نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 497-536
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الديات

صفحات 497-536
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

10745 - ولو قال واحد من الركبان -بعد هذا- على ثبوت جميع الضمان: ألق متاعك في البحر على أني ضامن وركبانُ السفينة.
قال الشافعي: "ضمنه دونهم" 1 قال المزني: وجب أن يضمن بحصته، وظاهر ما نقله عن الشافعي أنه إذا قال: إني ضامن وركبانُ السفينة، أنه يصير ضامناً بجميع المُلقَى على الكمال.
وأما إضافة الضمان إلى الركبان، فسنذكره بعد الفراغ من هذا الغرض، [فإنه] 2 إذا جرى من المستدعي اللفظُ المحكي، فقد أضاف الضمان إلى نفسه، وإلى الركبان، ويقتضي ذلك التقسيطَ، فلا [يلتزم] 3 إلا حصةَ نصيبه لو وزعت قيمة الملقَى عليه وعلى الركبان.
وسبيل الكلام في المسألة أن المستدعي إن صرح بما يقتضي انفرادَه بضمان الجميع، فلا شك أنه مطالَب بالجميع، وإن صرح بلفظٍ يقتضي التقسيط، فالأمر محمول على التقسيط، فالضمان إذاً يقبل التقسيط، ويقبل الانفراد، ولا يمتنع أن تُضمن جملةُ الدَّيْن الخاص على الانفراد، فيكون كل واحد منهم مطالَباً بجميع الدين، كما تقرر في كتاب الضمان، فإذاً لا نزاع في فقه المسألة، وإنما التردد في موجب الألفاظ، [فلو قال]: أنا وركبان السفينة ضامنون، فقدّم الركبان ونفسه على ذكر الضمان، فهذا لا يحمل على انفراد هذا الشخص بالضمان في جميع الملقَى، إلا أن يقول: أردت ذلك، فيؤاخذ بموجب إرادته؛ فإن الانفراد ممكن، واللفظ محتمل، وإن زعم أنه أراد التقسيط، وادُّعي عليه الانفراد، فالقول قوله مع يمينه، ولا يكاد يخفى فصل الخصومة فيه.
هذا إذا قال: أنا وركبان السفينة ضامنون.
فأما إذا قال: [أنا] 4 ضامن وركبان السفينة، واقتصر على هذا، أو قال: أنا ضامن وركبان السفينة ضامنون، ففي هاتين اللفظتين وجهان: أحدهما - أنه لو حمله

على التقسيط قُبل منه، وهذا اختيار المزني.
والثاني - أنه لا يُقبل منه، فإنه وصف نفسه بالضمان إضافة إلى الملقَى، ثم ذكر بعد ذلك الركبان وضمانَهم، فإذاً استقل الكلام الأول بإضافة الضمان، ولو فرض الاقتصار عليه، لكان متضمناً [ضماناً] 1 تاماً في الجميع، فذكْرُ الركبان بعد ذلك لا أثر له، وليس كما لو قال: أنا وركبان السفينة ضامنون، فإنه لم يفرد نفسه بالضمان.
هذا وجه الكلام فقهاً ولفظاً.
ثم من أصحابنا من جعل الوجه الآخر المنصوص عليه، ومذهبَ المزني مخرّجاً [معدودين] 2 من المذهب، ومنهم من قطع بما ذكره المزني وأوّلَ لفظ الشافعي، فقال: أراد أصل الضمان، ولم يتعرض للتقسيط ونقيضه، والقول في ذلك [قريب] 3. 10746 - ومما يتعلق بتمام الكلام في ذلك أنه إذا أضاف الضمان إلى الركبان فإضافته تحتمل الإخبار عن ضمانٍ سبق [منهم] 4، فيكون إقراراً منه عليهم، فإن اعترفوا، كانوا مؤاخذين بالإقرار، وإن أنكروا، فالقول قولهم.
وإن [قال: أردتُ إنشاء] 5 الضمان عنهم، ولم أرد الإقرار، فقد أطلق الأصحاب أنهم إن رضوا، ثبت.
وهذا بعيد عن التحصيل إلا على مذهب الوقف، وقد ذكرنا أن من أصحابنا من يثبت وقف أبي حنيفة في العقود جُمَع، وقد قدمنا مراتب الوقف في كتاب البيع، فإن لم نصحح هذا النوعَ من الوقف، فلا [مساغ] 6 لهذا.
ولو قالوا: رضينا، لم يكن قولهم رضينا إنشاء ضمان، وإنما هو إجازة، وإذا منعنا الوقف، أبطلنا الإجازة.

وذكر القاضي هذا الذي ذكرناه، ورأى ما رأيناه، فلا وجه لغيره.
ولو قال إلى رجل: طلقتُ زوجتك وأعتقتُ [عبدك] 1، فقال: رضيت، لم [ينفذ] 2 العتق والطلاق، مع سلطانهما، وهذا واضح من الوجه الذي ذكرناه، والضمان على إلقاء المال -وإن ذكر في فصل حاوٍ - فهذا [أصلٌ في نفسه] 3 ليس يضاهي سائر جهات الضمان إلا على تقريب، وكلّ ما كان كذلك يعظم الزلل فيه، وإنما ظن من ظن من أصحابنا [أن] 4 الرضا كافٍ؛ من جهة أنهم [لم] 5 يرَوْا لهذا الضمان معتمداً منقاساً، فإن معوّل الضمان على [التزام] 6 مال مستقر، وليس هذا النوع على هذا النسق، والأمر وإن كان كذلك، فأصل الضمان محمول على الحاجة الحاقة والضرورة، فإذا تمهد أصل الحاجة، [فخلاف] 7 الأصول [لا يحتمل] 8، و [كذا] 9 مخالفة القياس في التفصيل من غير حاجة 10.

10747 - ومما يجب الإحاطة به أن من ألقى متاعه، وقد ضُمن له، فالمتاع لا يخرج عن ملكه، حتى لو [لفظ] 1 البحرُ المتاعَ بعد النجاة، وألقاه بالساحل، واتفق [الظفر] 2 به، فهو على ملك مالكه الأول، فإن الذي جرى ليس تمليكاً وتملكاً، وإنما هو ضمان مال على مقابلة حيلولة [قريبة] 3 من أن تكون موئسة، ثم إذا رجعت عين المال إلى مالكها، فللضامن استرداد [ما بذل] 4. وهذا يناظر تضميننا الغاصب قيمة العبد المغصوب إذا أبق، فلو رجع بعد بذل القيمة، استرد ما غرم، وردّ العبدَ، ثم لو كانت القيمة بعينها باقية، فهل يسوّغ [لآخذها] 5 ردُّ بدلها، أم يتعيّن عليه ردُّ عينها، هذا مطردٌ في كل مال يناظر ذلك، وهو مستند إلى [القرض] 6؛ فإن من استقرض شيئاً، ثم أراد المقترض مطالبته بالقرض، فكانت العين المستقرضة قائمة وأراد المستقرض إبدالها بمثلها، وأراد المقرِض استرداد تلك العين، ففي المسألة اختلاف قدمناه في باب القرض.
10748 - ومما يليق بالفصل أن من استدعى في الإلقاء لو قال: ألقِ متاعك، ولم يقل: على [أني] 7 ضامن، ولكن اقتصر على الاستدعاء في صورة لو صرح فيها بالضمان، لألزمناه، فهل يصير بمحض الاستدعاء ضامناً؟ فعلى وجهين مبنيين على ما لو قال من عليه الدين لإنسان: اقض ديني، ولم يقيد إذنَه بالرجوع عليه، فإذا امتثل = لما كانت القاعدة مبنية على الرخصة أثبت الأصحاب التساهل في المتصل للحاجة.
وقطع القاضي بأن قولهم: "رضينا"، لا يُلزمهم شيئاًً، وهو المختار؛ فلو قال: طلقتُ نساءك، وأعتقتُ عبيدك، فقال: "رضيت"، لا خلاف في أنه لا ينفذ، مع ابتنائهما على الغلبة والنفوذ، فهذا أولى" انتهى بنصه.
(ر.
البسيط: 5/ورقة 76 شمال).

أمره وقضى دينه، فهل يملك الرجوعَ عليه؟ فعلى وجهين، وقد نجز الفصل [وجيزاً، مع التنبيه] 1 على جميع أطراف الكلام.
فصل.
قال: "ولو خرق السفينة ... إلى آخره" 2. 10749 - مضمون الفصل ثلاث مسائل: إحداها - أن يخرق الرجل السفينة خرقاً يترتب عليه الغرق غالباً، فإذا اعتمد ذلك، لزمه القود في محله، والدية المغلظة في ماله إن سقط القود، ويلزمه الكفارة، وضمان الأموال التي في السفينة.
المسألة الثانية - أن يخرق السفينة خرقاً لا يغلب الغرق في مثله، فاتفق الغرق منه، فهذا شبه العمد، ولا يكاد يخفى حكم شبه العمد.
المسألة الثالثة - ألا يتعمد الخرق، ولكن كان يُصلح السفينة أو يتعاطى فيها عملاً، فمال، فدفع قَدُومَه في يده إلى السفينة وخرقها، فغرقت وغرق من فيها، فهذا خطأ محض، [وحكمه] 3: أما المال والسفينة، فالضمان فيهما ثابت في العمد وشبه العمد والخطأ المحض، والكفارة تجب بسبب إهلاك النفوس، فإن تعددوا، تعددت، والقود في العمد المحض 4، والدية تتغلظ في شبه العمد على العاقلة، وتخفف عليهم في الخطأ المحض.
فرع: 10750 - السفينة إذا كانت مملوءة من الأمتعة، فجاء واحدٌ بِعِدْلٍ، ووضعه فيها، فغرقت، فالضمان واجب، وفي [تحديده] 5 وجهان: أحدهما - أنه يجب عليه كل الضمان، والثاني - يجب عليه قسط من الضمان، والوجهان مبنيان على أن من رمى صيداً، ولم يثخنه، ولكن أثّر الرمي فيه، وهو في امتناعه ينطلق، فرماه

