيصالها إلى المستحقين في الخِطة.
فإن قال قائل: هلا خُرّج في خمس الفيء والغنيمة قولٌ في منع النقل، كما خرج
في الصدقات؟ قلنا: لا يمتنع أن يخرج، ولم يتعرض لذلك الأصحاب بالنفي والإثبات.
فإن قيل: أليس حمل الشافعي قول معاذ لأهل اليمن -"إئتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين والأنصار بالمدينة" 1 - على الفيء؟ وهذا دليل من نصه على أن الفيء يُنقل.
قلنا: لا يمتنع حمله على أربعة أخماس الفيء، فإنها مُرصدة للمرتزقة والجند المعقود بالمدينة، وإنما كلامنا في مصارف الخمس.
وهذا منتهى المراد في ذلك.
7783 - ومن تمامه أنا [إن] 2 أوجبنا البسط على الكافة، فإن لم يكن الفقر مشروطاً فيهم، فيجب الفضّ على كافتهم بحيث يستوي الذكور في أقساطهم، وتستوي الإناث في حصصهم، وقد تقدم أن الأصل في الباب على تضعيف حق الذكور كما تقدم.
وإن شرطنا الحاجة في مستحقي بعض السهام، فلا يمكن التسوية بينهم، [ولا] 3 يتجاوز [سداد] 4 الحاجة، ويجعل الحاجات معتبره ومرجوعَه.
وإن كان المقدار الحاصل بحيث لا تنتهي حصة واحد منهم إلى مقدار سدّ الحاجة، أفيسوي الإمام أم يعطي على قدر الحاجات؟ فإن الأشخاص وإن كانوا هم المستحقين، [فالجهة التي اقتضت الصرفَ الحاجةُ، فكان للإمام أن يرعى الكثرة في أشخاصٍ] 1 بالإضافة إلى من قلّت حاجته.
وإن وقع بيد الإمام مقدارٌ [لو بسطه] 2 على أهل الخِطة [لما] 3 تُصوِّر أن ينبسط لقلّته [وكثرةِ] 4 المستحقين، فإذا تُصوّر الأمر كذلك، فالأمر مفوّض إلى اجتهاده، ثم سبيل اجتهاده أن يقدِّم بما معه الأحوج فالأحوج، وإن كانت الحاجة غير مرعية في مستحقي ذلك السهم.
لا وجه غير ذلك؛ فإن التأخير على الجملة ممتنع والفضّ على الكافة غير ممكن، والتحكم لا سبيل إليه، فلا وجه إلا ما ذكرناه.
7784 - ومما ذكره الأئمة في هذا الباب أنه إذا جاء إلى الإمام إنسان، وادعى أنه من ذوي القربى، لم يعطه بدعواه حتى يثبته، فإن كان [نسبه مستفيضاً] 5، اكتفي به، وإلا ألزمه إثباته بالبينة، [إن] 6 أراد طلبَ حقه من ذلك السهم.
وكذلك لو ذكر أنه يتيم، فلا سبيل إلى اعتماد قوله؛ فإن اليتيم لا بد وأن يكون طفلاً، وقول الطفل غير مقبول، فعلى الوالي أن يبحث عن ذلك بطريق البحث عنه، ثم إذا استبان صغره، فلا بد وأن يتحقق عنده موت أبيه.
فأما من جاء يطلب من سهم المساكين، وذكر أنه مسكين، فلا نكلفه إقامة البينة على مسكنته، وإن كانت البينة تقام على الإعسار، ولكن نكتفي بقوله، وسيأتي شرح [ذلك] 1 وأنه هل يحلّف إذا اتُهم - في موضعه من قسم الصدقات، إن شاء الله عز وجل.
...
باب تفريق أربعة أخماس الفيء
قال: "وينبغي للإمام أن يُحصي جميع من في البلدان ... إلى آخره" 1.