آخر، فأزمنه -ولولا ما لحقه من الرمي الأول، لما أزمنه الثاني-[ففي] 1 ملك الصيد وجهان: أحدهما - أنه ملك الثاني؛ فإنه هو الذي استعقب الزَّمَن.
والوجه الثاني - أن الصيد ملكهما جميعاً، وهو الأقيس، والأصح.
إن حكمنا بأن تمام الضمان يجب على الذي وضع العِدْل الأخير، فلا كلام، وإن قلنا: يجب عليه بعض الضمان، ففي مقداره وجهان: أحدهما - يجب عليه نصف الضمان، والثاني - يجب عليه بحصته توزع على العِدل الذي وضعه، والأمتعةِ التي كانت فيها، ويقع التوزيع على مقدار الأوزان.
والوجهان مبنيان على الجلاّد إذا كان يجلد قاذفاً ثمانين، فزاد سوطاً، [فالضمان] 2 يجب، وفي قدره قولان: أحدهما - أنه النصف.
والثاني - أنه جزء من أحد وثمانين.
وإذا كنا نقسط [فيما] 3 نحن فيه، فينبغي ألا نغفل وزنَ السفينة في [نفسها] 4؛ فإن لوزنها أثراً في التغويص، وقد قدمنا هذا الفرع في أثناء الكلام، فإن زدنا بياناً، فهو المراد، وإن كررنا، فلا 5. ...

باب العاقلة

1 قال الشافعي رضي الله عنه: "لا أعلم مخالفاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة ... إلى آخره" 2. 10751 - أجمع المسلمون على أن دية شبه العمد والخطأ مضروبة على العاقلة، والأصل ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، وتمام الحديث ماروي عن حمَل بن مالك بن ربيعة، قال: "كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، وفي رواية بمِسْطح، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المقتولة على عاقلة القاتلة"، وفي الجنين غرة عبد أو أمة 3. والعاقلةُ مشتقة من العقل يقال: عقلت فلاناً إذا أدّيت عنه الدية، فالعقل مصدر عَقَلَ يَعْقِلُ، فالعقل الديةُ نفسها، وسميت الدية عقلاً لأنها تؤدّى من الإبل، فكانوا يعطونها بالعقال، وهو ما يعقل به.
وأجمع النظار وأرباب الأقيسة أن ضرب العقل على العاقلة [معدولٌ] 4 عن القياس، لأنه مؤاخذةُ الغير بجناية الغير، وموجب القياس إيجاب الدية على الجاني، وإن كان مخطئاً، فإنا نوجب عليه قيمة ما يتلفه من المال في ماله، مخطئاً كان أو عامداً.

والمقدار الذي ذكره العلماء في المعنى الذي فهموه من غرض الشارع -وإن كان [لا يستد] 1 على السبر اعتبارُه- أن العرب كانت تتناصر ويذبّ بعض العشيرة عن البعض، بالنفس والمال، ويناضل البعض دون البعض، فورد الشرع بإعانة المخطىء إذا ورد منه زلل، وقد كانوا يتعاطَوْن استعمالَ الأسلحة للتدرب بها، ولا يبعد إفضاء استعمالها في وجوهٍ من الخطأ، فهذا ما تخيله الناظرون على البعد، وإنما ذكرناه لأنا في تفصيل المسائل قد نعتضد بأطراف هذا المعنى.
10752 - ثم الدية المضروبة على العاقلة تجب على العاقلة أم يَلْقى وجوبُها [القاتلَ] 2 ثم العاقلة يتحملون عنه.
توجيه القولين: من قال: إنها تَلْقى العاقلةَ، احتج بظواهر الأخبار، فإنه روي: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة " 3. ومن قال: الوجوب يلقى القاتلَ، استدل بأنا إذا قلنا به، فقد استمسكنا بطرفٍ من قياس الأصول، وجعلنا التحمل في حكم الإعانة، كما يؤدّى الدينُ عمن تحمّل [بحَمالة] 4 في إصلاح ذات البين من سهم الزكاة، وقد قدمنا مثلَ هذا التردد في زكاة الفطر، إذا أدّاها الغير عن الغير، وأشرنا إلى قريبٍ منه في كفارة الوقاع في نهار رمضان [في حق المرأة] 5 تفريعاً على أحد القولين.
وما ذكرناه من تردد فى القول هاهنا من الملاقاة لسنا نُسنده إلى منصوص صاحب المذهب نقلاً صريحاً، وإنما نتلقاه من تصاريف كلامه في التفريعات، ومعناه الذي

يجريه في أثناء كلامه، ونظيرُه كثير؛ فإن النقل يقع تارةً لفظاً وتارة من جهة المعنى والاستنباط، وسيأتي في مسائل الباب أثرُ هذا الاختلاف.
10753 - ثم لم يختلف المذهب أنا إذا تمكنا من ضرب العقل على العاقلة، فلا نضرب شيئاً منه على القاتل، وقال أبو حنيفة 1: عليهما؛ [فهو أحد] 2 العواقل، [فلو] 3 كان الجاني صبياً، أو امرأة، أو مجنوناً؛ فلا شيء عليه، لأنه لا يعقل عن غيره مع نقص من النقائص التي ذكرناها، فلا يعقل عن نفسه، ومعتمد مذهبنا الحديثُ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، فأضاف جملة الدية إلى العاقلة، فكان هذا كما لو وصى [لزيد] 4 ولأولاد بكر [بمال، فلا يصرف] 5 من الوصية لأولاد زيد شيءٌ، ولا [إلى بكر] 6. ثم مذهبنا كما لا يضرب شيء من العقل على القاتل، كذلك لا يضرب شيء منه على عمودي نسبه، فليس على أبوي القاتل وأجداده شيء، وليس على ابنه وأولاده شيء، خلافاً لأبي حنيفة 7، وقد ذكرنا متعلَّقَ المذهب في هذه المسألة في (الأساليب) وغيرها من المجموعات.
10754 - فإذاً العاقلة المتحملة هم الذكور البالغون العقلاء من عصبات القاتل، ما عدا عمودي النسب، ويُقدم الأقرب [فالأقرب] 8، وأقرب العصبات بعد استثناء

العمودين [الإخوةُ] 1 أولادُ الأب، وهل نقدم أخاً على أخ بقرابة الأمومة؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يقدم الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب، كما يقدم عليه في عصوبة الميراث.
والثاني - لا يقدم عليه؛ فإن قرابة الأمومة لا أثر لها في التحمّل، ولها أثر في الميراث، فلا يبعد أن تستعمل ترجيحاً في العصوبة 2. ثم بعد الإخوة بنوهم، وكما اختلف القول في الأخ من الأب والأم، والأخ من الأب، كذلك اختلف القول في ابن الأخ من الأب والأم، وابن الأخ من الأب، والقولان يجريان على هذا النسق في الأعمام وبنيهم إن وجد من بعضهم إدلاءٌ بقرابة الأم مع قرابة الأب، وانفرد من في درجته بقرابة الأب.
10755 - ثم بعد هذا نقول: ترتيب العصبات في تحمل العقل بالنسب كترتيب العصبات في الميراث إلا في شيئين: أحدهما -متفق عليه في المذهب- وهو استثناء عمودي النسب، والثاني - مختلف فيه، وهو الترجيح بقرابة الأمومة؛ فإن هذا معتبر في عصوبة الميراث، وهو مختلف فيه في تحمل العقل، والضرب على الإخوة للأب والأم، ثم [الإخوة للأب، ثم بني الإخوة للأب والأم، ثم بني الإخوة للأب، ثم] 3 على الأعمام [للأب والأم، ثم على الأعمام للأب] 4، ثم على بني الأعمام للأب والأم، ثم على بني الأعمام للأب، ثم على أعمام الجد، على الترتيب المذكور في عصبات النسب.
ثم سبيل التقديم في عصوبة الميراث تخصيصُ الأقرب، [وحرمانُ] 5 الأبعد

بالكلية، ولا يجري الأمر كذلك [فيما] 1 نحن فيه؛ فإنا نبدأ بالأقربين، فنضرب على كل واحد مقداراً من العقل، على ما سيأتي الشرح عليه من بعدُ -إن شاء الله عز وجل- فإن استوعب الواجبَ من العقل، فذاك، وإن بقي شيء، لم نفضّه على الأقربين، بل انتقلنا منهم [إلى من يليهم] 2 وهكذا نفعل إلى حصول الغرض.
وعند أبي حنيفة 3 يسوي بين القريب والبعيد، ويضرب عليهم بالسوية.
10756 - ثم نقول: إن عدمنا عصبة النسب، فالمعتِق، ثم عصبات المعتِق ثم معتِق المعتِق، ثم عصبات معتق المعتق، فإذا عدمنا -على هذا [الترتيب] 4 الذي ذكرناه في معتق الجاني- وإذا لم نجد من له نعمة الولاء على الأب، انتقلنا إلى من له نعمةُ الولاء على الجد، فنضرب على معتِق الجد ثم على عصباته، وهكذا الترتيب إلى حيث ينتهي.
ثم قال الأصحاب رضي الله عنهم: إذا لم نجد معتِق الجاني، ووجدنا عصباتِه [فلا] 5 نضرب على [أب] 6 المعتق، فإنه ثبت [أنا] 7 لا نضرب على عمودي نسب الجاني شيئاًً، وهذا خارج عن القياس عندنا؛ من جهة [أنا] 8 لم نضرب على الجاني نفسه، فلم نضرب على عمودي نسبه، ونحن نضرب على المعمَق لو كان حياً، فلا يبعد أن نضرب على أبيه وابنه، [وعن القفال وجهان] 9: أحدهما - أنا نضرب

عليهما.
والثاني - لا نضرب عليهما، وإليه صار معظم الأصحاب.
والمتعلق فيه ما روي: "أن مولىً لصفية بنت عبد المطلب جنى، فقضى عمر رضي الله عنه بأرش الجناية على علي رضي الله عنه ابن [أخيها] 1، وقضى بالميراث لابنها الزبير" 2. 10757 - ثم قال الشافعي: "ومن في الديوان، ومن ليس فيه سواء ... إلى آخره" 3. قصد بذلك الرد على أيى حنيفة 4؛ فإنه صار إلى أن الذين يجمع أسماءهم ديوانٌ، فإذا جنى بعضهم ضُرب العقل على أهل الديوان، وإن لم يكونوا على تواصل في النسب والولاء.
وهذا لا أصل له [من] 5 خبر ولا نظر، ولم يكن الديوان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد أبي بكر، وإنما أحدثه عمر رضي الله عنه في آخر عهده.
10758 - ثم قال: "ولا أعلم مخالفاً بأن الصبي والمرأة لا يحملان شيئاًً ... إلى آخره" 6. الصبيان والمجانين والنسوان لا يضرب عليهم من العقل شيء، وإن كانوا موسرين، وهذا لا يُعرف فيه خلاف، ولعل المرعيّ فيه أنهم ليسوا من أهل النّصرة = بين الجاني وبين ابن المعتق وأبيه.
وأظهرهما - المنع، واعتمدوا فيه قضاء عمر في قصة مولى صفية" انتهى ملخصا.
(ر.
الشرح الكبير: 10/ 468).

بالسيف، وهذا الباب في [التناصر] 1 مخصوص بأهل القتال.
وذكر العراقيون وجهين في الزّمِن الموسر إذا كان لا يُرجى [زوال] 2 ما به: أحد الوجهين - أنه يضرب العقل عليه؛ فإنه من جنس الرجال وهو عاقل بالغ.
والثاني - لا يضرب عليه، لأنه ليس من أهل النصرة، والدليل عليه أنه [يرضخ] 3 [له، كما يرضخ] 4 للصبيان والنسوان.
فصل قال: "وتؤدي العاقلة الديةَ في ثلاث سنين ... إلى آخره" 5. 10759 - العقل المضروب على العاقلة يكون مؤجلاً، لا محالة، وابتداء الأجل يكون -إذا كان المعقول دية النفس- من وقت الموت وزهوق الروح، خلافاً لأبي حنيفة 6، فإنه قال: ابتداء المدة من وقت قضاء القاضي، إذا فرض الترافع إلى مجلس [القضاء] 7، حتى قال: إذا مضت ثلاث سنون من وقت وقوع [القتل] 8، ولم يتفق الترافع إلى مجلس الحكم، [فلا] 9 شيء على العاقلة، بل يفتتح القاضي عند الارتفاع إليه ضَرْبَ المدة، ولا اعتبار بما مضى.
وهذا زلل لا أصل له، والمدد تنقسم: فمنها ما يثبت في العقود، وهو إلى ضرب العاقدَيْن، فإذا فرض ضرب أجل في عوض يقعُ، ثم [لو] 10 شرط الخيار

فيه، فابتداؤه محسوب من وقت العقد أو انقضاء الخيار؟ فيه اختلاف مشهور بين الأصحاب، والظاهر أنه محسوب من وقت العقد، وهذا يضاهي اختلافَ الأصحاب في أن خيار الشرط يحسب ابتداؤه من وقت العقد أو من زمان خيار المجلس، وكل عقد لا خيار فيه، [فالأجل] 1 المضروب في عوضه محسوب من وقت العقد.
ومن الآجال [آجال] 2 الزكوات، وابتداؤها من وقت حصول النصاب الزكوي في ملك من هو من أهل الزكاة، وتفاصيل القول في [الآجال] 3 مضت على الاستقصاء في كتاب الزكاة.
ومن المدد سنة [الجزية، وفيها] 4 تفصيل حسن ليس [بالهين] 5 وسيأتي في كتاب الجزية، إن شاء الله عز وجل.
[والأجل] 6 الذي يتعلق بضرب القاضي عندنا هو [أجل] 7 العُنة لا غير، والسبب فيه ارتباطه بوجوب التعرف عن عُنّة الزوج، حتى نتبين أن الزوج يُقرّ بها أم ينكرها.
وهذه المقدمات لا تجري إلا في مجالس القضاة.
ومدة الإيلاء [من] 8 وقت الإيلاء، فإن ابتداءها لا يستند إلى معنىً مجتهد فيه يتعلق بمجلس القضاة.
ومدّة الجناية من وقت وقوعها، ولا حاجة إلى فرض اجتهاد في وقت المحسوسات.
10760 - ولو قطع قاطع إصبعَ رجل، فسرت الجراحة إلى كفه، فسقطت،

[فلأصحابنا] 1 وجهان في ابتداء المدة المعتبرة في الطرف -على ما سيأتي تفصيل القول في أروش الأطراف، ومُددها إذا فرض ضربها على العاقلة- من وقت سقوط الكف، أم كيف الوجه فيه؟ فمنهم من قال: ابتداء المدة من وقت سقوط الكف؛ فإنه مستقرّ الجناية، وهذا ضعيف.
ومنهم من قال: أرش الإصبع يعتبر ابتداءُ مدته من وقت قطع الإصبع، وأرش الكف من وقت سقوط الكف، وهذا هو الصحيح.
ولا خلاف أن من قطع يد رجل أو يديه، فابتداء المدة من وقت القطع، ولا نتوقف إلى اندمال الجراحة، وإن كنا قد نقول: المطالبة بالدية قد لا تتوجه إلا بعد اندمال الجراحة، والسبب فيه أنا إن توقفنا في المطالبة بأروش الأطراف، فسبب توقفنا أن نتبين منتهى لجراحة.
وأما ابتداء المدة، فليس وقتَ طَلِبة، وإذا اندملت الجراحات، استبنا أن أروشها ثبتت من وقت القطع، ولا يجوز قياس المطالبة بضرب المدة، ولو انقضت والجراحة بعدُ سارية، ففي مطالبة العاقلة من الخلاف ما في مطالبة الجاني إذا كان عامداً.
[فصل] 2 قال: "ولا يقوّم نجمٌ من الدية إلا بعد حلوله ... إلى آخره" 3. 10761 - مقصود هذا الفصل وفصول بعده يبنى على ما نوضحه، فنقول: [الاعتبار] 4 بآخر السنة في صفة المتحمل، فإن كان في آخر الحول فقيراً، لم يُضرب عليه من العقل شيء في هذه السنة، وإن كان غنياً فيما مضى من السنة، فالاعتبار إذاً بالوقت الأخير الذي هو منقرض السنة، وكما نعتبر آخر الحول في أصل العقد،

فكذلك نعتبر هذا الوقتَ فى المقدار المختلِف بالغنى والتوسط، كما سنصف ذلك على الاتصال [بهذا] 1. ولو مضى بعض السنة، ومات من هو العاقلة، لم نضرب على تركته شيئاً، وليس كما لو مات [الذمي] 2 في وسط السنة، فإن المسألة تخرج على قولين فيه: أحدهما - أنا نطالب بقسط من الجزية، والفرق أن الجزية لها شبهٌ بالأجرة، وكأن دار الإسلام هي المكراة منهم، كما سيأتي هذا في موضعه -إن شاء الله عز وجل- وهذا المعنى غير مرعيّ فيما نحن فيه.
ويخرج من هذا أنا لا نحكم بأن الدية تجب على العاقلة مؤجلة، بل نقضي أن ابتداء وجوبها في آخر السنة، وهذا فيه تعقيد؛ فإن الدية إن كانت واجبة، فلتجب على العاقلة، ولتكن مؤجلة عليهم، وإن لم تكن واجبة، فهذا يبعد عن قياس الأصول، فإن موجِبَ الدية القتلُ، وقد وقع، وكان الأصل وجوب الدية، وهذا أصل بدعٌ لا نظير له.
والأوجَه عندنا في ذلك [أن] 3 نقول: وجبت الدية بالقتل، وهي متأصِّلة، ولكنا لا نضيف وجوبها إلى العاقلة، فإن كانوا فقراء، تبينا أن وجوبها لم يتعلق بهم، ولكنها متعلّقة ببيت المال، والدليل عليه أنا [لا نتأنّى بها] 4 في حق بيت المال عند افتقار العاقلة في [الحول الأخير] 5. وإذا لم يكن في بيت المال مال، فقد نقول: العقل مأخوذ من [القاتل] 6 على ما سنذكر ذلك متصلاً بهذا.
فإذاً ما يجب تحصيله أن الدية وجبت بالقتل مؤجلةً، والتوقفُ في [الجهة] 7 التي

يضاف الوجوب إليها، فالإبهام في هذا لا في أصل الوجوب.
ومن تمام القول في ذلك: أن العاقلة إذا كانوا أغنياء في آخر الحول، استقرت عليهم الحصص من الوظيفة الضرورية، فلو افتقروا بعد هذا، لم يسقط عنهم ما استقر في ذمتهم، ولم نعدل عنهم إلى بيت المال؛ فإن بيت المال لا يتحمل عن العاقلة ما استقر عليهم، كما لا يتحمل سائر الديون عمن استوجبها وأفلس بأدائها، ولو ماتوا بعد استقرار حصصهم، فهي مستوفاة من تركاتهم استيفاء الديون المستقرة.
10762 - ثم قال الشافعي رضي الله عنه: "لا نقوّم على العاقلة نجماً من الإبل إلا في آخر الحول ... إلى آخره" 1 وهذا بناه على ما هو الأصل المشهور في أن أصل الدية الإبل، والحاجة تمس إلى تقويم الإبل على العاقلة؛ فإن الحصة التامة على الواحد منهم نصفُ [دينار] 2 في كل سنة، فلا بد من تقويم ما يحلّ من الدية، حتى نتبين فض الدية عليهم، كما سنبين أقدارها، فأبان رضي الله عنه أنا في هذا التقويم نعتبر الوقت الذي نعتبر فيه اليسار [والافتقار] 3، والتوسط والغنى، وهذا جارٍ على القياس الذي مهدناه.
فصل قال: "ولا يحملها فقير ... إلى آخره" 4. 10763 - دية الخطأ وشبهِ العمد لا تحمل على الفقراء عندنا، ولا فرق بين أن يكون معتملاً وبين أن يكون غيرَ مُعتَمِلٍ، خلافاً لأبي حنيفة 5؛ فإنه حكم بضرب العقل على الفقراء وهذا مذهبه في ضرب الجزية، على ما سيأتي في موضعه، إن شاء الله.