7785 - مقصود الباب الكلام في أربعة أخماس الفيء، وقد قدمنا في أول الكتاب اختلاف الأقوال في أربعة أخماس الفيء، وذكرنا أن القول الأشهر أنها مصروفة إلى المرتزقة، وهم الجند المرتبون المشمرون للإجابة مهما دعوا، وللجهاد مهما ندبوا، وهم شوكة الإسلام ونجدة الملّة، ولقبهم الخاص بين الفقهاء المرتزقة، والمراد أنهم بنَوْا أمرهم على الترصد للذب عن دين الله تعالى، وطلب الرزق من مال الله.
والمطوِّعة هم الذين ينهضون للغزو من غير أن يكونوا مدوّنين عند السلطان.
7786 - وأول ما نذكره في صدر الباب أن الإمام إذا كان يصرف إلى المرتزقة حقوقهم من الفيء، فينبغي أن يعرف أقدار حاجاتهم، ويضبط عيال كل واحد منهم، والذين يتصلون به ممن يمونهم، حتى إذا ثبت عنده مبالغ الحاجات، فيعطي كل واحد منهم على قدر حاجته وعياله، ثم يجرّد نظره في آخر كل نوبة؛ فإن الأحوال في قدر الكفايات لا تجري على نسق واحد، وكذلك تختلف المبالغ والأقدار باختلاف الأسعار، فليكن الجميع على ذُكْره لتكون قسمته على بصيرة وثَبت.
ومما يرعاه منهم حاجاتهم في الأسلحة والمركوبات.
7787 - ثم إذا فَضَّ عليهم من الفيء ما يسدّ حاجتهم، فإن لم يفضل شيء، فلا كلام، وإن فضل شيء فما يصنع بذلك الفاضل؟ فعلى قولين مبنيين على أن أربعة أخماس الفيء ملك المرتزقة، [أم] 2 ليس لهم منه إلا الكفاية؟ وفيه قولان: فإن قلنا: ليس لهم إلا الكفاية، فالفضل يصرف إلى سائر وجوه المصالح، فإنا في هذا
القول لا نملِّكهم شيئاً، وإنما نكفيهم ليتفرغوا إلى الجهاد والقتال.
والقول الثاني - أن أربعة أخماس الفيء ملكُ المرتزقة، فعلى هذا إن فضل عن حاجاتهم شيء، فهو مردود عليهم.
وحاصل القول في هذا أنا وإن رأينا كفاية المرتزقة من المصالح، فإذا كُفوا المؤن؛ فقد كفى وتم الغرضُ.
وهذا القول يوجّه بأن المرتزقة لا اختصاص لهم بسببٍ يوجب لهم الملك، بخلاف الغانمين؛ فإنهم اختصوا بإثبات أيديهم على المغانم، فكفاية المرتزقة من أهم المصالح، فإذا كفوا المؤن، فقد كفى وتمّ.
فأما تمليكهم من غير صدور سببٍ منهم يقتضي الملك، فلا وجه له، فإذا ملكناهم كان السبب أنهم النجدة والعماد، وعليهم الاعتماد، ولو شغرت البلاد عن أهل الاستعداد، لهجم الكفار على الثغور، وكبسوا على المساكن والدور، فما يُظفر به من غير قتالٍ بسبب رعبٍ، فينبغي أن يستبدّ به الذين منهم الرعب، فعلى هذا تصرف الأربعة الأخماس إليهم ملكاً.
7788 - وعلى المنتهي إلى هذا الموضع أن يصرف الفكرَ إلى أمرين: أحدهما - أن المغانم تقسّم على رؤوس الرجّالة والفرسان، ولا ينظر إلى المؤن التي يلتزمها 1 كل شخص، كما ينظر إلى الكفاية في المرتزقة، والسبب فيه أن المقتضي الظاهر في الملك الاستيلاءُ وإثباتُ اليد، وهذا مما يُرجع فيه إلى القوّة الناجزة، ثم للشرع توقيفٌ في الفرسان والرَّجالة، وهو مبني على التمكن الناجز والأمر الحاضر، [وفي هذا مقنع عن النظر إلى المؤن] 2 [ولكن] 3 سبب الملك في المرتزقة الإرعاب، وذلك يخرج عن الضبط، فالتفت الشرع فيه إلى المؤن، التي يلتزمها المرتصد
للقتال، والبدار إلى هائعة الواقعة؛ إذ ليس ذلك استيلاء محققاً فيرعى.