والضريب مضروب على الغنيّ والمتوسط، وقد استعمل الأصحاب هذه الألفاظ، وأطلقوها: [أما الفقر فأقرب مُدرك له الفحصُ عن مقدار المضروب، فنعتبر الغنى عنه، ونعتبر الاحتياج إليه] 1، فأما الغنى والتوسط، فلفظان مطلقان لم يتعرض [لبيانهما] 2 أحد، ولا يمكننا أن نقول: الغني من تجاوز حد الفقر، فيسقط المتوسط من الوسط، وإن رددنا المتوسط والغني إلى أسماء النِّسب حتى نقول: هؤلاء متوسطون بالإضافة إلى من فوقهم، فهذا وإن كان تَحْويماً على المقصود، فليس فيه شفاء، وليس الغنى والتوسط من الألفاظ التوقيفية حتى نسلك فيها طريق الاتباع، فما الوجه؛ وكيف السبيل؟ أما الفقير، فلا يمكن وصفه بالذي يستحق سهمَ المساكين، فإذا أخرجنا [المعتمِل] 3 من التحمل مع العلم بأن المكتسب الذي يرد كسبُه عليه بُلغتَه وحاجتَه لا يأخذ من سهم الفقراء والمساكين شيئاً، ولا يُضرب عليه من العقل شيء؛ إذ يبعد أن يكلف أن يكتسب ويؤدي أرش جناية غيره، والتحملُ موضوع على فضلات أموال العاقلة، لا على طاقتهم واستمكانهم من تحصيله، هذا أصل الشافعي رضي الله عنه، والفِطرة لا تجب على [الكسوب] 4 عن نفسه، ثم عمن يفرض التحمل عنه، فكيف نقدّر الضربَ على من لا يملك ويقدر على الكسب، وإن قلنا: الفقير الذي لا مال له، اعترض علينا النظر فيمن يملك مسكناً وخادماً، وانتشرت أطراف الكلام في الأمور التي قدرناها في الكفارات المرتبة.
فالوجه أن نقول: ما تتحمله العاقلة، فسبيله المواساة، وهذا الضرب يجب أن يكون واقعاً وراء حاجةِ تحمّل المُواسي، ويجب ألا يكون لما يقدّر له أرش أثر وموقع في الباذل، ويخرج من هذا الأصل [أنا] 5 لا نكلفه أن يبيع شيئاً من مسكنه الذي

يؤويه وأهله، ويجب أيضاً ألا نكلفه أن يبيع من عبده الذي تمس حاجته إلى خدمته، كما قدمنا ذلك في الكفارات المرتبة، وبيان الانتقال فيها من الأصل إلى البدل، والأصل المرعيّ ما ذكرناه من رعاية المواساة من غير أن تكون مجحفة.
وهذا هو الذي فهمه الأولون من العلماء الذين قربت أعصارهم، حتى حملهم على ما نصفه في مقدار ما يحمل كل واحد من العواقل، فقالوا: على [الغني] 1 في آخر كل سنة نصفُ دينار، ولا مزيد، وعلى المتوسط ربعُ دينار، ولا نعرف في ذلك أثراً [ثابتاً] 2 ولا خبراً، ولكنهم علموا على الجملة المعنى الذي أشرنا إليه من رعاية المواساة، واستبانوا أنها لا تليق إلا بفضلات الأموال التي لا يحيف بها هذا المقدار.
10764 - وأنا أقول الآن والله المستعان: لست أعرف ضبطاً من جهة التوقيف - لفظاً ولا معنىً- يشير إلى بيان [الغِنى] 3 أو إلى تقريب قول فيه؛ فإن الغنى والتوسط من أسماء النِّسب، وهي لا [تنحصر] 4 ولا تنقصر، فالرجل ذو الثروة الضخمة بالإضافة إلى من فوقه قد يكون متوسطاً، وهو بالإضافة إلى من تحته غنيّ.
فأقصى ما يتخيله الإنسان في ذلك على الجملة أمور نشير إليها، ثم أذكر ما يتعلق بمقتضى العقل في ذلك، فأقول: قد يخطر للناظر أن المتوسط هو الذي يقع في الدرجة العامة والطبقة العليا من طبقات المتصرفين في البلاع الذي يرقيهم عن رتبة الفقر، والغنيّ هو الذي يقع في رتبة الاختصاص، ويعدّ من [الأفراد] 5، فيقع المحتاجون طرفاً، والمخصوصون [يقعون طرفاً إذا قرّبنا القول فيه] 6، والغنيّ من أشرنا إليه.
هذا وجهٌ، وهو بعيد لا سبيل إلى اعتقاده؛ فإن ضرب العقل إنما هو في التحقيق

يغرِّم عصبات القاتل أروشاً، وتقسيمهم إلى الأغنياء والمتوسطين من الأمور العامة، فحمل الأغنياء على [المتوحدين] 1 في الناس الذين يُرْمَقون بالاختصاص بالرتبة العليا لا وجه له، وليس لنصف دينار من المقدار في استدعاء اليسار ما يجب الحمل على المنفردين في كل قُطر، فهذا لا سبيل إلى اعتقاده، وإنما ذكرناه في صدر المباحثة على عادتنا في هذا المجموع، حتى يزول عن الفكر ما لا حاجة إليه.
وإن قال قائل: ننسب عاقلة كل إنسان، ونجعل أفرادهم مرتبةً، ونسميهم الأغنياء، ونجعل المنحطين عنهم بالإضافة إليهم متوسطين إذا لم يكونوا أصحاب حاجات، فهذا لا أصل له؛ [فإطلاق] 2 الغنى يشير إلى ما الناس عليه، وقد يكون الأغنياء على التقريب الذي أشرنا إليه في العصبات دون أوسط الخلق، فلا وجه إذاً لذلك، فلا يُفضي التعلق به إلى وجهٍ شافٍ.
10765 - والأقرب عندي أن نأخذ رتبة الغنى [مما] 3 بلغنا من قول الأصحاب في المقدار الموظف على الغني في الزكاة، والمقدارُ نصف دينار، [وأقل ما] 4 نعتبر في المقام الذي انتهينا إليه الزكاة؛ فإنها على التحقيق مواساة، فالوجه أن نقول: من فضل عن جهات حاجاته: من المسكن والمملوك وغيرها، مما يتعلق به الاعتبار في الكفارات المرتَّبة - مقدارُ عشرين ديناراً، فيجوز أن يكون هو المعنيّ بالغني.
فإذاً سنعيد التفصيل: [فالتحكم] 5 بهذا المقدار نسبةً [متلقى] 6 من مقدار المأخوذ، ومضاهاة هذا الباب [بباب] 7 الزكاة في التحمل والمواساة، وقد شهد لذلك اعتبار النسبة، وإن كانت القاعدتان تختلفان في التفاصيل.

فإذا لم نجد ضبطاً واضطررنا إلى التمسك بتقريبٍ، فأقرب الأمور أن يتلقى محل الإشكال في المسألة ممّا وجدناه فيها، وهو مما نصصنا عليه، غير أنا نوجب الزكاة على من ملك عشرين ديناراً، وإن كان في اختلالٍ من حاله، وضعف من عياله؛ نظراً إلى مقدار الملك ونشترط في الزكاة أموالاً مخصوصة، حتى لو ملك الرجل من العقار أموالاً لها مقدار في النفوس، فلا تستوجب الزكاة، والسبب في ذلك أن الزكوات من حقوق حالاتهم وحاجاتهم، وصفة الزكاة على الضبط، وأما ضرب العقل على العاقلة، فمواساة بعد استغناء، فلا نكتفي فيه بملك، بل نشترط أن يفضل من جهات الحاجات هذا المقدار، ثم لا نشترط تملك الأجناس المخصوصة الزكاتية؛ فإن المواساة تعلقت بعين الباذل المُواسي، وليست من حقوق أمواله، والوظائفِ الشرعية المتعلقة بأعيان الأموال.
فينتظم من ذلك أن الغني المخاطبَ بإخراج نصف دينار هو الذي يفضل من حاجاته هذا المقدار، والمتوسط هو الذي [ترقّى] 1 عن الحاجة، ويقع ملكه دون المقدار الذي ذكرناه.
10766 - ثم الذي ذكره الأصحاب أن نصف الدينار مأخوذ من أقل الزكاة، وربع دينار مأخوذ من نصاب السرقة، ولست أنسب ربع دينار إلى حساب العشرين، حتى يقال: المتوسط من يكون على شطر الغنيّ في فاضل ماله، هذا لا سبيل إلى التحكم به، ولكن يكفي في رتبة التوسط أمران: أحدهما -[التعلِّي] 2 عن الحاجة، والانحطاط عن رتبة الغنى، على ما شرط ألا يصير ببذل الربع إلى درجة الحاجة؛ فإن مبنى الباب على المواساة من غير تعريض من يواسي للضرار، والاقتصارُ على هذا المقدار النزر أصدق شاهد فيما ذكرناه.
فهذا هو الذي اعتلقه فهمي، وليس عندي فيه نقلٌ، ولا تحويم عليه، وإنما ذكرتُه أخذاً من المقدار الذي صادفته منصوصاًً عليه للاصحاب، وعلمتُ قطعاً أنهم لم يُعنَوْا ببيان ما تورطنا فيه، وفوّضوا الأمر فيه إلى درك الفاهم، فهذا منتهاك، والرأي

بعده للموفّقين، المستجمعين لاستحقاق النظر في مضايق الشريعة.
والعلم عند الله.
فهذا ما أردنا [ذكره] 1 في ذلك.
10767 - ثم [مما يجب] 2 الاعتناء به إذا فضضنا على الأغنياء الواقعين في الدرجة من أغنياء العاقلة ما ذكرناه، ثم انحططنا، ففضضنا على المتوسطة ما ذكرناه، فإن وفّى ما نأخذه من الواقعين في الدرجة العليا بمقدار الأرش، فهو المُنى، وإن لم يفِ رَقَيْنا منه إلى من هو أقرب إليه من العواقل، ونحن في ذلك كله نضرب على الغنيّ والمتوسط ما ذكره الأصحاب، ثم نرقى منهم إلى من هو أبعد منهم، ولا نزال نفعل ذلك ونرقى من درجة إلى درجة، حتى نستوعب الأقارب، ثم نرقى إلى أصحاب الولاء، ثم إلى عصباتهم.
فإذا لم يبق من العاقلة الخاصة أحدٌ على الترتيب الذي ذكرناه، وفضل من الوظيفة المطلوبة في آخر السنة شيء، فإنا نضربه على بيت المال على السهم المرصد للمصالح؛ فإن هذه الجهة هي الجهة التي تنصبّ إليها تركات الذين لا يخلّفون من خواصّ الورثة أحداً، [وكل جهة تُثبت الوراثة، يتعلق بها تحصيل مواساة] 3 إذا كانت تضاهي جهة العصوبة، وهكذا تكون جهة التوريث بالإسلام؛ فإن العصوبة معناها استغراق آخر ما يفضل عن الفرائض من غير تقدير، فقد تحققت جهة العصوبة، [إن] 4 نظرنا إلى قاعدة موضع الشرع على التناصر بين المسلمين.
10768 - وإن لم نجد في بيت المال مالاً [يفي] 5 به السهم المُرصد للمصالح العامة، فللأصحاب وجهان: أحدهما - أنا نضرب العقل على القاتل.
والثاني - أنا لا نضرب عليه أصلاً.

قال الأئمة: والوجهان مبنيان على أن الوجوب هل يلاقي القاتلَ، ثم العاقلة تحتمل عنه، أم الوجوب لا يلاقيه أصلاً؟ وفيه قولان قدمنا ذكرهما في تأصيل الباب.
فإن قلنا: الوجوب لا يلاقيه، فإذا عدمنا العاقلة، ولم نجد في بيت المال مالاً، [لم] 1 نضرب عليه شيئاً، وإن قلنا: الوجوب يلاقيه، فإذا [عدمنا] 2 من يتحمل عنه، طالبناه، والوجهان على هذا الترتيب مذكوران في [الطرق] 3. وقد قطع القاضي رضي الله عنه بأنه لا يطالب القاتل إذا [عدمنا] 4 العاقلة، أو صادفناهم محتاجين، وأخذ يفرق بين هذا وبين ما إذا لم يجد الزوج ما يخرجه عن فطرة زوجته، فهل يجب عليها أن تخرج الفطرة عن نفسها؟ [فيه] 5 اختلافٌ مذكور في صدقة الفطر، وأتى بكلامٍ لا استقلال له في طلب الفرق بين هذا وبين القاتل خطأ.
وهذا الذي ذكره غير سديد، والأصحاب كلهم على ذكر الخلاف كما أوردناه.
التفريع: 10769 - إن حكمنا بأن القاتل لا يؤاخذ بالدية أصلاً، ولم نجد في بيت المال مالاً، فلو حدث مالٌ في بيت المال لهذا المصرف، فهل يؤدَّى منه العقلُ؟ فعلى وجهين ذكرهما القاضي: أحد الوجهين - أنا لا ناخذ من المال الحادث في بيت المال شيئاً، وذلك أنّ سبيل تحمل بيت المال كسبيل تحمل العاقلة الخاصة، [فمن] 6 كان فقيراً من العواقل المختصين في [آخر] 7 السنة المضروبة، [لم] 8 نضرب عليه شيئاًً، فإن استغنى بعد ذلك، لم نضرب عليه ما فات ضَرْبُه بسبب الفقر؛ فإن

[الاعتبار] 1 بآخر السنة، ومن كان غنياً في آخر السنة، ثم افتقر، فما ضربناه عليه دينٌ مستقر في ذمته يطالَب به إذا وَجَد في حياته، ويؤدَّى من تركته بعد وفاته.
فإذا كان فقيراً في [الجزء الأخير] 2 في السنة [فطريان] 3 الاستغناء بعده لا يرد إليه ضرباً أسقطناه عنه تعلُّقاً بآخر السنة في النفي والإثبات.
فكذلك إذا لم نصادف في آخر السنة مالاً في بيت المال يصلح لهذا المغرم، فقد سقط ذلك عن هذه الجهة، فإذا فرض بعد ذلك وجدان مال، لم يعد التعلّق ببيت المال.
هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني - أنا ناخذ من بيت المال العقلَ مهما 4 حدث مالٌ للمصالح صالحٌ للمغارم، وليس بيت المال في ذلك كسبيل العواقل المختصين إذا كانوا فقراء، ثم استغنَوْا؛ وذلك لأن سهم المصالح لا اختصاص له بمصلحةٍ، وكذلك لا اختصاص له بوقتٍ وأوان، ولا يجري فيه من التأقيت والتخصيص ما يجري في حقوق العواقل المختصين، وكذلك نضرب في كل سنة جميع ما يبقى عن التزام الخواص بالغاً ما بلغ، ولا نقدّره بمقدار، فكما لا يتقدّر المضروب على بيت المال، فكذلك وجب ألا يسقط عنه التحمل بالمسلك الذي [يُسقط] 5 التحمل عن العاقلة الخاصة.
وهذا قد يعارضه أن أصل التأقيت مرعيٌّ في بيت المال؛ فإن من قتل خطأ، ولا عاقلة له على الاختصاص، فالدية مضروبة على بيت المال، في ثلاث سنين، كما أنها تضرب على العواقل [المختصة] 6 -لو كانوا- في ثلاث سنين.
ويمكن أن يقال: إذا لم نجد في بيت المال مالاً، [فما] 7 ذكرناه من الخلاف في

أنا هل نضرب على [القاتل] 1 يُوجَّه من الخلاف الذي ذكرناه في أنه لو تجدد في بيت المال مال، فهل نأخذ العقل منه؟ فإن قلنا: نأخذ العقل مما تجدد، فلا نغرِّم القاتل؛ فإن جهة [التحمل مرقوبة] 2، وإن قلنا: لا نضرب العقل على ما تجدد في بيت المال، فلا يبعد أن نضرب على القاتل؛ فإنا لو لم نفعل ذلك، لأدى إلى تعطيل [العقل] 3 وإهدار الدم، وإسقاط حقوق أولياء الدم.
10770 - ومما يتصل بذلك أنا إذا رأينا تغريم القاتل حيث ذكرنا ذلك تتأجل [الدية] 4 عليه بأجلها على العاقلة؛ من جهة أن [دية] (4) الخطأ وشبه العمد، لا تجب شرعاً إلا مؤجلة، ثم إذا مضت سنة، ولم نجد من يحمله سوى القاتل؛ فإنه يؤدي هذه الوظيفة وهي ثلثٌ، فنُجري القاتل في رجوعنا عليه عند فقدان جهات التحمل مجرى ببت المال، وقد ذكرنا أن بيت المال يتحمل ما يفضل عن تحمل المختصين، وذلك أنا لو لم نضرب على القاتل، لعطّلنا [العقل] (4)، والذي [نحاذره] 5 التعطيلَ، إذا ضربنا البعض وتركنا البعض، فالذي تركناه [تعطيلٌ، وتعطيله ما نحاذره] 6. 10771 - ومما يتصل بتمام الكلام لبيان المراد في ذلك أن من أقرّ أنه قتل خطأً، فإن [أنكرت] 7 العاقلة، [فإن] 8 لم تقم بينة، فالعاقلة لا يكلّفون العقلَ، وإقرار الجاني غير مقبول عليهم، وهذا [مستدٌّ] 9 على قواعد الأصول، وقال الرسول عليه السلام: "لا تحمل العاقلة عمداً، ولا اعترافاً" 10 وفي بعض الروايات: "لا تحمل