هذا أحد ما يجب الاعتناء به.
ثم المؤن التي ذكرناها ينبغي ألا تنتهي إلى حدّ السرف واشتغال المرء بما لا يعنيه، وهذا بمثابة كفايتنا مؤن العبيد، فإن كان فيهم غناء 1، فليبلغوا ما بلغوا، وإن كانوا زمنى [ويقوم بهم] 2 مقدارٌ قريب -فقد يألف عبداً قدمت خدمته عنده- فلا 3 نَضَّايق بهذا القدر 4؛ فإن [ذلك] 5 خروج عن قانون الباب، فأما إذا كان يعتمد جمعَ الزمنى، فلا يجاب إلى كفايتهم من الفيء.
هذا أحد الأمرين اللذين رأيت الاعتناء بهما.
والثاني - أن المرتزق لو كان ذا غنىً وثروة، فلا ينظر إلى ماله، ولا نقول: هو مستقلٌّ بماله، فلا نكفيه، ولكنا نكفيه من الفيء، ونترك له ماله عتيداً، لنكون أقمنا مؤنته من مال الله تعالى، فإذ ذاك يترصد لقتال أعداء الله تعالى.
ثم إذا قمنا بالمؤن وكفايتها، وفضل فاضل من المؤن -والتفريع على قول الملك- فإنا نقسم الفاضل على الرؤوس بالسوية، فإن المؤن قد زالت بالكلية، فإنها غير معتبرة، والفيء مضاف إليهم ملكاً، ولا فرق.
فإن قيل: هلا قسمتم الفاضل على نسبة الحاجات؟ قلنا: لا سبيل إلى ذلك وقد زالت الحاجات.
فإن قيل: هلا فضّلتم في الفاضل الفارسَ من المرتزقة على الراجل كصنيعكم في
الغنيمة؟ قلنا: هذا التفاضل قد نقدّر [الفراغ] 1 منه في مقام الكفايات، إذا قمنا بسد الحاجات.
فإن قيل: هلا فضلتم البعض على البعض بالمناقب والمآثر، والقرب من شجرة النبوة، والعلم والتقوى وغيرها من الفضائل؟ قلنا: هذا رأي أبي بكر: ترك التفضيل، واتبع الشافعيُّ رأي أبي بكر في هذه المسألة، وذكر مفاوضة جرت بين الخليفتين، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما: "أتجعل من شهد بدراً وبيعة الرضوان واختص بالسوابق كمن يدخل في الإسلام آنفاً، قال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجرهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ" 2.
وقد قال صاحب التقريب: إن اتسع المال، فرأى الإمام أن ينهج منهاج عمر، كان ذلك محتملاً، فذكر قولاً مخرجاً [عند] 3 اتساع المال، فلعله أراد بذلك أن يفاضل الإمام، ويكون في المال من التوسعة ما يرد به نُهمةَ المفضول، [ومال] 4 غيره إلى قولٍ مطلق غير مقيد باتساع المال.
وكان شيخي أبو محمد يقول: التصرف في ذلك قريبٌ من التصرف في حد الشرب؛ فإنا قد نفوض الرأي إلى الإمام كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
هذا والمذهب المعتمد ترك التفضيل، وهو الذي نص عليه الشافعي وبتَّ به جوابَه 5.
وكل ما ذكرناه، والتفريع على أن أربعة أخماس الفيء ملكٌ للمرتزقة.
7789 - ومما نفرعه أن نص الشافعي تردد في أنه هل يجب تمليكُ ذراري المرتزقة أم لا يجب ذلك فيهم، بل يصرف إلى المرتزقة مقدار كفايتهم، ويفوض الأمر في
الصرف إلى المرتزقة ولا نعترض عليهم؟ فذكر الأئمة قولين: أحدهما - أنه إنما يملّكهم كما تملك المقاتلة.
والثاني - لا يملكهم؛ فإن هذا حق المرتزقة، وهم رجال القتال المستجمعون لصفات الغانمين الذين يستحقون السهام.
والذراري ليسوا من المرتزقة، فلا معنى لتملكهم ما أُعد للمرتزقة.