العاقلة الخاصة" وكذلك لا نضرب على بيت المال؛ فإنّ إقراره كما لا يُقبل على عواقله المختصين به، فكذلك لا يقبل على بيت المال.
ثم اتفق الأصحاب وراء ذلك على أن العقل مأخوذٌ من المُقرِّ، ولم يخرّجوا هذا على الخلاف في أنه هل يلاقيه الوجوب، ثم العاقلة تتحمل، أم لا يلاقيه الوجوب أصلاً.
وكان لا يبعد عن القياس أن يقال: إذا قلنا: الوجوبُ لا يلاقي القاتلَ، فهو لم يقر على نفسه بشيء، وإنما أقر على عواقله، وإقراره [عليها مردودٌ] 1، وليس القتل لو ثبت عليه موجباً أمراً، حتى يُفرضَ التحمل عنه، وهذا المذهب لا بد منه عندي لو صح المصير إلى أن القاتل لا يلاقي الوجوب، وقد ذكرنا في البناء على هذا أنا لو غرّمنا العاقلة، لم نغرم القاتل، فلا بد أن نخرّج قولاً أن المُقِر بالقتل الواقع خطأً غيرُ مطالب بالعقل بناء على ما ذكرناه.
ولست أحمل [تَرْكَ] 2 الأصحاب لهذا إلا على ظهوره عندهم، وطلبهم أن يفرّعوا على القول الآخر.
ثم إذا طالبنا المقر، فالدية مؤجلة عليه كما تتأجل على العاقلة لو اعترفوا، فيطالَب في منقرَض كل سنة بثلث الدية.
10772 - ثم ذكر صاحب التقريب وجهين في أن المقر على أي وجه يطالَب؟ أحد الوجهين - أنه يطالب على تقديره أصلاً في الالتزام.
والثاني - أن سبيل مطالبته كسبيل مطالبة من [يعدِم] 3 الأصل، ولا يجد بداً من إقامة [بدل] 4 مقامه، واستشهد لبيان الوجهين، فقال: إن قدرناه أصلاً، فهو بمثابة المستقرض يطالَب بالقرض، والمتلِف يطالَب بقيمة ما أتلفه، وإن أحللناه محل البدل، فهو بمثابة الغاصب إذا أبق العبد المغصوب من يده؛ فإنا نطالبه بقيمة العبد للحيلولة الواقعة، والقيمة تقع بدلاً عن المطلوب الأصلي، حتى إذا رجع العبد، ردّ العبدَ واسترد القيمة، ولا يظهر لما

ذكرناه من التقدير كبيرُ أثرٍ في حق القاتل المقر إذا أنكرت العاقلة، فإنه يغرم من كل وجه، على [أي] 1 تقدير.
[وأثر] 2 ما ذكرناه يظهر في صورةٍ، وهي أن العاقلة لو أنكرت لمّا أقرّ القاتل، فإذا غرّمنا القاتل كما تقدم، فلو عادت العاقلة واعترفت، فلا شك أنهم يغرمون، ولكن الكلام [يختلف] 3 على التقدير، فإن جعلنا القاتل [الأصلَ] 4 في الغرم، [فولي] 5 القتيل لا يرد ما أخذه من القاتل أصلاً؛ فإنه أخذه منه، وهو أصلٌ لا بدل، نعم، القاتل عند اعتراف العاقلة يرجع عليهم بما غرم، لا وجه غيره.
وإذا أحللنا القاتل محل البدل، فولي القتيل يرد ما أخذه من القاتل عليه، ويبتدىء، فيطالب العاقلةَ بحقه، وهذا أثرٌ ظاهر إذا تُصوِّرت المسألة بالصورة التي ذكرتُها.
10773 - وقد قدمت في أثناء الكلام أنا إذا حكمنا بأن الوجوب لا يلاقي القاتل، فإذا أقر، لزم أن يخرّج على ذلك قولٌ أنه لا يطالب، ولم آت بهذا على ثبتٍ [من] 6 النقل، وإنما قلته قياساً، لكنه [احتمالٌ لم أذكره وجهاً] 7، والذي ظننته 8 من كلام الأصحاب ما يظهر.
فأقول: إذا أقر بالقتل وأنكر العاقلةُ، فالدية مأخوذة [منه] 9 قولاً واحداً؛

[فإنا] 1 لو لم نقل ذلك، لتعطلت الدية، وأفضى نقيض ذلك إلى إهدار الدم -وقد عسر الضربُ على العاقلة- فلا وجه إلا مؤاخذة المُقر.
وكان الأصحاب يقولون: الوجوب لا يلاقيه إذا وجدنا مسلكاً في التحمل عنه، فأما إذا لم نجد متحمِّلا، فلا وجه إلا تنزيل الدية على المقر، ووجهه أن التحمل ينزل منزلة ما لو كانت المرأة في حِبالة الزوج وهو من أهل تحمل الفطرة، فيخرج في هذه الحالة اختلافٌ في أن الوجوب هل يلاقيها؟ وإذا كانت خليّة عن الأزواج، فعليها أن تُخرج الفطرة عن نفسها؛ إذ لا متحمِّل عنها، فإذا ثبت القتل بالإقرار وأنكر العواقل، كان ذلك مشبّهاً بحالة المرأة الخليّة عن الزوج.
هذا مساق كلام الأصحاب.
وإن افتقر العواقل ولم يكن في بيت المال مال هل نضرب عليه العقل؟ فلما لم ينقطع الترقب بفقدان [المتحمل] 2، ترددنا في الضرب على القاتل.
هذا مقتضى النقل، وما ذكرته احتمال لائح، وإشكالٌ قائم.
10774 - والذي يوضح ذلك أن الأصحاب قالوا: لو قتل الذمي إنساناً خطأ، ولم نجد له عاقلة خاصة، [فلا] 3 سبيل إلى ضرب العقل على بيت المال، فإن قيل: هلا ضربتموه، فإنه لو مات ولم يخلّف وارثاً خاصاً، فماله موضوع في بيت المال، فاضربوا العقل الذي يلزم [بالقتل] 4 الصادر منه خطأً على بيت المال، كما وضعتم مالُه في بيت المال؟ قلنا: مالُه ليس يؤخذ إرثاً، وإنما يؤخذ فيئاً، ويصرف إلى [أهل] 5 الفيء، كما يصرف إليه كل مال يُتلقى من الكفار من غير إيجاف خيل وركاب، والغرم من [جهة] 6 التحمل يتبع جهة الوراثة على طريق العصوبة، وهذا

المعنى [مفقود] 1 في الذمي؛ فإن جهة الإسلام [لا يرث بها إلا موتى الأشخاص] 2 المسلمين.
ثم إذا لم نضرب العقل اللازم بالقتل الصادر منهم خطأ على بيت المال [وأيسنا] 3 من تقدير ذلك، فالعقل [مأخوذٌ] 4 منه، لم يختلف الأصحاب فيه، وكذلك لو كان للذمي أقارب مسلمون، وقد صدر منهم قتل على سبيل الخطأ، فالدية مأخوذة [منهم] 5. 10775 - وإذا اتفق الأصحاب على ما ذكرناه، تبين منه أن العقل [لا يعطَّل] 6: أما القاتل، فإذا انحسم مسلك التحمل، فإن كان مأيوساً [منه] 7، فليس في المذهب تردد في أخذ الدية من القاتل، كما ذكرناه في الذمّي، وإن كان تعذر التحمل لفقدان المال في بيت المال، ففي هذا تردد متلقًّى من أنه لو حدث في بيت المال مال، فهل يُضرب عليه العقل أم لا؟ وإذا ثبت القتل بالإقرار، فهذا بين مسألة الذمي وبين [فقدان] 8 المال في بيت المال؛ من جهة أن العاقلة إذا [أنكروا وأصروا على ذلك] 9 مالَ جوابُ الأصحاب إلى أن القاتل المقر مطالَب بالدية، ثم ردّدوا الجواب في أن العاقل أصل في الغرم أو هو في حكم البدل، وقد ذكرنا ذلك.
ولما أمكن فرض الإقرار بعد الإنكار، تطرق إليه احتمالٌ من غير نقلٍ أشرت إليه في أن المقر يجوز ألا يطالب على قولنا لا يلاقيه

الوجوب، والمذهب ما نقلتُه لا الاحتمال الذي أبديته، فهذا سر الفصل أتينا به بادياً معلناً.
ثم مهما طالبنا القاتل بدية الخطأ، فهو مؤجل عليه على حسب تأجيله على العاقلة، غير أنه يؤاخذ بثلث الدية على الكمال في آخر كل سنة، والواحد من العاقلة لا يطالَب بأكثرَ من نصف دينار.
فصل قال: "وتحمل العاقلة كلَّ ما كثر أو قل ... إلى آخره" 1. 10776 - المذهب الصحيح الذي عليه التعويل؛ أن العاقلة تحمل أروش الأطراف، كما تحمل دياتِ النفوس، وحكى العراقيون قولاً غريباً أن العاقلة لا تحمل أروش الأطراف -كما لا تحمل [متلفات الأموال] 2 - أصلاً؛ فإن التحمل يختص بأبدال النفوس إذا هلكت، وكأن هذا القائل يجعل التحمل من خصائص أبدال النفوس [كالقسامة،] 3 ووجوب الكفارة، وقد يعتضد بأن ضرب العقل معدول عن القياس، وليس فيه إلا الاتباع، والشرع لم يرد إلا بتحمل أبدال النفوس، وهذا قول مهجور، لم يعرفه المراوزة، ولا أصل له، فلا نعود إليه.
10777 - وإذا تبين أن أروش الأطراف تحملها العاقلة، كما تحمل دياتِ النفوس، فالأصح أنهم يحملون ما يقلّ وما يكثر، [ولا يختص] 4 التحمل بمقدارٍ، هذا هو المنصوص عليه في الجديد.
ونَصَّ الشافعيُّ في القديم على أن العاقلة تحمل ثلث الدية الكاملة، فما فوقه، ولا تحمل ما دون الثلث، لأن ما دون الثلث قليل، وإذا بلغ الثلث، فهو على حد الكثرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم لسعد: "الثلث، والثلث كثير" والمذهب