فإن قلنا: لا يملِّكُ الذراري، فلا كلام.
وإن حكمنا بأنهم يملّكون، فقد اختلف أصحابنا في تمليك بنات المرتزقة، فمنهم من أوجب ذلك طرداً للباب، ومنهم من خصص إيجاب التمليك بالغلمان الذين يتوقع أن يبلغوا رجالاً للقتال كآبائهم.
ثم الذين أوجبوا تمليك [النساء اختلفوا] 1 في زوجات المرتزقة، وليس من بنات المرتزقة، فمال الأكثرون إلى أنه لا يجب تمليكهن.
وما ذكرناه لا يجرّ خلافاً في القَدْر المبذول، فإن الكل يدور على مقدار الكفاية، وفي كيفية صرف مقدار الكفاية التردد الذي ذكرناه.
فالذي هو التحقيق تمليك المرتزقة قدر كفايتهم ويفوّض الأمر إليهم.
ومنهم من رأى إيجاب تمليك كل واحد من المتَّصلين القدر لأجله في الكفاية.
هذا بيان صوره.
7790 - ومما يتعلق بذلك أن الرجل من المرتزقة إذا مات وخلّف أولادً، فهل يجب أن يصرف إليهم من الأرزاق، وإن لم يكونوا من أهل القتال؟ فعلى قولين أيضاً: أحدهما - لا يجب؛ لأنهم ليسوا من المقاتلة، وليسوا تحت كفاية مقاتل.
والثاني - يجب؛ فإن رجال المرتزقة إذا علموا أن ذراريهم لا يرزقون بعدهم لا يشمّرون للقتال، ولا يعرّضون أنفسهم ودماءهم للحتوف [وظُبات] 2 السيوف، وهم يعلمون أن صبيانهم بعدهم يضيعون وروي: "أن عمر كان لا يفرض لأولاد المرتزقة، ولا يفرض إلا للفطيم، فخرج ليلة يطوف، فمرّ بباب دار، فإذا بامرأة ولها صبيٌّ
يبكي، وهي تقول: حكم الله بيني وبين عمر، فوقف بالباب، وقال: مالَكِ ولعمر، فقالت: إن عمر لا يفرض إلا لفطيم، وقد فطمته قبل أوانه، ففرض عمر بعد ذلك للصغير فطيماً كان أو رضيعاً".
ثم إذا رأينا الفوض للصبي، فهو على قدر كفايته، وكلما يَفَع وترعرع ازدادت مؤنته، فيزيد الإمام في الفوض له.
ثم إذا قام بأقدار الحاجات وآل الأمر إلى قسمة الفاضل على قول التمليك، فالذي رأيته من فحوى كلام الأصحاب أنه يختص بالفاضل رجالُ القتال والذراري يكفيهم مقدار الكفاية، وإن قلنا إنهم يملكون.
هذا ما رأيته، وفيه احتمال، والعلم عند الله تعالى.
7791 - ومما يليق بقاعدة الباب أن توظيف الأعطية إلى رأي الإمام، فإن رأى أن يجعلها مسانهة 1، فعل، وإن رأى أن يجعلها مشاهرة، فلا معترض.
والذي كان عليه ديوان عمر رضي الله عنه المسانهة 2. وذلك أنّ مجالب الأموالِ المغانمُ والفيءُ.
وذلك في الغالب لا يتكرر في السنة.
7792 - فإن جُمع المال وتحصّل في قبضة الوالي وانقضت المدة التي ضُربت للأرزاق، فمات بعض المرتزقة بعد نهاية المدة وجباية الخمس، [فحصة] 3 ذلك الذي مات [تكون] 4 ملكاً له محقَّقاً مصروفاً إلى ورثته، وإذا كنا نقيم الوارث مقام الموروث الغانم إذا مات قبل قسمة الغنائم، مع العلم بضعف الملك فيها قبل القسمة، فالتوريث بعد انتهاء المدة وحصول المال ليس بعيداً.
7793 - وفي كلام الأصحاب تردُّدٌ في المرتزق لو أعرض عن مقدار رزقه بعد