الصحيح المنصوص عليه في الجديد أن العاقلة تحمل ما قلّ وما كثر [من] 1 مقدارٍ في طرف القلة والكثرة.
وعند أبي حنيفة 2 تتحمل العاقلة أروش الموضِحة [إلى] 3 الدية الكاملة فما فوقها، فأما ما دون الموضِحة، فلا تحمله العاقلة.
10778 - ثم من أصول الباب التعرض لبيان الآجال المرعية في ضرب أقدار الأروش على العاقلة، والنظر في أن الآجال هل تزيد بزيادة الأقدار، وهل تنقص بنقصانها، وفي [الطرق اختباط ظاهر] 4، ونحن نسوق المسلك البين في ذلك على وجهه، ثم نذكر ما نراه خارجاً عن القانون.
فنقول: دية الحر هي الدية الكاملة، وهي مضروبة على العاقلة في ثلاث سنين في آخر كل سنة ثلثُ الدية، على الترتيب الذي ذكرناه في الأغنياء والمتوسطين، [والضرب على الأقربين الأدنَيْن] 5، ثم الترقي منهم إلى ألا يبقى أحد من عصبات النسب، ثم الترقي إلى الموالي وعصباتهم، كما مضى، فإن فضل من الثلث شيء، ضربناه على بيت المال.
10779 - ثم اختلف أصحابنا، فقال قائلون: المرعي في ذلك أن يكون المضروب على العاقلة ديةَ نفس محترمة مضمونة معقولة، ولا نظر إلى لمقدار 6. ومن أصحابنا من عدّ الدية الكاملة المقدار المعتبرَ المرعيَّ.
ثم ينبني على هذا الاختلاف مسائلُ، وهي تنقسم: فمنها ما يتعلق بأبدال النفوس، ومنها ما يتعلق بأروش الأطراف، فأما ما يتعلق بأبدال النفوس، فدية المرأة

نصف دية الرجل، [فمن] 1 اعتبر في إثبات الأجل الأقصى كونَ المضروب على العاقلة بدل نفس، فهذا المعنى موجود في دية المرأة، فتُضرب عليهم في ثلاث سنين.
ومن اعتبر المقدار، حطَّ من الأجل لانحطاط المقدار، ثم قال: [مقدار ثلث الدية] 2 الكاملة مضروب على العاقلة في سنة، وهو ثلثا دية المرأة، فيبقى ثلث ديتها، وهو مقدار سدس دية الرجل الكامل، فنضرب ذلك في سنة أخرى.
[ومن] 3 الأصول المتفق عليها أن المقدار المضروب وإن قل في نفسه [فلا بد] 4 من تأجيله، ولا يتصور أن ينقص أجل في الضرب [على] 5 العاقلة عن سنة.
وما أجراه الأصحاب رضي الله عنهم في صور الخلاف -من اعتبار المقدار أو اعتبار بدل نفس محترمة- لا بد وأن يكون له مأخذ محقق؛ [فإن الأصول] 6 وعواقد مذهب الإمام تعتضد وتتأيد بأصل في الشرع لا يدافَع، وقد صح في حديث الجاريتين لما ضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، فأجْهَضَتْ وماتت، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم العقل على العاقلة، وروي مطلقاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالعقل على العاقلة في ثلاث سنين، [فقال الشافعي] 7 في بعض مجاري كلامه: لم تنقل مسألة واقعة قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب العقل على العاقلة إلا واقعة الجاريتين، فأمكن من ذلك أن نضرب عقل المرأة على العاقلة في ثلاث سنين، ثم إذا ثبت ذلك، اطرد منه أن بدل كل [نفسٍ] 8 مضروبٌ في ثلاث سنين.
ويمكن أن يقال: قول الراوي: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم" تأسيسُ

شرع منه، وليس تنفيذَ حكم في قضية للمسلمين، على أن الدية الكاملة مضروبة في ثلاث سنين، فينشأ من التردد في الأخبار اختلافٌ اتخذه الفقهاء رسماً مرجوعاً إليه في إجراء الخلاف والوفاق.
ثم إذا لاح ما ذكرناه نخرّج عليه أن دية المجوسية -وإن كانت أقل الديات- خارجة [على] 1 الخلاف: فمن راعى في تكميل الأجل ثلاثَ سنين النفسَ المحترمةَ ضرب هذه [الدية] 2 في ثلاث سنين في آخر كل سنة ثلثها.
ومن اعتبر المقدار جعل [شَوْفَه] 3 الديةَ الكاملة، وضرب هذه الدية في سنة، فلا أقل من سنة، وإن قل قدرُ المحمول، ويطّرد الخلاف الذي ذكرناه في غرة الجنين، فإنها بدل نفس، فلا [نُحلُّها] 4 في الترتيب الذي نُجريه محل أرش الطرف وفاقاً.
10780 - ومما نرى إلحاقه بهذا المنتهى [شيئاًن] 5: أحدهما - أن جماعة لو اشتركوا في قتل نفس، فقتلوه خطأ أو على شبه العمد، وكانت حصة كلِّ مشارك أقلَّ من ثلث الدية، فكيف السبيل؟ ظاهر المذهب أن حصة كل واحد مضروبة على عاقلته في ثلاث سنين في آخر كل سنة ثلث [قيمتها] 6، وذلك، أنهم بمثابة القاتل الواحد، فنجعل جميعَهم في حكم القاتل الواحد، ونجعل عواقلهم كعواقل شخص واحد، ولو كان كذلك، لكنا نقضي بثلث الدية في آخر كل سنة على جميعهم، فليكن الأمر كذلك فيما نحن فيه.
وذكر أئمة الخلاف وجهاً آخر أنا نعتبر في حق كل شريك ما يلزم، فإن كان ثلثاً أو أقل من الثلث، ضربناه على عاقلته في سنة، وهذا يتضمن [استقضاء] 7 الدية واستيفاءها من العواقل في سنة واحدة، وغالب ظني أني سمعت شيخي يذكر هذا

الوجه، وقياسُه ليس بعيداً إذا قلنا: الاعتبار بالمقدار، وكل شخص متميز [عن] 1 مشاركيه، وعاقلته متميزون عن عواقل أصحابه، والأصحُّ ما صح نقله عن أئمة المذهب.
هذا آخر ما أردنا أن نذكره.
10781 - الثاني - أن رجلاً لو قتل نفوساً، فكيف السبيل في تأجيل دياتهم على عاقلته؟ قال الأئمة: إن قلنا: الاعتبار بالمقدار، فقد [زاد] 2 الملتَزم على الدية الكاملة، فإذا كان [قَتَل] 3 ثلاثةَ أنفس، فالملتزم [مضروب] 4 على العاقلة في [تسع] 5 سنين على ما نبين تفريعَه.
وإن قلنا: الاعتبار بالنفس، [فلو] 6 قتل نفساً واحدة، لكان الملتزم مضروباً على العاقلة في ثلاث سنين؛ فإذا قتل نفوساً، فعلى هذا الوجه وجهان: أحدهما - وهو الأفقه أنا نضرب جميع الديات على عاقلته في ثلاث سنين، فإن كل [نفس] 7 متميزة عن غيرها، وبدل كل نفسٍ متأجل بثلاث سنين، وهذا بمثابة ديون مجموعةٍ على شخص، فإذا انقضى كلّ الأجل [تصرّم] 8 بانقضائه آجال [كل] 9 الديون، وهذا ما لا ينساغ في مسلك الفقه غيره.
ومن أصحابنا من قال: إذا كانت دية نفس في ثلاث سنين، فدية [ثلاث] 10 نفوس في تسع سنين.

وهذا رديء، لا اتجاه له.
والذي أوثره الترتيبَ على هذا، فأقول: إن قلنا: الاعتبار بالنفس، فالنفوس [الثلاث في] 1 ثلاث سنين من غير التفات إلى المقدار، وإن قلنا: الاعتبار بالمقدار ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نزيد على ثلاث سنين في قدر الديات على الاعتبار بالمقدار، والثاني - أن كل نفس متميزة عن غيرها، فلا وجه لضم البعض إلى البعض [وتكثير] 2 المقدار بها؛ فإن كل نفس متميزة عن غيرها، وليس هذا كما سنذكره في قطع اليدين والرجلين؛ فإن الأروش متعلقة بشخص واحد، وزادت مقاديرها، [فنفصل] 3 المذهب فيها، وهو بين أيدينا.
10782 - ولو قتل رجلٌ امرأتين، فالذي يقتضيه الترتيب الذي أجريته أنّا إن اعتبرنا النفس، فالديتان في ثلاث سنين كدية المرأة الواحدة، وإن اعتبرنا المقدار، فوجهان: أحدهما - أنا نضرب الديتين في سنتين، فإن مقدار كل دية نصف الدية الكاملة، ولا نضم دية إلى دية.
والوجه الثاني - أنا نضم دية إلى دية في المقدار، ونضربها في ثلاث سنين؛ فإن دية امرأتين كدية رجل.
ومن سلك الطريقة الأولى قال: إن قلنا: باعتبار المقدار، فالدية في ثلاث سنين، وإن قلنا باعتبار النفس، فوجهان: أحدهما - أنهما في ثلاث سنين.
والثاني - أنهما في ست سنين.
ولا يخفى على كل من اعتلق طرفاً من الفقه سقوط هذا الترتيب.
وهذا يوضح وجوب الجريان على ما ذكرته.
ثم إذا قتل ثلاثة رجال كوامل، وفرعنا على الأصح، وهو أن الديات مضروبة على العاقلة في ثلاث سنين، فعلى العاقلة في آخر كل سنة الثلث من دية كل نفس، فيجتمع عليهم في منقرض كل سنة مقدار دية كاملة من النفوس الثلاث.

وإن قلنا: إنها مضروبة عليهم في تسع سنين، فنضرب على العاقلة عند انقضاء كل سنة التُسع من كل دية، فيجتمع الثلثُ وهو ثلاثة أتساع ثلاث ديات.
10783 - ومما لا يضر التنبيه له أنه لو قتل جماعةً في حالة واحدة مثلاً، فالأمر على ما وصفناه، فإن قتلهم على ترتيب في ثلاثة أيام مثلاً، فإن أقررنا كلَّ نفسٍ بحكمها، فدية كل نفس مضروبة على العاقلة في ثلاث سنين.
وابتداء الأجل في كل ديةٍ من وقت اتفاق القتل.
والجملةُ المُغنية أن كل نفس تعتبر على حالها، وإن قلنا: إذا قتل النفوس زادت آجال الديات على ثلاث سنين؛ فإن تفاوتت تواريخ القتل، فقَتَلَ ثلاثَ أنفس في ثلاثة أيام، كما صورنا، فإذا انقضت سنة من القتل الأول، التزم العاقلةُ من ديته ما يلتزمونه من تلك الدية، لو وقع القتل في النفوس معاً، ثم إذا تم الحول بمضيّ يومٍ آخر، التزموا من الدية الثانية مثلَ ذلك، فإذا مضى يوم آخر، التزموا من الدية الثالثة ما التزموه من الأولى، وهكذا إلى انقضاء الأجل [الثالث] 1. 10784 - ولو قتل عبداً خطأ، فقد اختلف القول في أن العاقلة هل تحمل قيمة العبد؛ أحد القولين - أنها تحملها وهو الأقيس؛ لأن نفس العبد بمثابة نفس الحر في القصاص والكفارة، فلتكن بمثابة نفس الحر في كون بدلها معقولاً.
والقول الثاني - أن العاقلة لا تحمل قيمة العبد؛ فإنها بدلُ مال، وهذا يقرب مأخذه من إيجابنا في أطراف العبد ما ينقص من قيمته، وقد روى الفقهاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحمل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا اعترافاً" 2 وغالب

ظني أن الصحيح الذي أورده أئمة الحديث: "لا تحمل العاقلة عمداً ولا اعترافاً" فلو صح النقل في العبد عسُر التأويل.
فإذا قلنا: قيمة العبد غيرُ معقولة، فهي مضروبة في مال القاتل عاجلاً تامّاً لا ننحو بها نحو الديات، بل نسلك بها مسلكَ قِيمِ البهائم إذا أتلفها المتلف.
وإذا قلنا: معقولة، فإن كانت على قدر الدية الكاملة، فلا شك أنها مضروبة عليهم في ثلاث سنين، على اعتبار المقدار والنفس، وإن كانت القيمةُ أكثرَ من دية الحر [فإن نظرنا إلى النفس، اعتبرنا] 1 ضرب القيمة على العاقلة في ثلاث سنين من غير مزيد، فإن النفس متحدة، ولئن كان في هذا إجحاف، فيعارضه أن المجوسية 2 مضروبة عليهم في ثلاث سنين.
ومما يتمسك به هذا القائل أنا لا ننقص الأجل قط عن سنة، وإن قلّ قدر الأرش، اتباعاً للتوقيف، فينبغي أن لا يزيد على ثلاث سنين؛ ليعتدل القول في الطرفين، ويتسق الاعتبار في الأدنى والأكثر.
وإن قلنا: الاعتبار بالمقدار، فقد قال هؤلاء: نزيد على ثلاث سنين، حتى إن كانت قيمة العبد ديتين كاملتين، ضربناها في ست سنين، وهكذا على هذا القياس: نزيد في [الأجل] 3 إذا زاد المقدار.
وإن زادت القيمة على الدية الكاملة بمقدارٍ يسير، فذلك الزائد مضروب في سنة كاملة؛ لما ذكرناه من وفاق الأصحاب على أنا لا [نضرب شيئاًً في شقص من السنة قط، ويمكن أن يقال: سببه أن مكاسب الإنسان تسير إلى الأثمان في كل سنة] 4،

فاعتبرت هذه المدة في التحمل عن القتل حتى نقدّر امتدادَ يد العاقلة إلى ما يواسون به، [وذلك] 1 لا يختلف بقلة المحمول.
وقد نجز الكلام في النفوس وأبدالها.
10785 - ونحن الآن نستفتح القول في أروش الأطراف، ونقول: أولاً هي معقولة محمولة، فإن انحطت عن النفوس [بانتفاء] 2 الكفارة عنها، وعدم جريان القسامة فيها، [فهي] 3 في معاني النفوس في [الاحتياج] 4 إلى المواساة، والجِراحُ دون النفس [يكثر بكثرتها] 5 العقلُ، هذا هو المذهب الذي عليه التعويل، وحكى العراقيون قولاً عن القديم أن العاقلة لا تحمل أروش الأطراف أصلاً، وهذا إن كان يتأتى تكلُّفُ توجيهه، فليس معتداً به.
ثم إذا تبين أن الأروش مضروبة على العاقلة، [فلا] 6 فرق بين ما يقل وما يكثر، والمقدارِ [النزر والكثير] 7 هذا مذهبنا.
وقال مالك 8 رضي الله عنه: لا تحمل العاقلة من الأروش ما يبلغ ثلث الدية الكاملة، فإن زادت حملوا حينئذ، وعُزي إلى الشافعي قول في القديم مثلُ مذهب = ولعل من المناسب أن نأتي هنا بعبارة الرافعي في المسألة نفسها، فقد قال: "تضرب دية اليهودي والنصراني في سنة، فإنها قدر الثلث، ودية المجوسي، وغرة الجنين كذلك، وإن كانتا أقلَّ من الثلث، لأن السنة لا تتبعض، وكأن المعنى فيه أن الزروع والثمار، وسائر الفوائد تتكرر كل سنة، فاعتبر مضيها، ليجتمع عندهم ما ينتظرونه ويواسون عن بسطٍ وتمكن".
(ر.
الشرح الكبير: 10/ 488).

مالك، وهذا بعيد غير معتد به، وقد كررت مراراً أن القول القديم لا يحل عدّه من مذهب الشافعي، مع رجوعه عنه.
ثم التفريع عليه أن مقدار الثلث المحمول على الجاني لا يُحمل منه شيء، فإن زاد الأرش على هذا المقدار، فالكامل محمول على العاقلة، وكان يليق بالقياس أن يقال: قدر الثلث أبداً على الجاني، والزائد عليه معقول محمول؛ وهذا يخالف وضعَ الشافعي في الجديد، فإنه لم ير ضربَ شيء على الجاني لما رأى ضرب ما قل وما كثر على العاقلة، فلا تعويل على هذين القولين الغريبين: أولهما - أن الأروش لا تضرب على العاقلة، والثاني - أن مقدار الثلث لا يضرب على العاقلة.
ومن لم يضرب أروش الأطراف على العاقلة فما عندي أنه [يخالف] 1 [في إثباتها] 2 معجّلةً، كقيم المتلفات، فلا ينبغي أن نفرع على الأصول الضعيفة.
10786 - وقد عدنا إلى [المسير] 3، فأول ما نذكره أن من قطع يدي رجل مسلم حر، فموجب اليدين دية كاملة، فالذي رأيت لمعظم الأئمة القطعُ بأنها مضروبة على العواقل في ثلاث سنين قولاً [واحداً] 4؛ فإنا إن اعتبرنا المقدار، فالواجب بالغٌ مقدار دية كاملة، وإن اعتبرنا كونه بدل نفس -والأرش ليس بدل نفس، ولكنه مشبه به قدراً وكيفية [وجنساً] 5 - فلما أثبتنا في اليدين دية النفس، وجب أن يثبت لها جميع أحكام الدية، وهذا هو الذي لا يستقيم في مساق الفقه غيره.
وذكر شيخي أبو محمد وجهاً عن بعض الأصحاب أنا لو اعتبرنا كون الواجب بدل نفس، فنضرب الأروش -وإن بلغ ديةً، أو زاد- على العاقلة في سنة واحدة، وهذا

وإن تكرر سماعي [له] 1 [منه] 2، فلست أرى الاعتداد به.
ولو قطع يد مسلم كامل؛ والتزم نصف الدية، فإن اعتبرنا المقدار، فالأرش مضروب على العاقلة في سنتين: نضرب مقدار ثلث الدية في آخر السنة الأولى ونضرب السدس الباقي في آخر السنة الثانية، وليس الواجب بدل [نفس] 3، فنخرّجَ وجهاً آخر أنه مضروب في ثلاث سنين 4. ولو قتل امرأة، فديتها مضروبة في ثلاث سنين على أحد الوجهين، إذا اعتبرنا النفس ولم نعتبر المقدار.
ولو قطع يدي امرأة، فالأرش مضروب في ثلاث سنين، [على] 5 هذا الوجه الذي نفرع عليه، فإن الواجب في يدي المرأة ديتها.
ولو قطع رجل [يدَ] 6 المرأة، فأرشها مضروب في سنة واحدة، بلا خلاف، فإن أرش الطرف إذا انحط عن مبلغ دية المجني عليه، فليس إلا اعتبار المقدار، [فهذا] 7 ما يجب الإحاطة به.
10787 - ولو قطع يدي رجل كاملٍ ورجليه، فمن اعتبر [المقدار، ضرب الأروش] 8 في ست سنين، ومن اعتبر حرمة النفس أجرى وجهين: أحدهما - أن الأرش وإن زاد على بدل النفس، فهو مضروب في ثلاث سنين؛ لأن الأطراف وإن كثرت أروشها لا [تزيد] 9 حرمتها على حرمة النفس.
والوجه الثاني - أنا نضرب

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل